تحقيق قصة مبيت الإمام الشافعي في بيت الإمام أحمد بن حنبل: دراسة تاريخية ونقدية.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فقد انتشرت على ألسنة بعض الوعاظ والقصاص حكاية تنسب إلى الإمامين الجليلين: محمد بن إدريس الشافعي، وأحمد بن حنبل رحمهما الله تعالى، ومضمونها أن الإمام أحمد كان يكثر الثناء على الإمام الشافعي أمام أهله وأولاده، وفي بعض الروايات أمام ابنته زينب، فتمنوا رؤيته.
فلما زارهم الشافعي وبات عندهم، راقبوه فرأوه قد أكثر من الطعام، واضطجع ولم يقم الليل، ثم خرج لصلاة الفجر دون أن يتوضأ.
فلما سئل عن ذلك أجاب بأنه أكثر من الطعام لأن طعام الكريم دواء وشفاء، وأنه لم يقم الليل لاشتغاله باستنباط الفوائد من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ” رواه البخاري ومسلم، وأنه استخرج منه فوائد كثيرة، قيل: اثنتان وسبعون، وقيل: مئتا فائدة، وأنه صلى الفجر بوضوء العشاء؛ لأنه لم ينم طوال الليل.
وهذه الحكاية، بصورتها المشهورة، لا تثبت عن الإمامين، وفيها إشكالات تاريخية وعلمية ظاهرة، وبيان ذلك من وجوه:
أولًا:
عدم ثبوت الحكاية في المصادر المسندة المبكرة:
لم أقف على هذه الحكاية في المصادر المبكرة المعروفة التي ترجمت للإمامين وذكرت مناقبهما، ومنها كتاب «آداب الشافعي ومناقبه» لابن أبي حاتم، وكتب مناقب الإمام أحمد، و«سير أعلام النبلاء» للذهبي.
ولا يصح أن ننسب إلى إمام من أئمة المسلمين حكاية لم يثبت لها إسناد معروف، لمجرد تداولها في كتب الوعظ أو تناقلها في المجالس.
كما أن وجود أخبار صحيحة في ثناء الإمام أحمد على الشافعي، وفي ملازمته له وانتفاعه بعلمه، لا يصح أن يجعل أصلًا لتصحيح هذه الحكاية بعينها.
ثانيًا:
الإشكال التاريخي في اجتماع الإمام الشافعي مع أسرة الإمام أحمد:
من أقوى ما يوجب التوقف في هذه الحكاية ما يتعلق بالتسلسل الزمني لحياة الإمامين.
فالإمام أحمد بن حنبل ولد سنة ١٦٤هـ، وأكبر أولاده صالح، وقد ولد سنة ٢٠٣هـ.
أما الإمام الشافعي، فقد قدم بغداد سنة ١٩٥هـ، ثم عاد إليها سنة ١٩٨هـ، ثم رحل إلى مصر سنة ١٩٩هـ، وأقام بها حتى توفي سنة ٢٠٤هـ.
وعلى هذا، فإن تصوير الحكاية في صورتها المشهورة، بجعل الشافعي نازلًا ضيفًا على أحمد في بغداد، ومبيته في بيت فيه ابنة لأحمد تراقبه، يواجه إشكالًا تاريخيًّا شديدًا؛ إذ لا يعرف للشافعي قدوم إلى بغداد بعد رحلته الثانية، كما أن تاريخ ولادة أكبر أبناء أحمد نفسه متأخر عن تلك الرحلة.
وقد نبه التاج السبكي رحمه الله تعالى إلى هذا الإشكال عند ذكره الحكاية في «طبقات الشافعية الكبرى»، فأوردها بصيغة التمريض، ثم استشكل تاريخها، وذكر أن الشافعي قدم بغداد سنة ١٩٥هـ، ثم قدمها سنة ١٩٨هـ، وأقام أشهرًا وخرج إلى مصر، وأن صالحًا أكبر أولاد أحمد ولد سنة ٢٠٣هـ، ثم قال مستشكلًا: «فمتى كانت زينب في ذلك الوقت؟!».
