تزوجها بدون ولي ولا شهود ثم طلقها، فهل يعيد النكاح؟
السؤال
أعيش في بلد أجنبي وتزوجت فتاة نصرانية أجنبية عن هذا البلد أيضًا وليس لنا أي أقارب فتقدمت لها فقبلتني ثم ثم تلونا صيغة الإيجاب والقبول ونسيت المهر ثم دفعت لها مبلغًا وليس لها وصي فهي بالغة ومستقلة ولم يكن هناك شهود.
- هل هذا زواج صحيح. فقد تزوجنا بغض النظر عن تقاليد المجتمع فقد كان هدفنا الله ورضاه.
- ولخشية أن لا يكون زواجنا صحيحَا فقد طلق بعضنا بعضًا فهل هذا صحيح.
- هل يجب أن أجري عقد الزواج مرة ثانية أمام شهود وأي ولي لها؟
الجواب
الحمد لله
أولًا: لا يحل لرجل أن يتزوج امرأة من غير إذن وليها بكراً كانت أم ثيبًا وذلك قول جمهور العلماء منهم الشافعي ومالك وأحمد مستدلين بأدلة منها:
- قوله تعالى { فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن } [ البقرة / 232 ].
- وقوله تعالى { ولا تُنكحوا المشركين حتى يؤمنوا } [ البقرة / 221 ].
- وقوله تعالى { وأنكحوا الأيامى منكم } [ النور / 32 ].
ووجه الدلالة من الآيات واضح في اشتراط الولي في النكاح حيث خاطبه الله تعالى بعقد نكاح موليته، ولو كان الأمر لها دونه لما احتيج لخطابه وخاصة في الآية الأولى كما سيأتي.
ومن فقه الإمام البخاري رحمه الله أنه بوَّب على هذه الآيات قوله ” باب من قال ” لا نكاح إلا بولي “.
- عن أبي موسى قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” لا نكاح إلا بولي “.
رواه الترمذي ( 1101 ) وأبو داود ( 2085 ) وابن ماجه ( 1881 ).
والحديث: صححه الشيخ الألباني رحمه الله في ” صحيح الترمذي ” ( 1 / 318 ).
- عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر لما استحل من فرجها، فإن لم يكن لها ولي فالسلطان ولي من لا ولي له. رواه الترمذي ( 1102 ) وأبو داود ( 2083 ) وابن ماجه ( 1879 ).
والحديث: حسَّنه الترمذي وصححه ابن حبان ( 9 / 384 ) والحاكم ( 2 / 183 ).
ثانيًا: فإن منعها وليها من الزواج ممن تريد بغير عذر شرعي انتقلت الولاية إلى الذي يليه فتنتقل من الأب إلى الجد مثلًا.
ثالثًا: فإن منعها الأولياء كلهم بغير عذر شرعي فإن السلطان يكون وليها لحديث ” أيما امرأة نكحت … فإن لم يكن لها ولي فالسلطان ولي من لا ولي له “.
ولحديث معقل بن يسار قال: كانت لي أخت تخطب إليّ، فخطبها ابن عم لي فأنكحتها إياه ثم طلقها طلاقًا لا رجعه ثم تركها حتى انقضت عدتها فلما خطبت إليّ أتاني يخطبها فقلت: لا والله لا أنكحكها أبدًا قال: ففيّ نزلت هذه الآية: { وإذا طلقتم النساء فبلغن اجلهنّ فلا تعضلوهنّ أن ينكحن أزواجهن } [ سورة البقرة /232 ].
رواه البخاري ( 4255 ).
رابعًا: فإن عدم الولي والسلطان فيصير أمرها إلى الوالي أو من يقوم مقامه فإن عدم فإلى المحاكم الشرعية فإن عدمت فإلى رجل رئيس في قومه عدل في دينه، فإن عدم فأي رجل ثقة عدل يصلح أن يكون وليًا.
قال ابن قدامة: فإن لم يوجد للمرأة ولي ولا سلطان فعن أحمد ما يدل على أن يزوجها رجل عدل بإذنها. ” المغني ” ( 7 / 352 ).
