كيف يطلب صاحبُ الوظيفة العلمَ الشرعي؟

السؤال

أولا: أود أن أشكركم على جهودكم في خدمة الإسلام.

ثانيا: أنا موظف جديد في شركة أرامكو ، متخرج لفترة قريبة من كلية الهندسة ، ولقد درست بالخارج ، وخلال دراستي بالخارج وعملي الدعوي في الجالية الإسلامية أدركت أهمية العلم الشرعي.

وسؤالي هو:

كيف يمكن لموظف مثلي طلب العلم ، أود أن أعرف المزيد عن تجربة الشيخ الخاصة؟. وجزاكم الله خيراً.

الجواب

الحمد لله

أولاً :

حثَّ الشرع المطهَّر على الكسب ، وامتنَّ الله تعالى علينا بالأرض فمكنها لنا وبالنهار فجعله وقتاً للمعاش فقال تعالى : { وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ } [ الأعراف / 10 ] ، وقال تعالى : { وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً } [ النبأ / 11 ] .

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلا فيسأله أعطاه أو منعه ” . رواه البخاري ( 1401 ) ومسلم ( 1042 ) .

وقيل للإمام أحمد : ما تقول في رجل جلس في بيته أو مسجده ، وقال : لا أعمل شيئاً حتى يأتيني رزقي ؟ فقال أحمد : هذا رجلٌ جهل العلم ، أما سمع قول النبي صلى الله عليه وسلم ” إن الله جعل رزقي تحت ظل رمحي “؟ – رواه أحمد ( 5093 ) وصححه الحافظ العراقي في ” تخريج الإحياء ” ( 2 / 72 )، والإرواء ( 1269 ) -.

ثانياً :

لا تعارض بين العمل وطلب العلم والدعوة إلى الله عز وجل ، فقد أخبرنا الله تعالى عن عمل بعض الأنبياء عليهم السلام ، فقد كان داود حدّاداً ، وزكريا نجَّاراً .

قال تعالى : { وَسَخَّرْنَا مَعَ داوود الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ . وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ } [ الأنبياء / 79 ، 80 ] .

عن المقدام رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” ما أكل أحدٌ طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده ، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده ” . رواه البخاري ( 1966 ) .

عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” كان زكريا عليه السلام نجَّاراً ” . رواه مسلم ( 2379 ) .

ثالثاً :

وبتنظيم الوقت يستطيع المسلم الذي يعمل أن يوفق بين عمله وطلبه للعلم ، ويخالف هذا باختلاف عمله وطبيعته ، وباختلاف بيئته ومكان عمله وإقامته .

فالصحابة رضي الله عنهم كانوا يجمعون بين الأمرين بالطريقة التي تناسب كل واحد منهم ، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يعمل يوماً ويطلب العلم يوماً ، ولا يفوِّت اليوم الذي يعمل به ، بل يستمع إلى ما فاته من صاحب له ، يقول رضي الله عنه – كما رواه البخاري ( 89 ) – : ” كنت أنا وجار لي من الأنصار نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل يوما وأنزل يوما فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره وإذا نزل فعل مثل ذلك ” .

والذي ننصح به الأخ السائل : أن يجعل وقت ما بعد صلاة الفجر إلى شروق الشمس لكتاب الله تعالى قراءةً وحفظاً وفهماً ، إلا أن يكون ثمة دروس علمية في مكانٍ يسهل المداومة عليه فيه ، وأن يجعل ما بين المغرب والعشاء لحضور حلَق العلم ، وأن يحرص أن لا يضيع وقته فيما لا فائدة فيه .

وباختصار : فليلزم نفسه ببرنامج يومي يكون فيه : حفظ خمس آيات ، قراءة جزء أو نصف جزء ، قراءة تفسير ما يحفظ ، قراءة خمس صفحات من العلوم المتنوعة كالفقه والتوحيد واللغة وغيرها ، ولا يزيد عليها حتى لو وجد فراغاً وقوةً ، وأن يقرأ ترجمةً لصحابي أو تابعي أو إمام كل يوم ، مع المحافظة على سماع شريط أو شريطين من شروحات الشيخ ابن عثيمين –  رحمه الله – .

ولا ينبغي له أن يستكثر هذا البرنامج ، فهو لا يأخذ منه في كل يوم إلا ما هو أقل من أربع ساعات ، وذلك من أصل ( 24 ) ساعة !

ولك في السلف المتقدمين – وعلى رأسهم الصحابة – أسوة حسنة ، فقد كان منهم التاجر والجزَّار والصائغ والحدَّاد ولم يكن ذلك مانعاً لهم من حضور مجالس العلم مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وتبليغ دين الله .

ولك – كذلك – في المعاصرين أسوة حسنة ، فهذا الشيخ الألباني كان يعمل في تصليح الساعات ، وكان يطلب العلم ويدعو إلى الله ، وهذا الشيخ ابن باز كان قاضياً ثم مديراً للجامعة الإسلامية ثم رئيساً لعدة هيئات علمية ومفتياً ولم يمنعه كل ذلك من طلب العلم والدعوة إلى الله ، وقد حافظ على دروس الفجر في عدة فنون إلى أن توفاه الله ، ومثل هذا يُقال في الشيخ ابن عثيمين  – رحمهم الله جميعاً – فقد كان مدرساً في الجامعة ، وكان يطلب العلم ويعلِّم .

والموفق من وفقه الله تعالى ، فلتحرص على الشيء القليل الدائم المستمر ، وإياك أن تلزم نفسك بالكثير فتسأم وتترك الطلب .

 

والله الموفق.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة