جناية العاطفة على السيرة النبوية: بين حنكة سرية “مؤتة” ومآلات “طوفان الأقصى”!
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فإن من أعظم الجنايات على السيرة النبوية المطهرة أن تُتَّخذ أحداثُها العظيمةُ ومواقفُها المحكمةُ مطيَّةً لتسويغ الأخطاء المعاصرة، أو تُلْوَى أعناقُ وقائعها لترقيع الكوارث التي حلّت بالمسلمين نتيجة غياب فقه السياسة الشرعية وميزان المصالح والمفاسد.
ولقد طالعتُ ما يكتبه بعض الخطباء والكتّاب في ذكرى غزوة مؤتة -التي وقعت في جمادى الأولى سنة ثمانٍ للهجرة- من عقد مقارناتٍ ومطابقاتٍ عاطفية بينها وبين ما جرى في غزة “طوفان الأقصى”، بدعوى تشابه المشهدين في قلة العدد واختلال الميزان العسكري، وأن مؤتة العصر ستتلوها يرموكُ التحرير!
وإن الناظر بعين العلم الشرعي، والبصيرة التاريخية والواقعية، على ضوء ما قرره أئمة الهدى، يدرك البونَ الشاسع والفارقَ الهائل بين الحدثين، وأن هذه المقايسة باطلةٌ علميًّا وواقعيًّا من وجوهٍ عدة:
أولًا:
من العجيب أن يتصدى بعضهم للمقارنة التاريخية وهو يقع في أغلاط فاحشة في بدهيات السيرة والتاريخ، ومن ذلك:
١. زعمهم أن القادة الثلاثة الذين استشهدوا في مؤتة هم (زيد بن ثابت، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة)! وهذا غلط فاحش؛ فالقائد الأول هو حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومولاه (زيد بن حارثة) رضي الله عنه، وأما زيد بن ثابت رضي الله عنه فهو كاتب الوحي وجامع القرآن، وقد عاش بعد النبي صلى الله عليه وسلم دهرًا طويلًا؛ ففي صحيح البخاري عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَعَى زَيْدًا وَجَعْفَرًا وَابْنَ رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ، فَقَالَ: “أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ -وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ- حَتَّى أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ، حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ” رواه البخاري.
٢. دعواهم أن المسلمين قَتلوا في مؤتة (ألفين من الروم)؛ وهذا رقم لا أصل له في الروايات الصحيحة المعتمدة عند أهل المغازي والسير كابن القيم في”زاد المعاد” وابن كثير في”البداية والنهاية”.
٣. قولهم إن اليرموك كانت بعد سبع سنوات من مؤتة في عام (١٥ هـ)؛ بينما المحرر عند أئمة التاريخ أن اليرموك كانت في رجب سنة (١٣ هـ)، أي بعد خمس سنوات من مؤتة.
والعجيب من المعلقين على منشور أحدهم أنه لا أحد ينتبه لهذا، وكلهم يبصم ويؤيد على العنوان واسم الكاتب!
ثانيًا:
لم تكن “مؤتة” معركةً عشوائية تحركها العواطف أو ردود الأفعال غير المحسوبة، وحاشا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم المعصومَ المؤيَّدَ بالوحي من ذلك؛ بل كانت سريةً كبرى وبعثًا عسكريًّا مدروسًا لتحقيق أهدافٍ استراتيجية واضحة خارج الجزيرة العربية لأول مرة:
فكان من أهدافها:
١. إعلان هيبة الدولة الإسلامية الناشئة بعد صلح الحديبية.
٢. والثأر لمقتل سفير رسول الله صلى الله عليه وسلم “الحارث بن عمير الأزدي” حتى لا يجرؤ ملوك الأرض على سفراء الإسلام.
٣. وكسر حاجز الرهبة من مقارعة إمبراطورية الروم وحلفائهم من عرب الشام.
٤. واستكشاف طبيعة قتالهم في معركةٍ محدودة لا يُغامر فيها ببيضة الإسلام ولا بوجود الدولة.
ولهذا خرج الجيش لهدف محدّد، فلما تفاجأ الصحابة في أرض المعركة بحشد هرقل لألوف من المقاتلين -اختلف أهل التاريخ بعددهم بين مبالغ ومهون ومتوسط، والحقيقة التاريخية والشرعية الثابتة التي لا نزاع فيها أن الميزان العسكري كان مختلاً اختلالا هائلا-، أدّوا رسالتهم في إثبات الشجاعة وكسر هيبة العدو، ثم عادوا بأقل الخسائر الممكنة.
