العلة في تقديم الهدايا لجمهور الناس وعدم تقديمها لموظفي الشركة الأخرى
السؤال
هذا السؤال متعلق بسؤال آخر عن: حكم أخذ موظف هدية مثل المواد الإعلامية من شركة أخرى.
ما هو الخطأ في تقديم منتجات كهدية إلى الجمهور لعمل دعاية لأعمالي التجارية والمنافسة مع أقراني التجاريين ؟ هل المنافسة غير مسموح بها ؟ .
إن الذي أقدمه للجمهور كدعاية لأعمالي التجارية هو من أملاكي ولا يخص الغير ، إن لي الخيار أن أبيع الممتلكات أو أن أقدمها كهدايا ، وما الخطأ في أن يقدم رجال أعمال هدايا إلى الجمهور – كالذي أعمله أنا – كي يشجع عملي التجاري باللعب مع السوق التجارية للفوز بالزبائن والفوز بي حتى لا نشتري من المنافسين التجاريين ؟ والقرار يعود إلي وإلى الجمهور من أي من الموردين نود أن نشتري منه ، لماذا يتوجب علينا الذهاب إلى المنافسين غير الكرماء بل البخلاء ؟ لماذا يفرض الإسلام علينا الشراء من منافسيه أو توجيهنا إليهم ، وعندما لا يقول الإسلام بذلك ، فلماذا يمنعنا من الشراء منه أو قبول هداياه بغض النظر عن نواياه في أن تكون في كسبنا لنكون عملائه التجاريين ؟ .
– أرجو إعطائي أدلة واضحة من القرآن والحديث بأن كل هذا محرم وليس اجتهادات من بعض المشايخ .
الجواب
الحمد لله
في جواب السؤال الآخر لم يمنع الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله – من إعطاء الهدايا للناس ، وخاصة إذا كانت دعايات يُراد تسويق المنتج من خلالها ، بل الذي منع منه هو إعطاؤها لأشخاص معينين تتعلق أعمالهم ووظائفهم بالشركة بيعاً وشراء ، وهو ما قد يؤثر على نصحهم وتحريهم للصواب عند اتخاذ قرارات تتعلق بعملهم .
وما ذكرناه واضح في كلام الشيخ – رحمه الله – حيث خشي على أولئك الموظفين من الخيانة في أعمالهم ونص عبارته ” أنا أخشى أن يكون في هذا تلاعب في الأسواق ، أو خيانة من الذين أخذوا الجوائز ” .
والتفريق بين الهدية والرشوة يحتاج إلى فِقْه ؛ لأنه قد يخفى على كثيرٍ من الناس ، وخاصة مع ضعف الدين ، وكثرة الفتن والمُغْريات ، لذا لا بدَّ من التفريق بين ما يُعطى من هدايا بقصد تحبيب القلوب وزيادة أواصر الأخوة ، وبين ما يُعطى للموظفين والمسئولين بقصد الاستفادة من وظائفهم .
وتأمل معنا رفض سليمان عليه السلام هدية ملكة سبأ ، وسبب رفضه ، فقد قال الله عز وجل (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ . فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آَتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آَتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ . ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ ) [ النمل / 35 – 37 ] فقد جاء عن بعض السلف في تفسيرها : أنها قصدت بالهدية أن تصانعه بها عن ملكها وتختبره بها أملِك هو أم نبي ، وأنه إن يكن ملِكا : قبَل الهدية وانصرف ، وإن كان نبيّاً : لم يقبل الهدية ولم يُرضه منها إلا أن تتَّبعه على دينه .
– وتأمل ما ورد في نهي النبي صلى الله عليه وسلم من أخْذ أحد عماله هدايا الناس .
عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال : استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة ، فلما قدم قال : هذا لكم ، وهذا أهدي لي ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ” فهلا جلس في بيت أبيه – أو بيت أمه – فينظر أيهدى له أم لا ؟ والذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منكم شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته ، إن كان بعيراً له رغاء ، أو بقرة لها خوار ، أو شاة تيْعر – ثم رفع بيده حتى رأينا عفرة إبطيه – اللهم هل بلغت ، اللهم هل بلغت ، ثلاثا ” . رواه البخاري ( 2457 ) ومسلم ( 1832 ) .
– وتأمل – كذلك – رفض الخليفة عمر بن عبد العزيز لهدايا الناس وسبب ذلك .
روى البخاري – معلَّقا – عن عمر بن عبد العزيز قوله: ” كانت الهدية في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية، واليوم رشوة “. ” فتح الباري ” ( 5 / 260 ) .
وعليه: فيمكنك الآن أن تعلم أن الفتوى إنما هي لإغلاق الطريق على النفوس أن تميل نحو صاحب الجوائز والهدايا ، فيحصل من الموظفين الذين لهم علاقة بهذه الشركة بتقديمها على غيرها ممن تستحق أن تقدَّم .
قال ابن القيم – رحمه الله – :
قال ابن عقيل : الأموال التي يأخذها القضاة أربعة أقسام : رشوة ، وهدية ، وأجرة ، ورزق .
… وأما الهدية : فضربان : هدية كانت قبل الولاية ، فلا تحرم استدامتها ، وهدية لم تكن إلا بعد الولاية ، وهي ضربان : مكروهة ، وهي الهدية إليه ممن لا حكومة له ، وهدية ممن قد اتجهت له حكومة ، فهي حرام على الحاكم والمهدي .
” بدائع الفوائد ” ( 3 / 668 ) .
فالمرجو هو إعادة النظر في قراءة جواب السؤال المذكور ، والتأمل فيما أوضحناه لتعلم الصواب ، ويزول الإشكال .
والله أعلم.


