معنى ( وإنا له لحافظون )، وإلى متى سيستمر هذا الحفظ؟
السؤال
– لدي عدة أسئلة أود أن تجيبني عليها إذا سمحت:
- ما هو تفسير الآية ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ).
- هل هنا الحفظ شامل إلى مالا نهاية ، أو نسبي؟
- وهل حتى القرآن الكريم سيطاله أعداء الله؟
الجواب
الحمد لله
أولاً:
من أعظم الفروقات بين كتب الله تعالى المنزلة على الرسل قبل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وبين القرآن الكريم : أن الله تعالى لم يتكفَّل بحفظها ، وإنما أوكل حفظها إلى أهلها ، فلذا وقع فيها التحريف والتبديل ، وهذا بخلاف كتابه القرآن ؛ فإنه جعله آية إلى قيام الساعة ، وتكفَّل بحفظه عز وجل ، ولذا يعتقد المسلمون أن ما بين أيديهم من كتاب الله تعالى هو الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم ، وليس فيه ثمة حرف واحد زائد ، أو ناقص ، ومن ادَّعى فيه الزيادة أو النقصان : فليس من المسلمين .
قال تعالى : ( إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ) المائدة/ من الآية 44 .
وقال : ( مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ ) النساء/ من الآية 46 .
وقال الله تعالى – في القرآن – : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) الحجر/ 9 .
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله – :
بيَّن تعالى في هذه الآية الكريمة أنه هو الذي نزَّل القرآن العظيم ، وأنه حافظ له من أن يزاد فيه ، أو يُنقص ، أو يتغير منه شيء ، أو يبدل ، وبيَّن هذا المعنى في مواضع أخَر كقوله : ( وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) فصلت/ 41 ، 42 ، وقوله : ( لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ) القيامة/ 16 ، 17 إلى قوله : ( ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ) القيامة/ 19 .
وهذا هو الصحيح في معنى هذه الآية : أن الضمير في قوله : ( وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) راجع إلى الذِّكر الذي هو القرآن ، وقيل : الضمير راجع إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم ، كقوله : ( والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس ) المائدة/ 67 ، والأول : هو الحق ، كما يتبادر من ظاهر السياق . ” أضواء البيان ” ( 2 / 255 ، 256 ) .
وقال علماء اللجنة الدائمة :
والذِّكر : هو القرآن ، وقد حفظه الله على المسلمين ، وتلقاه أصحابُ النبي صلى الله عليه وسلم عن نبيهم صلى الله عليه وسلم ، كتابةً ، وحفظاً ، وبلَّغوه الأمَّةَ غضّاً طريّاً ، لم يَدخله شيءٌ من التحريف ، أو النقص ، وقد جمعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه في خلافته ، بواسطة زيد بن ثابت رضي الله عنه ، ثم جمعه عثمان في خلافته على حرفٍ واحدٍ لئلا تختلف الأمة في ذلك ، ومن قال إنه غير محفوظ أو دخله شيء من التحريف ، أو النقص : فهو ضالٌّ مضل ، يستتاب ، فإن تاب : وإلا وَجب على ولي الأمر قتله مرتدّاً ؛ لأن قوله يصادم قول الله عز وجل : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) الحجر/ 9 ، ويصادم إجماع الأمَّة على حفظه ، وسلامته ، ولهذا أنكر علماء المسلمين على ” الشيعة الباطنية ” زعمهم أن القرآن الذي بين أيدي المسلمين ناقص ، وأن الذي عندهم هو الكامل ، وهذا من أبطل الباطل.
الشيخ عبد العزيز بن باز , الشيخ عبد الرزاق عفيفي , الشيخ عبد الله بن غديان , الشيخ عبد الله بن قعود . ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 4 / 8 – 10 ) .
