خالف أهل الميت الوصية، فما الذي يجب عمله؟
السؤال
لي صديق قد توفي زوج أخته الأسبوع الماضي – رحمة الله عليه – وبعد وفاته قام إخوانه وأقاربه بنقل جثته إلى قريتهم والتي تبعد حوالي 14 ساعة بالسيارة عن المكان الذي كان يعيش فيه عند وفاته. قالت زوجته – زوجة الميت – للإخوة بأن زوجها قد ترك مكتوبة وذكر فيها أن يتم دفنه مباشرة في نفس المكان الذي يتوفى فيه، ولكن أحدًا لم يستمع لكلامها. وفيما بعد وجدت زوجته الوصية المكتوبة والموقعة بين أوراقه.
هل قام إخوته وأقاربه بارتكاب معصية؟ وما الذي يجب عمله الآن؟ هل هناك صدقات يجب أن يدفعها إخوته وأقاربه لعدم اتباعهم للوصية؟ الرجاء الرد على هذا السؤال في أقرب فرصة تتاح لك. شكرًا.
الجواب
الحمد لله
المسألة هنا تناقش من طرفين:
الأول: مسألة العمل بوصية الموصي.
الثاني: حكم نقل الميت من البلد الذي مات فيه إلى بلد آخر.
أما المسألة الأولى:
فيظهر: أن العمل بوصية الموصي واجب ما لم يوص بإثم أو محرم، فإن أوصى بواجب أو مندوب أو مباح فيجب العمل بالوصية التي يوصي بها.
قال الشيخ ابن عثيمين – حفظه الله تعالى -:
قوله: ( وإنفاذ وصيته ) وإنفاذ بالكسر عطفا على ( تجهيز )، أي: وإسراع إنفاذ وصيته، أما إنفاذ وصيته: فهو واجب، لكن إسراع الإنفاذ: إما واجب أو مستحب؛ لأن الوصية إن كانت في واجب: فللإسراع في إبراء ذمته، وإن كانت في تطوع: فلإسراع الأجر له، والوصية: إما واجبة وإما تطوع، قال أهل العلم: فينبغي أن تنفذ قبل أن يدفن …. ” الشرح الممتع ” ( 5 / 333 ).
نلاحظ من كلام الشيخ: أن الوصية يجب تنفيذها حتى ولو كانت الوصية ليست من الوصايا الواجبة.
أما المسألة الثانية:
فقد اختلف أهل العلم في نقل الميت من بلد إلى بلد.
قال الشيخ الموفق ابن قدامة:
فلا ينقل الميت من بلده إلى بلد آخر إلا لغرض صحيح، وهذا مذهب الأوزاعي وابن المنذر ….. ولأن ذلك أخف لمؤنته وأسلم له من التغيير، فأما إن كان فيه غرض صحيح: جاز. وقال أحمد: ما أعلم بنقل الرجل يموت في بلده إلى بلد أخرى بأسًا.
وسئل الزهري عن ذلك فقال: قد حمل سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد من العقيق إلى المدينة، وقال ابن عيينة: مات ابن عمر هنا فأوصى أن لا يدفن ها هنا وأن يدفن بـ ” سرِف “. ” المغني ” ( 2 / 193 – 194 ).
وقال الحافظ ابن حجر:
واختُلف في جواز نقل الميت من بلد إلى بلد، فقيل: يكره لما فيه من تأخير دفنه وتعريضه لهتك حرمته، وقيل: يستحب.
والأولى: تنزيل ذلك على حالتين، فالمنع حيث لم يكن هناك غرض راجح كالدفن في البقاع الفاضلة وتختلف الكراهة في ذلك فقد تبلغ التحريم، والاستحباب حيث يكون ذلك بقرب مكان فاضل كما نص الشافعي على استحباب نقل الميت إلى الأرض الفاضلة كمكة وغيرها. والله أعلم. ” فتح الباري ” ( 3 / 207 ).
وروى الإمام مالك: أن سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل توفيا بالعقيق وحملا إلى المدينة ودفنا بها “.
قال الشوكاني – معلقاً على هذا -:
قوله ” فحملا إلى المدينة ” فيه جواز نقل الميت من الموطن الذي مات فيه إلى موطن آخر يدفن فيه، والأصل الجواز فلا يمنع من ذلك إلا لدليل. ” نيل الأوطار ” ( 4 / 169 ).
واستشهاد الشوكاني بهذا الأثر دليل على أنه صحيح عنده، وقد ذكره واحتج به ابن عبد البر في التمهيد ( 21 / 218 ) ولم يذكر فيه تصحيحًا ولا تضعيفًا.
