أثر الذنوب الدنيوية بعد التوبة وتوجيه كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.

السؤال

ما التحقيق العلمي في النقاش الدائر حول مسألة “أن التوبة تمحو عقوبة الآخرة لكن قد تبقى بعض الآثار الدنيوية للذنب”، حيث خالف بعضهم قائلين “إن التوبة تجب الذنب وأثره بالكلية”، واعترضوا بكلام لشيخ الإسلام ابن تيمية يقول فيه: “ونحن حقيقة قولنا إن التائب لا يعذب لا في الدنيا ولا في الآخرة، لا شرعا ولا قدرا”.

فكيف نجمع بين هذا الكلام وبين بقاء الأثر، وما توجيه ذلك علميا وتأصيليا؟

الجواب

الحمد لله

هذه المسألة من المسائل الدقيقة التي التبس فيها الأمر على بعض الفضلاء لعدم التفريق الدقيق بين مصطلحي “العقوبة” و”الأثر الدنيوي الكوني”.

ولتحرير المسألة تأصيلا وتفريعا، نقسم الكلام إلى مقامات:

المقام الأول: الآثار الشرعية الأخروية:

تتمثل في الإثم واستحقاق غضب الله وعقوبته في الآخرة.

وهذه الآثار تمحوها التوبة الصادقة محوا تاما، فلا يعاقب التائب على ذنبه، بل قد يبدله الله حسنات، قال تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} الفرقان/ ٧٠، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ” أخرجه ابن ماجه وحسنه الألباني. فهنا ينقطع الأثر الشرعي الأخروي للذنب.

المقام الثاني: الآثار الكونية الدنيوية:

تتمثل في التبعات الجسدية، والنفسية، والاجتماعية.

والتوبة لا يلزم منها بالضرورة إلغاء السنن الكونية التي رتبها الله على الأسباب والمسببات.

المقام الثالث: توجيه كلام شيخ الإسلام ابن تيمية والرد على المعترض:

الاعتراض مبني على عدم التفريق بين العقوبة والأثر.

ما نفاه شيخ الإسلام في قوله: “إن التائب لا يعذب لا في الدنيا ولا في الآخرة، لا شرعا ولا قدرا” هو العذاب والعقوبة المحضة، وما نثبته هنا هو الآثار الدنيوية.

فإقامة الحكم الظاهر -كالحد- لا تعني أن التائب الصادق باطنًا “معذَّب” حقيقة، فالعذاب المنفي هو العذاب -الانتقام الحقيقي- الذي يسخط الله به على العبد، لا مجرد وقوع أثر أو حكم ظاهر عليه.

فمتى تاب العبد، زالت عنه العقوبة، وما يصيبه بعد ذلك من تبعات ذنبه: لا يسمى عقوبة يسخط الله بها عليه، بل ينقلب في حقه إلى ابتلاء ومكفر للسيئات ورافع للدرجات.

ويتضح هذا جليا بضرب الأمثلة الموضحة:

المثال الأول: قصة آدم عليه السلام:

هبوط آدم إلى الأرض كان أثرا من آثار الأكل من الشجرة، ورغم أن الله تاب عليه واصطفاه، كما قال سبحانه: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} البقرة/ ٣٧، ولم يكن ذلك عقوبة له بعد التوبة، بل كانت عقوبة مقررة مسبقا، وقد حُذر منها، قال تعالى {فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} طه/ ١١٧، وفي الصحيحين قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَخْرَجَتْكَ خَطِيئَتُكَ مِنَ الجَنَّةِ…”، فكان لا بد من وقوعها؛ لأن ذلك الذي سبق بها القدر ليتم ما أخبر الله به من أنه خلق آدم عليه السلام ليكون خليفة في الأرض.

وسواء قلنا هي عقوبة بسبب الذنب أو من آثاره فالنتيحة واحدة، وبالتأمل في كلام الطاهر بن عاشور يتبين المقصد.

قال ابن عاشور رحمه الله:

وفيه إشارة أخرى وهي: أن العفو يكون من التائب في الزواجر والعقوبات. وأما تحقيق آثار المخالفة وهو العقوبة التأديبية: فإن العفو عنها فساد في العالم؛ لأن الفاعل للمخالفة إذا لم ير أثر فعله لم يتأدب في المستقبل، فالتسامح معه في ذلك تفويت لمقتضى الحكمة؛ فإن الصبي إذا لوّث موضعا وغضب عليه مربيه ثم تاب فعفا عنه: فالعفو يتعلق بالعقاب، وأما تكليفه بأن يزيل بيده التلويث الذي لوث به الموضع فذلك لا يحسن التسامح فيه، ولذا لما تاب الله على آدم رضي عنه ولم يؤاخذه بعقوبة ولا بزاجر في الدنيا، ولكنه لم يصفح عنه في تحقق أثر مخالفته وهو الهبوط من الجنة ليرى أثر حرصه وسوء ظنه، هكذا ينبغي أن يكون التوجيه إذا كان المراد من {اهْبِطُوا} الثاني حكاية أمر ثان بالهبوط خوطب به آدم .

انتهى

المثال الثاني: الأثر الصحي:

من أسرف في شرب الخمر أو تعاطي المخدرات ثم تاب توبة نصوحا، قبل الله توبته وغفر إثمه.

ولكن، لو بقي جسده عليلا أو أصيب بتلف في الكبد نتيجة فعله، فهذا أثر دنيوي باق وملازم له، ولكنه بالصبر عليه يصير مأجورا ولا يعد عذابا.

المثال الثالث: الأثر الاجتماعي:

من أضاع ثقة الناس بخيانة أو غش في بناء ونحوه ثم تاب، فقد أصلح ما بينه وبين ربه، لكن استعادة ثقة الناس قد تتطلب وقتا طويلا وبناء جديدا، وربما لا تعود كما كانت، وربما يغرم المفسد قيمة ما أفسده ماليا.

المثال الرابع: الأثر الشرعي الدنيوي:

لو أن رجلا ارتكب ما يوجب الحد ثم تاب، تاب الله عليه ورفع عنه عقوبة الآخرة، لكن إذا رفع أمره للحاكم أقيم عليه الحد، كما رجمت الغامدية رضي الله عنها مع أن توبتها كانت عظيمة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم.

فالرجم هنا أثر دنيوي شرعي طهرها، وليس عذابا يسخط الله به عليها.

المقام الرابع: الأثر النفسي اللاحق بالمتضرر من الذنب دون التائب:

يختلف هذا المقام عن المقامات السابقة في محل وقوع الأثر:

فالمقامات المتقدمة كان الأثر فيها لاحقًا بذات التائب نفسه (بدنه، ماله، مكانته)، أما هذا المقام فمحله قلب من أصابه الذنب أو ذووه، لا التائب.

ومن أوضح شواهده ما ثبت في “صحيح البخاري” من قصة “وحشي بن حرب” قاتل “حمزة بن عبد المطلب” رضي الله عنه، حين أسلم وجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “أنت وحشي؟” قال: نعم. قال: “أنت قتلت حمزة؟” قال: قد كان من الأمر ما بلغك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “فهل تستطيع أن تغيّب وجهك عني؟”.

فقد قَبِل النبي صلى الله عليه وسلم إسلامه، ولم يعامله بأي مؤاخذة شرعية، ولم يمنعه حقًا من حقوق الإسلام، بل عاش وحشي بين المسلمين معافى مكرمًا، حتى شارك بعد ذلك في قتل مسيلمة الكذاب، وكان يقول: “قتلت خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقتلت شر الناس بعده”، فجمع الله له بذلك حسنتين عظيمتين.

ومع كمال قبول توبته وإسلامه، بقي في نفس النبي صلى الله عليه وسلم الشريفة من الحزن على فقد عمه “حمزة” ما جعله يستثقل رؤية وجه قاتله، فطلب منه أن يتغيب عن ناظريه.

وهذا ليس عقوبة شرعية -بالإجماع-، إذ لم يُحرمه من شيء من حقوقه، ولا هو تكذيب لصدق توبته، بل هو مقتضى الجِبِلّة البشرية التي لا تُمحى بمجرد قبول الشرع للتوبة ظاهرًا وباطنًا.

فدلّ هذا على أن السنن الكونية في بقاء الأثر بعد التوبة لا تختص بشخص التائب وحده، بل قد تمتد إلى نفوس من أصابه ضرر الذنب أو ذويه، وهذا نوع من الأثر لا يملك التائب دفعه بيده، ولا يُطالَب المتضرر بإخفاء ما جبله الله عليه من الحزن والانقباض النفسي تكلفًا وتصنعًا، فيكون هذا الصنف من الأثر مما يجري مجرى القدر الذي لا يتعلق بتكليف التائب ولا بتكليف صاحبه، وإنما هو ابتلاء يتقلب بين الطرفين، يُثاب عليه المتضرر بصبره واحتسابه إن أظهره في حدود الأدب الشرعي كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين اكتفى بطلب التغييب دون هجر أو مقاطعة تامة، ويُثاب عليه التائب باحتماله وعدم استيائه منه، إذ علِم أنه لا يعارض صحة توبته ولا كمال إيمانه.

وعليه:

التوبة الصادقة تمحو الإثم والعذاب الأخروي، لكن السنن الإلهية تقتضي بقاء بعض الآثار الدنيوية ليعتبر العباد.

ولا تعارض البتة بين كلام ابن تيمية في نفي العقوبة المحضة، وبين إثبات بقاء الآثار الكونية كابتلاء وتطهير.

والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي

٢ ربيع الأول ١٤٤٨، ١٣ سبتمبر ٢٠٢٦

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة