لوالده راتب، لكنه مع فعله للمحرمات لا يكفيه، فهل على الولد إعطاؤه من ماله؟
السؤال
لي والد مسرف على نفسه في المعصية ، وهو قد أحيل على المعاش ، ومرتبه الشهري الذي يتقاضاه يكفيه وزيادة ، ولكن للأسف لتبذيره المال فيما لا يرضي الله لا يكفيه المال الذي يتقاضاه ، فما إن يلتقي معي إلا يسألني المال ويقول لي لم أستطع تسديد فاتورة الكهرباء … الخ ، وأنا على يقين أنه لو استقام في حياته لكان ما يتقاضاه من مال كافياً لجميع احتياجاته ، فهو يحرجني بهذا السؤال ، فما من لقاء إلا يسألني المال ، فإن أعطيته فأشعر كأنني أعينه على معصية الله ، وإن لم أعطه يصير لا يسلم عليَّ ، فهل هذا من العقوق الذي حرمه الله أم لا ؟ .
– أفتونا مأجورين وجزاكم الله خيراً .
الجواب
الحمد لله
أولاً:
إن من أعظم البر بالوالدين : نصحهما ، ووعظهما ، وأمرهما بالمعروف ، ونهيهما عن المنكر ، وهذا خير لهما من الطعام والشراب والكسوة ، فعلى الأولاد التنبه لهذا ، وليعلموا أن إنجاء الوالدين من سخط الله وعذابه هو خير ما يقدمونه لوالديهم.
فاحرص أخي السائل على هذا ، ولتتفكر في الطرق الموصلة لهداية والدك مما يفعله من منكرات وموبقات ، وابذل الطرق المباحة في ذلك ، ولو استهلك ذلك مالك كلَّه فإنه لا يضيع عليك ما تقدمه من خير لوالدك.
ثانياً:
جاءت الأحاديث الصحيحة تبين أن الوالد يشارك ولده في ماله ، لكن ذلك على وجه الإباحة ، لا على وجه التمليك ، كما أن ذلك مشروط بكون الأب في حاجة ، والابن في غنى وسعة ، وعلى أن يستعمل الأب هذا المال فيما يحرم عليه من أفعال.
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَجُلا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي مَالاً وَوَلَدًا ، وَإِنَّ أَبِي يُرِيدُ أَنْ يَجْتَاحَ مَالِي فَقَالَ : ( أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ ) . رواه ابن ماجه ( 2291 ) ، وصححه الألباني في ” صحيح ابن ماجه”.
وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي مَالًا وَوَلَدًا وَإِنَّ وَالِدِي يَحْتَاجُ مَالِي قَالَ : ( أَنْتَ وَمَالُكَ لِوَالِدِكَ إِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِكُمْ فَكُلُوا مِنْ كَسْبِ أَوْلَادِكُمْ ) . رواه ابو داود ( 3530 ) ، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود”.
قال المباركفوري – رحمه الله – :
قال الشوكاني : ” فيدل على أن الرجل مشارك لولده في ماله ، فيجوز له الأكل منه ، سواء أذن الولد ، أو لم يأذن .
ويجوز له أيضاً أن يتصرف به كما يتصرف بماله ، ما لم يكن ذلك على وجه السرف ، والسفه .
وقد حكى في ” البحر ” الإجماع على أنه يجب على الولد الموسر مؤنة الأبوين المعسرين ” انتهى . ” تحفة الأحوذي ” ( 4 / 494 ) .
فإذا كان راتب والدك يكفيه ، وهو يستعمله – أو شيئاً منه – في المنكرات والمحرَّمات ، وما تملكه أنت من مال لا يكفيك ، أو بالكاد يكفيك : فلا يجب عليك إعطاء والدك ؛ لما يتسببه ذلك بالضرر له ؛ ولما فيه من إعانته على فعل ما حرَّم الله تعالى عليه .
سئل علماء اللجنة الدائمة :
في الحديث الشريف في باب حق الأب على الابن قال عليه السلام : ( أنت ومالك لأبيك ) فهل هذا الكلام ينطبق على البنت التي تعمل براتب جيد ولو أن والدها ليس بحاجة مادية إليها ما دامت تحت ولايته ؟ .
فأجابوا :
الحديث يعم الابن والبنت ، ويدل على ذلك أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة رضي الله عنها : ( إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم ) رواه الخمسة ، لكن يشترط ألا يكون في ذلك ضرر بيِّن على الولد ، ذكراً كان أو أنثى ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا ضرر ولا ضرار ) ، وما جاء في معناه من الأدلة ، وأن لا يأخذ الوالد ذلك تكثراً ، بل يأخذه لحاجة .
الشيخ عبد العزيز بن باز , الشيخ عبد الرزاق عفيفي , الشيخ عبد الله بن غديان , الشيخ عبد الله بن قعود . ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 21 / 180 ، 181 ) .
وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :
ما مدى صحة الحديث القائل ( الولد وما ملك لأبيه ) ، فإن زوجها هذا يفرض على أحد أبنائه أن يعطيه المال رغم فسقه وفجوره ، فكيف أن الابن يتعب ويشقى في جمع المال ثم يعطيه لمثل هذا الأب ليصرفه في المحرمات ، ويوزع منه على إخوته الباقين ، ويحرضهم ضد أخيهم ، حتى غرس الكره والعداوة بينهم ، فهل يلزم هذا الابن إعطاء والده هذا ماله أو شيئاً منه وهو بهذه الحال أم لا ؟ .
فأجاب:
ما سردته من الحديث ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم ( أنت ومالك لأبيك ) : فهو حديث حجة ، ولهذا قال أهل العلم : إن الأب له أن يتملك من مال ولده ما لا يضر الولد ، ولا يحتاجه ، وأما ما تعلقت به حاجة الولد ، أو كان يضر الولد : فإنه ليس له أن يتملكه ، وكذا إذا كان الأب يأخذه منه ليصرفه في أمور محرمة : فإن ذلك حرام عليه ، ولا يملك هذا الشيء ؛ لأنه – أعني : الأب – لا يملك أن يصرف ماله الخاص به في معاصي الله ، فكيف بمال ابنه ؟! وعلى هذا : فإننا ننصح هذا الأب بأن يتقي الله عز وجل في ولده، وفي أهله، بل وفي نفسه، ويرجع إلى الله، ويتوب إليه، ويقبل على صلواته، وعلى عباداته، حتى يلقى الله تعالى وهو ومؤمن، ونسأل الله العافية، والسلامة من الشرور. ” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط 104 ، وجه أ ).
والخلاصة :
أنه لا يجوز لك إعطاء والدك شيئاً من مالك ليستعين به على المعصية ، فإذا كفَّ عن معصيته ، ولم يكن ما يأتيه من مال يكفيه : فإن له الحق في مالك ، ما لم يكن فيه عليك ضرر ، وابذل وسعك وجهدك في نصحه ، واجعل المال الذي يطلبه منك في تكاليف نصحه وهدايته ، ولعلَّ التضييق عليه في المال أن يجعله يكف عن فعل الحرام .
والله أعلم.


