الرئيسية بلوق الصفحة 453

إخلاف الوعيد بين الشيخين الشنقيطي والعثيمين

قال الشيخ الشنقيطي – رحمه الله – :

قوله تعالى: {كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ} :

هذه الآية الكريمة تدل على أن من كذب الرسل يحق عليه العذاب، أي يتحتم ويثبت في حقه ثبوتاً لا يصح معه تخلفه عنه، وهو دليل واضح على أن ما قاله بعض أهل العلم من أن الله يصح أن يخلف وعيده، لأنه قال: إنه لا يخلف وعده ولم يقل إنه لا يخلف وعيده، وأن إخلاف الوعيد حسن لا قبيح، وإنما القبيح هو إخلاف الوعد، وأن الشاعر قال:

وإني وإن أوعدته أو وعدته *** لمخلف إيعادي ومنجز موعدي

لا يصح بحال ؛ لأن وعيده تعالى للكفار حق ووجب عليهم بتكذيبهم للرسل كما دل عليه قوله هنا: {كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ}.

وقد تقرر في الأصول أن الفاء من حروف العلة كقوله: سها فسجد. أي لعلة سهوه وسرق فقطعت يده أي لعلة سرقته، ومنه قوله تعالى {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا}، فتكذيبهم الرسل علة صحيحة لكون الوعيد بالعذاب حق ووجب عليهم، فدعوى جواز تخلفه باطلة بلا شك .

” أضواء البيان ”

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :

الوجه السادس : أن يقال : إن هذا من باب الوعيد ، والوعيد يجوز إخلافه ؛ لأنه انتقال من العدل إلى الكرم ، والانتقال من العدل إلى الكرم كرم وثناء وأنشدوا عليه قول الشاعر ‏:‏

وإني وإن أوعدته أو وعدته ** لمخلف إبعادي ومنجز موعدي

أوعدته بالعقوبة ، ووعدته بالثواب ، لمخلف إيعادي ومنجز موعدي‏ .‏

وأنت إذا قلت لابنك ‏:‏ والله ، إن ذهبت إلى السوق لأضربنك بهذا العصا‏ ،‏ ثم ذهب إلى السوق ، فلما رجع ضربته بيدك ، فهذا العقاب أهون على ابنك ، فإذا توعد الله عز وجل القاتل بهذا الوعيد، ثم عفا عنه ، فهذا كرم ‏.‏

” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 8 / 220 ، 221 ) .

قلت :

فهل يمكن التوفيق بين القولين بحمل تخلف الوعيد على المسلمين ، وعدم تخلفه في حق الكفار فلا يكون ثمة إشكال ولا خلاف ؟!

ثبت بالتجربة أن كل من أدمن ( الاحتجاج بالخلاف في مواجهة النص ) أفضى به ذلك إلى ( رقة الدين ) فيصبح يستصغر كثيرا من الخطايا التي يقترفها ، والواقع شاهد .

ثبت بالتجربة أن كل من أدمن ( الاحتجاج بالخلاف في مواجهة النص ) أفضى به ذلك إلى ( رقة الدين ) فيصبح يستصغر كثيرا من الخطايا التي يقترفها ، والواقع شاهد .

و قد نبّه الشاطبي على هذه العلاقة فقال : ” في اتباع رخص المذاهب من المفاسد : الانسلاخ من الدين بترك اتباع الدليل إلى اتباع الخلاف ، والاستهانة بالدين إذ يصير سيالاً لا ينضبط ”

” الموافقات ” 5/102
منقول

(اللغة العربية لغة الظاء لا الضاد)

(اللغة العربية لغة الظاء لا الضاد)

شاع على ألسنة المشتغلين بالعربية وغيرهم أن العربية لغة الضاد ..
ويساق في هذا الصدد حديث حكم ابن كثير عليه بأن لا أصل له :
«أنا أفصح من نطق بالضاد بيد أني من قريش» . ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تح: مازن الجصلي، جمعية إحياء التراث الإسلامي، الكويت، ط1، 2004(29/1).
كما يساق قول المتنبي :
لاَ بِقَوْمِي شَرُفْتُ بَلْ شَرُفُوا بِي …
وَبِنَفْسِي فَخَرْتُ لاَ بِجُدُودِي
وبهم فخـر كل من نطق الضا …
دَ وعوذ الجاني وغوث الطريد

