“تحرير المناط في حكم قذف أم المؤمنين.. وتصحيح بوصلة الخطاب مع المخالفين”
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
في خضم الردود العقدية والدفاع المحمود الذي يقوم به الغيورون من أبناء الأمة الإسلامية وطلبة العلم ذبًّا عن عرض أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، إثر التطاول الأخير من بعض (الرواديد) المنتمين إلى الطائفة الشيعية؛ برزت ظاهرة منهجية تستوجب الوقوف والتصحيح.
فقد لاحظت كثرة استخدام عبارة: “إن قذف عائشة رضي الله عنها هو ردة عن دين الله” في سياق الخطاب الموجه لهؤلاء الطاعنين.
ورغم صحة هذه المقولة في ذاتها، إلا أن تنزيلها على هذا المخالف المعين يحمل خللا منهجيّا وعقديّا يجب بيانه.
١. حكم قذف أم المؤمنين ومناط الردة:
لا يختلف مسلمان على أن من قذف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بما برأها الله منه في سورة النور، فهو كافر مرتد مخلد في النار؛ لأن مناط الكفر هنا هو: تكذيب القرآن الكريم، ورد كلام الله عز وجل.
ولكن من المهم جدّا أن ندرك أن مصطلح “الردة” في الفقه الإسلامي يُطلق على “المسلم” الذي دخل في دين الله بيقين، ثم ارتكب ناقضا من نواقض الإسلام أخرجه منه.
فهذا الخطاب التحذيري -“قذف عائشة ردة”- هو خطاب داخلي، يوجه للمسلمين الموحدين تحذيرا لهم من الوقوع في هذا المزلق المهلك وتكذيب صريح القرآن.
٢. الخلل في توجيه خطاب الردة للمخالف:
إن توجيه خطاب “الردة” للطائفة الشيعية في هذا السياق هو نوع من العبث العلمي والمنهجي؛ فهؤلاء القوم -في أصل معتقدهم- لديهم من النواقض المكفرة والشركيات العظيمة ما يخرجهم عن أصل الملة، من الاستغاثة بغير الله، ودعاء الأئمة، والطواف بالقبور، واعتقاد تحريف القرآن.
فالواقع أنهم”وثنيون”؛ فكيف يستقيم في ميزان العقل والشرع أن تخاطب وثنيّا مشركا يعبد آلهة من دون الله، وتحكم عليه بـ “الردة” لارتكابه ذنبا فرعيّا أو قذفا لصحابيّة جليلة؟
إن المشرك كافر بأصل شركه، ولا يُحكم بردة الكافر الأصلي، ولا يُعتب عليه في فروع الدين قبل أن يُحاسب على أصله المهدوم.
٣. خطورة الانشغال بالفروع عن الأصول:
إن مجادلة هؤلاء القوم في حكم قذف عائشة رضي الله عنها وتكفيرهم به، هو انشغال بالفرع عن الأصل، وإعطاء لهم شرعية لا يستحقونها، وكأننا نقر لهم بصحة إسلامهم وتوحيدهم، ثم نسلبهم إياه بسبب قذفهم لأم المؤمنين!
هذا التوجه في النقاش يضعف الموقف السني، ويجعل المعركة تبدو وكأنها مجرد خلاف تاريخي على أشخاص، متناسين المعركة الحقيقية العظمى، وهي معركة “التوحيد والشرك”.
٤. إن الواجب على طلبة العلم والدعاة أن يصححوا بوصلة الردود، فدفاعنا عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها يكون بتبيان فضلها ومكانتها ونشر سيرتها بين أبناء المسلمين لترسيخ محبتها في قلوبهم، أما عند مخاطبة تلك الطوائف، فالنقاش يجب أن ينصب على “هدم وثنيتهم” وإبطال شركهم الأكبر، فمن كذب بالله وأشرك به، فلا عجب أن يكذب بقرآنه ويطعن في عرض نبيه صلى الله عليه وسلم.
والله أعلم، وهو يهدي السبيل.

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٠ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ / ٦ مايو ٢٠٢٦ م

