تلبيس الشيطان على طالب علم في إقامة علاقة مع امرأة ملتزمة!

السؤال

أنا شاب في الـ 20 من عمري تقريباً ، من … , طالب علم ، بحمد الله وفضله , قدَّر الله أني تعرّفت منذ زمن ليس ببعيد على امرأة عن طريق الانترنت ، وكان سبب ذلك التساؤل عن ” الاسم الشخصي ” الذي كانت تضعه ، والذي بالفعل كان يلفت الأنظار ( كان عبارة عن حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم صحيح يثبت ما نحن عليه اليوم ) , المهم : دار الكلام بيننا لمدة 3 أسابيع تقريباً بشكل دائم ( ضمن الكلام كنا نخوض في الأمور العلمية الشرعية التي من خلالها استفاد كِلا الطرفين ، بالإضافة إلى الكلام الذي تخلله تعاطف هذه المرأة معي من كل النواحي ، ضمن الضوابط ، والقيود الشرعية ، بحيث في آخر المطاف طلبتْ مني أن أعتبرها كأم لي ! عن حسن نية ، بعد أن اعتبرتني كابن لها من أول فترة تحدثي معها ، علمتُ فيما بعد بأنها والدة أحد أصدقائي – هداه الله وإيانا – , فأمه امرأة لم يتخطَّ عمرها 38 سنة بعد , أستاذة ، تعطي التربية الإسلامية ، والقرآن الكريم , ختمت الروايات السبع ، فهي مجازة ، بحمد الله , بالإضافة أنها منتقبة ، ومواظبة على الدروس الأسبوعية عند شيخ مدينتنا الذي أدرس عنده أيضاً ، وهو شيخ فاضل من أحد تلامذة الشيخ ابن عثيمين – طيب الله ثراه – ومن الناس الذين يركزون جدّاً على طرح جهود العلماء المعاصرين ، وخاصة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله وطيب ثراه ، أرادت إحدى المرّات أن تقدم لي مساعدة ( مالية ) بعد أن علمت بمشاكل أتعرض لها مع والديّ من هذه الناحية , وبالفعل قدّمت لي المساعدة ، وذلك بعد أن قابلتها وتحدثت معها بحضور زوجها وابنها ، وهكذا ، كل آخر يوم من الأسبوع تطلب مني الحضور لعندها ؛ لتطمئن على حالي ، وعلى حال وضعي في منزلي ؛ وذلك لما أخبرها من مشاكل جمّة أتعرض لها على الدوام ، وأشعر بارتياح كبير حين أخبرها بذلك , فحقّاً إني أحببتها في الله ! واعتبرتها كأم لي ! وأخاف عليها كما أخاف على أمِّي ، من قلقها ، وتوترها الدائم إن قاطعتها عن الكلام لمدة طويلة ، إلا أن جلساتي الأخيرة معها كانت بمفردنا ( وطبعا بمكان في البيت يستحيل أن يستدل من خلاله أي شخص على شرط واحد يثبت فيه وقوع الخلوة بيننا ، والحمد لله ! ) ، وشعرنا نوعاً ما بأن الضرورة ( إن كانت تعد ضرورة ) قد زالت ، وأنه ينبغي أن ننتهي من هذه الجلسات ؛ لما فيها من شبهات , وفي ذات الوقت الذي أرسل فيه رسالة لها أوضح من خلالها الأمور التي نتساهل بها نوعاً ما وهي غير جائزة ( من ناحية الكلام ، ومن ناحية النظر ، ومن ناحية الجلوس بمفردنا ) : إذ بها ترسل رسالة ذات مضمون رسالتي ، إلا أن رسالتها تختلف عنّي ، بأنها قد كتبتها منذ زمن بعيد ، وتقول في آخرها بأنه لولا محبتها لي ، ومعزتها لي : لما تأخرت في إرسالها منذ البداية ؛ لأن هذا الأمر يفرحها ، بأنها تتبع ما أمرنا به الله ونبيه صلى الله عليه وسلم ، ويحزنها في آن لفراقي ؛ ولحرمانها من شخص ( اعتبرتْه بالنسبة لها كابن ، وأن الله عوضها بعد سنوات طوال من التربية بابن صالح كما تحب وترضى ، وكما تتمنى لابنها الحقيقي أن يكون , وأكثر من ذلك : صارحتني بأمر متعلق بشان ابنتها من ناحية الزواج , فأنا الآن أرغب بالزواج المبكر ، وأتحرى عن بنت على المنهج ، أعلم من خلالها أننا سوف نكون سعيدين بإذن الله مدى العمر ، وقدّر الله أن البنت التي سألت عنها ولفتت نظري في إحدى المرات بعد خروجها من مكان النساء بعد الدرس عند الشيخ : هي بنت هذه المرأة , فقالت لي : بأنها تتمنى أن يكون المتقدم لابنتي شخص مثلك ، بل أنت ، وذلك بعد مصارحتي لها أنا أيضاً بالنسبة لموضوع الزواج ، وهكذا تعمّدنا قطع الكلام بيننا ، وكلُّ منَّا ما زال يفكّر بالآخر على الدوام حتى هذا الأسبوع , أردت أن أكلمها ، وكلّمتها ، وجعلتها تطمئن عليَّ نوعاً ما ، وأنهيت حديثي معها بشكل سريع ، ووضحت بأني لم أفعل هذا كراهية بها إنما اتباع لكلام الله ، وهدي نبيه ، وقالت لي : بأنها متفهمة ، وتعلم ما أقصده تماماً ؛ لأن ما يجول في خاطرها كالذي يجول بخاطري تماماً , ومن ثم قلت لها بأني سوف ألغي بريدها الإلكتروني ، ولم يعد هناك حاجة للكلام ، وهكذا حتى الآن أعلم من خلال ابنها – أي : صديقي – ومن مصادر أخرى بأنها قلقة على الدوام ، وحزينة جدّاً ، جدّاً ، وأن أسرتها تلاحظ في هذه الآونة الأخيرة بكاءها المفاجئ ، وعدم استطاعتها من إخفاء دموعها ؛ لأسباب لا يعلمونها , وبالطبع أنا متيقن ما هو السبب , فإن كان باستطاعتي إخفاء حزني عليها : فهي امرأة ، وعاطفية أكثر ، بل هي أم ، ولا تستطيع إخفاء مشاعرها بسهولة ، وخصوصا تجاه ابنها ، كما تعتقد .

فسؤالي لكم :

هل الذي قمت به ، أي : قطع حديثي نهائيّاً معها أمر صائب ؟ أم أني مخطئ في تصرّفي معها ؟ وما الشيء المناسب الذي عليَّ القيام به تجاهها دون أي تعدٍّ على أطر الضوابط والقيود الشرعية ؟ فأمرها يهمني مثل ما يهمني أمر والدتي الحقيقية .

أفيدوني رجاء بجواب شافٍ وكافٍ , فمن الممكن أن أرسل لها جوابكم لو رأيت فيه مصلحة ومنفعة للطرفين , وجزاكم الله كل خير ، وسامحوني إن أطلت عليكم , فلو باستطاعتي أن أخبر شيخي لما كنت أخبرتكم , بارك الله فيكم ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

الجواب

الحمد لله

أولاً:

هذه القصة تصلح مثالاً لتلبيس إبليس على أهل الالتزام والاستقامة ؛ حيث نسج الشيطان شراكه وشباكه بخيوط الشرع ، فأوهم فريسته بذلك حتى علقوا ! .

– وانظر – أخي السائل – لتلك التلبيسات وتمعن بها ، فلعلها تكون عبرة لغيرك حتى لا يقع في مثلها :

أ. كانت البداية في تلك العلاقة الآثمة منك : السؤال عن ” الاسم الشخصي ” والذي هو عبارة عن حديث نبوي ! فقد فتح لك الشيطان الباب لسؤال أجنبية عنك ، بعذر أنه قد لفت نظرك جعل الحديث النبوي اسماً لها ! ثم انظر كيف امتدت العلاقة بعدها، وتطورت .

ب. وكانت البداية في تلك العلاقة الآثمة منها : إجابتك على سؤالك ، والسماح لنفسها بتكوين علاقة مع أجنبي ، بل زادت الوقاحة برؤيته ، بل والخلوة معه ، حتى وصل الأمر إلى البكاء على فراقه ! .

ج. ومن تلبيس الشيطان عليكما : إيهامكما أنكما ملتزمان بضوابط الشرع في تلك العلاقة ، وأين هذه الضوابط والأمر فاسد ومخالف للشرع من أصله ؟! .

د. ومن تلبيس الشيطان عليكما : جعلك لك بمنزلة أمك ! وجعلها لك بمنزلة ابنها ! وهذا مخالف للشرع ، وليس ثمة ما يبيح اجتماع أجنبي بامرأة أجنبية عنه واعتبار بعضهما أشقاء ، أو أحدها أباً والأخرى ابنة ! أو أحدها ابناً والأخرى أمّاً ! وهذا لا يغيِّر من واقع أمركما شيئاً ، فأنتما أجنبيان عن بعضكما ، وإنما هو من تلبيس الشيطان ، ومكره .

هـ. ومن تلبيس الشيطان عليكما : إيهامكما أن اللقاء والاجتماع فيه فوائد علميَّة ! ويستفيد كل منكما من الآخر ، وحقّاً إن الشيطان قد نجح في ذلك ، حتى ظننتما أنكما غير مخالفيْن للشرع في تلك العلاقة .

و. ومن تلبيس الشيطان عليكما : كتابة كل واحدٍ منكما رسالة للآخر ، وهذا معروف في عالم العلاقات المحرَّمة ، وخاصة بين المستقيمين والملتزمين ، حتى يظن كل واحدٍ منهما أنه غير راضٍ عن فعله ، وأنه يخالف شرع الله ، فيبادله الآخر الشعور نفسه ، حتى لا يكون أحدهما ملاكاً والآخر شيطاناً ! ، ثم سرعان ما ترجع العلاقة ؛ لأن الكتابة أصلا ليست توبة من تلك العلاقة المحرَّمة ، بل هي إحدى محطات التوقف فيها ! .

ز. ولعله من آخر تلبيس الشيطان عليك أنت : وضعك لاحتمال أن قطع العلاقة بالكلية ليس هو التصرف الشرعي المناسب ، وأنه من الممكن أن تجد سبيلاً لاستمرار تلك العلاقة معها ! ولذا ختمت سؤالك بقولك ” هل الذي قمت به ، أي : قطع حديثي نهائيّاً معها أمر صائب ؟ أم أني مخطئ في تصرّفي معها ؟ ” ! فها هو الشيطان ما يزال يسول لك باستمرار تلك العلاقة ، وأن قطعها بالكلية قد يكون تصرفّاً خطأً ! .

ومن تأمل مثل هذه الحادثة : علم عظم أحكام الشريعة ، وعظيم حكمَتها ، حيث حرَّم العلاقة بين الرجل والمرأة الأجنبيين ، سواء بمكالمات ، أو مراسلات ، فضلاً عن اللقاءات والمشاهدات ، وقد ذكرنا كثيراً من الفتاوى في هذا الباب لأهل العلم.

ثانياً:

لا ينبغي لك أن تشك للحظة أن قطع علاقتك بتلك المرأة هو الصواب ، بل ليس لك خيار آخر ، فلا تتردد ، واجزم به ، ولا تجعل للشيطان عليك سبيلاً ، وبكاء تلك المرأة على قطع العلاقة خير لها – ولكَ – من فرحها باستمرارها ، فلا تأخذك الرأفة والرحمة لبكائها ، وأسفها على الفراق ؛ لأن هذا يؤكد أن العلاقة بينكما لم تكن شرعيَّة ، وكان الأولى بها أن تفرح على قطعها ، لا أن تبكي وتتحسر .

وما حصل منكما إنما هو اتباع لخطوات الشيطان التي حذرنا ربنا تعالى من السير فيها ، وبيَّن لنا الحكمة في ذلك ، قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  ) النور/ 21 .

* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله –:

– ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ) أي : طرقه ووساوسه .

وخطوات الشيطان : يدخل فيها سائر المعاصي المتعلقة بالقلب ، واللسان ، والبدن ، ومِن حكمته تعالى : أن بيَّن الحُكم ، وهو : النهي عن اتباع خطوات الشيطان ، والحكمة ،، وهو : بيان ما في المنهي عنه مِن الشرِّ المقتضي والداعي لتركه ، فقال : ( وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ ) أي : الشيطان ( يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ) أي : ما تستفحشه العقول والشرائع من الذنوب العظيمة ، مع ميل بعض النفوس إليه ، ( وَالْمُنْكَرِ ) وهو ما تنكره العقول ، ولا تعرفه ، فالمعاصي التي هي خطوات الشيطان : لا تخرج عن ذلك ، فنهي الله عنها للعباد : نعمة منه ، عليهم أن يشكروه ، ويذكروه ؛ لأن ذلك صيانة لهم عن التدنس بالرذائل والقبائح ، فمن إحسانه عليهم أن نهاهم عنها، كما نهاهم عن أكل السموم القاتلة، ونحوها. ” تفسير السعدي ” ( ص 563 ).

واحذر أنت وإياها أن يقول أحدكما إنه بعيد من الفتنة ، وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين أن ( الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ) وأينا الذي يأمن على نفسه الوقوع في الفتنة ؟! .

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :

لا يحل للمرأة أن تسترسل في الكلام مع رجل ليس محرماً لها ؛ لأن ذلك يؤدي إلى الفتنة ، وقد قال الله تبارك وتعالى : ( فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً ) الأحزاب/ 32 .

تخاطب البائع بقدر الحاجة ، ولا تزيد على هذا ؛ لأن ( الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ) وكم من امرأة تقول إنها بعيدة عن الفتنة ، ولكن لا يزال بها الشيطان حتى يفتنها، ربما إذا انصرفت من الرجل الذي تحدثت معه حديثاً أكثر مما تحتاج إليه : ربما إذا انصرفت : أدخل الشيطان عليها الهواجس ، حتى ترجع إلى الرجل الأول ، ويكون أول الكلام شرارة ، وآخره سعيراً ، والعياذ بالله .

– فعلى النساء أن يتقين الله، وألا يخضعن بالقول، وألا يكثرن الكلام إلا لحاجة …

– لهذا : لتحذر النساء من الاستمرار في مكالمة الرجال ؛ فإنه خطر ، خطر عظيم ، نسأل الله السلامة من الفتن . ” اللقاء الشهري ” ( 45 / 7 ) .

ثالثاً:

ولا ننصحك بالتزوج من ابنتها ؛ لما يؤدي ذلك لأن تكون قريباً منها ، ولا ندري ماذا أعدَّ لكما الشيطان من خطة بديلة في حال ظهرت التوبة منكما من تلك العلاقة ، وحصل زواج من ابنتها ، والقصص المثيلة تجعلنا ننصحك بالبُعد ، ففي البعد غنيمة ، أو على الأقل : سلامة .

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة