توزيع الزكاة على الأقارب.
الحمد لله
أما توزيع الزكاة على الأقارب :
فقد منع بعض الفقهاء أن يخرج الرجل زكاته على بعض أقاربه من الأصول والفروع والزوج والزوجة ، وجوز بعض العلماء ذلك .
والقول الصحيح : أنه يجوز دفع الزكاة للأقارب الأصول والفروع ومن بَعُد منهم لكن بشرط أن لا تكون نفقتهم قد وجبت على هذا المزكي .
وكذا يجوز للزوجة أن تدفع زكاة مالها لزوجها وأولاده من غيرها إن كان مستحقاً للزكاة .
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : ” خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى أو فطر إلى المصلى ثم انصرف فوعظ الناس وأمرهم بالصدقة فقال أيها الناس تصدقوا فمر على النساء فقال : يا معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار ، فقلن : وبم ذلك يا رسول الله ؟ قال : تكثرن اللعن وتكفرن العشير ، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن يا معشر النساء ، ثم انصرف ، فلما صار إلى منزله جاءت زينب امرأة ابن مسعود تستأذن عليه ، فقيل : يا رسول الله هذه زينب ، فقال : أي الزيانب ؟ فقيل : امرأة ابن مسعود ، قال : نعم ائذنوا لها ، فأذن لها ، قالت : يا نبي الله إنك أمرت اليوم بالصدقة وكان عندي حلي لي فأردت أن أتصدق به ، فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : صدق ابن مسعود ، زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم ” . رواه البخاري ( 1393 ) .
قال الشوكاني :
استدل بهذا الحديث على أنه يجوز للمرأة أن تدفع زكاتها إلى زوجها ، وبه قال الثوري والشافعي وصاحبا أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن مالك وعن أحمد وإليه ذهب الهادي والناصر والمؤيد بالله .
” نيل الأوطار” ( 4 / 246، 247 ) .
وقال الشوكاني – أيضاً – :
وعن ابن عباس قال : إذا كان ذوو قرابة لا تعولهم فأعطهم من زكاة مالك وإن كنت تعولهم فلا تعطهم ولا تجعلها لمن تعول رواه الأثرم في سننه . ” نيل الأوطار ” ( 4 / 248 ) .
يقول الشيخ ابن عثيمين :
ولكن يقال : استحقاق الزكاة مقيد بوصف الفقر والمسكنة والعمالة فكل من انطبق عليه هذا الوصف فهو من أهل الزكاة ، ومن ادعى خروجه فعليه الدليل ، وليس في المسالة دليل . ولهذا نقول : القول الراجح الصحيح: أنه يجوز أن يدفع الزكاة لأصله وفرعه ما لم يدفع بها واجباً عليه ، فإن وجبت نفقته عليهم : فلا يجوز أن يدفع لهم الزكاة ، فمعنى ذلك أنه أسقط النفقة عن نفسه .
وعلى هذا فإذا كان له جد وأب كلاهما فقير لكن الأب يتسع ماله للإنفاق عليه فهو ينفق عليه : فهنا لا يجوز أن يعطي والده الزكاة ، والجد لا يتسع ماله للإنفاق عليه وهو فقير فيجوز .
مثال آخر : عنده أم وجدة فهو ينفق على الأم ولكن لا يتسع ماله للإنفاق على الجدة فيجوز أن يعطيهما من الزكاة …
مثال آخر : لو كان غنيا ينفق على أبيه وأبوه مستغن إما بنفسه أو بإنفاق ولده ولكن عليه دين يستطيع الولد أن يؤدي الدين عنه ، لكن يقول : أنا أؤدي الدين من زكاتي : فيجوز ؛ لأنه لا يجب على الابن وفاء دين أبيه ، اللهم إلا إذا كان هذا الدين بسبب النفقة ، أي : أن الأب يحتاج ويشتري في ذمته فلحقه الدين لشراء مؤنته ففي هذا الحال نقول : لا تقض دين أبيك من زكاتك لأن هذا يؤدي إلى أن يضيق الإنسان على أبيه حتى يستدين النفقة ثم يقول : أبي عليه دين فأقضي دينه من زكاتي ، فيجوز أن يقضي الدين عن أبيه أو أمه أو أمه وابنته بشرط : ألا يكون هذا الدين استدانة لنفقة على الابن فإن كان لنفقة واجبة فلا يجوز …
والصواب : جواز دفع الزكاة إلى الزوج إذا كان من أهل الزكاة .
مثال ذلك : امرأة موظفة وعندها مال وزوجها فقير محتاج إما أنه مدين أو أنه ينفق على أولاده أو ما يشبه ذلك فللزوجة أن تؤدي الزكاة إليه .
وقولنا : ” أو لأنه ينفق على أولاده ” : المراد بأولاده من غيرها لأن أولاده منها إذا كان أبوهم فقيرا يلزمها أن تنفق عليهم لأنهم أولادها لكن إذا كان له أولاد من غيرها وهو فقير فللزوجة أن تعطيه زكاتها وربما يستدل لذلك بحديث زينب امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنها : ” أن النبي صلى الله عليه و سلم حث على الصدقة ، فقال ابن مسعود لزوجته : أعطيني وأولادي أنا أحق من تصدقتي عليه فقالت : لا ، حتى أسأل النبي صلى الله عليه وسلم ، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ” صدق عبد الله ، زوجك وولدك أحق من تصدقتِ عليهما ” .
فيمكن أن نقول : قوله : ” من تصدقتِ عليهما ” يشمل الفريضة والنافلة .
وعلى كل حال : إن كان في الحديث دليل فهو خير ، وإن قيل هو خاص بصدقة التطوع : فإننا نقول في تقرير دفع الزكاة إلى الزوج : الزوج فقير ففيه الوصف الذي يستحق فيه من الزكاة فأين الدليل على المنع ؟ لأنه إذا وجد السبب ثبت الحكم إلا بدليل ، وليس هناك دليل لا من القرآن ولا من السنة على أن المرأة لا تدفع زكاتها لزوجها ، وهذه قاعدة : ( الأصل فيما ينطبق عليه وصف الاستحقاق أنه مستحق وتجزيء الزكاة إليه إلا بدليل ) ولا نعلم مانعا من ذلك . إلا إذا أعطته أسقطت عن نفسها بذلك واجبا . ” الشرح الممتع ” ( 6 / 262 – 267 ) .
وقال شيخ الإسلام :
ويجوز صرف الزكاة إلى الوالدين وإن علوا ، وإلى الولد وإن سفل إن كانوا فقراء وهو عاجز عن نفقتهم لوجود المقتضى السالم عن المعارض العادم وهو أحد القولين في مذهب أحمد وكذا إن كانوا غارمين أو مكاتبين أو أبناء السبيل وهو أحد القولين أيضا .
وإذا كانت الأم فقيرة ولها أولاد صغار لهم مال ونفقتها تضر بهم : أعطيت من زكاتهم ، والذي يخدمه إذا لم تكفه أجرته أعطاه من زكاته إذا لم يستعمله بدل خدمته ، ومن كان في عياله قوم لا تجب عليه نفقتهم : فله أن يعطيهم من الزكاة ما يحتاجون إليه مما لم تجر عادته بإنفاقه من ماله .
” الفتاوى الكبرى ” ( 4 / 457 ) .
والله أعلم