وقال الشيخ عمر الأشقر:
إذا زال سلطان المسلمين أو كانت المرأة في موضع ليس فيه للمسلمين سلطان ولا ولي لها مطلقا كالمسلمين في أمريكا وغيرها فإن كان يوجد في تلك البلاد مؤسسات إسلامية تقوم على رعاية شؤون المسلمين فإنها تقوم بتزويجها، وكذلك إن وجد للمسلمين أمير مطاع أو مسؤول يرعى شؤونهم.
” الواضح في شرح قانون الأحوال الشخصية الأردني ” ( ص 70 ).
ولذا كان زواجكما الأول باطلًاـ نسأل الله أن يغفر لكما بعد التوبة الصادقة وعليك أن تعيد العقد كما أخبرناك سالفًا بالبحث عن ولي من المسلمين مع إشهاد رجلين مسلمين بالغين عاقلين.
خامسًا:
ومن باب الفائدة: فإن عدم تسمية المهر لا يؤثر في صحة عقد النكاح، فقد دل الكتاب والسنة والإجماع على جواز عقد النكاح بدون تقدير مهر، وأما الاتفاق على إلغائه: فلا يجوز وهو من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، وفي بطلان النكاح في هذه الحال قولان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
{ يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين } الآية، فأحل سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم من النساء أجناسًا أربعة، ولم يجعل خالصًا له من دون المؤمنين إلا الموهوبة التي تهب نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فجعل هذه من خصائصه، له أن يتزوج الموهوبة بلا مهر، وليس هذا لغيره باتفاق المسلمين، بل ليس لغيره أن يستحل بضع امرأة إلا مع وجوب مهر كما قال تعالى { وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين }، واتفق العلماء على أن من تزوج امرأة ولم يقدِّر لها مهرًا: صح النكاح، ووجب لها المهر إذا دخل بها، وإن طلَّقها قبل الدخول: فليس لها مهر بل لها المتعة بنص القرآن.
وإن مات عنها: ففيها قولان، وهي مسألة بروع بنت واشق التي استفتي عنها ابن مسعود شهرًا ثم قال: ” أقول فيها برأيي فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطئًا فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه، لها مهر نسائها لا وكس ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث ” فقام رجال من أشجع فقالوا: نشهد إن رسول الله قضي في بروع بنت واشق بمثل ما قضيتَ به في هذه، قال علقمة: فما رأيت عبد الله فرح بشيء كفرحه بذلك.
وهذا الذي أجاب به ابنُ مسعود هو قول فقهاء الكوفة كأبي حنيفة وغيره وفقهاء الحديث كأحمد وغيره وهو أحد قولي الشافعي، والقول الآخر له – وهو مذهب مالك – أنه لا مهر لها، وهو مروي عن علي وزيد وغيرهما من الصحابة.
وتنازعوا في النكاح إذا شرط فيه نفي المهر هل يصح النكاح، على قولين في مذهب أحمد وغيره أحدهما: يبطل النكاح، كقول مالك، والثاني: يصح، ويجب مهر المثل، كقول أبي حنيفة والشافعي، والأولون يقولون: هو نكاح الشغار الذي أبطله النبي صلى الله عليه وسلم لأنه نفى فيه المهر وجعل البضع مهرًا للبضع، وهذا تعليل أحمد بن حنبل في غير موضع من كلامه، وهذا تعليل أكثر قدماء أصحابه، والآخرون منهم من يصحح نكاح الشغار كأبي حنيفة، وقوله أقيس على هذا الأصل، لكنه مخالف للنص وآثار الصحابة فإنهم أبطلوا نكاح الشغار، ومنهم من يبطله ويعلل البطلان إما بدعوى التشريك في البضع، وإما بغير ذلك من العلل كما يفعله أصحاب الشافعي ومن وافقهم من أصحاب أحمد كالقاضي أبي يعلى وأتباعه والقول الأول أشبه بالنص والقياس الصحيح كما قد بسط في موضعه. ” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 62 – 64 ).
والله أعلم.


