حكم التأمين الاجتماعي وهل له أصول في الإسلام
السؤال
أي نوع من عوائد التأمين الاجتماعي كانت موجودة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين الأربعة رضي الله عنهم ، وكذلك التي كانت موجودة في عهد الممالك الإسلامية بعدهم ؟ من الذي اخترع وابتكر عوائد التأمين الاجتماعي ؟ هل يجوز في كل وقت ابتداع وابتكار أنواع عديدة من عوائد التأمين الاجتماعي ؟ من هو المسؤول عن إيجاد أنظمة عوائد التأمين الاجتماعي التي يأتي بها ويبتكرها الناس الآخرين أو قبولها أو رفضها ؟ إن عمر رضي الله عنه قد اخترع المعاش [ العطاء من بيت مال المسلمين ] ، فهل المعاش والتأمين الاجتماعي يعتبر قانوناً شرعيّاً ؟ وإذا كان كذلك : هل يعني هذا أن عمر رضي الله عنه قد اقترف شركا لأن الله وحده سبحانه وتعالى يشرع الشرائع ؟ .
الجواب
الحمد لله
أولاً :
قد بيَّنا حكم التأمين التجاري في عدّة أجوبة، ولا نرى فرقاً بينه وبين التأمين الاجتماعي، فهو دفع مالٍ مقابل الانتفاع بأكثر منه ، وقد يدفعونه ولا يستفيدون منه شيئاً، فصاحبه دائر بين أن يكون غانماً أو غارماً ، وهو ما يُضبط به معرفة عقود الميسر .
* قال الدكتور رفيق يونس المصري – وهو باحث بمركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي في جامعة الملك عبد العزيز – :
” كثير من العلماء الذين كتبوا في التأمين هربوا من تعريف التأمين الاجتماعي ، بتصريح منهم أو بدون تصريح ، وعرَّفه السنهوري بأنه ” ينتظم العمال ، ويؤمِّنهم من إصابات العمل ومن المرض والعجز والشيخوخة ، ويساهم فيه إلى جانب العمال أصحاب العمل والدولة ذاتها ، وتتولى الدولة تنظيمه وإدارة شؤونه ” .
وله أنواع منها :
– تأمين الشيخوخة . – تأمين المرض والوفاة .
– تأمين البطالة .
– تأمين الرعاية الاجتماعية : الإقامة في دور الرعاية الاجتماعية ، الانتفاع بالمكتبات والنوادي والمتاحف والمعارض والرحلات والمواصلات ، بأسعار مخفضة .
– تأمين إصابات العمل : حوادث العمل ، حوادث الطريق ، أمراض المهنة ، الإرهاق أو الإجهاد من العمل .
وهناك فقهاء حرّموا التأمين الفردي ( التعاوني والتجاري ) ، وسكتوا عن التأمين الاجتماعي الحكومي ، أو أجازوه صراحة ، إما بدعوى أنه حكومي ، أو بدعوى أنه تعاوني .
والحق أن الحجج التي ساقوها لتحريم التأمين الفردي كلها تنطبق على التأمين الاجتماعي ، فكان عليهم أن يحرموهما معـاً ، أو يبيحوهما معـاً .
ففي التأمين الاجتماعي هناك اشتراك يدفعه العامل يشبه قسط التأمين ، وما يدفعه رب العمل لا يغير من الحكم شيئـاً ، بل يمكن اعتباره مدفوعـاً من العامل نفسه أيضـاً ، لأنه بمثابة أجر له أو تكملة لأجره ، تدفع له لاحقـًا : أجر مؤجل ، وفي التأمين الاجتماعي هناك أيضـًا مبلغ احتمالي للتأمين ، يزيد وينقص ، لاسيما في بعض أنواعه ، ففي تأمين البطالة أو الإصابة ، يدفع العامل الاشتراك طيلة عمله ، وقد لا يتعرض للبطالة أو الإصابة طيلة حياته ، فما الفرق بين التأمين الاجتماعي وغيره ، من حيث الغرر وسواه ، حتى يجيزه العلماء ويمنعوا غيره ؟ . ” .
ثانياً :
وما فعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيره من الخلفاء من إعطاء المحتاجين مالاً من بيت مال المسلمين – ويُسمَّى ” العطاء ” – لا يُشبه بحال ما تفعله الدول الآن أو المؤسسات في نظام التأمينات الاجتماعية ، حيث لم يكن يُطلب من المسلمين دفع ضرائب ولا جزء من دخلهم أو مالهم للدولة لتُدفع لهم عند مرضهم أو شيخوختهم أو حاجتهم ، بل كان المستحق منهم يأخذ راتباً من الدولة على حسب استحقاقه ، بخلاف نظام التأمين الاجتماعي والذي لا يُدفع من مستحقاته إلا لمن اقتُطع جزء من راتبه .
وهناك وجه آخر لتحريم الاشتراك في هذا النظام ، وهو أن هذه الأموال تُستثمر في البنوك الربوية ويُؤخذ عليها فوائد محرمة ، وكذا تُستثمر – في الأغلب – في مشروعات لا تخلو من محرمات .
والنظم الإدارية التي تتعلق بضبط أمور الناس ومعاشهم ، ولا تخالف نصوص الشرع : ليست من التشريع مع الله تعالى ، بل قد جُعلت تلك التشريعات من المصالح التي يقدرها أهلها ، وهي تختلف من زمان لآخر ، ومن مكان لآخر ، وقد بيَّنا ذلك في كلام متين من كلام الشيخ الشنقيطي في جواب آخر.
والله أعلم.


