مناقشة علمية لتساهل بعض المعاصرين في حكم التلفظ بالمكفرات القولية بدعوى الجهل بالنتائج أو القياس على لغو اليمين.

السؤال

ما الرد العلمي المؤصل على ما جاء في هذه الصفحة المنشورة من كتاب “يسألونك” للدكتور حسام عفانة، والتي يقرر فيها أن كثيرًا ممن يتلفظون بشتم الدين أو الرب في بلادنا لا يُحكم عليهم بالردة ولا بفسخ أنكحتهم؛ بدعوى أنهم يجهلون ما يترتب على ذلك من نتائج، وأن ذلك يجري على ألسنتهم بلا قصدٍ ولا إرادة كلغو اليمين، أو يصدر في حالة غضب؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فإن ما تضمنته هذه الصفحة من تقعيدٍ وتأصيلٍ فيه تساهلٌ ظاهرٌ ومخالفةٌ لما قرره أئمةُ أهل السنة والجماعة، وبيانُ وجهِ الخلل في هذا الكلام يتلخص في المآخذ العلمية والعقدية الآتية:
أولًا: وضع كلام الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله في غير موضعه:
استند الكاتب في مفتتح كلامه إلى نقلٍ عن الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله في أن الواقع في بعض أبواب الكفر يُعلَّم ويُؤدَّب ولا يكفر إلا بعد البيان والعناد.
والجواب عن هذا من وجهين:
١. أن تقرير الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله إنما يتناول المسائل التي قد يخفى حكمُها على بعض العامة (كالحلف بغير الله أو بعض الألفاظ الشركية الدائرة على ألسنة الجهال في بعض البيئات)، أما التطاول على ذات الرب جل جلاله أو دينه أو رسوله صلى الله عليه وسلم فمما عُلم من الدين بالضرورة قُبحه وكفرُ قائله عند جميع المسلمين، فلا يُتصور فيه جهلٌ من عاقلٍ يعيش بين المسلمين.
٢. أن للشيخ عبد الرزاق عفيفي نفسه وللجنة الدائمة -التي كان نائبًا لرئيسها مع الشيخ ابن باز رحمهما الله- فتاوى صريحةً قاطعةً في أن التطاول على الدين أو الرب ردةٌ مخرجةٌ من الملة بإجماع العلماء، لا يُعذر فيها أحدٌ بدعوى الجهل.
ثانيًا: بطلان دعوى “الجهل بما يترتب على الفعل من نتائج”:
علَّل الكاتب عدم الحكم بردة هؤلاء وعدم فسخ أنكحتهم بأنهم يجهلون ما يترتب على التلفظ بذلك من نتائج وآثار.
وهذا التعليل مردودٌ عند المحققين من أهل العلم؛ لما يأتي:
١. الفرق الأصولي بين “الجهل بالحكم” و”الجهل بالعقوبة أو الأثر المترتب”:
فالمعتبر في التكليف والمؤاخذة هو العلمُ بالتحريم؛ فمتى علم المكلف أن هذا القول أو الفعل محرمٌ عظيمٌ وأقدم عليه مختارًا، ترتبت عليه آثاره الشرعية وعقوباته كلها وإن كان يجهل تفصيل العقوبة أو الأثر الفقهي كفسخ النكاح.
٢. دليل ذلك من السنة النبوية:
قصة الرجل الذي جامع أهله في نهار رمضان؛ فقد أوجب النبي صلى الله عليه وسلم عليه الكفارة المغلظة مع كونه جاهلًا بوجوب الكفارة حين وقع في المحظور، لكنه لمَّا كان عالمًا بتحريم الجماع في الصوم، رتَّب الشرعُ الأثرَ على علمه بالتحريم، ولم يعذره بجهله بالنتيجة المترتبة عليه.
​عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ. قَالَ: “مَا لَكَ؟” قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟” قَالَ: لَا… رواه البخاري ومسلم.
فهذا الرجل أتى النبي صلى الله عليه وسلم مُستفْتِيًا وهو جاهلٌ بوجوب الكفارة المغلظة -عتق رقبة، أو صيام شهرين، أو إطعام ستين مسكينًا- عند الوقوع في هذا المحظور، ولم يكن يعلم تفصيل هذه العقوبة، ومع ذلك لم يعذره النبي صلى الله عليه وسلم بجهله بالنتيجة أو العقوبة المترتبة، بل ألزمَه بالكفارة؛ لأنه كان عالمًا بأصل تحريم الجماع في نهار الصيام، وهو تمامُ المراد من تقرير القاعدة الأصولية.
وكذلك الزاني والسارق وشارب الخمر يُقام عليهم الحد إذا علموا التحريم ولو جهلوا مقدار العقوبة.
ثالثًا: فساد القياس على “لغو اليمين”:
زعم الكاتب أن هذا القول يصدر من غير قصدٍ ولا إرادة، وقاسه على يمين اللغو التي لا يؤاخذ الله بها كما في قوله تعالى {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} المائدة/ ٨٩.
وهذا قياسٌ مع الفارق الشاسع من وجوه:
