شبهة حول أنّ الزكاة لا يأخذها إلا الخليفة
السؤال
السلام عليكم، يقول بعض الناس أنه كان هناك رجلًا في عهد عمر رضي الله عنه أخذ على عاتقه جمع الزكاة حيث كان عمر مريضًا في ذلك الوقت وحينما سمع بذلك عمر رضي الله عنه أمر بجلده. ويقول هؤلاء الناس أن هذا دليلًا على أن الآخرين لا يستطيعون أن يجمعوا الزكاة والتبرعات نيابة عن الآخرين لغياب الخلافة يقولون أن على الخليفة فقط أن يجمع الزكاة ( بناءً على الدليل السابق ). وأيضًا يقولون أن المال لا يمكن أن يعطى لمبرات الإحسان وذلك لأن بعض هذا المال يذهب في مصروفات جارية للمبرات ( الهيئات أو المنظمات ) وليس للإحسان نفسه حقيقة أليس حقًا أن مثل هذه المساعدات تساعد الملايين؟ هل يمكن أن توضحوا النقاط السالفة الذكر؟
الجواب
الحمد لله
أما الأثر الذي ذكرته عن عمر فلم أجده بعد البحث وهو إما أن يكون صحيحًا أو ضعيفًا فإن كان ضعيفًا فلا حجة فيه.
وإن كان صحيحًا: فإنه عند بعض العلماء منهم ابن حزم ” لا يجب على دافع الزكاة أن يذهب إلى الفقراء و يدفعها إليهم وإنما هذا من واجب أمير المؤمنين.
يقول ابن حزم:
وليس على من وجب عليه الزكاة إيصالها إلى السلطان أن يجمع ماله للمصدق ويدفع إليه الحق ثم مؤنة نقل ذلك من نفس الزكاة، وهذا ما لا خلاف فيه من أحد وبالله تعالى التوفيق.
وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث المصدقين وهم السعاة فيقبضون الواجب ويبرأ أصحاب الأموال من ذلك فإن لم يكن مصدق فعلى من عليه الزكاة إيصالها إلى من يحضره من أهل الصدقات ولا مزيد لأن تكليف النقل مؤنة وغرامة لم يأت بها نص ولا إجماع وبالله تعالى التوفيق ولا فرق بين من كلفه ذلك ميلا أو من كلفه إلى خراسان أو أبعد. ” المحلى ” ( 6 / 95 ).
- وقال ابن حجر معلقًا على حديث ابن عباس رضي الله عنهما في الصحيحين: ” أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذا رضي الله عنه إلى اليمن فقال ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم و ترد على فقرائهم “.
قال ابن حجر:
قوله: ” تؤخذ من أغنيائهم ” استدل به على أن الإمام هو الذي يتولى قبض الزكاة وصرفها إما بنفسه وإما بنائبه، فمن امتنع منها أخذت منه قهرًا. ” الفتح ” ( 4 / 129 ).
وقال الشيخ سيد سابق:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث نوابه، ليجمعوا الصدقات، ويوزعها على المستحقين، وكان أبو بكر وعمر يفعلان ذلك. لا فرق بين الأموال الظاهرة والباطنةـ الأموال الظاهرة: هي الزرع و الثمار و المواشي و المعادن. و الباطنة: هي عروض التجارة و الذهب و الفضة و الركاز – فلما جاء عثمان، سار على النهج زمنًا، إلا أنه لما رأى كثرة الأموال الباطنة ووجد أن في تتبعها حرجاً على الأمة وفي تفتيشها ضررًا بأربابها، فوّض أداء زكاتها إلى أصحاب الأموال.
وقد اتفق الفقهاء: على أن الملاَّك هم الذين يتولون تفريق الزكاة بأنفسهم، إذا كانت الزكاة زكاة الأموال الباطنة، لقول السائب بن يزيد: سمعت عثمان بن عفان يخطب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هذا شهر زكاتكم، فمن كان منكم عليه دين فليقض دينه، حتى تخلص أموالكم فتؤدوا منها الزكاة. رواه البيهقي بإسناد صحيح.
– وقال النووي: ونقل أصحابنا فيه إجماع المسلمين، وإذا كان للملاك أن يفرقوا زكاة أموالهم الباطنة فهل هذا هو الأفضل؟ أم الأفضل أن يؤدوها للإمام ليقوم بتوزيعها؟
– المختار عند الشافعية: أن الدفع إلى الإمام، إذا كان عادلًا أفضل.
– وعند الحنابلة: الأفضل أن يوزعها بنفسه؛ فإن أعطاها للسلطان فجائز، أما إذا كانت الأموال ظاهرة، فإمام المسلمين ونوابه هم الذين لهم ولاية الطلب، والأخذ، عند مالك، والأحناف.
ورأي الشافعية والحنابلة في الأموال الظاهرة كرأيهم في الأموال الباطنة براءة رب المال بالدفع إلى الإمام مع العدل والجور: إذا كان للمسلمين إمام يدين بالإسلام يجوز دفع الزكاة إليه عادلًا كان أم جائرًا؛ وتبرأ ذمة رب المال بالدفع إليه، إلا أنه إذا كان لا يضع الزكاة موضعها، فالأفضل له أن يفرقها بنفسه على مستحقيها إلا إذا طلبها الإمام أو عامله عليها.
فعن أنس قال: ” أتى رجل من بني تميم، رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: حسبي يا رسول الله إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله ورسوله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، إذا أديتها إلى رسولي فقد برئت منها، فلك أجرها، وإثمها على من بدلها “. رواه أحمد.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إنها ستكون بعدي أثرة، وأمور تنكرونها. قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم.”. رواه البخاري ومسلم.
وعن وائل بن حجر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجل يسأله ـ فقال: ” أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعوننا حقهم؟ فقال: اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حملوا، وعليكم ما حملتم. ” رواه مسلم.
قال الشوكاني: والأحاديث المذكورة في الباب، استدل بها الجمهور على جواز دفع الزكاة إلى سلاطين الجور، وإجزائها. أ.هـ
هذه بالنسبة لإمام المسلمين في دار الإسلام، وأما إعطاء الزكاة للحكومات المعاصرة، فقال الشيخ رشيد رضا: ولكن أكثر المسلمين لم يبق لهم في هذا العصر حكومات إسلامية، تقيم الإسلام بالدعوة إليه، والدفاع عنه والجهاد الذي يوجبه وجوبًا عينيًا، أو كفائيًا، وتقيم حدوده، وتأخذ الصّدقات المفروضة، كما فرضها الله، وتضعها في مصارفها التي حددهاـ بل سقط أكثرهم تحت سلطة دول الإفرنج، وبعضهم تحت سلطة حكومات مرتدة عنه، أو ملحدة فيه، ولبعض الخاضعين لدول الإفرنج رؤساء من المسلمين الجغرافين، اتخذهم الإفرنج آلات لإخضاع الشعوب لهم؛ باسم الإسلام حتى فيما يهدمون به الإسلام ويتصرفون بنفوذهم وأموالهم الخاصة بهم، فيما له صفة دينية، من صدقات الزكاة والأوقاف وغيرها.
فأمثال هذه الحكومات، لا يجوز دفع شيء من الزكاة لها، مهما يكن لقب رئيسها، ودينه الرسمي.
وأما بقايا الحكومات الإسلامية، التي يدين أئمتها ورؤساؤها بالإسلام، ولا سلطان عليهم للأجانب في بيت مال المسلمين، فهي التي يجب أداء الزكاة الظاهرة لأئمتها، وكذا الباطنة، كالنقدين إذا طلبوها، وإن كانوا جائرين في بعض أحكامهم، كما قال الفقهاء. انتهى. ” فقه السنة ” ( 2 / 354 – 356 ).
والله أعلم.


