هل يبيع بضاعة الشركة بزيادة ويأخذ الباقي له؟
السؤال
أعمل في شركة تبيع بضائع وقال لي مدير المبيعات أنه يمكن أن أبيع هذه البضاعة مقابل 1000 ريال ولكنني عندي زبائن يشترون هذه البضاعة مقابل 1500 ريال. فهل أبيعها وأدفع للشركة 1000 ريال وآخذ الباقي لي؟
الجواب
الحمد لله
إذا كان العقد الذي بينك وبين الرجل صاحب البضاعة على أن تبيع السلعة بالثمن الذي حدده لك ثم جعل لك الخيار في بيع السلعة بالسعر الذي تريد ويكون ما زاد على ذلك من نصيبك: فلا بأس بهذا.
أما إن حدد لك السعر وأمرك ألا تبيع بغيره، أو توقع أن البضاعة لن يزيد سعر بيعها عن المبلغ الذي حدده ولكنك استطعت أن تبيعها بسعر أعلى من الذي حدده لك فلا يحل لك ذلك المال الزائد ويجب عليك أن تعيد المال بأكمله لصاحب البضاعة.
والدليل على ذلك:
عن عروة البارقي: ” أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه دينارًا يشتري له به شاة فاشترى له به شاتين فباع إحداهما بدينار وجاءه بدينار وشاة فدعا له بالبركة في بيعه وكان لو اشترى التراب لربح فيه “. رواه البخاري ( 3443 ) مرسلًا، والترمذي ( 1258 ) وأبو داود ( 3384 ) وابن ماجه( 2402 ).
ففي هذا الحديث أن عروة استطاع أن يكسب من مال الرسول صلى الله عليه وسلم بغير إذنه ولا توقعه وبالسعر الذي لم يظنه الرسول صلى الله عليه وسلم فلم يكن نتاج هذا الربح حلالًا لعروة بل عاد إلى صاحبه وهو رسول الله صلى الله عليه و سلم ولو كان ذلك المال من نصيب عروة لما أخذه الرسول صلى الله عليه و سلم منه وحاشا لرسول الله صلى الله عليه و سلم أن يصنع مثل هذا.
بل إن الفقهاء مختلفون في مثل هذا البيع وهو ما يسمونه ببيع الفضولي.
* قال ابن حجر:
وفيه أنه أمضى له ذلك وارتضاه، واستدل به على جواز بيع الفضولي، وتوقف الشافعي فيه، فتارة قال: لا يصح؛ لأن هذا الحديث غير ثابت – وهذه رواية المزني عنه – وتارة قال: إن صح الحديثُ قلتُ به – وهذه رواية البويطي – وقد أجاب من لم يأخذ بها بأنها واقعة عين فيحتمل أن يكون عروة كان وكيلا في البيع والشراء معا وهذا بحث قوي يقف به الاستدلال بهذا الحديث على تصرف الفضولي، والله أعلم. ” فتح الباري ” ( 6 / 634 ).
* وقال ابن عبد البر:
ولا خلاف في جواز الوكالة عند العلماء.
وقد اختلف العلماء أيضا في معنى هذا الحديث في الوكيل يشتري زيادة على ما وُكِّل به هل يلزم الأمر ذلك أم لا؟ كرجل قال له رجل: اشتر لي بهذا الدرهم رطل لحم صفته كذا فاشترى له أربعة أرطال من تلك الصفة بذلك الدرهم، والذي عليه مالك وأصحابه: أن الجميع يلزمه إذا وافق الصفة وزاد من جنسها لأنه محسن وهذا الحديث يعضد قولهم في ذلك، وهو حديث جيد، وفيه ثبوت صحة ملك النبي عليه السلام للشاتين، ولولا ذلك ما أخذ منه الدينار ولا أمضى له البيع. ” التمهيد ” ( 2 / 108 ).
وقد أبطل بعض العلماء هذا البيع ومنهم ابن حزم الظاهري قال:
ولا يحل للوكيل تعدي ما أمره به موكله فإن فات ضمن لقول الله تعالى: { ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين } [ البقرة / 190 ]، ولقوله تعالى: { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } [ البقرة / 194 ]، فوجب من هذا أن من أمَره موكلُه بأن يبتاع له شيئًا بثمنٍ مسمًّى، أو يبيعه له بثمنٍ مسمًّى فباعه أو ابتاعه بأكثر أو بأقل ولو بفلس فما زاد لم يلزم الموكل ولم يكن البيع له أصلا ولم ينفذ البيع لأنه لم يؤمر بذلك فلو وكله على أن يبيع له أو يبتاع له فإن ابتاع له بما يساوي أو باع بذلك لزم وإلا فهو مردود وكذلك من ابتاع لآخر أو باع له بغير أن يأمره لم يلزم في البيع أصلا ولا جاز للآخر إمضاؤه لأنه إمضاء باطل لا يجوز وكان الشراء لازما للوكيل وما عدا هذا فقول بلا برهان وحكم بالباطل.
واحتج قوم في إجازة ذلك بحديث عروة البارقي وحكيم بن حزام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر كل واحد منهما بأن يبتاع له شاة بدينار فابتاع شاتين فباع أحدهما بدينار وأتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبالشاة وهما خبران منقطعان لا يصحان. ” المحلى ” ( 8 / 245 – 246 ).
والصحيح: أن الحديثين صحيحان موصولان غير منقطعين، وقد غلط ابن حزم في هذا الحكم.
* قال ابن حجر ـ يرد على من قال إن الحديثين غير موصولين ـ :
وأما قول الخطابي والبيهقي وغيرهما أنه غير متصل لأن الحيَّ لم يسمَّ أحدٌ منهم فهو على طريقة بعض أهل الحديث يسمُّون ما في إسناده مبهم: مرسلًا أو منقطعًا، والتحقيق: إذا وقع التصريح بالسماع أنه متصل في إسناده مبهم، إذ لا فرق فيهما يتعلق بالاتصال والانقطاع بين رواية المجهول والمعروف، فالمبهم نظير المجهول في ذلك، ومع ذلك فلا يقال في إسنادٍ صرَّح كلُّ مَن فيه بالسماع من شيخه إنه منقطع وإن كانوا أو بعضهم غير معروف. ” فتح الباري ” ( 6 / 634 ).
* وقال الشيخ عمر الوادياشي:
رواه أبو داود الترمذي وابن ماجه بإسناد صحيح، ورواه البخاري في صحيحه مرسلا، ووهم ابن حزم في إعلاله. ” تحفة المحتاج ” ( 2 / 207 ).
* وقال ابن الملقن:
رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه بإسناد صحيح خلافا لابن حزم وأخرجه البخاري في صحيحه مرسلا. ” خلاصة البدر المنير ” ( 2 / 51 ).
فالصحيح أن البيع نافذ وصحيح ولا يجوز للوكيل أن يأكل ما زاد إلا باتفاق سابق من الموكل أو رضى لاحق كما بينَّا.
والله أعلم.


