ماذا يقول القرآن والعلماء البارزون عن الحب؟

السؤال

ماذا يقول القرآن والعلماء البارزون عن الحب؟

الجواب

الحمد لله

للحب أنواع، ويبدو أن السؤال يتعلق بنوع واحد وهو ما يكون بين الزوجين أو بين العشاق، فنقول:

إن الحب هو الوداد، وهو ميل القلب إلى المحبوب، والزواج لا يكون سعيدًا إلا إن كان عن حبٍّ ومودَّة بين الزوجين.

وإذا تعلق قلب رجل بامرأة يحل له نكاحها أو العكس فليس له من حل إلا الزواج لقول النبي صلى الله عليه وسلم ” لم نرَ للمتحابَّيْن مثل النكاح ” رواه ابن ماجه ( 1847 ) وصححه البوصيري.

قال السندي – كما في هامش ” سنن ابن ماجه ” -:

قوله ” لم نر للمتحابين مثل النكاح ” لفظ ” متحابين “: يحتمل التثنية والجمع، والمعنى: أنه إذا كان بين اثنين محبة فتلك المحبة لا يزيدها شيء من أنواع التعلقات بالتقربات ولا يديمها مثل تعلق النكاح، فلو كان بينهما نكاح مع تلك المحبة: لكانت المحبة كل يوم بالازدياد والقوة. انتهى.

وتعلُّق قلب أحدهما بالآخر يكون بالنظر – غالبًا – وقد يكون من نظرة محرّمة – لذا أوصى النبي صلى الله عليه وسلم الخاطب أن ينظر إلى المخطوبة، فعن المغيرة بن شعبة أنه خطب امرأة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ” انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما ” رواه الترمذي ( 1087) وحسَّنه, والنسائي ( 3235 ).

قال الترمذي: ومعنى قوله ” أحرى أن يؤدم بينكما “: أحرى أن تدوم المودة بينكما.

وميل الرجال للنساء أمر فطري وقد زيَّنه الله في قلوب الطرفين كما قال تعالى: { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ } [ آل عمران / 14 ]، ومن حِكَم ذلك: الابتلاء والاختبار وبقاء النوع الإنساني، فلو لم تكن هناك مثل هذه المحبة لما حرص الرجال على الزواج ولما رضيت النساء به، وفيه ما فيه من التعب والنصب والمسؤولية، وبغير هذا يتعطل الإنجاب فلا يكون نسل ولا تكاثر، فلله الحِكَم البالغة.

لكن من ينظر إلى حال العشاق والذين يحبون بغير الطريق الشرعي أو يترجمون محبتهم بالحرام: لا يشك مسلم عاقل أنه حبٌّ شيطاني وليس بشرعي وأصحابه آثمون ولا شك.

أما الحب الشرعي فهو الذي يقع في قلب أحد الطرفين بطريقة شرعية كالنظر المباح أو الإعجاب بالخلق والدين والسمعة الحسنة فيترجمانه بالنكاح الشرعي، وهذا ما يجعل المودة بينهما بعد النكاح، قال تعالى : { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } [ الروم / 21 ].

قال ابن قيم الجوزية:

والمقصود أن العشق لما كان مرضًا من الأمراض كان قابلًا للعلاج وله أنواع من العلاج، فإن كان مما للعاشق سبيل إلى وصل محبوبه شرعًا وقدرًا  فهو علاجه، كما ثبت في الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء “، فدل المحب على علاجين: أصلى وبدلى، وأمره بالأصلي وهو العلاج الذي وضع لهذا الداء فلا ينبغي العدول عنه إلى غيره ما وجد إليه سبيلًا، وروى ابن ماجه في ” سننه ” عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي أنه قال: ” لم نر للمتحابيْن مثل النكاح “، وهذا هو المعنى الذي أشار إليه سبحانه عقيب إحلال النساء حرائرهن وإمائهن عند الحاجة بقوله { يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفًا } فذكر تخفيفه سبحانه في هذا الوضع وإخباره عن ضعف الإنسان يدل على ضعفه عن احتمال هذه الشهوة وأنه سبحانه خفف عنه أمرها بما أباحه له من أطايب النساء مثنى وثلاث ورباع، وأباح له ما شاء مما ملكت يمينه، ثم أباح له أن يتزوج بالإماء إن احتاج ذلك علاجًا لهذه الشهوة وتخفيفًا عن هذا الخلق الضعيف ورحمة به. ” زاد المعاد ” ( 4 / 272 ).

وعليه: فلا حرج على الإنسان ولا إثم في ميل قلبه إلى امرأة ، ولكنه يؤاخذ بالسبب والنتيجة ، فإن كان السبب هو النظر المحرم أو الخلوة فهما آثمان بهذا ، وإن كانت النتيجة التقبيل والمماسة أو الزنى – والعياذ بالله – فهم آثمون بهذه النتيجة التي وصلوا إليها .

وقد شفع النبي صلى الله عليه وسلم لمحبٍّ يحب حبيبته، لكنه حبٌّ شرعي في قصة عجيبة رائعة، وملخصها أن عبدًا اسمه ” مغيث ” كان متزوجًا من أمَة اسمها ” بريرة ” فأعتُقت ” بريرة ” وملكت نفسها فاختارت فراق زوجها – وهو لا يزال عبدًا – وهو يحبها ، وهذا وصف حاله بعد هذا:

عن ابن عباس أن زوج بريرة كان عبدًا يقال له ” مغيث ” كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعباس: يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة ومن بغض بريرة مغيثًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو راجعتِه، قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: إنما أنا أشفع، قالت: لا حاجة لي فيه. رواه البخاري ( 4979 ).

قال ابن قيم الجوزية:

فهذه شفاعة مِن سيد الشفعاء لمحبٍّ إلى محبوبته، وهي من أفضل الشفاعات وأعظمها أجرًا عند الله، فإنها تتضمن اجتماع محبوبيْن على ما يحب الله ورسوله، ولهذا كان أحب ما لإبليس وجنوده التفريق بين هذين المحبوبين. ” روضة المحبين ” ( ص 377 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة