هل يجوز الحج والسفر والتعليم عن طريق البنوك الإسلامية بنظام المرابحة؟!
السؤال
هل يمكن للبنك أن يقوم بتمويل الحج والعمرة عن طريق عقد الإجارة ؟ فالبنك يقوم باستئجار الخدمات اللازمة للحج والعمرة من الشركات التي تقدمها ، والتي تشمل : التذاكر ، والإقامة ، والتنقل ، والأكل ، ثم يقوم بتمليك هذه الخدمات بأقساط ، بربح ، إلى الراغب في الحج والعمرة .
هل استخدام عقد الإجارة ممكن في هذه الحالة ؟ وهل هو شرعي – أي : تملك المنفعة ، ومَن تملك منفعة يجوز له تمليكها -؟ .
الجواب
الحمد لله
أولاً:
لا شك أن من أعظم العبادات : قصد بيت الله الحرام للحج ، أو العمرة , فالحج: أحد أركان الإسلام الخمسة ، وفرضه ثابت بالكتاب والسنة ، وإجماع العلماء .
وثمة خلاف في حكم العمرة ، الأظهر : أنها واجبة ، مرة في العمر .
ثانياً:
الحج عن طريق قروض الائتمان البنكية : من الربا المحرم , وقد ذكر العلماء أن من شرط الحج الاستطاعة ، وهي : القدرة المالية ، والقدرة البدنية للسفر ، وأداء المناسك ، ومَن ليس لديه قدرة مالية : لا يجب عليه الحج .
ثالثاً:
وأما الجواب عن المسألة الوارد ذِكرها هنا : فهو القول بتحريمها ، والمنع منها ، وقد حصل من البنوك الإسلامية ! ما كان متوقعاً ، وهو التساهل لدرجة الوقوع في المحرَّم الظاهر ، وهو الإقراض بالربا ، واتخاذ طرق ملتوية للوصول إلى إلى ” التمويل المحض ” ، مرة باسم ” المرابحة ” ، وأخرى باسم ” التورق ” ، وهو ما دعا ” المجمعِ الفقهي الإسلامي ” التابع لرابطة العالم الإسلامي لإصدار قرار فيه تحذيرٌ وتنبيهٌ للمصارفِ الإسلامية من الوقوع في المحذورات الشرعية البينة ، وقد كان في آخر ذلك القرار قولهم :
يوصي مجلس المجمع جميع المصارف بتجنب المعاملات المحرمة ؛ امتثالاً لأمر الله تعالى .
كما أن المجلس إذ يقدِّر جهود المصارف الإسلامية في إنقاذ الأمة الإسلامية من بلوى الربا :
فإنه يوصي بأن تُستخدم لذلك المعاملات الحقيقية المشروعة ، دون اللجوء إلى معاملات صُورية ، تؤول إلى كونها تمويلاً محضاً بزيادة ترجع إلى الممول “. انتهى.
وما جاء في السؤال هو عين ما حذر منه ” المجمع الفقهي ” فالمعاملة الوارد ذِكرها في السؤال هي عبارة عن ” تمويل محض ” بزيادة ترجع إلى الممول ، وهو البنك الإسلامي ! .
وبيان ذلك : أن الراغب بالحج والعمرة الذي لا يملك مصاريف النسك فإنه يلجأ للبنك ليمول له سفرته تلك بزيادة يدفعها له ، وتشمل هذه المعاملة على أجرة الفندق ، وأجرة التنقلات ، ولذلك احتالوا لتجويزها بادعاء أنها ” استئجار منفعة ” ، و ” تمليك منفعة ” ! وأنها ” إجارة موصوفة في الذمة ” ! ، وكل ذلك من التحيل على الشريعة للوصول إلى الإقراض بفائدة ربوية .
وليس الأمر مقتصراً على تمويل مناسك الحج والعمرة ، بل زاد الأمر ليشمل تمويل الرحلات السياحية إلى أي مكان في العالَم ! فانظر كيف صارت هذه المعاملة سبباً في نشر الفساد في الأرض ، وتمويل المحرمات ! .
وقد جاء في عرض خدمات ” بنك … الإسلامي ” ما نصه :
” برنامج تمويل رحلات السياحة والسفر ” .
قضاء إجازاتكم السنوية مع أفراد عائلاتكم في رحلات سياحية داخل ( … ) ، وخارجها ، متعة ، ونشاط متجدد لكم .
فإذا كنتم ترغبون في الاستمتاع بإجازاتكم في ربوع … الجميلة و / أو في مختلف دول العالم ! : فإن ” بنك … الدولي الإسلامي ” جاهز لتمويل ! نفقات الإجازة ، من مواصلات ، وتنقلات ، وإقامة ( من الباب إلى الباب ) ضمن برنامج ” إجارة الخدمات ” ( الإجارة الموصوفة بالذمة ) حيث يتم إبرام عقد ” تمليك المنفعة ” ما بين البنك والمتعامل الراغب في الحصول على منافع هذا التمويل ، بعد أن يقوم البنك بإمتلاك المنفعة ، بحسب الوعد الملزم من المتعامل ، وبشروط سهلة ، ومزايا عديدة ” . انتهى.
وحقيقة تلك المعاملة أنها ” تمويل ديون ” ! وهو عين الربا ، فقيمة المواصلات ، وتكلفة التنقلات ، وغير ذلك من مصاريف الرحلة : لا يُعرف إلا بعد انتهاء السفرة ، ومعنى ذلك : أن ما يترتب على الحاج أو المعتمر أو السائح لن يُعرف إلا بعد رجوعه من سفره وهو المعبَّر عنه بقولهم : ” من الباب إلى الباب ” ! وهذه كلها ديون مترتبة تتكفل شركة الحج والعمرة والسياحة بتوفيرها ، ثم ستبيعها للبنك الإسلامي ! بزيادة مترتبة على الحاج والسائح ، فتربح منه تلك الشركات من جهة ، ويربح منه البنك من جهة أخرى ، الأولى بتقديم الخدمات ، والثاني بشراء دينه على تلك الشركة .
وهذا هو التصور الحقيقي لتلك المسألة ، وعليه : فلا يمكننا القول بجوازه ، بل نراه عين الربا الذي حرِّم في الكتاب والسنَّة والإجماع .
ومثله ما يعرضونه من ” تمويل التعليم ” و ” تمويل العلاج ” ، و ” تمويل الزواج ” ، وما أشبه ذلك ، فهو من الربا المحرَّم ، والذي حقيقته شراء ديون التعليم ، وديون العلاج ، وديون الزواج ، بزيادة ربوية ، ونأسف أن ينسب مثل هذا التحايل للشريعة الإسلامية ، ولذلك لما علمت البنوك الربوية أن الأمر بهذه الكيفية حتى يكون مباحاً ، وتكسب به الزبائن المتورعين من البنوك الربوية الصرفة : أنشأت منافذ شرعية ! في بنوكها الربوية ، أو أنشأت بنكاً خاصّاً مستقلاًّ ! وللعلم فإن الأرباح التي تجنيها البنوك بتلك الطرق المنسوبة للشرع أكثر من أرباحها وهي ربوية ، فما الذي يمنعها من فتح نوافذ إسلامية والأمر على هذه الحال ؟! .
والله أعلم.