ثالثًا:
وظهر في المقالات والخطف التناقض والتخبط في الأهداف بين “مؤتة” و”طوفان الأقصى”، ففي سرية “مؤتة”: كان الهدف واضحًا، والقيادة رشيدة، والنتيجة محكومة بميزان الشرع والعقل.
أما في “طوفان الأقصى”: فبعد مضيّ هذه المدة الطويلة وتدمير القطاع، لا يزال التناقض سيّد الموقف في تحديد الهدف الذي أُريقت لأجله هذه الدماء الزكية:
فقد بدأ الخطاب المعلن في الساعات الأولى بأنه (معركة التحرير الشامل واقتحام المستوطنات)، فلما تبخّر هذا أمام الواقع العسكري، تحوّل الهدف المعلن إلى (تبييض السجون وفك الحصار عن غزة)، فلما أطبق العدو حصاره ومزّق القطاع بالمحاور العسكرية ودكّ المدن والمساجد والمستشفيات، تراجع الهدف إلى المطالبة بـ (انسحاب جيش الاحتلال والعودة إلى ما قبل السابع من أكتوبر وإدخال الخيام والغذاء)، ثم انتهى الحال بمفاوضات تسليم إدارة القطاع!
فأين هذا التخبط الذي لا يعرف أصحابه مآلات خطواتهم، من حكمة النبوة التي كانت تضع كل خطوة في نصابها الصحيح؟!
رابعًا:
الفارق الجوهري في حماية الذراري والعمق الآمن:
في معركة مؤتة: جرت المواجهة بين جيشين عسكريين في ميدان مكشوف بأطراف الشام على بُعد مسيرة شهر من المدينة المنورة، بينما كانت النساء والذراري والشيوخ والضعفاء في مأمنٍ تامٍّ وعافيةٍ داخل المدينة النبوية، فلم يُهدم في المدينة بيتٌ واحد، ولم يُقتل طفلٌ واحد، ولم تُسبَ امرأة، ولم يُشرّد أهلُها في العراء!
أما في غزة: فقد فُتحت المعركة من داخل شريط جغرافي ضيق ومكشوف ومحاصر، يكتظ بأكثر من مليوني مسلم أعزل، بلا ملاجئ ولا دفاعات جوية ولا عمقٍ آمن ينحازون إليه؛ مما أدى إلى استباحة العدو الصهيوني المجرم للبلاد والعباد، ومقتل عشرات الآلاف من النساء والولدان والشيوخ، وتدمير مقومات الحياة بالكامل.
والعجيب من بعض قادة الطوفان الاستهانة بتلك الدماء، فمن قائل هذه “خسائر تكتيكية”! ومنهم من يقول “سننتج غيرهم”! -وكأننا خسرنا دجاجا-.
وبعضهم استهان بهدم البيوت فقال “من لم يُهدم بيته ففي عقيدته خلل”! في افتراء واضح بيّن على الشرع.
وقد قرر أئمة الهدى أن الشريعة الإسلامية جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وأن الجهاد إنما شُرع لحفظ الدين والأنفس والذراري، فإذا كان الإقدامُ على القتال في حال الضعف والعجز يترتب عليه استئصالُ المسلمين وهلاكُ الحرث والنسل وفتنتُهم في دينهم ودنياهم؛ كان الكفُّ والإعدادُ هو الواجب الشرعي، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم بمكة وفي “صلح الحديبية”.
خامسًا:
لمّا أُصيب الأمراء الثلاثة في مؤتة، وأخذ الرايةَ سيفُ الله خالد بن الوليد رضي الله عنه، ورأى أن استمرار الالتحام مع مائتي ألف سيؤدي حتمًا إلى إبادة الثلاثة آلاف صحابي؛ لم تأخذه العزة بالإثم، ولم يرفع شعارات الفناء والانتحار الجمعي، بل أعملَ العقل والحكمة العسكرية، فغيّر هيئة الجيش ليُوهم العدو بوصول مدد، ثم انحاز بالجيش الإسلامي في انسحابٍ منظمٍ عبقري، فعاد بثلاثة آلاف صحابي سالمين لم يُقتل منهم في تلك الملحمة كلها إلا اثنا عشر شهيدًا فقط!
