مريض وورَّى في معاملة التوظيف أنه معافى فهل يترك وظيفته؟

السؤال

فضيلة الشيخ:

رجل يعمل الآن في وظيفة ، ولم يصدق في سؤال ” هل يعاني من مرض مزمن ” عندما تقدم لهذا العمل ، بل وارى بقوله ” لم يعاني ” ؛ لأنه حقيقة لم يعاني ، هو مصاب بفيروس التهاب الكبد فقط ، وهو مرض مزمن ، ولم يجد منه أية معاناة ، فهل تنصحه بترك العمل ، خاصة وأن صاحب العمل لو يعلم بمرضه ربما لا يسمح له بالبقاء في عمله ؟ وهل تنفعه التورية أم أنه يعتبر غير صادق في بياناته ؟ وهل يلزمه شيء في المدة السابقة ؟ وهل يحق له أن يستفيد من مساعدة الضمان الاجتماعي ويكتفي بها عن العمل إذا كان لا يُسمح له ، مع العلم بأنه يرجع نسبه لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وما هو حكم الراتب الذي تصرفه التأمينات الاجتماعية ؟ .

الجواب

الحمد لله

أولاً:

جاءت الشريعة المطهرة وفيها ما يدل المسلم على خير الأقوال ، وخير الأفعال ، وخير الصفات ، فأمرت بكل خلُق قويم ، وحذَّرت من كل خلق ذميم .

ومن الأخلاق القويمة التي أمر بها ربنا تعالى : الصدق ، وحذرنا من ضده وهو الكذب ، وتوعد بالعقوبة المتصف به .

– قال الله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) التوبة/ 119 .

– وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنّ الصِدقَ يَهدي إلى البّر وإنّ البرّ يهدي إلى الجَنّةِ ، وإنّ الرجُلَ ليَصدُقُ حتّى يُكتَبَ عِندَ اللّه صِدّيقا ، وإنّ الكَذِبَ يهدي إلى الفُجورِ وإنّ الفُجورَ يَهدي إلى النّار ، وإنّ الرَجُلَ ليَكذِبُ حتى يُكتَبَ عِندَ اللّهِ كَذابا ) . رواه البخاري ( 5743 ) ومسلم ( 2607 ) .

ولعلَّك رأيت الكذب نافعاً لك ، ورأيت الصدق مضرّاً لك ، لذا فعلت ما فعلت من كتم المرض أن تدونه في معاملة التوظيف ، وهو ما حذَّر منه سلف الأمة .

قال بعض الصالحين : عليك بالصدق حيث تخاف أن يضرك فإنه ينفعك ، ودع الكذب حيث ترى أنه ينفعك فإنه يضرك .

فعلى المؤمن أن يزيِّن حياته بالصدق ، فيجعله لباسه ، ومركبه وحياته ، والصادق لن تجده إلا متصفاً بصفات الكمال الأخرى.

وقال ابن القيم – رحمه الله – :

فالصدق بريد الإيمان ودليله ومركبه وسائقه وقائده وحليته ولباسه ، بل هو لبه وروحه ، والكذب يريد الكفر والنفاق ودليله ومركبه وسائقه وقائده وحليته ولباسه ولبه ، فمضادة الكذب للإيمان كمضادة الشرك للتوحيد ، فلا يجتمع الكذب والإيمان إلا ويطرد أحدهما صاحبه ويستقر موضعه . ” زاد المعاد ” ( 3 / 590 ) .

ثانياً:

والتورية هي أن يُفهم المتكلم سامعه شيئاً غير الذي في نفسه ، ويكون الكلام محتملاً فيجعل ظاهره للسامع وحقيقته له .

ولا يجوز للمسلم استعمال التورية إلا لتحقيق مصلحة شرعية ، أو دفع مفسدة متيقنة أو مظنونة ، أو لحاجة ماسة ، ولا يحل له استعمالها في كل حين ، ولا لأخذ حق غيره بها .

سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :

ما هي التورية ؟ وما الفرق بينها وبين الكذب ؟ .

فأجاب :

التورية : أن يريد بلفظه ما يخالف ظاهره ، والكذب : صريح في أنه تكلم بخلاف الواقع . السائل : السامع ربما يفهم شيئاً آخر .

الشيخ : لا يهم ، هذا هو بُعد التورية ، أن يفهم السامع من خطابك خلاف ما تريد ، التورية قد يحتاج الإنسان إليها .

أما الظالم : فلا تصح توريته ، ولا تحل ، والحكم فيها أنها على حسب ما يعتقده خصمه ، ولهذا جاء في الحديث : ( يمينك على ما يصدقك به صاحبك ) فإذا قال الظالم بهذا التأويل : لم ينفعه ، والمظلوم ينفعه .

ومَن ليس بظالم ولا مظلوم : من العلماء من قال : إن التورية جائزة ، ومنهم من قال : إنها غير جائزة ، والراجح : أنها غير جائزة ، وأن الإنسان يجب أن يكون صريحاً ؛ لأن الإنسان إذا اعتاد التورية ثم ظهر الأمر على خلاف ما ظهر من كلامه : اتهمه الناس بالكذب ، وأساءوا فيه الظن ، لكن إذا كان مظلوماً : فهذه حاجة ، والظلم قليل بالنسبة للحوادث .

والخلاصة : التورية للمظلوم : جائزة ، وللظالم : غير جائزة ، ولمن ليس ظالماً ولا مظلوماً : على خلافٍ بين العلماء ، والراجح : أنها حرام .

” لقاءات الباب المفتوح ” ( 161 /السؤال رقم 9 ) باختصار .

ثالثاً:

والذي نراه لك : هو أن تتوب مما فعلتَ ، وتحسن توبتك ، وأن تتقن عملك ، وتؤديه على أكمل وجه ، ولا نرى حرمة بقائك في وظيفتك .

والذي يظهر أن من يسأل مثل هذا السؤال في معاملة الوظيفة يريد أحد أمرين أو كليهما :

الأول : أن لا يكون الموظف ” يعاني ” من مرض يُقعده عن وظيفته ، أو يؤثر في حسن أدائها .

والثاني : أن لا يكون مرضه يؤدي إلى وفاة مبكرة ، فيكلفهم تأمينات ، وضمانات ، وعلاجات .

وبما أن مرضك لا تعاني منه فهو لا يؤثر على أدائك الوظيفي ، وهو غير معدٍ ، والأجل لكل نفس مكتوب في اللوح المحفوظ ، والموت لا يأتي المريض ويذهب عن الصحيح ، بل يأتيهما كليهما ، وقد تطول حياة المريض ويقصر أجل الصحيح .

رابعاً:

وأما بخصوص أخذك من أموال الضمان الاجتماعي : فننبه الإخوة القرَّاء أن مؤسسة الضمان الاجتماعي في ” المملكة العربية السعودية ” هي مؤسسة تُعني بالعناية بالفقراء والمحتاجين ، وتقدَّم لهم المساعدات ، وهي مؤسسة حكومية غير ربحية ، بخلاف مؤسسات الضمان في عامة البلدان ، والتي قد يقرأ القارئ تحريم الاشتراك فيها ، وحرمة أموالها ؛ لأن تلك المؤسسات قائمة على المقامرة ، والمخاطرة ، والغرر ، والاستثمارات المحرمة والمختلطة ، فوجب التنبه والتنبيه .

خامساً:

ويجوز لمن كان محتاجاً ، وتنطبق عليه الشروط التي وضعتها الدولة لمن يحق له الاستفادة من أموال ” الضمان الاجتماعي ” : يجوز له أن يستفيد منها ، ويأخذ منها ما تصرفه له الدولة ، حتى لو كان من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما الممنوع في حقهم هو أخذ مال الزكاة الواجبة ، وليس مال صدقة التطوع .

أ. سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – : 

نحن أسرة متوسطة الحال ، ومن أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولدينا وثائق تثبت ذلك ، وقد بلغ والدي سن الستين ، حيث تنطبق عليه شروط الالتحاق بالضمان الاجتماعي ، وقد طلبنا من الوالد الاستفادة من الضمان الاجتماعي ، لكنه رفض ؛ لأن هناك حديثا عن الرسول صلى الله عليه وسلم  ينص على عدم إعطاء الزكاة والصدقة لأهل بيته ، وسؤالي هل يعتبر الضمان الاجتماعي في حكم الصدقة أم لا ؟ .

فأجاب :

إذا توافرت في والدك الشروط المعتبرة فيمن يستفيد من مصلحة الضمان الاجتماعي : فإنه يحل له أخذ ذلك ؛ لأنه مساعدة من بيت المال للفقراء الذين تتوافر فيهم الشروط المطلوبة ، وليس هو من الزكاة حسب إفادة الجهة المسئولة عن ذلك .

” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 14 / 315 ) .

ب. وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله تعالى  – :

نحن ممن ينتسب إلى بني هاشم ، ويوجد من بيننا محتاجون ، وفقراء ، ومساكين ، بل من أفقر الناس ، ولا يوجد لديهم ما ينفقون سوى ” الضمان الاجتماعي ” للعجزة ، وكبار السن فقط ، فهل يجوز إعطاؤهم الصدقة ، سواء كانت هذه الصدقة من هاشمي مثلهم ، أو من غير هاشمي ؟ وما الحكم إذا أعطيت لهم ؟ .

فأجاب  :

إذا كانت الصدقة صدقة تطوع : فإنها تُعطى إليهم ، ولا حرج في هذا ، وإن كانت الصدقة واجبة : فإنها لا تعطى إليهم ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إنما هي أوساخ الناس ) ، وبنو هاشم شرَّفهم الله عز وجل بألا يأخذوا من الناس أوساخهم ، أما صدقة التطوع : فليست وسخاً في الواقع ، وإن كانت لا شك تكفر الخطيئة ، لكنها ليست كالزكاة الواجبة ، ولهذا ذهب كثير من العلماء إلى أنهم يعطون من صدقة التطوع ، ولا يعطون من الصدقة الواجبة .

” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 18 / جواب السؤال رقم 613 ) .

بل وحتى الزكاة تدفع لهم في حال عدم وجود سهم الغنائم والفيء كما هو الحال في وقتنا الحالي ، بشرط أن لا يتوفر مصدر آخر غير الزكاة .

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :

لو فرض أنه لا يوجد لإنقاذ حياة هؤلاء من الجوع إلا زكاة الهاشميين ، فزكاة الهاشميين أولى من زكاة غير الهاشميين .

وقال بعض أهل العلم : يجوز أن يعطوا من الزكاة إذا لم يكن خمس ، أو وجد ومنعوا منه .

والخُمس : هو أن الغنائم تقسم خمسة أسهم ، أربعة أسهم للغانمين ، وسهم واحد يقسم خمسة أسهم أيضاً :

الأول : لله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم ، يكون في مصالح المسلمين ، وهو ما يعرف بالفيء ، أو بيت المال .

الثاني : لذي القربى ، هم قرابة الرسول عليه الصلاة والسلام ، وهم بنو هاشم ، وبنو عبد المطلب ؛ لأن بني عبد المطلب يشاركون بني هاشم في الخمس .

الثالث : لليتامى .

الرابع : للمساكين .

الخامس : لابن السبيل .

فإذا مُنعوا ، أو لم يوجد خمس – كما هو الشأن في وقتنا هذا – : فإنهم يعطون من الزكاة دفعاً لضرورتهم إذا كانوا فقراء ، وليس عندهم عمل ، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ، وهو الصحيح .

وأما صدقة التطوع : فتدفع لبني هاشم ، وهو قول جمهور أهل العلم ، وهو الراجح ؛ لأن صدقة التطوع كمال ، وليست أوساخ الناس ، فيعطون من صدقة التطوع . ” الشرح الممتع ” ( 6 /  253 ، 254 ) .

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة