حكم هجر المساجد، والدعاء للسلطان في خطبة الجمعة
السؤال
- ما حكم من يهجر المساجد؟ .
- هل يجوز لخطيب الجمعة أن يدعو للسلطان عقب خطبة الجمعة؟ ومتى لا يجوز الدعاء له؟.
الجواب
أولاً:
المساجد بيوت الله تعالى ، وقد أمر عز وجل بإقامتها ، وإعمارها ، ومن أعظم ما تُعمر به : إقامة الصلوات الخمس فيها ، قال تعالى : ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ . رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ) النور/36،37 .
وأخبر تعالى أنه لا يعمر المساجد إلا المؤمنون ، فقال تعالى : ( إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ) التوبة/18 .
وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الرجال المكلفين بالسعي نحو المساجد لإقامة الصلوات إن كانوا من أهل الوجوب ، وليس يجوز لأحدٍ منهم يستطيع الوصول لتلك المساجد أن يترك السعي لها ، ولو كان سيصلي في بيته مع عدد أكبر من عدد المصلين في المسجد ، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يعرفون المنافقين بتخلفهم عن الصلاة في المساجد ، وقد همَّ النبي صلى الله عليه وسلم بتحريق بيوت من هجر المساجد ليصلي في بيته ، وكل ذلك جاءت أدلته في السنَّة الصحيحة ، ولتنظر هذه الأدلة ، وتفصيل الحكم في صلاة الجماعة في المساجد في أجوبتنا السابقة.
وأما أقوال العلماء في وجوب إعمار بيوت الله تعالى بالصلاة ، والتحذير من هجرها : فكثيرة ، ومن ذلك :
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :
أئمة المسلمين متفقون على أن إقامة الصلوات الخمس في المساجد هي من أعظم العبادات وأجلِّ القربات . ” مجموع الفتاوى ” ( 23 / 225 ) .
- قال الشيخ محمد عبد السلام خضر الشقيري – رحمه الله – تحت فصل بعنوان ” في بيان كبيرة هجر المساجد ” – :
لقد هجر الناسُ المساجدَ ، وكرهوا دخول بيوت الله ، وأبغضوا الصلاة فيها ، واتخذوا المقاهي ، والحوانيت ، والدكاكين مواطن لجلوسهم ، وراحتهم ، ومسامراتهم ، وضياع أوقاتهم ، وكما ينفقون في هذه الأماكن الوقت الطويل جدّاً : فلا شك أنهم ينفقون أثناء هذه الجلسات أموالاً كثيرة جدّاً ، هم وأبناؤهم وأقاربهم في أشد الاحتياج إلى بعضها ؛ لأنهم لا يربحون إلا التافه القليل ، مع العناد الشديد ، والإرهاق الطويل ، فهم مخطئون ، ولا كلام ، وأشد منهم خطأً وعيباً : المنتسبون للعلم والدِّين ، إلا أن الجُرم أشد ، والذنب أشنع ، وأفحش ، على مَن يزعمون أنهم محيو السنَّة ، وناشرو لوائها ، ورافعو رايتها وأعلامها ، ويفخرون على أهل الأرض جميعاً ، يرون الفضل لهم والسيادة على الناس كلهم باتباع القرآن ، والسنَّة ، هذا على أن مواظبتهم طول عمرهم على أداء المكتوبات في محال عملهم ، أو في البيوت: لا شك أنها بدعة منكرة، وضلالة قبيحة . ” السنن والمبتدعات ” ( ص 38).
وبه يُعلم أن هجر المساجد هو من صفات المنافقين ، وأنه من صلَّى في بيته فقد أثم على تركه السعي نحو إقامة الصلاة في بيت الله تعالى .
ثانياً:
وأما الدعاء للسلطان المسلم : فمن حيث العموم هو من منهج أهل السنَّة والجماعة ؛ لأن صلاح الراعي فيه صلاحٌ للرعية .
قال الإمام الحسن بن علي البربهاري – رحمه الله – :
إذا رأيتَ الرجل يدعو على السلطان : فاعلم أنه صاحب هوى ، وإذا رأيت الرجل يدعو للسلطان بالصلاح : فاعلم أنه صاحب سنَّة إن شاء الله . ” شرح السنة ” ( ص 116 ) .
وقال الفضيل بن عياض – رحمه الله – :
لو كان لي دعوة مستجابة : ما صَيَّرتها إلا في الإمام ، قيل له : وكيف ذلك يا أبا علي ؟ قال : متى صيرتُها في نفسي : لم تَجزني ، ومتى صيرتها في الإمام : فصلاح الإمام صلاح العباد ، والبلاد . ” شرح السنة ” للبربهاري ( ص 117 ) .
وأما من حيث تخصيص السلطان بالدعاء في خطبة الجمعة : فلم يكن هذا من الهدي الأول ، وهو ليس واجباً ، ولا مستحبّاً ، بل غاية أمره أنه مباح ، وقد قال بعض العلماء ببدعيته ، بل قالوا : إنه لا يجب الإنصات للخطيب إذا شرع بالدعاء للسلطان ! .
قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – :
وقد استثني من الإنصات في الخطبة : ما إذا انتهى الخطيب إلى كل ما لم يشرع ، مثل الدعاء للسلطان ! – مثلاً – ، بل جزم صاحب ” التهذيب ” بأن الدعاء للسلطان مكروه ، وقال النووي : محله ما إذا جازف ، وإلا فالدعاء لولاة الأمور مطلوب أ.هـ .
ومحل الترك إذا لم يخف الضرر، وإلا فيباح للخطيب إذا خشي على نفسه.
” فتح الباري ” ( 2 / 415 ) .
والصحيح : أن الدعاء للسلطان مباح ، وأنه يجب الإنصات للخطيب حين يدعو له .
سئل الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله – :
بعض الناس يعيب على خطباء الجوامع الدعاء لولاة الأمر على المنبر ، فما توجيه فضيلتكم حيال ذلك ؟ .
فأجاب :
من قال ذلك : فالعيب فيه هو ، وليس في الخطباء ، الخطباء إذا دعوا لولاة الأمور : فهم على السنَّة ولله الحمد ؛ لأن الدعاء لولاة الأمور من النصيحة لهم ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( الدِّينُ النَّصيحةُ ) – رواه مسلم – ومن النّصيحة وأعظم النصيحة : الدعاء للمسلمين ، ولولاة أمورهم ، هذا من أعظم النصيحة .
والإمام أحمد رحمه الله كان يُعذِّبُ من قبل الوالي ، فيُضرَبُ ويُجَرُّ ، ومع هذا كان يقول : ” لو أعلم أن لي دعوة مستجابة لصرفتها للسلطان ” ؛ وذلك لأن السلطان إذا صلح : أصلح الله به البلاد والعباد ، فالدعاء لولاة الأمور أمر مستحب ، موافق للسنَّة وعمل المسلمين ، وما زال المسلمون يدعون لولاة الأمور على المنابر ، يدعون لهم بالصلاح والهداية ، ولا ينكر هذا إلا جاهل ، أو مغرض يريد الفتنة بين المسلمين ، وإذا كان الكافر يُدعى له بالهداية : فكيف لا يُدعى للمسلم بالهداية ، والصلاح . ” المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان ” ( 1 / 388 ، 389 ، السؤال رقم 229 ) .
على أنه ينبغي التنبه لأمور ، منها :
- أن لا يبالغ الخطيب بدعائه للسلطان ، فيجعله عابداً قانتاً مجاهداً ، وهو ليس كذلك، ولا هو قريب من ذلك .
- ينبغي على الدوائر المسئولة عن الخطباء عدم إلزام الخطباء بالدعاء بالسلطان ؛ لأن الدعاء عبادة ، ولا يحل إكراه الناس عليه ، ولا يستجيب الله دعاء من هو مكرَه أصلاً ، وإكراه الخطباء على الدعاء يسبب بغضاً للسلطان ، فمتى يعقل هؤلاء هذا ؟ وليُترك الأمر لقناعة الخطيب ، حتى يخرج الدعاء من قلبه ، وإذا راجعه أحد قويت حجته في البيان ، بخلاف من يقول إذا روجع في الدعاء : ” أنا مُكره ” ! .
- لا ينبغي المداومة على الدعاء وجعله جزء من الخطبة .
- الأفضل أن يعمَّم الدعاء لجميع المسلمين من الحكَّام ، فصلاحهم فيه صلاحٌ لرعيتهم ، والمسلم يحب لإخوانه ما يحب لنفسه ، من الأمن ، والطمأنينة .
- لا يجوز الدعاء للحاكم الذي يجهر بعقيدة تُخرجه من الإسلام ، كأن يكون بعثيّاً ، أو شيوعيّاً ، أو قاديانيّاً ؛ لأن الدعاء لمثل هؤلاء تزكية لهم ، ويوهم الناس أنه على الإسلام ، ويجوز الدعاء للسلطان ولو كان فاسقاً أو مبتدعاً .
والله أعلم.