١. أن “لغو اليمين” عند السلف والفقهاء هو ما يجري على اللسان من الحلف بالله بلا قصدٍ لعقد اليمين حالَ الكلام المعتاد، كقول القائل: (لا والله، وبلى والله)، فهذا ذكرٌ لله وتعظيمٌ له جرى على اللسان بغير قصدِ إنشاءِ يمينٍ منعقدة؛ فكيف يُقاس الذكرُ والتعظيمُ لله على أعظمِ الكبائر والموبقات؟!
٢. أن اعتياد اللسان على الألفاظ الكفرية حتى تصير جاريةً على اللسان لا يُعد عذرًا مُسقطًا للإثم والحكم، بل هو دليلٌ على استخفاف القلب بعظمة الله عز وجل وشعائره، وقد نص أهل العلم على أن اعتياد اللسان على هذه الكلمات الموبقة يزيد صاحبها جُرمًا ولا يكون عذرًا له.
رابعًا: تحرير مسألة “الغضب الشديد” ومراتبه:
ذكر الكاتب أن هذا القول إذا صدر في حالة غضبٍ شديد بحيث لا يدري ما يصدر منه فإنه لا يؤاخذ.
وتحرير هذه المسألة كما فصَّله ابن القيم في “إغاثة اللهفان” و”إعلام الموقعين” أن الغضب على ثلاث مراتب:
١. مبادئ الغضب، وعقلُ الإنسان وإدراكُه معه، فهذا مؤاخذٌ بأقواله بالإجماع.
٢. الغضب الشديد الذي يشتد بصاحبه ويدفعه إلى القول والفعل، لكنه يعقل ما يقول ويعلم ما ينطق به ولم يغب عقله؛ فهذا لا يُعذر بغضبه؛ لأن التلفظ بهذه العظائم لا يقع في الغالب إلا حال الغضب، فلو عُذر الغضبان مطلقًا لتعطلت أحكام الله في هذا الباب.
٣. الغضب المُغلَق -الإغلاق الكلي- الذي يزول معه العقل والشعور تمامًا حتى يصير صاحبه كالمجنون أو المغمى عليه، فلا يدري أصلًا ماذا نطق؛ فهذا وحده الذي لا يؤاخذ لارتفاع التكليف عنه بزوال العقل، وهي حالةٌ نادرةٌ جدًّا لا تنطبق على عامة المتلفظين الذين يقصدون الكلمة حال غضبهم ويعلمون ما نطقوا به فور انتهائهم منه.
خامسًا: شبهة الإرجاء في الخلط بين “قصد القول” و”قصد الكفر”:
من أخطر ما في هذا التقرير موافقته من حيث لا يشعر الكاتب لأصول المرجئة في اشتراط “قصد الكفر بالقلب وعقده” في المكفرات القولية القطعية؛ فأهل السنة والجماعة يفرقون بين الأمرين:
١. فهم يشترطون “قصد القول” أي أن يكون المتكلم قاصدًا للتلفظ بالكلمة مختارًا لها، ضد المكره والنائم والمجنون ومن سبق لسانه خطأً من شدة الفرح أو الدهش.
٢. لكنهم لا يشترطون أن يقصد المتكلم بقلبه الكفر أو الخروج من الدين أو الرضا بالكفر؛ وقد حسم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هذه المسألة في كتابه “الصارم المسلول”؛ فقرر أن النطق بكلمة الكفر الصريحة يوجب الحكم بالردة ظاهرًا وباطنًا، سواء استحلَّه القائل أو اعتقد تحريمه، وسواء قصد الكفرَ بقلبه أو لم يقصده، وسواء كان هازلًا أو لاعبًا أو غاضبًا، استدلالًا بنص القرآن في سورة التوبة {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ*لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ۚ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} ٦٥و٦٦، في الحكم بكفر المستهزئين مع أنهم لم يقصدوا الكفر بقلوبهم وإنما قصدوا الخوض واللعب.
سادسًا: المنهج الشرعي المنضبط في مسألة فسخ النكاح والتوبة:
إن الدافع الذي أوقع بعض المعاصرين في هذه التأويلات هو الفرار من القول بانفساخ أنكحة العوام لكثرة الوقوع في هذه البلية، فوقعوا في تمييعٍ يذهب بهيبة التوحيد وتعظيم الرب جل جلاله في قلوب العامة!
بينما سلك أئمةُ أهل السنة الجادَّةَ السلفيةَ المحكمة؛ فحكموا بالردة صيانةً لجناب التوحيد وعملًا بإجماع السلف، وفي الوقت نفسه فتحوا بابَ التوبة على مصراعيه، وقرروا أن من وقع في ذلك إذا ندم واستغفر وتابَ إلى الله ونطق بالشهادتين فورَ إفاقته أو في أثناء عدَّة زوجته، قُبلت توبته وبقيت زوجتُه في عصمته دون حاجةٍ إلى عقدٍ جديد -وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم-، وإن أصرَّ ولم يتب حتى انقضت العدة بانت منه زوجته ولم تحل له؛ إذ لا يجوز إبقاء المرأة المسلمة تحت رجلٍ مُصرٍّ على الكفر تاركٍ للتوبة.
نسأل الله أن يعظم حرماته في قلوبنا، وأن يثبتنا وإياكم على السنة والتوحيد، وأن يعصمنا من الزلل في القول والعمل.
والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
١٣ جمادى الأولى ١٤٤٨هـ – ٣٠ أكتوبر ٢٠٢٦م

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة