هل تقاطع والدتها التي تشكوها لزوجها كثيرًا وتخشى أن تفسد حياتها؟
السؤال
هل يجوز للفتاة أن ( excommunicate ربما تقصد منها المقاطعة) تقاطع أمها لأنها تشكوها إلى زوجها دائما؟ الفتاة تخشى أن يؤدي ذلك إلى تحطيم حياتها الزوجية. أم الفتاة غير متمسكة بدينها, ويظهر أنها تغار من زوج ابنتها. كما أنها كانت تنشر أكاذيب مختلقة تقدح في استقامة ابنتها.
هذه المرأة (والدة الفتاة) مطلقة, وهي تعيش بمفردها في بيت آخر.
أرجو توضح ما يمكن فعله في هذه الحالة.
الجواب
الحمد لله
إذا كان الأمر كما وصفته الفتاة في السؤال فنقول:
أولًا:
حاولي إصلاح الوضع بالنصح والحسنى مع الموعظة الحسنة والتخويف من الله تعالى ما استطعتِ إلى ذلك سبيلا.
ثانيًا:
إن تعذر الذي ذكرناه في ( أولا ): فاعلمي أن أمك عاصية بهذا وهي تقترف ذنباً من الكبائر التي حرمها الله تعالى وحرمها رسوله، فذنب إفساد ذات البين والقطيعة بين الناس ذنب عظيم فهذا الذنب كما وصفه العلماء بأنه كالسحر في شره إذ جامع الشبه بينهما أن كليهما ممن يفرق بين الناس.
وقد أوردنا في جواب سابق كلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – حيث شبه الذي يفرق بين الناس بهاروت وماروت، ونعيد ذكره هنا حيث سئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن مثل هذا فإليك السؤال والجواب:
سئل رحمه الله عن امرأة وزوجها متفقين وأمها تريد الفرقة فلم تطاوعها البنت فهل عليها إثم في دعاء أمها عليها؟.
فأجاب:
الحمد لله ، إذا تزوجت لم يجب عليها أن تطيع أباها ولا أمها في فراق زوجها ولا في زيارتهم ولا يجوز في نحو ذلك بل طاعة زوجها عليها إذا لم يأمرها بمعصية الله أحق من طاعة أبويها و” أيما امرأة ماتت وزوجها عليها راض دخلت الجنة ” وإذا كانت الأم تريد التفريق بينها وبين زوجها فهي من جنس هاروت وماروت لا طاعة لها في ذلك ولو دعت عليها اللهم إلا أن يكونا مجتمعين على معصية أو يكون أمره للبنت بمعصية الله والأم تأمرها بطاعة الله ورسوله الواجبة على كل مسلم. ” مجموع الفتاوى ” ( 33 / 112- 113 ).
* ويقول الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى:
النوع الثامن من السحر: السعي بالنميمة والتضريب من وجوه خفيفة لطيفة وذلك شائع في الناس.
قلت: النميمة على قسمين: تارة تكون على وجه التحريش بين الناس وتفريق قلوب المؤمنين فهذا حرام متفق عليه ….. ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 148 ).
وقد حرم الله تعالى هذا النوع من التحريش في القرآن في كثير من المواضع:
- قال الله تعالى: { وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد } [ البقرة / 205 ].
* قال القرطبي في تفسير هذه الآية:
وقيل: الحرث: النساء والنسل الأولاد، وهذا لأن النفاق يؤدي إلى تفريق الكلمة ووقوع القتال وفيه هلاك الخلق قال معناه الزجاج.
والسعي في الأرض: المشي بسرعة، وهذه عبارة عن إيقاع الفتنة والتضريب بين الناس والله أعلم. ” تفسير القرطبي ” ( 3 / 17 ).
- قال الله تعالى: { ولا تطع كل حلاف مهين. همَّاز مشاء بنميم } [ ن / 10-11 ].
* قال القرطبي في تفسير هذه الآية:
{ مشاء بنميم }: أي: يمشي بين الناس بالنميمة ليفسد بينهم، يقال: نم نيم ونميما ونميمة أي: يمشي ويسعى بالفساد وفي صحيح مسلم عن حذيفة: ” أنه بلغه رجلا ينم الحديث فقال حذيفة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” لا يدخل الجنة نمام “. ” تفسير القرطبي ” ( 18 / 232 ).
ومن الحديث:
- عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة، قالوا: بلى، قال: صلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة “.
* قال أبو عيسى – الترمذي -: هذا حديث صحيح.
ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين “. رواه الترمذي ( 2509 ).
* قال الزيلعي في نصب الراية ( 4 / 354 ):
قال البزار: لا نعلمه يروي بإسناد متصل أحسن من هذا وإسناده صحيح.
- عن ابن عباس قال: ” مر النبي صلى الله عليه وسلم بحائط من حيطان المدينة أو مكة فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ” يعذبان وما يعذبان في كبير”، ثم قال: ” بلى كان أحدهما لا يستتر من بوله وكان الآخر يمشي بالنميمة” ثم دعا بجريدة فكسرها كسرتين فوضع على كل قبر منهما كسرة، فقيل له: يا رسول الله لم فعلت هذا؟ قال: ” لعله أن يخفف عنهما ما لم تيبسا – أو إلى أن ييبسا “. رواه البخاري ( 213 ) ومسلم ( 292 ).
- عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة يجيء أحدهم فيقول فعلت كذا وكذا فيقول ما صنعت شيئا قال ثم يجيء أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته قال فيدنيه منه ويقول نعم أنت – قال الأعمش: أراه قال: فيلتزمه – “. رواه مسلم ( 2813 ).
- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ليس منا من خبَّب امرأة على زوجها أو عبداً على سيده “. رواه أبو داود ( 2175 ) وأحمد ( 8912 ).
والحديث: قال الألباني في صحيح الجامع رقم ( 5437 ): صحيح.
فهذه الآيات والأحاديث تدل بصراحة على تحريم الذي يسعى بين الناس بالقطيعة وإفساد ذات البين.
ثالثًا:
أما أن تقطع الفتاة الصلة بأمها: فجائز ما دام ذلك يبعد عنها شر والدتها ويحفظ لها الحياة السعيدة مع زوجها ولا تكون هذه القطيعة للأم إلا بقدر محدود وهو القدر الذي يزول معه شر الأم؛ لأنَّ الله تعالى نهى المسلمين أن يقطعوا صلتهم بآبائهم الكفار ما دام أن هؤلاء الآباء لا يصدونهم عن الدين ولا يمنعونهم عن تطبيق شرع الله تعالى فكيف ينهاهم عن صلة آبائهم المسلمين.
قال الله تعالى: { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون } [الممتحنة / 8-9 ].
* قال القرطبي:
لا يختص بر الوالدين بأن يكونا مسلميْن بل إن كانا كافريْن يبرهما ويحسن إليهما إذا كان لهما عهد قال الله تعالى { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم}، وفي صحيح البخاري عن أسماء قالت: قدمت أمي وهي مشركة في عهد قريش ومدتهم إذ عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم مع أبيها فاستفتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصلها؟ قال: نعم صلي أمك. ” التفسير ” ( 10 / 239 ).
ولذا نقول للأخت اقطعي أمك بالقدر الذي يدفع شرها عنك، وهذا لا يعني انعدام الصلة بينك وبينها بحيث تتم القطيعة التي ما بعدها صلح ولا بر، لاسيما وأن أمك لا زوج لها وتعيش بمفردها فهي ستكون في حاجتك في كثير من الأمور، ولعلها بعد تغيير العلاقة معها أن تشعر بأثر ذنوبها وأن تتوب إلى الله تعالى.
والله أعلم.


