هل يجوز أخذ هدايا الكفار بأعيادهم بنية الهدية؟

السؤال

لدي أقرباء وهم من غير المسلمين للأسف.  والمشكلة أنهم غالبا ما يرسلون لي بالمال والهدايا … ويكون القصد منها هو الأعياد والمناسبات الأخرى كأعياد الميلاد … الخ، وأنا أعلم أنه لا يجوز الاحتفال بمثل تلك المناسبات في الإسلام.  أنا لا أقبل الهدايا بنية أنها لتلك المناسبات المذكورة، لكن على أنها مجرد هدايا.  فإذا كنت لا أقبل بتلك الهدايا على أنها لما قصد المهدي منها، فهل يجوز أن آخذها؟  أم أنه لا يجوز أن آخذ تلك الهدايا مهما كانت نيتي؟

الجواب

الحمد لله

  1. جزى الله السائلة خير الجزاء على حرصها على البحث عما يهمها من أمر دينها.
  2. يجوز للإنسان المسلم أن يقبل الهدايا من الكفار أو يعطيهم الهدايا وخصوصا إذا كانوا من الأقرباء، والدليل على ذلك:

أ. عن أبي حميد الساعدي قال: غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم تبوك وأهدى ملك أيلة للنبي صلى الله عليه وسلم بغلة بيضاء وكساه بُردًا وكتب له ببحرهم. رواه البخاري ( 2990 ).

ب. عن كثير بن عباس بن عبد المطلب قال: قال عباس شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم نفارقه ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي … رواه مسلم ( 1775 ).

قال النووي:

وأما قوله: ( أهداها له فروة بن نفاثة ) فهو بنون مضمومة ثم فاء ثم ألف ثم ثاء مثلثة، وفي الرواية التي بعدها رواية إسحاق بن إبراهيم قال: ( فروة بن نعامة ) بالعين والميم والصحيح المعروف الأول، قال القاضي: واختلفوا في إسلامه فقال الطبري: أسلم وعمر عمرا طويلا، وقال غيرهم: لم يسلم، وفي صحيح البخاري أن الذي أهداها له ملك أيلة، واسم ملك أيلة فيما ذكره ابن إسحاق: ( يحنة بن رونة ). والله أعلم.

فإن قيل: ففي هذا الحديث قبوله صلى الله عليه وسلم هدية الكافر، وفي الحديث الآخر: ” هدايا العمال غلول ” مع حديث ابن اللتيبة ” عامل الصدقات “، وفي الحديث الآخر ” أنه رد بعض هدايا المشركين وقال: إنا لا نقبل زبد المشركين ” أي رفدهم فكيف يجمع بين هذه الأحاديث؟

قال القاضي رضي الله عنه: قال بعض العلماء رضي الله تعالى عنهم: إن هذه الأحاديث ناسخة لقبول الهدية، قال: وقال الجمهور: لا نسخ، بل سبب القبول أن النبي صلى الله عليه وسلم مخصوص بالفيء الحاصل بلا قتال، بخلاف غيره، فقبل النبي صلى الله عليه وسلم ممن طمع في إسلامه وتأليفه لمصلحة يرجوها للمسلمين، وكافأ بعضهم ورد هدية من لم يطمع في إسلامه ولم يكن في قبولها مصلحة؛ لأن الهدية توجب المحبة والمودة، وأما غير النبي صلى الله عليه وسلم من العمال والولاة فلا يحل له قبولها لنفسه عند جمهور العلماء، فإن قبلها كانت فيئا للمسلمين، فإنه لم يهدها إليه إلا لكونه إمامهم، وإن كانت من قوم هو محاصرهم، فهي غنيمة.

قال القاضي: وهذا قول الأوزاعي ومحمد بن الحسن وابن القاسم وابن وحكاه ابن حبيب عمن لقيه من أهل العلم، وقال آخرون: هي للإمام خالصة به، قال أبو يوسف وأشهب وسحنون. وقال الطبري: إنما رد النبي صلى الله عليه وسلم من هدايا المشركين ما علم أنه أهدي له في خاصة نفسه، وقيل: ما كان خلاف ذلك مما فيه استئلاف المسلمين، قال: ولا يصح قول من ادعى النسخ، قال: وحكم الأئمة بعد إجراؤها مجرى مال الكفار من الفيء أو الغنيمة بحسب اختلاف الحال، وهذا معنى ” هدايا العمال غلول ” أي إذا خصوا بها أنفسهم؛ لأنها لجماعة المسلمين بحكم الفيء والغنيمة، قال القاضي: وقيل: إنما قبل النبي صلى الله عليه وسلم هدايا كفار أهل الكتاب ممن كان على النصرانية كالمقوقس وملوك الشام فلا معارضة بينه وبين قوله صلى الله عليه وسلم ” لا يقبل زبد المشركين ” وقد أبيح لنا ذبائح أهل الكتاب ومناكحتهم بخلاف المشركين عبدة الأوثان، هذا آخر كلام القاضي عياض. ” شرح مسلم ” ( 12 / 113 ، 114 ).

– قلت: وحديث ” إنا لا نقبل زبْد المشركين ” رواه الترمذي ( 1577 ) وأبو داود ( 3075 ).

– وزبْد: الهدية والعطاء.

وفي بعض الأجوبة السابقة نظر.

قال ابن حجر:

وأورد المصنف عدة أحاديث دالة على الجواز، فجمع بينها الطبري بأن الامتناع فيما أهدي له خاصة والقبول فيما أهدي للمسلمين.

وفيه نظر لأن من جملة أدلة الجواز ما وقعت الهدية فيه له خاصة.

وجمع غيره: بأن الامتناع في حق من يريد بهديته التودد والموالاة والقبول في حق من يرجى في بذلك تأنيسه وتأليفه على الإسلام، وهذا أقوى من الأول.

وقيل: يحمل القبول على من كان من أهل الكتاب والرد على من كان من أهل الأوثان.

وقيل: يمتنع ذلك لغيره من الأمراء وأن ذلك من خصائصه.

ومنهم: من ادعى نسخ المنع بأحاديث القبول ومنهم من عكس.

وهذه الأجوبة الثلاثة ضعيفة فالنسخ لا يثبت بالاحتمال ولا بالتخصيص.

” فتح الباري ” ( 5 / 231 ).

ج. عن علي: أن أكيدر دومة أهدى إلى النبي  صلى الله عليه وسلم ثوب حرير فأعطاه عليًّا فقال: شقِّقْه خُمْرًا بين الفواطم. رواه البخاري ( 2472 ) – ولم يسمَّ المُهدي – ومسلم – واللفظ له – (2071 ).

قال النووي:

وأما ( أكيدر ): فهو بضم الهمزة وفتح الكاف وهو أكيدر بن عبد الملك الكندي.

قال الخطيب البغدادي في كتابه ” المبهمات “: كان نصرانيا ثم أسلم، قال: وقيل بل مات نصرانيا، وقال ابن منده وأبو نعيم الأصبهاني في كتابهما في معرفة الصحابة: إن أكيدرًا هذا أسلم، وأهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حلة سيراء.

قال ابن الأثير في كتابه ” معرفة الصحابة “: أما الهدية والمصالحة فصحيحان، وأما الإسلام فغلط.

قال: لأنه لم يسلم بلا خلاف بين أهل السير، ومن قال: أسلم: فقد أخطأ خطأ فاحشًا.

قال: وكان ” أكيدر ” نصرانيا فلما صالحه النبي صلى الله عليه وسلم عاد إلى حصنه وبقى فيه ثم حاصره خالد بن الوليد في زمان أبى بكر الصديق رضى الله عنه فقتله مشركا نصرانيا يعنى لنقضه العهد …

وفي هذا الحديث: جواز قبول هدية الكافر وقد سبق الجمع بين الأحاديث المختلفة في هذا.

” شرح مسلم ” ( 14 / 50 ، 51 ).

د. عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن يهودية أتت النبي صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة فأكل منها فجيء بها فقيل: ألا نقتلها قال لا فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم.

رواه البخاري ( 2474 ) ومسلم ( 2190 ).

– لهوات: جمع لهاة، وهي اللحمة المعلقة في أعلى الحنك.

هـ. عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما، قالت: قدمتْ عليَّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فاستفتيت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قلت إن أمي قدمت وهي راغبة، أفأصل أمي, قال: نعم صلي أمك “. رواه البخاري ( 2477 )،  ومسلم ( 1003 ).

وفي بعض الروايات أن أمها جاءت بهدايا.

والخلاصة: أنه يجوز للمسلم أن يهدي الكافر أو يقبل الهدية من الكافر.

  1. وأما بالنسبة لهدايا أعيادهم فلا يجوز قبولها لأن في قبولها تعظيمًا لأعيادهم، ولا يجوز لنا أن نهديهم شيئًا في أعيادهم للسبب نفسه، ولا يجوز قبول لحمٍ ذبح لذلك اليوم أو ذبح لغير الله أو ذكر اسم غير الله عليه.
  2. قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

ويزيد ذلك وضوحا أن الأمر قد آل إلى أن كثيرًا من الناس صاروا في مثل هذا الخميس الذي هو عند الكفار عيد المائدة آخر خميس في صوم النصارى الذي يسمونه الخميس الكبير وهو الخميس الحقير يجتمعون في أماكن اجتماعات عظيمة ويصبغون البيض ويطبخون اللبن وينكتون بالحمرة دوابهم ويصطنعون الأطعمة التي لا تكاد تفعل في عيد الله ورسوله ويتهادون الهدايا التي تكون في مثل مواسم الحج وعامتهم قد نسوا أصل ذلك وعلته وبقي عادة مطردة كاعتيادهم بعيد الفطر والنحر وأشد واستعان الشيطان على إغوائهم في ذلك بأن الزمان زمان ربيع وهو مبدأ العام الشمسي فيكون قد كثر فيه اللحم واللبن والبيض ونحو ذلك مع أن عيد النصارى ليس هو يوما محدودا من السنة الشمسية وإنما يتقدم فيها ويتأخر في نحو ثلاثة وثلاثين يوما كما قدمناه.

وهذا كله تصديق قول النبي صلى الله عليه وسلم ” لتتبعن سَنن من كان قبلكم ” والسَّنن: مشابهة الكفار في القليل من أمر عيدهم وعدم النهي عن ذلك.

وإذا كانت المشابهة في القليل ذريعة ووسيلة إلى بعض هذه القبائح كانت محرمة، فكيف إذا أفضت إلى ما هو كفر بالله من التبرك بالصليب والتعميد في المعمودية، أو قول القائل المعبود واحد وإن كانت الطرق مختلفة، ونحو ذلك من الأقوال والأفعال التي تتضمن إما كون الشريعة النصرانية واليهودية المبدلتين المنسوختين موصلة إلى الله، وإما استحسان بعض ما فيها مما يخالف دين الله أو التدين بذلك أو غير ذلك مما هو كفر بالله وبرسوله وبالقرآن وبالإسلام بلا خلاف بين الأمة الوسط في ذلك، وأصل ذلك المشابهة والمشاركة.

وبهذا يتبين لك كمال موقع الشريعة الحنيفية وبعض حكمة ما شرعه الله لرسوله من مباينة الكفار ومخالفتهم في عامة أمورهم لتكون المخالفة أحسم لمادة الشر وأبعد عن الوقوع فيما وقع فيه الناس   واعلم أنا لو لم نر موافقتهم قد أفضت إلى هذه القبائح لكان علمنا بما فطرت الطبائع عليه واستدلالنا بأصول الشريعة يوجب النهي عن هذه الذريعة فكيف وقد رأينا من المنكرات التي أفضت إليها المشابهة ما قد يوجب الخروج من الإسلام بالكلية. ” اقتضاء الصراط المستقيم ” ( ص 215 ، 216 ).

وقال رحمه الله:

ومن أهدى للمسلمين هدية في هذه الأعياد مخالفة للعادة في سائر الأوقات غير هذا العيد: لم تقبل هديته خصوصا إن كانت الهدية مما يستعان بها على التشبه بهم في مثل إهداء الشمع ونحوه في الميلاد أو إهداء البيض واللبن والغنم في الخميس الصغير الذي في آخر صومهم.

وكذلك أيضا لا يهدى لأحدٍ من المسلمين في هذه الأعياد هدية لأجل العيد لا سيما إذا كان مما يستعان بها على التشبه بهم كما ذكرناه.

ولا يبيع المسلم ما يستعين المسلمون به على مشابهتهم في العيد من الطعام واللباس ونحو ذلك لأن في ذلك إعانة على المنكرات. ” اقتضاء الصراط المستقيم ” ( 227 ).

وقال:

فأما بيع المسلم لهم في أعيادهم ما يستعينون به على عيدهم من الطعام واللباس والريحان ونحو ذلك أو إهداء ذلك لهم: فهذا فيه نوع إعانة على إقامة عيدهم المحرم، وهو مبني على أصل وهو أنه لا يجوز أن يبيع الكفار عنبًا أو عصيرًا يتخذونه خمرًا، وكذلك لا يجوز بيعهم سلاحًا يقاتلون به مسلمًا.” اقتضاء الصراط المستقيم ” ( 229 ).

وقال ابن القيم رحمه الله:

حكم حضور أعياد أهل الكتاب:

وكما أنهم لا يجوز لهم إظهاره، فلا يجوز للمسلمين ممالاتهم عليه، ولا مساعدتهم، ولا الحضور معهم باتفاق أهل العلم الذين هم أهله، وقد صرح به الفقهاء من أتباع الأئمة الأربعة في كتبهم.

فقال أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الفقيه الشافعي: ولا يجوز للمسلمين أن يحضروا أعيادهم لأنهم على منكر وزور، وإذا خالط أهل المعروف أهل المنكر بغير الإنكار عليهم: كانوا كالراضين به المؤثرين له، فنخشى من نزول سخط الله على جماعتهم فيعم الجميع، نعوذ بالله من سخطه. ” أحكام أهل الذمة ” ( 3 / 1245 ).

وقال:

وقال أبو الحسن الآمدي: لا يجوز شهود أعياد النصارى واليهود، نصَّ عليه أحمد في رواية مهنا، واحتج بقوله تعالى { والذين لا يشهدون الزور } قال: الشعانين وأعيادهم.

وقال الخلال في ” الجامع ” باب في كراهية خروج المسلمين في أعياد المشركين، وذكر عن مهنا قال: سألتُ أحمد عن شهود هذه الأعياد التي تكون عندنا بالشام مثل دير أيوب وأشباهه يشهده المسلمون يشهدون الأسواق ويجلبون فيه الضحية والبقر والبر والدقيق وغير ذلك يكونون في الأسواق ولا يدخلون عليهم بِيعهم؟   قال: إذا لم يدخلوا عليهم بِيعهم وإنما يشهدون السوق فلا بأس.

وقال عبد الملك بن حبيب: سئل ابن القاسم عن الركوب في السفن التي تركب فيها النصارى إلى أعيادهم، فكره ذلك مخافة نزول السخطة عليهم بشركهم الذين اجتمعوا عليه.

قال: وكره ابن القاسم للمسلم أن يهدي إلى النصراني في عيده مكافأة له، ورآه من تعظيم عيده وعونا له على كفره، ألا ترى أنه لا يحل للمسلمين أن يبيعوا من النصارى شيئًا من مصلحة عيدهم لا لحما ولا أدما ولا ثوبا ولا يعارون دابة ولا يعانون على شيء من عيدهم؛ لأن ذلك من تعظيم شركهم وعونهم على كفرهم، وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك، وهو قول مالك وغيره لم أعلمه اختلف فيه.

هذا لفظه في ” الواضحة “.

وفي كتب أصحاب أبي حنيفة: من أهدى لهم يوم عيدهم بطيخة بقصد تعظيم العيد فقد كفر.

” أحكام أهل الذمة ” ( 3 / 1249 ، 1250 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة