والدها يريد قرضا ربويا بكفالتها، فهل توافقه؟

السؤال

أبي متقاعد بالمعاش ومعاشه معقول جدّاً ، ويقيم معه بصفة مستمرة أخي الأصغر ، وأحياناً تأتي أختي للإقامة معه عدة أيام بسبب سفر زوجها ، وقد يتكرر ذلك عدة مرات في الشهر ، ولي اثنان من الإخوة في مرحلة الشباب ( 20 – 25 ) سنة يعملان في المزارع ، وأنا أعمل مدرساً ، ومتزوج ولدي طفلتان لم يدخلا المدرسة بعد ، وقد طلب مني أبى أن أضمنه في قرض من أحد البنوك ( بنك ناصر ، بمصر ) ولا تتم الضمانة إلا بتحويل راتبي إلى البنك ، ولا يجوز إلغاء التحويل إلا بانتهاء تسديد جميع أقساط القرض ، علما أن قيمة قسط القرض هي تقريبا قيمة راتبي بفرق بسيط جدّاً وأني سوف أقوم بالسداد في حالة توقف أبي عن السداد لأي سبب خصما على راتبي ، وإذا لم تتم الموافقة على القرض من البنك طلب مني أن أقترض ثلثي المبلغ المراد اقتراضه من أحد الهيئات مباشرة بنفسي وقسط هذا القرض ثلث راتبي تقريبا ، والهدف من هذا القرض – بلفظ أبي – أنه يريد أن يعمل حاجة لإخوتي بدلا من عملهم لدى الناس ، ويريد أن يدفع قيمة هذا القرض مقدما لسيارة بالتقسيط يعمل عليها أخواي الشباب حتى يستطيعا أن يكوِّنا أنفسهم ويتزوجان ؛ لأنهما لا يستطيعان ذلك في عملهم الحالي ، وإذا لم أنفذ ما يطلبه مني يكون هو من طريق وأنا من طريق ويغضب علي ، وأنا لدي تخوف من حرمة القروض ، وبعض المخاوف الدنيوية الأخرى مثل : توقف أبي عن السداد لأي سبب مثل حادثة للسيارة أو عطلها مما سيجعل أبي يدفع معاشه لقسط السيارة وبالتالي سوف يؤخذ راتبي للوفاء بقيمة قسط القرض ، أو في حالة وفاة والدي – أطال الله عمره – أن يمتنع إخوتي عن إعطائي ما سوف يؤخذ من راتبي لسداد القرض ، أو يغضب مني أبي بسبب أحد المواقف أو الحوارات التي تدور بيني وبينه بسبب أن أبي مقدم عنده العادات والتقاليد عن كل شيء حتى الحلال و الحرام وأنا عكسه .

– فما الحكم؟. وجزاكم الله خيراً .

الجواب

الحمد لله

أولاً :

لا شك أن الربا من كبائر الذنوب ، وما يريد والدك فعله أمرٌ عظيم ينبغي عليكم صدهم عنه ، ومنعه منه .

قال الله تعالى : ( وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ . يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ) البقرة/275،276 .

ولا يحل لأحدٍ منكم – ولا من غيركم – أن يساعده على فعله هذا ، ومن فعل فهو شريك معه في ارتكابه لتلك الكبيرة .

وقال تعالى : ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) المائدة/2 .

وروى مسلم ( 1598 ) عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ : ( لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ , وَقَالَ : هُمْ سَوَاءٌ ) .

وهذه المشاركة في الإثم هي التي يجب أن تكون مانعة لك من أن تعين والدك على فعل الحرام ، لا أن تدفع أنت ما يمكن أن يعجز عن سداده ، فالأمر لا يتعلق بالمال ، ولو تعلق به لهان الخطب عليك وعلى أبيك ، ولكنه يتعلق برضا الله وغضبه ، وبالحسنات والسيئات .

ثانياً :

ويجب على والدك أن يعدل في عطيته ، فلا يجوز له إعطاء بعض أولاده عطية ويحرم الآخرين ، فطلبه للمال ليدفع قسط سيارة لبعض إخوانك لا يجوز له إلا إن كان ذلك على سبيل القرض لا على سبيل العطية .

ثالثاً :

واعلم أن غضب والدك عليك لو أنك امتنعت عن إعانته على فعل الحرام لا قيمة له ، ولا يستجيب الله لدعاء ظالم ، واصبر على نصيحته ودعائه ، ولك الأجر إن شاء الله .

سئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :

عن رجل سُرق له مبلغ فظن في أحد أولاده أنه هو أخذه ، ثم صار يدعو عليه ، وهجره ، وهو بريء ولم يكن أخذ شيئاً فهل يؤجر الولد بدعاء والده عليه ؟ .

فأجاب :

نعم ، إذا كان الولد مظلوماً : فإنَّ الله يكفِّر عنه بما يظلمه ، ويُؤجره على صبره ، ويأثم من يدعو على غيره عدواناً . ” مجموع الفتاوى ” ( 31 / 303 ) .

واحرص على تدبير المبلغ الذي يحتاجه والدك من طريق شرعي ؛ لتجمع بين منعك والدك من فعل الحرام ؛ وكسب رضاه وتفريج كربته ، وهذا من أعظم البرِّ ، مع تنبيهه على العدل في العطية التي أشرنا لها قبل ذلك .

ونسأل الله تعالى أن يهدي والدك لما فيه رضاه تعالى ، وأن يثبتك على الحق ، وأن يهديك لأحسن الأقوال والأفعال .

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة