حكم عهد الشفاعة والنجاة بين الناس يوم القيامة
السؤال
ما التوجيه الشرعي لما ورد في مقطع فيديو للشيخ أيمن سويد، والذي يعقد فيه “عهدا” مع المشاهدين والعلماء أن “الناجي يأخذ بيد أخيه يوم القيامة”، ويستدل بآية المبايعة؟
الجواب
لقد استمعت إلى المقطع الذي تفضلت بإرساله، وفي هذا المقطع يتحدث الدكتور أيمن سويد عن عادة له بأخذ “عهد” من العلماء والصالحين، بل وتجاوز ذلك ليعقده مع المشاهدين عبر الشاشات من المغرب إلى إندونيسيا، بأن (الناجي منا يأخذ بيد أخيه يوم القيامة).
وهذا الفعل محفوف بعدة مخالفات وملاحظات شرعية منهجية، أبرزها:
أَوَّلًا:
الشفاعة في عقيدة أهل السنة والجماعة ليست حَقًّا مُكْتَسَبًا يَهبُهُ النَّاسُ لِبَعْضِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَا عَهْدًا يُبْرَمُ بَيْنَ الْخَلَائِقِ، بَلْ هِيَ مِلْكٌ لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شريك له، قَالَ تَعَالَى: {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} الزمر/ ٤٤.
وَلَا تَقَعُ الشَّفَاعَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَبَدًا إِلَّا بِشَرْطَيْنِ عَظِيمَيْنِ، نَسَفَهُمَا هَذَا الْعَهْدُ الْمُبْتَدَعُ:
١. إِذْنُ اللهِ لِلشَّافِعِ أَنْ يَشْفَعَ، قَالَ تَعَالَى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} البقرة/ ٢٥٥، فَحَتَّى سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَأَكْرَمُ الْخَلْقِ عَلَى اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَشْفَعُ ابْتِدَاءً مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، بَلْ يَخِرُّ سَاجِدًا تَحْتَ الْعَرْشِ يَحْمَدُ اللهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ، حَتَّى يُقَالَ لَهُ: “يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ” رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
فَكَيْفَ يَجْرُؤُ أَحَدٌ دُونَهُ أَنْ يَقْطَعَ عَهْدًا بِمُبَادَرَتِهِ لِلشَّفَاعَةِ قَبْلَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ؟
٢. رِضَا اللهِ عَنِ الْمَشْفُوعِ لَهُ، قَالَ تَعَالَى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} الأنبياء/ ٢٨.
فَلَا يَكْفِي أَنْ تَكُونَ أَنْتَ نَاجِيًا لِتَأْخُذَ بِيَدِ أَخِيكَ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَرْضَى اللهُ عَنْ أَخِيكَ لِيَقْبَلَ شَفَاعَتَكَ فِيهِ.
وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ؛ فَإِنَّ تَعَاهُدَ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ النَّاجِي بِيَدِ أَخِيهِ، فِيهِ (تَأَلٍّ عَلَى اللهِ)، وَادِّعَاءٌ لِعِلْمِ الْغَيْبِ، وَتَزْكِيَةٌ لِلنَّفْسِ بِأَنَّهَا سَتَكُونُ مِنَ النَّاجِينَ، وَأَنَّهَا سَتَنَالُ إِذْنَ اللهِ بِالشَّفَاعَةِ لِمَنْ تُحِبُّ، وَهَذَا كُلُّهُ رَجْمٌ بِالْغَيْبِ وَمُخَالَفَةٌ صَرِيحَةٌ لِأُصُولِ الِاعْتِقَادِ.
ثانيًا:
إحداث هيئة وعهد لا أصل له، ويصنف من “البدعة الإضافية”، فالشفاعة بين المؤمنين يوم القيامة حق وثابت بالنصوص الصحيحة، كحديث الشفاعة الطويل وفيه: “يَقُولُونَ: رَبَّنَا، إِخْوَانُنَا كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا، وَيَصُومُونَ مَعَنَا…“. ولكن، صياغة هذا المعنى في “عهد وميثاق” لفظي يُؤخذ باليد، ويتم التعاهد عليه صَرَاحَةً، هو من البدع الإضافية.
فالصحابة رضوان الله عليهم هم أشد الناس حُبًّا لبعضهم، وأحرصهم على النجاة، ولم يُنقل عن أبي بكر وعمر أو غيرهم من السلف أنهم عقدوا مثل هذا العهد بينهم، والخير كل الخير في اتباع من سلف.
ثَالثًا:
ومن أشد ما في المقطع غرابة، هو ختمه بقراءة الآية الكريمة: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ…} الفتح/ ١٠.
وهذه الآية خاصة ببيعة الرضوان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتنزيلها على “عهد بدعي” بين الناس بحجة “التبرك” هو سوء أدب مع كتاب الله، وتوظيف للنصوص في غير سياقها الشرعي لتمرير هذه الأفعال العاطفية.
رابعًا:
ذكر الشيخ أنه أخذ هذا العهد من بعضهم “في جوف الكعبة” وأنه أمسك بأيديهم في الملتزم من الداخل.
وهذا مسلك خطير؛ حيث يُستغل شرف المكان -الكعبة- لإضفاء الشرعية والمشروعية على عمل لم يشرعه الله ولا رسوله، وكأن الفعل يصبح سُنَّةً إذا فُعل في جوف الكعبة!
خامسًا:
إن فتح هذا الباب للعامة والمشاهدين عبر التلفاز لأخذ “عهد بالنجاة”، يورث في قلوب العوام اتِّكَالًا فاسدًا، وتَعَلُّقًا بالأماني والأشخاص بَدَلًا من التعلق بالعمل الصالح وإخلاص التوحيد الذي هو المنجي الحقيقي يوم القيامة.
نسأل الله أن يرزقنا النجاة برحمته ثم باتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
والله أعلم
✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢١ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ / ٨ مايو ٢٠٢٦ م