ولكن عند التحقيق ربما حكمنا بأن هذه التسمية فيها نوع من المجازفة العلمية كبير ….
إليكم هذه النقول :
يقول ابن دُرَيد “ت321 هـ :”ستة أحرف للعرب، ولقليل من العجم؛ وهن: العين، والصاد، والضاد، والقاف، والطاء، والثاء”].
انظر:ابن دريد، جمهرة اللغة، تح: رمزي منير بعلبكي، دار العلم للملايين لبنان، ط1، 1987. ج1 ص41.
فهذا يثبت وجود الضاد عند العجم
وذهب مكي بن أبي طالب إلى أن الخصوصية للعرب في الضاد يرجع فقط إلى كثرة استعمال العرب للضاد مقارنة بغيرهم لا إلى احتكاره دون غيرهم .
يقول مكيُّ بن أبي طالب “ت437هـ”:
“ستَّة أحرف انفردت بكثرة استعمالِها العربُ، وهي قليلة في لغات بعضِ العجم، ولا توجد ألبتة في لغات كثير منهم، وهي: العين، والصاد، والضاد والقاف، والظاء، والثَّاء”
( انظر :مكي بن أبي طالب، الرعاية لتجويد القراءة وتحقيق لفظ التلاوة، تح: أحمد حسن فرحات، دار عمار، الأردن، ط3، 1996. ص113)

ولهذا الرَّأي الأخير انتصر طائفةٌ من المُحَقِّقين؛ من أمثال: أبي حيَّان النَّحْوي “ت745هـ”[انظر :همع الهوامع في شرح جمع الجوامع، تح: عبدالحميد هنداوي، المكتبة التوفيقية، مصر، د.ت. ج3ص490]، وعزِّ الدين ابن جماعة “ت767هـ”[شرح كافية ابن الحاجب، تح: محمد محمد داود، دار المنار، د.ت. ج1 ص338.].

وهذا المذهب يتوافق مع ما توصَّلَ إليه المُشتغِلون بعلم اللغات المقارن؛ فإنهم يكادون يُجمِعُون على أنَّ مقولة: “العربية لغة الضاد” ليست دقيقة تمامًا، ومال بعضُهم إلى تأكيد وُجودِ صوت الضاد أو أَثَرٍ منه في اللُّغات السَّامية الأخرى،
ومن البحوث الرَّائدة في هذا المجال: الدراسة التي تقدَّمت بها “سلوى ناظم” إلى مؤتمر مَجمع اللغة العربية بالقاهرة في دورته الخامسة والستِّين، موسومةً بـ: “العربية لغة الضاد أم الظاء؟!”، وفيها تُقرِّر: “أن الضاد التي وصفها القدامى لها وجودٌ في اللغات الحبشية.
(انظر: كمال بشر، علم الأصوات، دار غريب، مصر، 2000. ص264).
……………….

أما أن اللغة العربية هي لغة الظاء فهذا أقرب إلى الحقيقة منه إلى المجازفة …
فقدصَرَّح الخليل في مقدمة “العين” قائلاً: “وليس في شيءٍ من الألسن ظاءٌ غير العربية”[العين. ج1 ص53]، وكرَّر هذا المعنى في موضع آخر من الكتاب عينِه بقوله: “والظاء عربية لم تُعطَ أحدًا من العجم، وسائر الحروف اشتركوا فيها”(المصدر نفسه. ج8 ص174).
وبمثل قول الخليل يصرِّحُ مكي بن أبي طالب[الرعاية لتجويد القراءة. ص113]، وأَبو حيَّان النحوي، وشيخُه ابنُ أَبي الأَحْوَص، وغيرُ واحِدٍ[تاج العروس من جواهر القاموس. ج38 ص529.]، بل قد نقل أبو عمرٍو الداني الإجماعَ في هذه المسألة؛ فقال:
“أجمع علماء اللُّغة على أنَّ العرب خُصَّت بحرف الظاء دون سائر الأمم، لم يتكلَّم بها غيرهم”[الفرق بين الضاد والظاء في كتاب الله – عز وجل – وفي المشهور من الكلام، تح: حاتم صالح الضامن، دار البشائر، سورية، ط1، 2006. ص 34.]؛
فعلى هذا تكون العربية لغةَ الظَّاء لا الضَّاد.

