ما التدقيق العلمي على مقطع الأستاذ “عبد الله رشدي” حول الخلاف بين السلفية والأشاعرة في باب الصفات وغيره.

السؤال

 

ما رأيكم وتدقيقكم العلمي على هذا المقطع المرئي للداعية “عبد الله رشدي”، والذي يتحدث فيه عن مذاهب الأشاعرة الثلاثة في باب الصفات، ويقرر عدم وجود خلاف بين متقدمي الأشاعرة وبين السلف وأهل الحديث وابن تيمية، مع قوله بأن بقية المسائل الخلافية بين السلفية والأشاعرة ليست بنفس قوة مسألة الصفات؟

 

الجواب

الحمد لله

فيتضمن هذا المقطع المرئي لعبد الله رشدي عرضًا موجزًا لموقف الأشاعرة من باب الأسماء والصفات ومقارنته بمذهب السلف وأهل الحديث، وفيه نقاط أصاب فيها، ونقاط أخرى وقع فيها في التعميم أو التساهل العلمي الذي يحتاج إلى تحرير وتدقيق على ضوء تقريرات أئمة أهل السنة والجماعة، وذلك على النحو الآتي:

أولًا:

قسّم المتحدث الأشاعرة في باب الصفات إلى ثلاثة اتجاهات:

١. اتجاه الإثبات كالسلف وأهل الحديث وابن تيمية، ومثّل له بأبي الحسن الأشعري والباقلاني، وذكر أنه يتبنى هذا القول.

٢. اتجاه التفويض -تفويض المعنى وعدم إثبات أنها صفات-، ومثّل له بالجويني والغزالي.

٣. اتجاه التأويل -صرف اللفظ عن ظاهره كتأويل الاستواء بالقهر والغلبة-.

ثم ذكر أن الخلاف بين الأشاعرة والسلفية يتركز في الصفات، وأن المسائل الأخرى ليست بنفس القوة.

ثانيًا: التدقيق العلمي والمنهجي على المقطع:

١. تحرير القول في المرحلة الأخيرة لأبي الحسن الأشعري وأئمة الأشاعرة المتقدمين:

ذكر المتحدث أن الاتجاه الأول من الأشاعرة -أبو الحسن الأشعري والباقلاني- لا خلاف بينهم وبين السلف وأهل الحديث وشيخ الإسلام ابن تيمية مطلقًا في باب الصفات.

والتدقيق العلمي في هذا:

أن أبا الحسن الأشعري رحمه الله مرّ بثلاث مراحل: الاعتزال، ثم طريقة ابن كُلّاب، ثم الرجوع إلى مذهب أهل السنة والحديث والتي سطرها في كتابه “الإبانة” و”مقالات الإسلاميين”.

وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية في “مجموع الفتاوى” وفي “درء تعارض العقل والنقل” أن الأشعري في مرحلته الأخيرة اقترب كثيرًا من مذهب السلف وأهل الحديث، وأثبت الصفات الخبرية كالوجه واليدين والاستواء، وكذلك فعل القاضي أبو بكر الباقلاني في بعض كتبه مثل”التمهيد”، إلا أنه بقيت عندهم وعند أتباعهم من المتقدمين بعض البقايا الكلامية من طريقة ابن كُلّاب، لا سيما في مسألة الصفات الاختيارية المتعلقة بمشيئة الله وقدرته -أفعال الله الاختيارية-، وفي حقيقة الكلام الإلهي -مسألة الكلام النفسي-، وفي مسألة النزول الإلهي.

فمثلًا: المتحدث مثّل لاتجاه الإثبات عندهم بإثبات صفة النزول على ما يليق بالله، بينما المشهور عن كثير من متقدمي الأشاعرة تأويل النزول أو عدم إثباته كفعل اختياري يقوم بذات الله لمنافاته لأصلهم الكلامي في منع حلول الحوادث، وإن كان الأشعري في “الإبانة” أثبته.

لذلك، فالقول بأنه لا يوجد أي خلاف البتّة بين متقدمي الأشاعرة وبين أئمة السلف وأهل الحديث فيه تجوز وتعميم، والصواب أنهم أقرب طبقات الأشاعرة إلى السلف، وقد وافقوهم في إثبات الصفات الخبرية الذاتية، لكن بقيت عندهم أصول كلامية خالفوا فيها محض مذهب أهل الحديث كما فصّل ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع كثيرة، منها “الفتوى الحموية”، و”التدمرية”، و”شرح الأصبهانية”.

٢. توصيف مذهب التفويض ونسبته للجويني والغزالي:

أصاب المتحدث في توصيف حقيقة التفويض عند المتأخرين بأنه تفويض للمعنى مع نفي الظاهر وعدم عدّها صفات، وأصاب في عدم نسبته للسلف -خلافًا لما يروجه كثير من الأشاعرة المعاصرين من أن مذهب السلف هو تفويض المعنى-، بل جعل مذهب السلف هو الإثبات.

وهذا موافق لما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية في “الحموية” وفي “درء التعارض” من أن التفويض -بمعنى تجهيل السلف وجعل النصوص كالحروف المقطعة أو الطلاسم التي لا يُعقل معناها- هو من شر أقوال أهل البدع والإلحاد، وأن السلف كانوا يثبتون المعاني ويفوضون الكيفية، كما قال الإمام مالك رحمه الله: الاستواء معلوم -أي في اللغة والمعنى-، والكيف مجهول.

٣. إعلانه تبني مذهب الإثبات السلفي:

تصريح المتحدث الداعية عبد الله رشدي وفقه الله بأنه يأخذ بقول الإثبات فيثبت لله عز وجل الصفات كما ورد عن السلف وعن الإمام أحمد بن حنبل، هو كلام حسن في ظاهره ويُحمد عليه في هذا المقطع، وإن كان يُعرف عنه في مقاطع ومناظرات أخرى اضطراب في هذا الباب ودفاع عن أصول المتكلمين المخالفة لمذهب السلف، فالعبرة بثبات الإنسان على لوازم هذا الإثبات، من إثبات العلو الذاتي، والكلام الحقيقي بحرف وصوت، والصفات الفعلية الاختيارية، وعدم نقضه بالتأويل أو التفويض في مواضع أخرى.

٤. تهوينه من بقية مسائل الخلاف بين السلفية والأشاعرة:

سأل المتحدث: هل الخلاف بين الأشاعرة والسلفية في مسألة الصفات فقط؟ فأجاب: بأن هناك مسائل أخرى لكنه لا يراها بنفس قوة مسألة الصفات.

وهنا وقفة علمية مهمة جدًّا:

لا شك أن باب الأسماء والصفات -توحيد المعرفة والإثبات- هو أعظم أبواب الخلاف، ولكن الخلاف بين أهل السنة والجماعة وبين الأشاعرة يمتد إلى أصول عظيمة وكبيرة جدًّا في العقيدة، وليست مسائل هينة أو فرعية كما أوحى كلامه، ومن أبرز هذه الأصول التي نص عليها العلماء:

أ. مصدر التلقي ومنهج الاستدلال:

حيث يقدم الأشاعرة -لا سيما المتأخرون كالرازي والجويني والغزالي والآمدي- القواعد العقلية الكلامية على نصوص الوحي عند توهم التعارض – وهو ما يُعرف بالقانون الكلي-، ويرفضون الاحتجاج بأحاديث الآحاد في العقائد مهما بلغت من الصحة، بينما أهل السنة يعظمون النصوص ويحتجون بالحديث الصحيح في العقيدة والعمل، وهذا خلاف منهجي جذري قامت عليه كتابات ابن تيمية ككتاب “درء تعارض العقل والنقل” ، وكتاب “الصواعق المرسلة” لابن القيم.

ب. حقيقة التوحيد وتفسير (لا إله إلا الله):

يفسر الأشاعرة الإله بـ: “القادر على الاختراع”، فيجعلون التوحيد محصورًا في توحيد الربوبية، ومن هنا وقع الخلل عند كثير من متأخريهم في باب توحيد الألوهية -توحيد العبادة-، وتبرير صور من الشرك الأكبر عند القبور بدعوى أن الفاعل يعتقد أن الله هو الخالق الرازق! بينما أصل دعوة الرسل عند السلف هو توحيد الألوهية وإفراد الله بالعبادة، وهذه المسألة -توحيد العبادة- أعظم خطرًا في واقع الأمة العملي من كثير من المباحث النظرية.

ج. باب الإيمان:

الأشاعرة على مذهب المرجئة في أن الإيمان هو مجرد التصديق القلبي، ويُخرجون أعمال الجوارح، بل ويخرج بعضهم قول اللسان -وجعله شرطًا لإجراء الأحكام الدنيوية فحسب- عن مسمى الإيمان وحقيقته، بينما الإيمان عند أهل السنة والجماعة: قول وعمل واعتقاد، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.

د. باب القدر والسببية والتحسين والتقبيح:

قول الأشاعرة بنظرية الكسب، والتي حقيقتها الجبر الباطن كما قرر ابن تيمية وابن القيم، وإنكارهم للأسباب الحقيقية والطبائع المودعة في المخلوقات، وإنكارهم لحكمة الله التعليلية في أفعاله وشرعه، فيقولون: لا يفعل الله شيئًا لعلة ولا لحكمة، وإنكار التحسين والتقبيح العقليين مطلقًا، وكل هذه أصول كبرى خالفوا فيها نصوص الكتاب والسنة وإجماع السلف.

هـ. مسألة القرآن وكلام الله:

حيث يقرر الأشاعرة قاطبة أن كلام الله هو المعنى النفسي القائم بالذات دون حروف ولا أصوات، وأن القرآن العربي المتلوّ المكتوب في المصاحف هو عبارة أو حكاية عن كلام الله وهو مخلوق، بينما معتقد السلف والإمام أحمد أن القرآن كلام الله حقيقة بحروفه ومعانيه، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.

والخلاصة النافعة:

أن المقطع فيه إنصاف جزئي من جهة إقراره بأن مذهب السلف وأهل الحديث وابن تيمية هو إثبات الصفات على حقيقتها بلا تأويل ولا تفويض، ومن جهة تفريقه بين طبقات الأشاعرة وعدم جعلهم كتلة واحدة.

لكنه يفتقر إلى الدقة العلمية المحررة في نقطتين رئيسيتين:

الأولى: دعواه التطابق التام وعدم وجود أي خلاف بين متقدمي الأشاعرة -كالأشعري والباقلاني- وبين السلف وأهل الحديث وابن تيمية، متغافلًا عن بقية الأصول الكلامية الكلابية في الصفات الاختيارية والكلام النفسي.

الثانية: تسطيحه لبقية مسائل الخلاف العقدي الكبرى بين السلفية والأشاعرة – في مصادر التلقي، وتوحيد العبادة، والإيمان، والقدر، والنبوات- وتصويرها وكأنها مسائل ثانوية غير مؤثرة.

والله أعلم

 

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي

٢٩ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ الموافق ١٦ أكتوبر ٢٠٢٦م

 

 

 

 

 

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة