يشعر بالارتياح عند موت الآخرين؛ لأنه يريد للناس العظة بالموت!
السؤال
عندما يموت شخص أشعر بالارتياح؛ لأنني أريد الأمة أن تتعظ من الموت، وتعود إلى الله، لا أني أحب أن يموت الناس، فهل أنا مؤاخذ بمثل هذا الشعور؟.
الجواب
الحمد لله
أولاً:
– لسنا معك في شعورك بالارتياح لموت الناس لما ذكرتَ ؛ وذلك لأسباب:
الأول: أن الموت مصيبة على المتوفَّى، قال تعالى: ( فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ ) المائدة/ من الآية 106، فأي راحة مع حلول مصيبة عظمى على أحدٍ من المسلمين؟!.
الثاني: أن حياة المؤمن خير له من مماته ، فبحياته يصلِّي ، ويذكرُ ربَّه ، ويصلُ رحِمَه ، وأما موته : فهو يقطع عليه أعماله ، وطاعاته .
عن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : ( لا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ , وَلا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ ، إِنَّهُ إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ انْقَطَعَ عَمَلُهُ ، وَإِنَّهُ لا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمْرُهُ إِلا خَيْرًا ) . رواه مسلم ( 2682 ).
وعند البخاري ( 7235 ) بلفظ : ( لا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ ، إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ يَزْدَادُ ، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ يَسْتَعْتِبُ ).
الثالث: نسمع في عالَم الناس عن موت كثيرين ، ولا نرى تأثيراً ملحوظاً على محيط ذلك المتوفَّى ومعارفه ، فضلا عن عامة الناس ، فالتأثر يكاد يكون في أقرب الناس من الميت ، وغالباً ما يكون مؤقتاً ، والتأثير يكاد يكون معدوماً.
فلا حاجة لأن تشعر بالارتياح وأنت ترى مصيبة عظيمة قد وقعت على صاحبها ، وأنه خسر بذلك زماناً يزيد في حسناته ، وأنك لا ترى ذلك التأثير للموت في حياة الناس بأن يرجعوا إلى دينهم ، ويستقيموا على طاعة ربهم .
ثانياً:
والطريقة السليمة في هذا الباب أن تذكِّر الناس بموتهم هم ، وأن أجلهم إذا جاء فلن يتأخر عنهم لحظة ، وأنهم مقبورون ، ثم مبعوثون ، ثم محشورون ، ثم محاسَبون ، ثم معذَّبون ، أو منعَّمون ، فمثل هذه المواعظ لها تأثير بالغ في حياة الناس ، وهو مشاهد في الواقع .
ولعلَّ كثرة الموتى ، وكثرة المُلهيات والمُشغِلات : جعلت من سماع موت أحدٍ من الناس مجرد خبر يطرق سمعه ، ثم تراه ينشغل بدنياه ، أو يأتيه خبر موتٍ لآخر فيشتغل به عن الأول ، وهكذا ، وأما تذكير الإنسان بحاله هو ، وأن مصيره – ولا ريب – هو الموت : فإن من شأن هذا – غالباً – أن يكون له تأثير بالغ في المستمع ، وخاصة إن أحسن الواعظ موعظته ، وأتقن عرضها .
ولهذه الطريقة السليمة نصوص من الشرع تؤيدها، ومن ذلك:
- ندب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإكثار مِن ذكر الموت ، كما جاء في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ( أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ ) – يَعْنِي : الْمَوْتَ – . رواه الترمذي ( 2307 ) وحسَّنه ، وابن ماجه ( 4258 ) .
هاذم: يعني: قاطع .
- ندب النبي صلى الله عليه وسلم إلى زيارة القبور ، كما جاء في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ ) رواه مسلم ( 976 ).
والأدلة أكثر من أن تُذكر في جوابنا هنا ، وقد اكتفينا بنا فيه دلالة على ما ينتفع به المسلم لترك تقصيره في طاعة الله ، او لترك ما يفعله من معصية .
والخلاصة:
أنه يجب عليك – أخي السائل – الكف عن الشعور بالارتياح لموت الآخرين، حتى لو كانت نيتك ما ذكرتَ من انتفاع الناس بعظة الموت ، ولعلك لا ترضى أن يشعر أحدٌ من الناس بارتياح لموتك أنت ! حتى لو كان للسبب الذي ذكرتَه ، أليس كذلك ؟! فالموت أمره عظيم ، وخطبه جلل ، لا يكون معه إلا التفكير بالحال لو كنا نحن هو .
ولتعلم أننا وإياك على الدرب سائرون ، وسنلقى المصير نفسه ، فنرجو أن نكون على استعداد لذلك المصير ، ونسأل الله تعالى لنا ولك التوفيق ، والهدى .
والله أعلم.


