حُكم على زوجها بالسجن المؤبَّد فهل من حقها طلب الطلاق أو التفريق؟
السؤال
حُكم على زوجي بالسجن مدى الحياة، وفرص خروجه منه ضئيلة جدًّا، وقد مضى على دخوله خمس سنوات، وقد سُجن بعد زواجنا بسنة واحدة فقط، وها أنذا قد رُزقت منه بمولودة، إنني ما زلت صغيرة في العمر وأشعر بالقلق والاضطراب لكوني وحيدة دون زوج إلى أجل غير مسمى، إنني أراعي مشاعره ولا أريد أن أجرحها لأنه رجل مسلم، ولكن بالمقابل أنا بشر وأشعر بما يشعر به البشر بل أنني في بعض الأحيان أقع في بعض المعاصي بسبب الوحدة والغريزة، فما هي نصيحة العلماء لي؟ هل يجوز لي أن أطلب منه الطلاق؟ أم أن أجري عند الله أكبر إن أنا صبرت؟ وهل يجوز لي أن أهاجر إلى بلد الإسلام بمفردي؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
ذهب جمهور العلماء إلى عدم جواز التفريق بين الزوج المحبوس وزوجته، وخالف في ذلك المالكية.
* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 29 / 66، 67 ):
إذا حبس الزوج مدة عن زوجته، فهل لزوجته طلب التفريق كالغائب؟.
الجمهور: على عدم جواز التفريق على المحبوس مطلقًا مهما طالت مدة حبسه، وسواء أكان سبب حبسه أو مكانه معروفين أم لا.
أما عند الحنفية والشافعية: فلأنه غائب معلوم الحياة، وهم لا يقولون بالتفريق عليه، وأما عند الحنابلة: فلأن غيابه لعذر.
وذهب المالكية إلى جواز التفريق على المحبوس إذا طلبت زوجته ذلك وادعت الضرر، وذلك بعد سنة من حبسه، لأن الحبس غياب، وهم يقولون بالتفريق للغيبة مع عدم العذر، كما يقولون بها مع العذر على سواء. انتهى.
والذي نقطع به ونراه راجحًا هو قول المالكية، وقد اجتمع في سجن زوجك أشياء تدعو إلى القول بالتفريق:
- طول مدة الحبس.
- انقطاع النفقة.
- خشية الضرر عليك ونعني به الوقوع في الزنى.
وقد اتفق الحنابلة مع المالكية في أن غياب الزوجة مع قطعة النفقة عن زوجته، وتضررها بغيابه: كلاهما من الأسباب التي تجيز التفريق بين الزوجة وزوجها الغائب عنها.
* وفي ” الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني ” ( 3 / 1026 ):
قال الأجهوري في ” شرح خليل “: وإذا جاز لها التطليق بعدم النفقة : فإنه يجوز لها إذا خشيت على نفسها الزنا بالأولى؛ لشدة ضرر ترك الوطء الناشئ عنه الزنا. انتهى.
فكل تلك الأحوال تدعو لترجيح مذهب المالكية بالتفريق بين الزوج السجين والذي تتضرر زوجته بغيابه، والضرر الحاصل على الزوجة بغياب زوجها من انقطاع النفقة وانقطاع الوطء لا يُنكر، ويشتد الضرر في حال كانت الزوجة وحيدة ليس لها أهل، وهذا القول رجَّحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، حيث قال:
وحصول الضرر للزوجة بترك الوطء مقتض للفسخ بكل حال، سواء كان بقصد من الزوج أو بغير قصد، ولو مع قدرته أو عجزه، كالنفقة، وأولى من الفسخ بتعذره في الإيلاء إجماعًا.
وعلى هذا: فالقول في امرأة الأسير والمحبوس ونحوهما ممن تعذر انتفاع امرأته به إذا طلبت فُرقته: كالقول في امرأة المفقود، كما قاله أبو محمد المقدسي. ” الفتاوى الكبرى ” ( 5 / 481 ، 482 ).
يعني: كما أن امرأة المفقود تتضرر بفقدان زوجها ولها حق طلب الفُرقة: فكذلك الأسير والمسجون والذي يُعلم طول غيابه بسجنه، فهو أشبه بالمفقود.
ثانيًا:
والذي ننصحك به طلب الطلاق، ونرى أن الصبر عن الشهوة في هذا الزمان لا يحتمله الناس، لا الرجال ولا النساء، فلا ننصح به لمن يملك قضاء شهوته بالزواج الحلال، فنرى أن تصارحي زوجك بالحال التي أنت عليها من حاجتك لمُعيل، وخوفك على نفسك من نظرة الناس، وطمعهم فيك، وحاجة ابنتك لرعاية وعناية، وعلى زوجك أن يطلِّقكِ بإرادته، وهذا الذي ينبغي له فعله إن بذل كل الأسباب لخروجه من السجن ولم ينجح.
فإن لم يفعل وأصرَّ على عدم تطليقك: فارفعي أمرك للقضاء الشرعي أو من يقوم مقامه، ولا يجوز أن تعدِّي نفسك طالقة وحدك، ولا أن يطلقك آحاد الناس، بل هو القاضي الشرعي أو من يقوم مقامه كمفتي البلدة أو شيخ المركز الإسلامي عندكم.
* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 29 / 64 ):
اتفق الفقهاء القائلون بالتفريق للغيبة على أنه لا بد فيها من قضاء القاضي؛ لأنها فصل مجتهد فيه، فلا تنفذ بغير قضاء. انتهى.
* قال الشيخ عمر الأشقر – حفظه الله -:
إذا زال سلطان المسلمين، أو كانت المرأة في موضع ليس فيه للمسلمين سلطان ولا ولي لها مطلقا، كالمسلمين في أمريكا وغيرها: فإن كان يوجد في تلك البلاد مؤسسات إسلامية تقوم على رعاية شؤون المسلمين: فإنها تقوم بتزويجها، وكذلك إن وجد للمسلمين أمير مطاع أو مسؤول يرعى شؤونهم.
” الواضح في شرح قانون الأحوال الشخصية الأردني ” ( ص 70 ).
ثالثًا:
وهل تقع الفُرقة طلاقًا أم فسخًا؟ الأقرب أنها فسخ؛ لأنها من جهة الزوجة، وهذا مذهب الحنابلة، والعدة: حيضة واحدة.
وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 29 / 64 ):
ونص الحنابلة على أن الفرقة للغيبة فسخ، ونص المالكية على أنها طلاق، وهل هي طلاق بائن؟ لم نر من المالكية من صرح في ذلك بشيء، إلا أن إطلاقاتهم تفيد أنها طلاق بائن. انتهى.
واحتساب التفريق بين الزوجين عن طريق القاضي – أو من يقوم مقامه -فسخًا هو الأليق في الشرع للزوجين؛ حيث لا يتم احتساب طلقة عليه، فقد تكون هذه آخر طلقة له، فلو حُسبت وقدَّر الله له الخروج فإنه لا يتمكن من الرجوع لزوجته إلا أن تنكح زوجاً آخر زواج رغبة ثم يفارقها فراق رغبة.
والله أعلم.