وهذا استشكال تاريخي وجيه، ينبغي الوقوف عنده، ولا سيما أن الحكاية المشهورة تجعل وجود الابنة ومراقبتها للضيف جزءًا أساسيًّا من أحداثها.
ثالثًا:
الخلط بين الحكاية وبين ما ذكره ابن القاص في فوائد حديث أبي عمير:
حديث أبي عمير حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلاطف أخا أنس الصغير، ويقول له: “يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ” رواه البخاري ومسلم.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى في «فتح الباري» أن أبا العباس أحمد بن أبي أحمد الطبري، المعروف بابن القاص الشافعي، المتوفى سنة ٣٣٥هـ، أفرد هذا الحديث بجزء، واستنبط منه ستين وجهًا من وجوه الفقه والأدب والفائدة.
وبيّن ابن حجر أن ابن القاص توسع في استنباط الفوائد، وأن بعضها تولد من جمع طرق الحديث، وليس من خصوص لفظه وحده.
وهذا النقل يبين أن استنباط الفوائد الكثيرة من حديث أبي عمير معروف عن ابن القاص، ولا يصح نقل هذا العمل إلى الإمام الشافعي من غير دليل.
ويظهر أن بعض الصيغ المتداولة للحكاية قد خلطت بين هذه المعلومة وبين قصة مبيت الشافعي المزعومة، مع اختلاف الروايات في عدد الفوائد المستنبطة.
رابعًا:
اضطراب ألفاظ الحكاية وتفاصيلها:
تتداول الحكاية بصيغ متعددة، فتارة يقال إن الشافعي استنبط اثنتين وسبعين مسألة، وتارة مئتي مسألة، وتارة ألف فائدة، كما تختلف بعض الروايات في تفاصيل الحوار، وفي تعليل الأكل، وفي سبب عدم القيام، وفي وصف الصلاة والوضوء.
وهذا الاضطراب، مع عدم ثبوت إسناد الحكاية، يزيد موجب التوقف في نسبتها إلى الإمامين.
ولا يصح أن تتحول الحكاية، لمجرد تداولها، إلى واقعة تاريخية يجزم بها، أو أن تنسب تفاصيلها إلى أئمة الإسلام دون حجة.
خامسًا:
التنبيه على عدم الخلط بين نقد الحكاية والحكم على مضمونها:
ليس في ترك قيام الليل حرج شرعي، ولا في استنباط الفوائد من الأحاديث، بل الاشتغال بالعلم من أجل الطاعات، كما أن من لم ينم لا يلزمه الوضوء لمجرد مرور الليل.
ولذلك فإن نقد الحكاية لا ينبغي أن يبنى على استنكار هذه الأمور في ذاتها، وإنما على عدم ثبوت نسبتها، وما يظهر في صورتها المشهورة من الإشكال التاريخي والاضطراب في تفاصيلها.
كما لا يصح نسبة حكم إلى عالم من العلماء بأنه وضع الحكاية أو كذبها إلا بعد التحقق من كلامه ومصدره.
خاتمة ملخص لما سبق:
١- قصة مبيت الإمام الشافعي في بيت الإمام أحمد، بصورتها المشهورة المتداولة، لا تثبت عنهما، ولا يصح الجزم بصحتها أو روايتها على أنها واقعة تاريخية ثابتة.
٢- ظهر فيها إشكال تاريخي قوي، ونبه إليه التاج السبكي، كما أن نسبة استنباط الفوائد الكثيرة من حديث أبي عمير إلى الشافعي لا دليل عليها، والثابت في كلام الحافظ ابن حجر أن ابن القاص الشافعي هو الذي أفرد الحديث بجزء واستنبط منه ستين وجهًا.
٣- الواجب على من يتصدى للوعظ والتعليم أن يتحرى صحة ما ينسبه إلى الأئمة والعلماء، فإن حسن المقصد لا يسوغ رواية ما لم يثبت.
٤- لا حاجة بنا إلى الحكايات الواهية مع ما ثبت بالأسانيد من مناقب الإمامين الجليلين وفضائلهما، وعظيم علمهما وورعهما.
والله أعلم