وهذا الانحياز الحكيم وحقنُ دماء الصحابة هو الذي سمّاه النبي صلى الله عليه وسلم “فتحًا” بقوله: “حَتَّى أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ، حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ”، ودافع النبي صلى الله عليه وسلم عنهم لما قال لهم بعضُ الناس: (يا فرّار!) فقال صلى الله عليه وسلم: “لَيْسُوا بِالْفُرَّارِ، وَلَكِنَّهُمُ الْكُرَّارُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ” رواه أحمد وأبو داود -بسند فيه انقطاع- وصحح معناه ابن كثير وابن القيم في”زاد المعاد”.
فكيف يسوّي عاقلٌ بين معركةٍ حفظ الله بها جيش المسلمين فلم يُفقد منه إلا اثنا عشر رجلًا، وبين محرقةٍ أُبيدت فيها عائلاتٌ بأكملها من السجل المدني، وقُتل وجُرح فيها مئات الآلاف؟!
سادسًا:
صحابةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في “مؤتة” و”اليرموك” خرجوا تحت راية التوحيد الخالص والسنة المحضة، كما قال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه: “ما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به”.
ومع إكبارنا لتضحيات الصادقين المحتسبين من أهل غزة، ودعائنا الدائم بنصرتهم وكشف كربتهم وإهلاك عدوهم الصهيوني الغاشم، إلا أن الميزان العلمي يأبى التسوية بين راية الصحابة الكرام، وبين حركاتٍ شابَ منهجَها ما شابَه من الانحرافات العقدية والحكم بدستور علماني، وارتمت في أحضان محاور باطنيةٍ رافضيةٍ تلعنُ أبطالَ مؤتة واليرموك -أبا بكر وعمر وخالدًا ومعاوية رضي الله عنهم-، فلما جدّ الجدُّ خذلوهم وأسلموهم لعدوهم!
وسُنّة الله التي لا تحابي أحدًا أن “اليرموك” وفتح بيت المقدس لم يتحققا إلا على أيدي الصدّيق والفاروق وجنود التوحيد بعد تطهير الصف من المرتدين والمنافقين، وتحقيق الإيمان والتوحيد والإعداد المستطاع؛ قال الله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} النور/ ٥٥.
سابعًا:
ومما زاد الطينَ بِلّةً أن بعض الخطباء والمتحمسين لم يكتفوا بليِّ أعناق السيرة النبوية، بل أضافوا إلى ذلك مسلكًا خطيرًا من مسالك الغلو، وهو رميُ كلِّ عالمٍ أو ناصحٍ يبيّن هذه الحقائق الشرعية والواقعية بـ: النفاق، والتخذيل، والعمالة، والوقوف في صف اليهود، بل زعم بعضهم على المنابر أن منافقي عهد النبوة أحسنُ حالًا ممن ينتقد هذه المغامرات غير المحسوبة!
وهذا المسلك هو ذاتُ اللوثة التي ابتُليت بها جماعات الغلو والتكفير -كداعش وأضرابها- حين جعلوا قراراتهم الحزبية المتهورة بمنزلة الوحي المعصوم، فمن خالفهم فيها أو نصحهم وبيّن خطأهم ومفاسد أفعالهم رموه بالكفر أو النفاق والردة!
والتفريق واجبٌ في دين الله وعند كل ذي عقلٍ وإنصاف: بين المنافق المخذّل الموالي لليهود والأمريكان الكارهِ لأصل الجهاد في سبيل الله، وبين الناصح المشفق على دماء المسلمين وأعراضهم، الغيورِ على شريعة الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، الذي يريد للجهاد أن يقوم على أصوله الشرعية وشروطه المرعية ليُثمر عزًّا ونصرًا وتمكينًا، لا هلاكًا ودمارًا وتهجيرًا.
نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يلطف بأهلنا المستضعفين في غزة، وأن يجبر كسرهم، ويتقبل شهداءهم، ويشفي جرحاهم، وينتقم من اليهود الغاصبين ومن والاهم، وأن يردّ الأمة إلى كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ومنهج السلف الصالح ردًّا جميلًا.
والله أعلم

