من نصراني كيف يتقبل المسلون الصدقات؟

السؤال

أعرف أن المسلمين يقدمون الصدقات، ولكن كيف يتقبلونها؟

الجواب

الحمد لله

  1. يجب أن يُعلم أولاً أننا عبيدٌ لله تعالى وحده لا شريك له، وهذا شرف لنا ومطمع لكل عاقل، وبناءً عليه: فإننا نأتمر بأمر الله فالحلال ما أحله والحرام ما حرمه، وإذا أمرنا بدفع شيء من أموالنا دفعنا مطمئنة قلوبنا راضية أفئدتنا، وإذا حرَّم علينا قبول هدية أو عطية أو زكاة حرُم علينا قبولها، ومن فعل تعرض لعقوبة الله عز وجل.
  2. وفي شرع الله تعالى مدح وثناء على المعطي الباذل، وتجويز لمن أخذ من الآخرين إن كان مستحقًا، وذم ووعيد لمن أخذ وهو غير مستحق.
  3. أما المدح والثناء على المعطي الباذل والوعد بالأجور ففيما يأتي من آيات وأحاديث:
  • قال تعالى { إن المصَّدِّقين والمصَّدِّقات وأقرضوا الله قرضًا حسنًا يضاعف لهم ولهم أجرٌ كريمٌ } ( الحديد / 18 ).
  • وقال { إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرًّا وعلانيةً يرجون تجارة لن تبور } ( فاطر / 29 ).

– لن تبور: لن تفسد ولن تكسد عند الله.

  • عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” من أنفق زوجين في سبيل الله دعاه خزنة الجنة كل خزنة باب أي فل هلم قال أبو بكر يا رسول الله ذاك الذي لا تَوى عليه فقال النبي صلى الله عليه وسلم إني لأرجو أن تكون منهم “. رواه البخاري ( 2686 ) ومسلم ( 1027 ).

زوجين: نوعين من أي شيء كان مما ينفق.

– لا توى: لا خسارة ولا هلاك.

  • عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله الإمام العادل وشاب نشأ في عبادة ربه ورجل قلبه معلق في المساجد ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله ورجل تصدق أخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه. رواه البخاري ( 629 ) ومسلم ( 1031 ).
  • عن حكيم بن حزام رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول وخير الصدقة عن ظهر غنى ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله “. رواه البخاري ( 1361 ) ومسلم ( 1034 ) – مختصرًا -.

نلاحظ مما سبق كيف أثنى الله ورسوله على المنفق، وفي هذا فتح باب خير لهم عند الله، ولولا أنه يجوز لبعض الناس أن يأخذوا نفقات أولئك ما كان لهذا الثناء أو الأمر به أي معنى.

  1. ووجد في الشرع بعض الحالات التي يحل لصاحبها الطلب من الناس، فإذا أخذ منهم فيكون قد أخذ حقه في هذا المال، ومما يدل على ذلك من الشرع:

عن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحمَّلت حَمالة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيها، فقال: أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها، قال: ثم قال يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال سدادا من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش – أو قال: سدادا من عيش – فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتا يأكلها صاحبها سحتا. رواه مسلم ( 1044 ).

الحمالة: ما يتحمله الرجل من دين بسبب دفع دية عن غيره إو إصلاح بين الناس.

الجائحة: الآفة التي تصيب الإنسان في زرعه أو تجارته.

الفاقة: الحاجة والفقر.

الحِجا: العقل.

  1. وأما من سأل الناس وهو لا يستحق فقد جاء فيه الوعيد الشديد ومنه ما ذكر في الحديث السابق وهو ” السحت ” ، ومعناه أنه يأكل حراماً وهذا الحرام يُذهب البركة، ومنه:

عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم قال يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه كالذي يأكل ولا يشبع اليد العليا خير من اليد السفلى قال حكيم فقلت يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدا بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا فكان أبو بكر رضي الله عنه يدعو حكيما إلى العطاء فيأبى أن يقبله منه ثم إن عمر رضي الله عنه دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل منه شيئا فقال عمر إني أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم أني أعرض عليه حقه من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه فلم يرزأ حكيم أحدا من الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي. رواه البخاري (1403 ) ومسلم ( 1035 ) – دون قوله ” قال حكيم : فقلت ..” -.

  1. وفي حالات أخرى كقبول الهدية والهبة والصدقة ولو من غني رفع الله فيها الحرج عن الآخذ، فيأخذ الواحد منا  ذلك ونفسه مطمئنة أن لا حرج عليه في هذا الأمر، ويدل  عليه:
  • عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت عمر يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاء فأقول أعطه من هو أفقر إليه مني، فقال: خذه، إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه وما لا فلا تُتْبعه نفسك. رواه البخاري ( 1404 ) ومسلم ( 1045 ).
  • عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” تهادوا تحابوا “. رواه البخاري في ” الأدب المفرد ” ( ص 208 ) والبيهقي ( 6 / 169 ).

والحديث: حسَّنه الحافظ ابن حجر في ” التلخيص الحبير ” ( 3 / 70 ).

  • عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رجل لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق فأصبحوا يتحدثون تصدق على سارق فقال: اللهم لك الحمد لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يدي زانية فأصبحوا يتحدثون تصدق الليلة على زانية فقال: اللهم لك الحمد على زانية لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يدي غني فأصبحوا يتحدثون تصدق على غني فقال: اللهم لك الحمد على سارق وعلى زانية وعلى غني فأتي فقيل له أما صدقتك على سارق فلعله أن يستعف عن سرقته وأما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها وأما الغني فلعله يعتبر فينفق مما أعطاه الله.

رواه البخاري ( 1355 ) ومسلم ( 1022 ).

والخلاصة:

أن المسلم يجب عليه أن ينفق النفقات الواجبة كالزكاة والنفقة على أهله، ويُستحب له أن ينفق ما سوى ذلك.

ويعلم المنفق أن له عند الله أجرًا عظيمًا فينفق وهو مطمئن القلب، راضي النفس.

والآخذ من مال غيره:

إما أنه مستحق: فلا حرج عليه في الأخذ، وليس عليه وزر، وإن كان الشرع رغب منه أن تكون يده عليا لا سفلى.

وإن كان غير مستحق: فهو آثم على أخذه، وهو مستحق للوعيد يوم القيامة.

وعليه:

فلا تعارض بحمد الله في ديننا بين إعطاء النفقة وبين أخذها، ولكلٍّ أهلٌ وأحوال.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة