ما هو سبب لبس المرأة للحجاب؟ وهل يتعارض مع { لا إكراه في الدين }؟
السؤال
أود أن أعرف سبب وجوب العباءة أو الحجاب، هل السلف أو النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته أمروا بها؟ وكيف يقع هذا من مبدأ { لا إكراه في الدين }؟
الجواب
الحمد لله
أولاً:
ما من شك أن الله تعالى لا يأمر إلا بما فيه الحكمة ، وفي بعض الأحيان تخفى حكمة بعض هذه الأحكام على العبيد وفي بعضها تكون ظاهرة معلومة ، كتحريم الله تعالى للخمر التي تُذهب العقل وتصد عن ذكر وعن الصلاة .
وحكمة تشريع الحجاب أظهر ما تكون فإنها ستر للمرأة وعفاف لها ، وهي بذلك تمنع السفهاء من التعرض لها والنيل منها ، فكم من امرأة متحجبة منع حجابها من تعرض شياطين الإنس لها ، وكم من امرأة متبرجة عرضت زينتها وأظهرت مفاتنها للناس تسببت في مضايقتها والتعرض لها ، وفي هذا يقول الله تبارك وتعالى : { يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما } [ الأحزاب / 59 ] ، وهذه الآية فيها الجواب الكامل على السؤال حيث ذكر الله تعالى فيها الأمر لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين بالحجاب ، وفيها كذلك ذِكر الحكمة وهو حفظهن وعدم تعرضهن للإيذاء .
قال ابن كثير :
يقول الله تعالى آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم تسليماً أن يأمر النساء المؤمنات خاصة أزواجه وبناته لشرفهن بأن يدنين عليهن من جلابيبهن ليتميزن عن سمات نساء الجاهلية وسمات الإماء ، والجلباب هو الرداء فوق الخمار قاله ابن مسعود وعبيدة وقتادة والحسن البصري وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وعطاء الخراساني وغير واحد ، وهو بمنزلة الإزار اليوم ، قال الجوهري : الجلباب الملحفة …
وقوله { ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين } أي :
إذا فعلن ذلك عرفن أنهن حرائر لسن بإماء ولا عواهر ، … وقال مجاهد : يتجلببن فيُعلم أنهم حرائر فلا يتعرض لهن فاسق بأذى ولا ريبة . ” تفسير ابن كثير ” ( 3 / 519 ، 520 ) .
– ولمعرفة أدلة وجوب الحجاب وأقوال العلماء فلينظر في أجوبة أسئلة سابقة.
ثانياً :
ولا تعارض بين الأمر بالحجاب وبين قوله تعالى { لا إكراه في الدين } حيث إن الآية في عدم إجبار الناس على الدخول في الإسلام ، فأما من دخل فيه فإنه يُلزم بالأحكام الشرعيَّة الواجبة ويعاقب على تعمد مخالفتها لأن من رضي بالله ربّاً فيجب عليه طاعته ، ومن رضي بالإسلام ديناً وجب عليه الاستسلام لأحكامه ، ومن رضي بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم رسولاً وجب عليه تنفيذ أوامره الشرعيَّة ، كما قال الله تعالى : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب } [ الحشر / 7 ] ، وقال تعالى
- أيضاً – : { فلْيحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم }
[ النور / 63 ] ، وقال : { وما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيَرة مِن أمرهم ومَن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً } [ الأحزاب / 36 ] .
قال ابن القيم :
فاختيار الرب تعالى لعبده نوعان : أحدهما : اختيار ديني شرعي ، فالواجب على العبد أن لا يختار في هذا النوع غير ما اختاره له سيده قال تعالى : { وما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم } [ الأحزاب / 36 ] ، فاختيار العبد خلاف ذلك : منافٍ لإيمانه وتسليمه ورضاه بالله ربّاً وبالإسلام ديناً وبمحمَّدٍ رسولاً . ” مدارج السالكين ” ( 2 / 188 ) .
والله أعلم.


