حكم نشر المقاطع الكرتونية المقرونة بتلاوة القرآن الكريم للوعظ والتذكير.
السؤال
ما القول في نشر مثل هذا المقطع -مقطع رسوم متحركة يُصوّر أُناسا بلباس إسلامي يمشون منشغلين بهواتفهم حتى يسقطوا من حافة هاوية، مع تلاوة مطلع سورة الأنبياء: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ. مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ}-؟
الجواب
الحمد لله
فإن نشر مثل هذا المقطع لا يجوز ولا يُنصح به، بل ينبغي اجتنابه والعدول عنه إلى ما هو مشروع وأعظمُ تعظيما لكلام الله تعالى، وذلك لعدة محاذير شرعية وفقهية نبَّه عليها أهل العلم:
١. صيانة القرآن الكريم عن جعله خلفية لمشاهد تمثيلية أو كرتونية، فالقرآن الكريم كلام الله عز وجل، أُنزِل ليُتلى ويُستمع إليه ويُتدبَّر بذاته؛ قال الله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} الأعراف/ ٢٠٤.
وقد نص طائفة من أهل العلم على المنع من إقران تلاوة الآيات القرآنية بمشاهد تمثيلية أو رسوم متحركة تُجسّد معاني الآيات؛ لأن ذلك يُشغل السامع والناظر بمتابعة حركة الرسوم وسقوط الأشخاص عن الإنصات لكلام الله وتدبره، ويُخرج القرآن عن هيبته وجلاله إلى كونه مجرد مؤثر صوتي يخدم المشهد المرئي.
٢. محذور رسم ذوات الأرواح بصورة كاملة، فالمقطع يشتمل على رسم وتصوير كامل لذوات الأرواح -أشخاص بهيئة تامة الملامح والأعضاء-، والأصل في الشريعة تحريم تصوير ذوات الأرواح بالرسم اليدوي أو الرقمي إذا كانت الصورة كاملة الخلقة؛ لعموم الأحاديث الصحيحة الواردة في الوعيد الشديد على المصورين، كقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ المُصَوِّرُونَ” رواه البخاري ومسلم، وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ، يَجْعَلُ لَهُ، بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا، نَفْسًا فَتُعَذِّبُهُ فِي جَهَنَّمَ” رواه مسلم.
ورسم ذوات الأرواح بصورة تامة محرم شرعا، ولا يزول التحريم إلا بطمس الرأس أو إزالته بحيث لا تبقى للصورة معالم الحياة؛ لقول ابن عباس رضي الله عنهما: “الصُّورَةُ الرَّأْسُ، فَإِذَا قُطِعَ الرَّأْسُ فَلَيْسَ بِصُورَةٍ” رواه البيهقي وصححه الألباني.
ولا يجوز اتخاذ الصور المحرمة وسيلة للدعوة والوعظ.
٣. خطورة تنزيل آيات الكفار والمعرضين على هيئات المسلمين، فالآيتان الكريمتان في مطلع سورة الأنبياء نزلتا في سياق الحديث عن المشركين المكذبين المعرضين عن الوحي؛ كما يظهر من سياق الآية الثانية والتي بعدها: {مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ. لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ۗ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} الأنبياء/ ٢-٣.
وإن كان لفظ الغفلة يُعتبر به عموم الناس، إلا أن تصوير المشهد لأشخاص يرتدون لباسا إسلاميا ظاهرا -نساء متحجبات ورجال بالقلانس واللحى- وهم يتساقطون جميعا في الهاوية حال قراءة قوله تعالى: {إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} فيه إيهامٌ قبيح وتنزيلٌ لوصف المستهزئين بالوحي على عموم المسلمين، وتصويرٌ للملتزمين بشعائر الإسلام الظاهرة بأنهم جميعا في ضلال وهلاك، وهذا مسلك غير سديد حتى لو كان قصد صانعه التحذير من الإدمان على الهواتف.
ثم إن إحسان الظن بهؤلاء الرجال والنساء يقتضي عدم وصفهم باللعب والغفلة، وقد يكون أحدهم يقرأ ورده من القرآن من الجوال، وقد تكون المرأة تكلم أولادها، وقد يكونون جميعا يستمعون أو يقرؤون النافع المفيد.
٤. قصر معاني القرآن العظيمة على صورة محدودة، فربط هذه الآيات العظيمة في ذهن المشاهد بصورة النظر في الهاتف والسقوط من الجبل يختزل معنى الغفلة عن الحساب والاستعداد للآخرة في هذه الصورة الحسية الضيقة، بينما معنى الآية أوسع وأعمق من ذلك بكثير.
٥. ما البديل المشروع والنافع؟:
التحذير من الغفلة وإضاعة الأوقات في الهواتف مقصودٌ حسن ونافع، ولكن الغاية الحسنة لا تُبرر الوسيلة المخالفة للشرع؛ فيمكن تحقيق هذا المقصود بنشر الآيات القرآنية مكتوبةً أو متلوةً على خلفية ثابتة هادئة خالية من ذوات الأرواح، أو بنشر موعظة كلامية أو تصميم كتابي مستقل يحذر من آفات الانشغال بالهواتف دون إقحام تلاوة القرآن الكريم كخلفية لرسوم كرتونية ذات أرواح.
والله أعلم
✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٧ جمادى الأولى ١٤٤٨هـ / ١٨ / ١٠ / ٢٠٢٦م