ثانياً:
وأما بخصوص استمرارية حفظ القرآن ، وهل له حدٌّ زماني أم لا : فنقول :
إنَّ مِن أشراط الساعة : أنْ يُرفع القُرْآن من الصدور ، والمصاحف ، فلا يبقى منه آية ، لا في الصدور ، ولا في المصاحف .
عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَدْرُسُ الْإِسْلَامُ كَمَا يَدْرُسُ وَشْيُ الثَّوْبِ حَتَّى لَا يُدْرَى مَا صِيَامٌ وَلَا صَلَاةٌ وَلَا نُسُكٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَيُسْرَى عَلَى كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي لَيْلَةٍ فَلَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ مِنْهُ آيَةٌ وَتَبْقَى طَوَائِفُ مِنْ النَّاسِ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْعَجُوزُ يَقُولُونَ أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَنَحْنُ نَقُولُهَا ) .
فَقَالَ لَهُ صِلَةُ : مَا تُغْنِي عَنْهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَهُمْ لَا يَدْرُونَ مَا صَلَاةٌ وَلَا صِيَامٌ وَلَا نُسُكٌ وَلَا صَدَقَةٌ ؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ حُذَيْفَةُ ، ثُمَّ رَدَّهَا عَلَيْهِ ، ثَلَاثًا ، كُلَّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ حُذَيْفَةُ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ فِي الثَّالِثَةِ فَقَالَ : يَا صِلَةُ تُنْجِيهِمْ مِنْ النَّارِ ، ثَلَاثًا . رواه ابن ماجه ( 4049 ) ، وقوَّى الحافظ ابن حجر سنده في ” فتح الباري ” ( 13 / 16 ) ، وصححه الألباني في ” صحيح ابن ماجه ” .
وفي ” حاشية السندي على ابن ماجه ” :
قَوْله ( يُدْرَس الْإِسْلَام ) : مِنْ دَرَسَ الرَّسْم دُرُوسًا : إِذَا غَفَا ، وَهَلَكَ ، وَمِنْ دَرَسَ الثَّوْب دَرْسًا : إِذَا صَارَ عَتِيقًا بِالْيَاءِ ، وَيُؤَيِّد الثَّانِي:
قَوْله ( وَشْي الثَّوْب ) – وَهُوَ بِفَتْحٍ فَسُكُون – : نَقْشه . انتهى.
– وهذا هو معنى عبارة السلف الواردة في كتبهم عن القرآن : ” منه بدأ ، وإليه يعود ” .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :
وأما معناه : فإن قولهم : ” منه بدأ ” : أي : هو المتكلم به ، وهو الذي أنزله من لدنه ، ليس هو كما تقول الجهمية : أنه خلق في الهوى ، أو غيره ، أو بدأ من عند غيره .
وأما ” إليه يعود ” : فإنه يسري به في آخر الزمان من المصاحف ، والصدور ، فلا يبقى في الصدور منه كلمة ، ولا في المصاحف منه حرف . ” مجموع الفتاوى ” ( 3 / 174 ، 175 ).
وخلاصة الأمر:
أن الله يحفظ كتابه في صدور المسلمين ، وفي سطور كتبهم إلى ما قبل قيام الساعة ، وهو من أنواع قبض العلم الذي يكون قبل قيام الساعة ، حتى لا تقوم إلا على شرار الخلق.
وقد تطال يد أعداء الله كتاب الله تعالى بالإهانة ، والتحقير ، ولم يتكفل الله تعالى بحفظ كتابه من ذلك ، بل هو موكول للمسلمين للأخذ على يد كل من يتعرض لكتاب الله بالإهانة ، وأما وصول أعداء الله تعالى لألفاظه تحريفاً لها كما فعلوا في الكتب السابقة : فهذا ما لا يمكنهم فعله ، وقد جعل الله تعالى من الوسائل الكثيرة الميسرة ما يمنعه كل عدو أن يزيد في القرآن حرفاً ، أو ينقص منه حرفاً .
والله أعلم.