وعليه: فلا بأس بنقل الميت إن لم يكن في نقله ضرر على الميت كانتشار رائحته وتغيره والأحسن دفنه في البلد الذي يموت فيه.
وقالت اللجنة الدائمة في هذا الموضوع:
كانت السنَّة العمليَّة في عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم وفي عهد أصحابه أن يُدفن الموتى في مقابر البلد الذي ماتوا فيه، وأن يُدفن الشهداء حيث ماتوا، ولم يثبت في حديث ولا أثر صحيح أن أحدًا من الصحابة نقل إلى غير مقابر البلد الذي مات فيه أو في ضاحيته أو مكان قريب منه.
ومن أجل هذا قال جمهور الفقهاء: لا يجوز أن ينقل الميت قبل دفنه إلى غير البلد الذي مات فيه إلا لغرض صحيح مثل أن يُخشى من دفنه حيث مات من الاعتداء على قبره، أو انتهاك حرمته لخصومة أو استهتار وعدم مبالاة، فيجب نقله إلى حيث يؤمن عليه.
ومثل أن ينقل إلى بلده تطييبًا لخاطر أهله وليتمكنوا من زيارته: فيجوز.
وإلى جانب هذه الدواعي وأمثالها اشترطوا أن لا يخشى عليه التغير من التأخير، وأن لا تنتهك حرمته، فإن لم يكن هناك داعٍ، أو لم توجد الشروط: لم يجز نقله.
إلا أن الإذن في النقل إلى بلد أفضل رجاء البركة مع ما فيه من شائبة قد تكون سيئة: تفتح بابًا يصعب سدُّه فيما بعد، حيث يتتابع الناس في ذلك ويكثر منهم طلب الإذن لنفس الغرض.
فترى اللجنة أن يُدفن كل ميت في مقابر البلد الذي مات فيه، وأن لا ينقلوا إلا لغرض صحيح عملًا بالسنَّة، واتباعًا لما كان عليه سلف الأمة، وسدًّا للذريعة، وتحقيقًا لما حثَّ عليه الشرع من التعجيل بالدفن، وصيانة للميت من إجراءات تتخذ في جثته لحفظها من التغير، وتحاشيًا من الإسراف بإنفاق أموال طائلة من غير ضرورة ولا حاجة شرعية تدعو إلى إنفاقها، مع مراعاة حقوق الورثة، وتغذية المصارف الشرعيَّة وأعمال البر التي ينبغي أن ينفق فيها هذا المال وأمثاله.
وعلى هذا حصل التوقيع، وصلّى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.
” فتاوى إسلامية ” ( 2 / 31 ، 32 ).
فالرجال الذين خالفوا الوصية كما جاء في السؤال – إن علموا أن عملهم هذا إثم – فقد أثموا لمخالفتهم وصية الميت التي كان ينبغي عليهم اتباعها وتنفيذها.
ثم لو أن الرجل لم يوص فلعلهم بنقلهم الميت هذه المسافة قد خالفوا الأولى – والله أعلم – لأن نقل الميت هذه المسافة قد يغير رائحته ويؤدي إلى تأخير دفنه الذي يستحب الاستعجال فيه.
قال الشيخ ابن عثيمين – حفظه الله -:
وقوله: ( وإسراع تجهيزه إن مات غير فجأة ) لقول النبي صلى الله عليه و سلم: ” أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها وإن يك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم ”
– رواه البخاري ( 1252 ) ومسلم ( 944 ) – لكن ظاهره فيما لو كانت محمولة؛ لأن قوله: (فشر تضعونه عن رقابكم ) ظاهر أن المراد بذلك الإسراع بها حين تشييعها، لكن نقول إذا كان الإسراع في التشييع مطلوبًا مع ما فيه من المشقة على المشيعين، فالإسراع بالتجهيز من باب أولى. أما حديث ” لا ينبغي لجيفة مسلم أن تجلس بين ظهراني أهله ” فهو ضعيف. ” الشرح الممتع ” ( 5 / 329 ).
وعلى الذين خالفوا الوصية الاستغفار والتوبة والرجوع إلى الله تعالى والتقرب إلى الله تعالى بالطاعات، وليس عليهم كفارة مالية مخصوصة فالتقرب إلى الله تعالى والتوبة له من أجل غفران الذنوب قد يكون بالصدقات المادية وغيرها من الصلاة والصيام وما أشبهه.
والله أعلم.


