حكم مُتابعة النشرة الجوِّيـة؟
السؤال
هل يجوز أن نستمع إلى أو نشاهد النشرة الجوية لنكون مستعدين لمقابلة موجات البرد التي قد تدخل إلى منطقتنا خلال فترة 24 ساعة أو للأمطار التي قد تكون متجهة لمدينتنا باستخدام الوسائل المتطورة مثل رادارات “دوبلر” التي تحدد المواقع بدقة؟
الجواب
الحمد لله
يجوز الاستماع للنشرة الجوية التي يتوقع بها الراصدون للفلك والرياح وأحوال الجو وتقلباته ومسارات الكواكب التي جعلها الله تعالى علامات لحدوث تقلبات الفصول والحر والبرد والرياح وما أشبه هذا مما أجرى الله تعالى بها من الدلائل على آياته الكونية.
ولا نقول هذا علم للغيب، وادعاء علم الغيب المطلق حرام ومنازعة لقدرة الله تعالى التي اختص بها دون خلقه فقال: { قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله } [ النمل / 65]؛ لأن الذي يخبر عنه الراصد الجوي علم شهادة لا علم غيب، فهو يرصد الكوكب ليعلم مجيء الفصول وذهابها، ويرى حركات الرياح وتقلبات الطقس والجو ثم يتوقع حدوث كذا وكذا بأمر الله تعالى الذي سير الكوكب وجعل فيه علامة على تميز الفصول.
فهو لا يدعي أن الكوكب مؤثر بالجو ولا أن الأمر بيد الكوكب، بل هو يرصد حركة الكوكب التي تسري بأمر الله والتي جعلها الله علامة على ما يحدث.
مع هذا كله نقول: إنه لا ينبغي للراصد الجوي إن علم شيئًا من هذا كله أن يجزم به؛ لأن الله تعالى قد يحدث ما لا يخطر ببال أحد.
فالراصد يرى الكوكب أو النجم ليخبر عن تقلبات الفصول ويعلم حركة الرياح وتقلبات الجو أو ما قام عنده من العلم، فيخبر عما رأى وعلم من هذا النظام الذي يسري بأمر الله تعالى.
قال الشيخ ابن عثيمين:
وعلم النجوم ينقسم إلى قسمين:
- علم التأثير.
- وعلم التسيير.
فالأول: علم التأثير وهذا ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
- أن يعتقد أن هذه النجوم مؤثرة فاعله بمعنى أنها هى التي تخلق الحوادث والشرور، فهذا شرك أكبر؛ لأن من ادَّعى أن مع الله خالقًا: فهو مشرك شركًا أكبر، فهذا جعل المخلوق المسخر خالقًا مسخرًا.
- أن يجعلها سببًا يدعي به علم الغيب فيستدل بحركاتها وتنقلاتها وتغيراتها على أنه سيكون كذا وكذا لأن النجم الفلاني صار كذا وكذا مثل أن يقول هذا الإنسان ستكون حياته شقاء لأنه ولد في النجم الفلاني وهذا حياته ستكون سعيدة لأنه ولد في النجم الفلاني فهذا اتخذ تعلم النجوم وسيله لادعاء علم الغيب ودعوى علم الغيب كفر مخرج عن الملة لأن الله يقول { قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله }، وهذا من أقوى أنواع الحصر؛ لأنه بالنفي والإثبات فإذا ادعى أحد علم الغيب: فقد كذب القران.
- أن يعتقدها سببًا لحدوث الخير أو الشر، أي: أنه إذا وقع شيء نسيه إلى النجوم ولا ينسب إلى النجوم شيئا إلا بعد وقوعه فهذا شرك أصغر.
فإن قيل: ينتقض بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله في الكسوف ” إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بها عباده ” فمعنى ذلك أنهما علامة إنذار.
والجواب من وجهين:
الأول: أنه لا يسلم أن للكسوف تأثيرًا في الحوادث والعقوبات من الجدب والقحط والحروب ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم ” إنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ” لا في ما مضى ولا في المستقبل وإنما يخوف الله بهما العباد لعلهم يرجعون، وهذا أقرب.
الثاني: أنه لو سلمنا أن لهما تأثيرًا: فإن النص قد دل على ذلك، وما دل عليه النص يجب القول به لكن يكون خاصًّا به.
لكن الوجه الأول هو الأقرب: أننا لا نسلم أصلا أن لهما تأثيرًا في هذا؛ لأن الحديث لا يقتضيه، فالحديث ينص على التخويف، والمخوف هو الله تعالى والمخوف عقوبته، ولا أثر للكسوف في ذلك، وإنما هو علامة فقط.
الثاني: علم التسيير:
وهذا ينقسم إلى قسمين:
الأول: أن يستدل بسيرها على المصالح الدينية، فهذا مطلوب، وإذا كان يعين على مصالح دينية واجبة كان تعلمها واجبًا كما لو أراد أن يستدل بالنجوم على جهة القبلة، فالنجم الفلاني يكون ثلث الليل قبلة، والنجم الفلاني يكون ربع الليل قبلة، فهذا فيه فائدة عظيمة.
الثاني: أن يستدل بسيرها على المصالح الدنيوية، وهذا لا بأس فيه وهو نوعان:
النوع الأول: أن يستدل بها على الجهات كمعرفة أن القطب يقع شمالا، والجدي – وهو قريب منه – يدور حوله شمالًا، وهكذا: فهذا جائز، قال تعالى: { وعلامات وبالنجم هم يهتدون } [النحل / 16 ].
النوع الثاني: أن يستدل بها على الفصول، وهو ما يعرف بتعلم منازل القمر: فهذا كرهه بعض السلف وأباحه آخرون، والذين كرهوه قالوا: يخشى إذا قيل طلع النجم الفلاني: فهو وقت الشتاء أو الصيف: أن بعض العامة يعتقد أنه هو الذي يأتي بالبرد أو بالحر أو بالرياح والصحيح عدم الكراهة. ” القول المفيد ” ( 2 / 125 – 128 ).
وأما ما ورد من الأحاديث التي تنهى عن مثل هذا فالجواب عنها بما يلي:
قال الإمام البخاري:
باب في النجوم، وقال قتادة: { ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح } [ الملك / 5 ]، خلق هذه النجوم لثلاث: جعلها زينة للسماء، ورجمًا للشياطين، وعلامات يُهتدى بها، فمن تأول فيها بغير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه وتكلف ما لا علم له به “. ” صحيح البخاري ” ( 3 / 168 ).
قال الشيخ ابن عثيمين:
قوله: ” وكره قتادة تعلم منازل القمر “، أي: كراهة تحريم، بناء على أن الكراهة في كلام السلف يراد بها التحريم غالبًا.
وقوله: ” تعلم منازل القمر ” يحتمل أمرين:
الأول: أن المراد به معرفة منزل القمر الليلة يكون في ” الشرطين “، ويكون في ” الأكليل “، فالمراد معرفة منازل القمر كل ليلة؛ لأن كل ليلة له منزله حتى يتم ثمانيًا وعشرين، وفي تسع وعشرين وثلاثين لا يظهر في الغالب.
الثاني: أن المراد به تعلم منازل النجوم، أي: يخرج النجم الفلاني في اليوم الفلاني، وهذه النجوم جعلها الله أوقاتا للفصول لأنها 28 نجمًا منها 14 يمانيه و 14 شمالية، فإذا حلت الشمس في المنازل الشمالية: صار الحر، وإذا حلت في الجنوبية: صار البرد ، ولذلك كان من علامة دنو البرد: خروج سهيل، وهو من النجوم اليمانية.
قوله: ” ولم يرخص فيه ابن عيينة “: هو سفيان بن عيينة المعروف، وهذا يوافق قول قتادة بالكراهة …..
والصحيح: أنه لا بأس بتعلم منازل القمر؛ لأنه لا شرك فيها إلا أن تعلمها ليضيف إليها نزول المطر وحصول البرد وأنها هي الجالبة لذلك فهذا نوع من الشرك، أما مجرد معرفة الوقت بها هل هو الربيع أو الخريف أو الشتاء: فهذا لا بأس به. ” القول المفيد ” ( 2 / 131 – 132 ).
عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: ” صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليلة فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته: فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا: فذلك كافر بي ومؤمن بالكوكب “. رواه البخاري ( 810 ) ومسلم ( 71 ).
قال الشيخ ابن عثيمين – في معنى ” مؤمن بي كافر بالكوكب ” -:
لأنه نسب المطر إلى الله ولم ينسبه إلى الكوكب، ولم ير له تأثيرًا في نزوله، بل نزل بفضل الله. ” القول المفيد ” ( 2 / 156 ).
وقال – في معنى ” كافر بي ومؤمن بالكوكب ” -:
ولهذا قال العلماء: يحرم أن يقول مطرنا بنوء، ويجوز مطرنا في نوء كذا، وفرقوا بينهما أن ” الباء ” للسببية، و ” في ” للظرفية، ومن ثم قال أهل العلم: أنه إذا قال: مطرنا بنوء كذا وجعل الباء للظرفية فهذا جائز، وهذا وإن كان له وجه من حيث المعنى لكن لا وجه له من حيث اللفظ؛ لأن لفظ الحديث: ” من قال مطرنا بنوء كذا “، والباء للسببية أظهر منها للظرفية، وهي وإن جاءت للظرفية كما في قوله تعالى: { وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل }، لكن كونها للسببية أظهر، والعكس بالعكس فـ ” في ” للظرفية أظهر منها للسببية، وإن جاءت للسببية كما في قوله صلى الله عليه وسلم: ” دخلت امرأة النارَ في هرة “.
والحاصل: أن الأقرب: المنع، ولو قصد الظرفية، لكن إذا كان المتكلم لا يعرف مِن الباء إلا الظرفية مطلقًا ولا يظن أنها تأتي سببية: فهذا جائز، ومع ذلك فالأولى أن يقال لهم: قولوا: في نوء كذا. ” القول المفيد ” ( 2 / 157 – 158 ).
والله أعلم.



كتب الله لكم الاجر والثواب ورفع قدركم ودرجتكم وتقبل منكم ونفعنا بعلمكم