المواقف بالمصلحة… لا بالمبدأ
من المضحك المبكي أن ترى ما يُسمى بـ “القطيع الإيراني” يملأ الدنيا صخبًا وسخرية من صمت النظام السوري على قصف العدو الصهيوني لدمشق وحمص وحلب، ويزاودون بأن الحكومة الجديدة لم تطلق رصاصة واحدة في وجه الطائرات المعتدية! لكن السؤال السهل اليسير: هل يجرؤ هؤلاء على أن يوجّهوا الكلام ذاته إلى قطر؟ هل يستطيعون أن يقولوا: “يا قطر، لماذا لم تردي على قصف الاحتلال لأراضيك”؟ أم أن الريالات حين تُسكب على الطاولة تُخرس الحناجر وتُعقم الأقلام، فيصبح الصمت فجأة حكمة، والسكوت سياسة، والذل “مصلحة وطنية”؟
ولو أن الأمر وقف عند سورية لهان، لكن نفس القطيع يُشعل الأرض مطالبةً للسلطة الفلسطينية بأن تواجه جيش الاحتلال والمستوطنين بالسلاح!
كيف يُعقل أن تُحاسب سلطة محاصرة ضعيفة لا تملك سلاحًا ولا ظهرًا، بينما تُسكت لسانك عن دول غنية محمية بالتحالفات والقواعد العسكرية؟ كيف يُعقل أن تصير البطولة على الغلابى، والسكوت على الأقوياء؟ أليست هذه قمة الازدواجية؟
إن كان القوم صادقين في مواقفهم، فليكن نقدهم واحدًا للجميع: لسورية ولقطر، للسلطة ولغيرها.
أما أن يُصبّ الغضب على طرف ويُسكب المدح على آخر لمجرد تبدّل “المصلحة التنظيمية” أو “الولاء المالي”، فهذا ليس من الصدق ولا من المروءة. هذا هو النفاق الصريح الذي يُباع ويُشترى كما تُباع البضائع في السوق.
لقد آن الأوان أن يُسمّى الأشياء بأسمائها: من يهاجم دمشق ويُسكت عن الدوحة، ومن يجلد السلطة ويعفو عن قطر، ليس صاحب مبدأ بل صاحب مصلحة، وليس مصلحًا بل متاجرًا بالشعارات، الريالات عنده أقوى من المبادئ، والمصالح أرسخ من القيم، ولذلك كان نقده انتقائيًا، وسخريته مشروطة، وصمته مدفوع الثمن.
والمعيار الذي نقيس به الناس سهل ويسير: من كانت مواقفه ثابتة على الجميع احترمناه حتى لو خالفناه، أما من بدّل قناعاته حسب الجهة الممولة، فذاك عار يلاحقه في الدنيا قبل الآخرة.


وكتبه: إحسان العتيبي أبو طارق
١٧ ربيع الأول ١٤٤٧ هـ، ١٠/ ٩/ ٢٠٢٥

