عنده تشويش في قضية المهدي!.
السؤال
كمسلم سني أجد صعوبة في فهم التاريخ الإسلامي فبعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام إذا صدقنا أن المهدي هو الإمام 12 فأين ذهب الأحد عشر إمامًا الآخرين ولماذا يصر الشيعة على أنه موجود في الأرض وهل نؤمن نحن أن الله سوف يبعثه من السماء ليقيم العدل في الأرض؟
الجواب
الحمد لله
- أقوال الناس في المهدي:
قال ابن القيم:
وقد اختلف الناس في المهدي على أربعة أقوال:
أحدها: أنه المسيح بن مريم وهو المهدي على الحقيقة.
واحتج أصحاب هذا القول بحديث محمد بن خالد الجندي المتقدم – أي: ” لا مهدي إلا عيسى بن مريم ” -.
وقد بينا حاله، وأنه لا يصح ولو صح لم يكن فيه حجة لأن عيسى أعظم مهدي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الساعة …
القول الثاني: أنه المهدي الذي ولي من بني العباس وقد انتهى زمانه – ( وساق دليلين لهم ) -.
وهذا والذي قبله لو صح لم يكن فيه دليل على أن المهدي الذي تولى من بني العباس هو المهدي الذي يخرج في آخر الزمان بل هو مهدي من جملة المهديين.
وعمر بن عبد العزيز كان مهديا بل هو أولى باسم المهدي منه.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي “.
وقد ذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه وغيره: إلى أن عمر بن عبد العزيز منهم، ولا ريب أنه كان راشدًا مهديًّا، ولكن ليس بالمهدي الذي يخرج في آخر الزمان، فالمهدي في جانب الخير والرشد: كالدجال في جانب الشر والضلال، وكما أن بين يدي الدجال الأكبر صاحب الخوارق دجالين كذابين: فكذلك بين يدي المهدي الأكبر مهديون راشدون.
القول الثالث: أنه رجل من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم من ولد الحسن بن علي يخرج في آخر الزمان وقد امتلأت الأرض جورًا وظلمًا فيملأها قسطًا وعدلًا.
وأكثر الأحاديث على هذا تدل.
وفي كونه من ولد الحسن سر لطيف وهو: أن الحسن رضي الله تعالى عنه ترك الخلافة لله فجعل الله من ولده من يقوم بالخلافة الحق المتضمن للعدل الذي يملأ الأرض وهذه سنة الله في عباده أنه من ترك لأجله شيئا أعطاه الله أو أعطى ذريته أفضل منه وهذا بخلاف الحسين رضي الله عنه فإنه حرص عليها وقاتل عليها فلم يظفر بها والله أعلم.
وقد روى أبو نعيم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” يخرج رجل من أهل بيتي يعمل بسنتي وينزل الله له البركة من السماء وتخرج له الأرض بركتها ويملأ الأرض عدلًا كما ملئت ظلمًا ويعمل على هذه الأمة سبع سنين وينزل بيت المقدس “، وروى أيضًا من حديث أبي أمامة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الدجال وقال: فتنفي المدينة الخبث كما ينفي الكير خبث الحديد ويدعى ذلك اليوم يوم الخلاص فقالت أم شريك فأين العرب يا رسول الله يومئذ فقال هم يومئذ قليل وجلهم ببيت المقدس وإمامهم المهدي رجل صالح “، وروى أيضا من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” لن تهلك أمة أنا في أولها وعيسى ابن مريم في آخرها والمهدي في وسطها”.
وهذه الأحاديث: وإن كان في إسنادها بعض الضعف والغرابة فهي مما يقوي بعضها بعضا ويشد بعضها ببعض.
فهذه أقوال أهل السنة.
وأما الرافضة الإمامية فلهم قول رابع وهو: أن المهدي هو محمد بن الحسن العسكري المنتظر من ولد الحسين بن علي لا من ولد الحسن الحاضر في الأمصار الغائب عن الأبصار الذي يورث العصا ويختم الفضا دخل سرداب سامراء طفلًا صغيرًا مِن أكثر من خمس مئة سنة – توفي ابن القيم عام 751 هـ – فلم تره بعد ذلك عين ولم يحس فيه بخبر ولا أثر.
وهم ينتظرونه كل يوم يقفون بالخيل على باب السرداب ويصيحون به أن يخرج إليهم أخرج يا مولانا اخرج يا مولانا، ثم يرجعون بالخيبة والحرمان فهذا دأبهم ودأبه.
ولقد أحسن من قال:
ما آن للسرداب أن يلد الذي كلمتموه بجهلكم ما آنا
فعلى عقولكم العفاء فإنكم ثلثتم العنقاء والغيلانا
ولقد أصبح هؤلاء عارًا على بني آدم وضحكة يسخر منها كل عاقل.
” المنار المنيف ” لابن القيم ( 148 – 153 ).
- الأحاديث الحسنة والصحيحة الواردة في المهدي:
أ. عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي “. رواه الترمذي ( 2230 ) وأبو داود ( 4282 ).
قال أبو عيسى الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح. وصححه الشيخ أحمد شاكر في ” تحقيق المسند ” ( ح 3573 ) ، والشيخ الألباني في ” صحيح الجامع ” ( ح 5180 ).
ب. عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” المهدي مني أجلى الجبهة أقنى الأنف يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا يملك سبع سنين. رواه أبو داود ( 4285 ).
والحديث: جوَّد إسنادَه ابن القيم في ” المنار المنيف ” ( ص 144 )، وحسَّنه الألباني في ” صحيح الجامع ” ( ح 6612 ).
ج. عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة “. رواه ابن ماجه ( 4085 ).
والحديث: صححه الشيخ أحمد شاكر في ” تحقيق المسند ” ( ح 645 )، والشيخ الألباني في ” صحيح الجامع ” ( ح 6611 ).
قال ابن كثير:
أي: يتوب عليه، ويوفقه، ويلهمه، ويرشده بعد أن لم يكن كذلك.
” النهاية في الفتن والملاحم ” ( 1 / 29 ).
فالمهدي – إذن – يخرج من الأرض ومن أب وأم لا من السماء – كما في السؤال -، فليعلم هذا.
- أقوال العلماء في المهدي:
- قال ابن كثير:
قال الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” لا يزال أمر الناس ماضيًا ما وليهم اثنا عشر رجلًا ” – ثم تكلم النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة خفيت عني – فسألت أبي ماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قال: ” كلهم من قريش “، ورواه البخاري من حديث شعبة عن عبد الملك بن عمير به، وفي رواية لمسلم أنه قال ذلك عشية رجم ماعز ابن مالك وذكر معه أحاديث أخر.
وفي هذا الحديث: دلالة على أنه لابد من وجود اثني عشر خليفة عادل وليسوا هم بأئمة الشيعة الاثني عشر؛ فإن كثير من أولئك لم يكن لهم من الأمر شيء، فأما هؤلاء يكونون من قريش يلون فيعدلون وقد وقعت البشارة بهم في الكتب المتقدمة، ثم لا يشترط أن يكونوا متتابعين بل يكون وجودهم في الأمة متتابعًا ومتفرقًا، وقد وجد منهم أربعة على الولاء وهم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم، ثم كانت بعدهم فترة، ثم وجد منهم ما شاء الله، ثم قد يوجد منهم من بقي في الوقت الذي يعلمه الله تعالى، ومنهم المهدي الذي اسمه يطابق اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنيته كنيته يملأ الأرض عدلًا وقسطًا كما ملئت جورًا وظلمًا. ” تفسير ابن كثير ” ( 3 / 302 ).
- قال أبو الحسن الآبري:
قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى صلى الله عليه وسلم – يعني : في المهدي – وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، ويملأ الأرض عدلًا، وأنه يخرج عيسى بن مريم فيساعده على قتل الدجال بباب لد بأرض فلسطين، وأنه يؤم هذه الأمة وعيسى صلوات الله عليه يصلي خلفه.
انظر: ” تهذيب الكمال ” للمزي ( 25 / 149 ).
- وقال الشيخ صدِّيق حسن خان :
الأحاديث الواردة فيه – أي: المهدي – على اختلاف رواياتها كثيرة جدًّا، تبلغ حد التواتر المعنوي، وهي في السنن وغيرها من دواوين الإسلام من المعاجم والمسانيد. ” الإذاعة لما كان ويكون بين يدي الساعة ” ( ص 112 ).
- المهدي عند الشيعة الرافضة:
و من الحقائق الهامة التي يجب معرفتها، إن الإمام الثاني عشر لدى الشيعة وهو الغائب المنتظر شخصية موهومة لا حقيقة لها، نسب للحسن العسكري الذي مات عقيمًا، و صفى أخوه جعفر تركته على أنه لا ولد له، و لم يسجل له ولد في سجل العلويين الذي يسجل فيه المواليد ولا يَعرف العلويون للحسن العسكري أنه مات عن ولد ذكر، و لكن لما مات الحسن العسكري عقيمًا ووقفت سلسلة الإمامة عند أتباعهم الإمامية رأوا أن المذهب مات بموته و أصبحوا غير إماميين لأنهم لا إمام لهم، فاخترع لهم شيطان من شياطينهم يسمى: محمد بن نصير فكرة أن للحسن ولدًا مخبوءًا في سراديب بيت أبيه ليتمكن هو وزملاؤه من الاحتيال على عوام الشيعة وأغنيائهم بتحصيل الخمس منهم باسم إمام موجود واختـلف هو وزملاؤه بسبب تحديد الشخص الذي يكون البـاب على السرداب ( الغيبة الصغرى والكبرى ) إلى آخر هذه الأسطورة التي يريدون من جميع المسلمين الذين أنعم الله عليهم بنعمة العقل أن يصدقوها.
و الشيعة ينظرون إلى أنه ولد منذ القرن الثالث وأنه ما زال حيًا إلى الآن وأنه يظهر أحيانًا في صورة شبحية لبعض أتباعه كظهوره لابن المطهر الحلي ( وهو من علماء الشيعة الكبار ) و ظهوره في أكثر من مكان مرة في شيراز ومرة في غيره. أ.هـ
وقال سعيد إسماعيل:
وفيما يخص الإمام الثاني عشر الذي يعتقد علماء الشيعة بأنه لا يزال على قيد الحياة لمدة تقارب أحد عشر قرنًا فكثير من المؤرخين يؤكدون بأن إمام الشيعة الحادي عشر لم يعقب ولم يكن له نسل، وحتى الأحاديث التي رواها الترمذي وأبو داود ولم يروها أصحاب الصحاح عن المهدى وظهوره في آخر الزمان فإنها تقول بأن اسمه كاسم النبي (محمد)، واسم أبيه كاسم أبي النبي صلى الله عليه وسلم (عبد الله) بينما اسم الإمام الثاني عشر، محمد المهدى بن حسن، وتقول تلك الأحاديث أيضا إنه سيكون من عقب الحسن وليس من عقب الحسين، وليس هناك أي دليل بأن المهدى سيعيش حوالي اثني عشر قرنا.
” حقيقة الخلاف بين علماء الشيعة وجمهور علماء المسلمين ” ( ص 10 ).
– هذا وقد سبق الرد من كلام ابن القيم في النقطة الأولى.
وأخيرًا:
فهذا ما تيسر فيما يتعلق بالمهدي، وليعلم أن أهل السنَّة لا يعدُّون خلاف الرافضة – الشيعة – معهم شيئًا، فلا ينبغي لأحد أن يشتغل بترهاتهم وخرافاتهم، وليلزم ما عند أهل السنَّة.
والله أعلم.


