سؤال عن معاملة ( استثمارية ) وما نراه مصححًا لها
السؤال
أنا عندي مبلغ من المال أريد أن أستثمره في الزراعة مع شخص لا يملك سوى الأرض والمجهود العضلي ، وأنا أتكفل بكل المصاريف – أي : رأسمال المشروع – وبعد جني المحصول آخذ أنا رأس المال المدفوع ، وثلث الربح له ، ولي ثلثان ، أما إذا كانت خسارة : فله أجره الشهري حسب ما اتفق عليه من قبل ، فهل هذا العقد صحيح أم لا ؟ وإذا كان غير صحيح فأرجو منكم التصحيح ، وجزاكم الله خيراً .
الجواب
الحمد لله
أولاً:
لا يصلح أن تكون المعاملة بينكما معاملة ” قِراض ” – مضاربة – ؛ لأن المضارِب يقدِّم مجهوده ، والطرف الآخر يقدِّم ماله ، فإذا حصلت خسارة خسر الأول جهده وخسر الآخر مالَه ، وفي حالتك هذه فالطرف العامل قدَّم أرضاً مع عمله ، ولذا لم تصلح أن تكون مضاربة ، مع ما فيها من محظور آخر يمنع كونها مضاربة : وهو أن الطرف صاحب الأرض ضامن للربح في كل حال ، فهو إن ربحت مزارعته أخذ نسبة من الربح ، وإن خسر أخذ مالاً ، وهذا يُفسد عقد المضاربة .
قال ابن المنذر – رحمه الله – :
أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إبطال القراض – يعني : المضاربة- إذا شرط أحدهما – أي الشريكين – أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة . انظر ” المغني ” لابن قدامة ( 5 / 148 ) .
وثمة محظور ثالث يمنع – أيضاً – أن تكون تلك المعاملة مضاربة ؛ بسبب أن مشروعها في ” الزراعة ” إذا كانت تلك الزراعة في شجر له أصول تباع ثمرتها : فلا يصلح أن تكون الأصول لرب المال ولا للمضارب ؛ لأن من سيتملك تلك الأصول سيضمن لنفسه مالاً وهو ثمن تلك الأصول ، وقد سبق النقل عن ابن المنذر بعدم جواز ذلك .
قال الزرقاني – رحمه الله – :
( قال مالك في رجل دفع إلى رجل مالاَ قِراضاً واشترط عليه أن لا يبتاع به إلا نخلاً أو دواب لأجل أنه يطلب ثمر النخل أو نسل الدواب ويحبس رقابها : قال مالك : لا يجوز هذا ، وليس هذا من سنَّة المسلمين في القِراض ) وبه قال سائر الفقهاء ، فإن وقع : لم يصح وله أجرة مثله فيما اشتراه ، والدواب والنخل لرب المال ، قاله أبو عمر ، ولا يجوز ( إلا أن يشتري ذلك ثم يبيعه كما يباع غيره من السلع ) لأن الذي يعامل عليه في القراض هو التجارة دون السقي والقيام على الدواب ؛ لأنها تنمو بلا عمل ، ولأن العامل قد يربح ببيع الرقاب فيكون ممنوعاً منه وهو المقصود بالقراض ، قاله الباجي . ” شرح الزرقاني لموطأ مالك ” ( 3 / 445 ) .
ثانياً:
ولتصحيح العقد ليكون عقد مضاربة : فإن على صاحب المال أن يستأجر الأرض من صاحبها لمدة معينة في عقد منفصل ، ثم يقوم بعمل عقد آخر وهو عقد مضاربة يتم بموجبه تقديم المال للعامل ليزرع في تلك الأرض المستأجرة ، ويتفقان على نسبة لكل منهما من الربح ، وسواء كان الزرع في هذه الحال شجراً أم زرعاً يُحصد فلا حرج في ذلك ؛ لأن ريع الشجر أو الزرع – في نهاية الأمر – سيكون للصفقة ، وليس لأحد الطرفين دون الآخر .
وفي ” بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ” ( 6 / 88 ) :
قال محمد – وهو ابن الحسن الشيباني – : وله أن يستأجر أرضاً بيضاء , ويشتري ببعض المال طعاماً ، فيزرعه فيها , وكذلك له أن يقلبها ليغرس فيها نخلاً أو شجراً أو رطباً , فذلك كله جائز , والربح على ما شرطا ؛ لأن الاستئجار من التجارة ؛ لأنه طريق حصول الربح , وكذا هو من عادة التجار فيملكه المضارب . انتهى.
وإن حصلت خسارة : فلا يحق للعامل المطالبة بمبلغ مالي تعويضاً لخسارته ، بل هو يخسر جهده ، ويخسر صاحب المال مالَه ، فإن طابت نفس صاحب المال لإعطائه شيئاً من ماله فلا حرج في ذلك على أن لا يعتقد أنه يلزمك ذلك الفعل ، وبشرط أن لا يقع بينهما اتفاق مسبق أو مواعدة على تعويض العامل خسارة عمله .
ثالثاً:
كما يمكن تصحيح العقد ليكون ” عقد مشاركة ” ويكون ذلك بتقديم الطرف الأول للمال ، ويقدم الطرف الآخر أرضه ليدخلا جميعاً في شراكة ، فيتم احتساب قيمة الأرض وتجمع مع المال فيكون هذا هو رأس مال الشركة ، ويتم تقاسم الأرباح على ما يتفقان عليه من نسبة تتناسب ورأس مال كل واحد منهما ، وفي حال فض الشراكة يتم احتساب قيمة الأرض وجمع ما هو موجود من مال ليتم قسمته بينهما بحسب النسبة في مشاركة كل واحد منهما ، وإذا أراد العامل أن يقوم بالزراعة بنفسه : فإنه يستحق مبلغاً من المال يُدفع له من رأس مال الشركة مقابل جهده ، فيكون في هذا الحال موظفاً أجيراً ، مع كونه من الجهة الأخرى شريكاً .
والخلاصة :
- لك أن تجعل العقد بينك وبين صاحب الأرض ” عقد مضاربة ” بأن يتم الاتفاق معه على زراعة ما يُحصد من الزروع والثمار ، دون ما له أصول كالشجر ، ويكون الربح بينكما مناصفة أو أقل أو أكثر بحسب ما تتفقان عليه من نسبة ، ودون أن يكون للعامل مال مضمون حتى لو في حال الخسارة ، إلا أن تتبرع بذلك من طيب نفس منك ، ومن غير مواعدة مسبقة على تعويض خسارته – كما سبق – .
ويجوز أن يكون الزرع شجراً – نخيلاً أو زيتوناً أو غير ذلك – بشرط أن يتم استئجار الأرض بعقد منفصل ؛ حتى يكون كل ما يُزرع فيها من نصيبكما .
- ولك أن تجعل العقد بينك وبين صاحب الأرض ” عقد مشاركة ” بأن يتم حساب قيمة الأرض وقت المشاركة ، ويُحسب ما تدفعه من مال ، ويكون كلا قيمة الأرض ومقدار المال الذي تدفعه كلاهما هو رأس مال الشركة ، ويعمل الطرف الآخر في الأرض أجيراً براتب شهري ، فيكون شريكاً بقيمة الأرض وأجيراً بعمله ، وإذا رغبتما بفض الشراكة فيتم احتساب ما معكما من مال واحتساب قيمة الأرض وقت إنهاء الشراكة وقسمة الحاصل بينكما بحسب ما دخلتما به من نسبة أول الأمر .
والله أعلم.


