أخذت الذهب وبعد فترة دفعت الثمن، فما الحكم؟

السؤال

امرأة اشترت ذهبا من امرأة أخرى فأخذت منها الذهب وبعد فترة أرسلت لها المال، ما صحة هذا البيع علما بأن هذا الذهب لم يوزن؟ وإذا كان هذا البيع غير صحيح فما الحكم؟

الجواب

الحمد لله

أولًا:

بيع الذهب بالنقد له حكم بيع الذهب بالذهب؛ لأن النقد له حكم الذهب في البيع والشراء كونه يحل مكانه ويقوم مقامه فله حكمه في الشرع.

* قال الشيخ ابن عثيمين:

قوله: ” النقدين “: تثنية نقد، بمعنى منقود؛ لأن النقد هو الإعطاء والذهب والفضة ليسا إعطاء بل هما معطيان.

والمراد: الذهب والفضة وعلى هذا فالفلوس ليست نقداً في اصطلاح الفقهاء لأنها ليست ذهبًا ولا فضة ومن ثم اختلف العلماء هل فيها ربا أو ليس فيها ربا؟

وهل فيها الزكاة مطلقًا؟ أو هي عروض إن نوى بها التجارة ففيها الزكاة وإلا فلا؟ فعندنا مسألتان، وكلاهما مسألتان عظيمتان تحتاجان لتحليل.

فمن المعلوم أن الأوراق النقدية تعتبر من الفلوس؛ لأنها عوض عن النقدين يصرف بها النقدان.

* فقال بعض العلماء:

إن الفلوس عروض، وعليه: فلا تجب فيها الزكاة ما لا تعد للتجارة وعلى هذا فإذا كان الإنسان عنده مليون قرش فليس عليه زكاة ولو أنه أبدل عشرة بعشرين من هذه الفلوس فهو جائز سواء قبضها في مجلس العقد أو تأخر قبضها كما لو أبدل ثوبًا بثوبين فإنه جائز ولو تأخر القبض.

لكن هذا القول لو قلنا به: لكان أكثر التجار الذين عندهم سيولة دراهم لا زكاة عليهم، ولكانت البنوك ليست ربوية؛ لأنها غالبًا تتعامل بهذه الأوراق، ولقد قرأت رسالة عنوانها ” إقناع النفوس بإلحاق عملة الأنواط بعملة الفلوس “، الأنواط: الورق.

ولكن هذا القول لا أظن أن قدم عالم تستقر عليه لما يلزم فيه من هذا اللازم والباطل: ألا ربا بين الناس اليوم؛ لأن غالب تعاملهم بالأوراق النقدية، وألا زكاة على من يملك الملايين من هذه الأوراق ما لم يعدها للتجارة.

القول الثاني: أنها بمنزلة النقد في وجوب الزكاة، أي: لا بد من الزكاة لدخولها في عموم قوله تعالى:{ خذ من أموالهم صدقة } [ سورة التوبة  / 103 ].

والأموال المعتمدة الآن هي هذه الأموال.

وقول النبي صلى الله عليه و سلم لمعاذ بن جبل ” أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم”.

فهي مال والناس يجعلونها في منزلة النقد، وعليه: فالزكاة فيها واجبة.

المسألة الثانية: هل يجري فيها الربا؟

من قال: إنها عروض فإنه لا يجري فيها الربا لا ربا الفضل ولا ربا النسيئة كما أن العروض كتبديل الثوب بالثوبين أو بالثلاثة وتبديل البعير بالبعيرين لا بأس به سواء تعجل القبض أو تأجله كذلك هذه الدراهم بعضها ببعض ليس فيها ربا فيجوز أن آخذ منك مائة دولار بأربعمائة دولار إلى سنة أو ألف ريال بألف ومائتين إلى سنة لأنه لا يجري فيها الربا وهذا القول فيه نظر لأن الناس يرون أن هذه العملات بمنزلة النقد لا يفرقون فيها إلا تفريقًا يسيرًا.

* وقال بعض العلماء:

إنه يجري فيها ربا النسيئة دون ربا الفضل فإن أبدلت بعضها ببعض مع تأخر القبض فهذا حرام سواء أبدلتها بالتماثل أو بالتفاضل وإذا أبدلت بعضها ببعض نقدًا مع القبض في مجلس العقد، فهذا جائز مع التفاضل. ” الشرح الممتع ” ( 6 / 98 – 100 ).

فالقول الراجح في هذه العملات: أن الزكاة فيها واجبة مطلقًا، سواء قصد بها التجارة أو لا.

وعلى هذا لو كان الإنسان عنده مال ليتزوج فحال عليه فحال عليه الحول: فعليه الزكاة فيه، ولو كان عنده مال من النقود ليشتري بيتًا فحال عليه الحول: فتجب عليه الزكاة.

ولو كان يجمع دراهم من أجل أن يحج بها: فعليه الزكاة إذا حال عليه الحول.

ثانيًا:

وعليه: ففي المسألة السابقة نرى أن في هذا البيع مخالفة صريحة واضحة من حيث أن البيع تم بدون التقابض في مجلس العقد وهذا من الربا المنهي عنه وهو ما يسميه الشرع ربا النسيئة. عن أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” الربا في النسيئة “. رواه البخاري ( 2069 ) ومسلم ( 1596 ).

وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد “. رواه مسلم ( 1587 ).

وربا النسيئة: هو بيع الربوييْن اللذيْن اتحدا في الجنس مع عدم التقابض في نفس المجلس وفي الحديث الآتي موافقة تامة لما في القصة الواردة في السؤال حيث ينهى عن البيع إلا يدا بيد، والمرأة التي ذكرتها في السؤال لم تقبض ثمن ما باعت في نفس المجلس.

عن ابن شهاب عن مالك بن أوس أخبره أنه التمس صرفا بمائة دينار فدعاني طلحة بن عبيد الله فتراوضنا حتى اصطرف مني فأخذ الذهب يقلبها في يده، ثم قال: حتى يأتي خازني من الغابة وعمر يسمع ذلك، فقال: والله لا تفارقه حتى تأخذ منه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء “. رواه البخاري ( 2065 ) – واللفظ له – ومسلم  – دون الزيادة الأولى – ( 1586 ) وللحديث روايات كثيرة عند الشيخين وغيرهما.

– ومعنى هاء وهاء: أي يد بيد خذ وهات.

ونرى أن القصة مشابهة حيث أراد طلحة تأجيل القبض فنهاه عمر رضي الله عنه واحتج عليه بالحديث السابق.

فحكم العقد الذي تم بين المرأتين أنه عقد باطل والبيع بينهما بيع باطل لا يثبت، وتملُّك المرأة صاحبة المال للذهب تملكٌ غير مشروع، وتملُّك المرأة صاحبة المال للذهب تملُّكٌ غير مشروع أيضًا.

وينبغي على كل واحدة منهما إعادة المال لصاحبته.

ثم إن شاءتا بعد ابتاعتا بيعًا جديدًا بحيث يتم التسليم من الطرفين في المجلس الذي تم به العقد.

ولا يهم عدم تحديد القيمة في البيع لعدم اتفاق المثلية في الوزن بين الذهب والنقد ولكنه يتفق معه في العلة وهي كونه يحل محله في البيع والشراء.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة