هل الروح جزء من الله؟
السؤال
عن الروح حيث كنت في نقاش مع بعضهم عنها فهم يقولون أنها من روح الله ويستدلون بالآيات التي تقول بأن الله نفخ في آدم وعيسى ، وأنا اعلم أنها غير ذلك ، وأريدك أن تبين لهم وتوضح للكثيرين الذين لا يظنون أنها مخلوقة ، وأخبرنا عن عقيدة أهل السنة بخصوص الروح وأن الله هو خالقها .
الجواب
الحمد لله
أولاً :
قد ضل في أمر الروح طوائف عدة ، وأرشد الله أهل السنة إلى الحق المبين من عنده .
قالت طائفة : الروح قديمة غير مخلوقة واستدلوا بقوله تعالى : { إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله و كلمته ألقاها إلى مريم و روح منه } ( النساء / 171 ) .
وبقوله : { ونفخت فيه من روحي } ( الحجر / 29 ) .
وبقوله تعالى : { ثم سواه ونفخ فيه من روحه } ( السجدة / 9 ) .
فقالوا : أضاف الله تعالى الروح إلى ذاته وهو غير مخلوق فالروح غير مخلوقة و رتبوا على ذلك أفكاراً شيطانية فقالوا : انتقلت الروح من الله إلى آدم ثم إلى الصالحين من ذرية آدم ثم إلى علي ثم إلى الحسن والحسين من بعده ثم إلى الأئمة من بعده وقولهم بالأئمة وعصمتهم مشهور وهؤلاء هم ملة الشيعة الضُلاَّل .
ثانياً :
قالت طائفة من الناس : لا نقول مخلوقة ولا نقول غير مخلوقة واستدلوا بقوله تعالى : { قل الروح من أمر ربي } ( الإسراء / 85 ) .
ثالثاً :
وهدى الله أهل السنة إلى الحق المبين فقالوا : هي مخلوقة و استدلوا بأحاديث و آيات .
و لكن الآيات والأحاديث يتأولها الناس أحياناً و أهل السنة إذا استدلوا بالنصوص قرنوا بها فَهْم السلف ولم يلجئوا في تأويلها إلى الشيطان .
ولذا قبل أن نسوق الآيات والأحاديث ننقل إجماع السلف في ذلك فهم أعلم بكتاب الله منا .
قال ابن القيم :
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : روح الآدمي مخلوقة مبدعة باتفاق سلف الأمة وأئمتها و سائر أهل السنة وقد حكى إجماع العلماء على أنها مخلوقة غير واحدٍ من أئمة المسلمين مثل محمد ابن نصر المروزي الإمام المشهور الذي هو مِن أعلم أهل زمانه بالإجماع والاختلاف . وكذلك أبو محمد بن قتيبة …. ” الروح ” ( 185 ) .
أما الأدلة على أنها مخلوقة :
1- قال تعالى :
{… و لو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت و الملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم …} ( الأنعام / 93 ).
فلو لم تكن الأرواح و هي الأنفس مخلوقة لما بسط الملائكة أيديهم و لما قيل للأنفس اخرجي .
2- قال تعالى :
{ فلولا إذا بلغت الحلقوم . و أنتم حينئذٍ تنظرون . و نحن أقرب إليه منكم و لكن لا تبصرون . فلولا إن كنتم غير مدينين . ترجعونها إن كنتم صادقين } ( الواقعة / 83 – 87).
ولو لم تكن مخلوقة وكان القوم غير مدينين أي مجزيين ومحاسبين لما تحدى القرآن بإخراجها.
3- قال تعالى :
{ الله يتوفى الأنفس حين موتها و التي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } ( الزمر / 42 ) .
قال ابن القيم :
إن الروح توصف بالوفاة والقبض والإمساك والإرسال ، وهذا شأن المخلوق المُحْدَث المربوب . ” الروح ” ( ص 189 ) .
4– عن عائشة رضي الله عنها قالت : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ” الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ” .
رواه مسلم ( 4773 ) .
قال ابن القيم :
والجنود المجندة لا تكون إلا مخلوقة .
” الروح ” ( ص 189 ) .
5– عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال : ” خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولمَّا يلحد فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله كأن على رؤوسنا الطير وفي يده عود ينكت به في الأرض فرفع رأسه فقال استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثة ثم قال إن العبد إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان قال : فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض قال فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذا الروح الطيب قال فيقولون فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا قال حتى ينتهون بها السماء الدنيا فيستفتحون له فيفتح له فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهي به إلى السماء السابعة فيقول الله عز وجل اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى قال فتعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه في مكانه فيقولان من ربك فيقول ربي فيقولان له ما دينك فيقول ديني الإسلام فيقولان ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولان له و ما علمك فيقول قرأت كتاب الله عز و جل فآمنت به و صدقت فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة قال فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد البصر ويأتيه رجل حسن الثياب طيب الريح فيقول له أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول من أنت فوجهك الوجه يجيء بالخير فيقول أنا عملك الصالح فيقول رب أقم الساعة رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي و مالي قال وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا و إقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله عز وجل وغضب قال فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح و يخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على ظهر الأرض فيصعدون بها ولا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الخبيثة فيقولون فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا فيستفتح له فلا يفتح له ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تفتح لهم أبواب السماء و لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط فيقول الله عز و جل اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى فيطرح روحه طرحا ثم قرأ ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك فيقول هاه هاه لا ادري فيقولان له ما دينك فيقول هاه هاه لا أدري فيقولان ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول هاه هاه لا أدري فينادي مناد من السماء أن كذب فافرشوا له من النار وألبسوه من النار وافتحوا له بابا إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول أبشر بالذي يسؤك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول من أنت فوجهك الوجه يجيء بالشر فيقول أنا عملك الخبيث فيقول رب لا تقم الساعة ” . رواه أحمد ( 17803 ) تاما ، وغيره مختصراً .
والحديث : حسَّنه المنذري في ” الترغيب والترهيب ” ( 4 / 196 ) .
فهذا الحديث يبين أن الروح تؤخذ بأيدي الملائكة و تجعل في كفن و لولا أنها مخلوقة لما وضعت في الأكفان و لما صعد بها إلى السماء و لما رجعت في بدنه … إلى آخر التفصيلات الواردة في الحديث المتقدم .
فالخلاصة : أن الروح مخلوق خفي لا تُعرف صفاتها ولا ترى ، وفي هذا رد على أصحاب الرأي الثاني الذين يقولون : إن علمها عند الله أي غير معلوم هل هي مخلوقة أم غير ذلك .
ونقول : معنى ” علمها عند الله ” أي : لا يعلم أحد متى تخلق ومتى تموت ومتى تبعث وما هو شكلها وما هي طبيعتها وما لونها إن كان لها لون وغير ذلك من الإيرادات غير قليل لو أردنا أن نتتبع ذلك لطال بنا المقام.
فهي مخلوق و إن كانت لا ترى والجن مخلوقون وإن كنا لا نراهم وفي أيامنا هذه صَنع الناسُ الكهرباء ولها تأثير لا ينكره إلا مجنون ، ولكن من منا رأى الكهرباء ؟ .
والجاذبية الأرضية معلومة بَيْدَ أن لا أحد يراها .
رابعاً :
وأما الرد على أصحاب القول الأول فهو أن نقول :
أضاف الله تعالى الروح إليه إضافة تشريف كما أضاف إليه الناقة في قوله تعالى : { ناقة الله } وفي قولنا : ” بيت الله ” .
وكذا خصَّ الله تعالى ذِكر روح عيسى وآدم ؛ فروح آدم هي أصل خلق الإنسان ، وروح عيسى كانت معجزة لأنه كان من غير أب فشرَّف هاتين الروحين للإعجاز في خلقهما، وليس أنهما من ذات الله .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية :
لا تكون الإضافة تشريفا حتى يكون في المضاف معنى أفرده به عن غيره فلو لم يكن في الناقة والبيت من الآيات البينات ما تمتاز به على جميع النوق والبيوت لما استحقا هذه الإضافة. ” مجموع الفتاوى ” ( 6 / 369 ).
وقد ذكر رحمه الله ضابطاً مهماً في الإضافة إلى الله فقال :
كل ما يضاف إلى الله : إن كان عيناً قائمةً بنفسها : فهو ملك له ، وإن كان صفةً قائمةً بغيرها ليس لها محل تقوم به فهو صفة لله .
فالأول : كقوله { ناقة الله وسقياها } ، وقوله { فأرسلنا إليها روحنا } – وهو جبريل – { فتمثل لها بشراً سويّاً قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيّاً } ، وقال { ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا } ، وقال عن آدم { فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين } .
والثاني : كقولنا ” علم الله ” و” كلام الله ” و” قدرة الله ” و” حياة الله ” و” أمر الله ” . ” مجموع الفتاوى ” ( 9 / 290 ، 291 ) .
وبه يعرف ضلال النصارى في عيسى حيث جعلوه جزءاً من الله و قالوا هو ابن الله .
– ولا شك أنه مخلوق وأن نفسه مخلوقه .
والله أعلم .