فمن مجموع ما تقدَّم يُمكن القولُ: إنَّ نعتَ اللغة العربية بأنها لغة الظاءُ أَولى من نعتِها بكونها لغةَ الضاد؛
يقول كمال بشر: “هناك إشارات متناثرة في أعمال السابقين والخالفين تشير بل تكاد تُؤكِّد أنَّ صوت الظاء “لا الضاد” هو الخاص بالعربية”[علم الأصوات. ص272.]، ومن جملة تلك الإشارات المُومَأ إليها: البحث الموسوم بـ: “العربية لغة الضاد أم الظاء؟”، الذي تقدَّمت به “سلوى ناظم” إلى مؤتمر مجمع اللغة العربية بالقاهرة في دورته الخامسة والستين[المرجع السابق. ص264.]، تُثبِتُ من خلاله أن الأَولى نعتُ اللسان العربي بأنه لسان الظاء.

ولكن :، نظريًّا لا يختلف عاقلان أن الحُكم على صوتٍ ما بأنه حِكرٌ على لسانٍ بعَينه، لا يتأتَّى إلا بعد استقراء جميع لغات البشر، وهيهاتَ لإنسانٍ أن يستقرئ جميع أنواع اللسان، فهذا الشافعيُّ “ت 204هـ” يقول:
“ولسان العرب أوسعُ الألسنة مذهبًا، وأكثرها ألفاظًا، ولا نعلمه يُحيط بجميع علمِه إنسانٌ غير نبيٍّ، ولكنه لا يذهب منه شيء على عامَّتها حتى لا يكون موجودًا فيها مَن يعرفه” (لرسالة، تح: أحمد محمد شاكر، دار الكتب العلمية، لبنان د. ت. ص42).

فإذا كانت الإحاطة باللسان العربي نفسِه مُمتنِعة، مع أنَّ أهلَه كانوا موجودين في رقعة جغرافية محدَّدة؛ فكيف الإحاطة بلغات سائر البشر، والحكم على صوت أو أصوات بعينِها بأنه قد خُصَّت به لغة دون بقيَّة اللغات؟!

#مشاركاتكم_
……

الشيخ بلعام

قال تعالى: { وَاتْلُ عَلَيْهِم نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلى الأَرْضِ وَاتـَّــبَعَ هَوَاهُ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذيِنَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُم يَتَفَكَّرُونَ سَاءَ مَثَلاً القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ } [الأعراف/175-176-177].
قال ابن القيم رحمه الله: فشبَّه سبحانه مَن آتاه كتابه وعلَّمه العلمَ الذي منعه غيرَه فترك العمل به واتَّبع هواه وآثر سخط الله على رضاه، ودنياه على آخرته، والمخلوق على الخالق بالكلب الذي هو مِن أخبث الحيوانات وأوضعها قدراً، وأخسِّها نفساً، وهمَّته لا تتعدى بطنه، وأشدها شرهاً وحرصاً، ومِن حرصه أنَّه لا يمشي إلا وخطمه في الأرض يتشمَّم ويستروح حرصاً وشرهاً. ولا يزال يَشُمُّ دبره دون سائر أجزائه، وإذا رميتَ إليه بحجرٍ رجع إليه ليعضه من فرط نهمته، وهو مِن أمهن الحيوانات وأحملها للهوان وأرضاها بالدنايا. والجيفُ القذرة المروحة أحبُّ إليه مِن اللحم الطري. والعذرة أحبُّ إليه مِن الحلوى وإذا ظفر بميتةٍ تكفي مائةَ كلـبٍ لم يَدَع كلباً واحداً يتناول منها شيئاً إلاّ هرَّ عليه وقهره لحرصه وبخله وشَرَهِه.
ومِن عجيبِ أمره وحرصه أنَّه إذا رأى ذا هيئةٍ رثةٍ وثيابٍ دنيَّةٍ وحالٍ زرِيَّةٍ نبحه وحمل عليه، كأنَّه يتصور مشاركتَه له ومنازعتَه في قُوتِه. وإذا رأى ذا هيئةٍ حسنةٍ وثيابٍ جميلةٍ ورياسةٍ وضع له خطمه بالأرض، وخضع له ولم يرفع إليه رأسه.
وفي تشبيه مَن آثر الدنيا وعاجلها على اللهِ والدارِ الآخرةِ مع وفور علمه بالكلب في حال لهثه سِرٌّ بديعٌ، وهو أنَّ هذا الذي حاله ما ذكره الله مِن انسلاخه مِن آياته واتباعه هواه إنما كان لشدة لـهفه على الدنيا لانقطاع قلبه عن الله والدار الآخرة فهو شديد اللهف عليها، ولـهفه نظير لـهف الكلب الدائم في حال إزعاجه وتركه. واللهف واللهث شقيقان وأخوان في اللفظ والمعنى.
قال ابن جريج: الكلبُ منقطعُ الفؤاد، لا فؤاد له، إنْ تحمل عليه يلهث، أو تتركه يلهث فهو مثل الذي يترك الهُدى، لا فؤاد له، إنما فؤاده منقطعٌ.
قلت: مراده بانقطاع فؤاده أنَّه ليس له فؤادٌ يحمله على الصبر عن الدنيا وترك اللهف عليها فهذا يلهف على الدنيا مِن قلة صبره عنها،وهذا يلهث مِن قلة صبره عن الماء، فالكلب مِن أقل الحيوانات صبراً عن الماء، وإذ عطش أكل الثرى من العطش، وإنْ كان فيه صبرٌ على الجوع.
وعلى كلِّ حالٍ فهو مِن أشدِّ الحيوانات لـهثاً، يلهث قائماً وقاعداً وماشياً وواقفاً، وذلك لشدَّة حرصه، فحرارةُ الحرصِ في كبده توجبُ له دوام اللهث.
فهكذا مشبَّهه شدةُ الحرص وحرارةُ الشهوة في قلبه توجب له دوام اللهث، فإنْ حملتَ عليه بالموعظة والنصيحة فهو يلهث، وإن تركتَه ولم تعظْه فهو يلهث.
قال مجاهد: ذلك مثَل الذي أوتي الكتاب ولم يعمل به. وقال ابن عباس: إنْ تحمل عليه الحكمة لم يحملْها، وإن تتركْه لم يهتدِ إلى خيرٍ، كالكلب إنْ كان رابضاً لهث، وإنْ طرد لهث.
وقال الحسن: هو المنافق لا يثبت على الحقِّ، دُعي أو لم يُدْع، وُعظ أو لم يُوعظ، كالكلب يلهث طرداً وتركاً.
وقال عطاء: ينبح إنْ حملتَ عليه أو لم تحمل عليه.
وقال أبو محمد بن قتيبة: كلُّ شيءٍ يلهثُ فإنما يلهثُ مِن إعياءٍ أو عطشٍ إلا الكلب، فإنَّه يلهث في حالِ الكلال وحالِ الراحة وحالِ الصحة وحالِ المرض والعطش فضربه الله مثلاً لمن كذَّب بآياته، وقال: إنْ وعَظْتَه فهو ضالٌّ، وإن ترَكْتَه فهو ضالٌّ، كالكلب إنْ طردتَّهُ لهث وإنْ تركْتَه على حاله لهث ونظيره قوله سبحانه: { وَإِنْ تَدْعُوهُم إِلى الهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُم سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُم أَمْ أَنْتُم صَامِتُونَ } [الأعراف/193].
وتأمَّلْ ما في هذا المثل مِن الحِكم والمعاني:
– فمنها: قوله: { آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا } فأخبر سبحانه أنَّه هو الذي آتاه آياته، فإنَّها نعمةٌ، والله هو الذي أنعم بـها عليه، فأضافها إلى نفسه، ثم قال: { فَانْسَلَخَ مِنْهَا } أي: خرج منها كما تنسلخ الحيَّةُ مِن جلدها، وفارقها فراق الجلد يُسلخ عن اللحم. ولم يقل (فسلخناه منها) لأنَّه هو الذي تسبب إلى انسلاخه منها باتباعه هواه.
– ومنها: قوله سبحانه: { فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَان } أي: لحقه وأدركه، كما قال في قوم فرعون: { فَأَتْبَعُوهُم مُشْرِقِينَ } [الشعراء/60] وكان محفوظاً محروساً بآيات الله محميَّ الجانب بـها من الشيطان لا ينـال منه شيئاً إلا على غِرَّةٍ وخطفة. فلمَّا انسلخ مِن آيات الله ظفِر به الشيطانُ ظفَر الأسد بفريسته {فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ} العاملين بخلاف علمهم الذين يعرفون الحق ويعملون بخلافه كعلماء السوء.
– ومنها: أنَّه سبحانه قال: { وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا } فأخبر سبحانه أنَّ الرفعة عنده ليست بمجرد العلم – فإنَّ هذا كان مِن العلماء- وإنَّما هي باتباع الحق وإيثاره وقصد مرضاة الله، فإنَّ هذا كان مِن أعلم أهل زمانه، ولم يرفعه الله بعلمه ولم ينفعه به، نعوذ بالله مِن علمٍ لا ينفع.
وأخبر سبحانه أنَّه هو الذي يرفع عبدَه إذا شاء بما آتاه من العلم، وإنْ لم يرفعه الله فهو موضوعٌ، لا يرفعُ أحدٌ به رأساً، فإنَّ الربَّ الخافضَ الرافعَ سبحانه خفضه ولم يرفعه. والمعنى: لو شئنا فضَّلناه وشرَّفْناه ورفعنا قدرَه ومنـزلته بالآيات التي آتيناه.
قال ابن عباس: لو شئنا لرفعناه بعلمه.
وقالت طائفة: الضمير في قوله: {لَرَفَعْنَاهُ } : عائدٌ على الكفر والمعنى: لو شئنا لرفعنا عنه الكفر بالإيمان وعصمناه.
وهذا المعنى حقٌّ ، والأول هو مراد الآية، وهذا مِن لوازم المراد ، وقد تقدم أنَّ السلف كثيراً ما ينبهون على لازمِ معنى الآية، فيظنُّ الظانُّ أنَّ ذلك هو المراد منها.
وقوله: { وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلى الأَرْضِ }. قال سعيد بن جبير: ركن إلى الأرض، وقال مجاهد: سكن. وقال مقاتل: رضي بالدنيا. وقال أبو عبيدة: لزمها وأبطأ.
والمـُخلِدُ من الرجال: هو الذي يبطىء في مِشْيته، ومِن الدواب: التي تبقى ثناياه إلى أنْ تخرج رَباعيَّتُه. وقال الزجاج: خلد وأخلد، وأصله من الخلود، وهو الدوام والبقاء. يقال: أخلد فلان بالمكان إذا أقام به. قال مالك بن نويرة:
بأبناء حيٍّ مِن قبائل مالك وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا
قلت: ومنه قوله تعالى: {يَطُوفُ عَلَيْهِم وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ} [الواقعة/17] أي: قد خُلقوا للبقاء لذلك لا يتغيرون ولا يكبرون، وهم على سنٍّ واحدٍ أبداً.
وقيل: هم المقرَّطون في آذانهم، والمسوَّرون في أيديهم. وأصحاب هذا القول فسَّروا اللفظة ببعض لوازمها، وذلك أمارة التخليد على ذلك السنِّ فلا تنافي بين القولين.
وقوله: { فَاتَّبَعَ هَوَاهُ }، قال الكلبي: اتَّبع مسافل الأمور وترك معاليها. وقال أبو رَوْق: اختار الدنيا على الآخرة. وقال عطاء: أراد الدنيا وأطاع شيطانه. وقال ابن زيد: كان هواه مع القوم، يعني الذين حاربوا موسى وقومه. وقال ابن يمان: اتَّبع امرأته لأنهَّا هي التي حملته على ما فعل.
فإنْ قيل: الاستدراك بـ (لكن) يقتضي أنْ يثبت بعدها ما نفى قبله، أو ينفي ما أثبت كما تقول: (لو شئتُ لأعطيتُه، لكني لم أعطِه) و (لو شئتُ لما فعلتُ كذا لكني فعلتُه).
والاستدراك يقتضي: (ولو شئنا لرفعناه بـها ولكنَّا لم نشأ، أو لم نرفعه)، فكيف استدرك بقوله: { وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلى الأَرْضِ } بعد قوله : { لَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا }؟
قيل: هذا مِن الكلام الملحوظ فيه جانب المعنى، المعدول فيه عن مراعاة الألفاظ إلى المعاني وذلك أنَّ مضمون قوله: { وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا } أنَّه لم يتعاط الأسباب التي تقتضي رفعه بالآيات: مِن إيثار الله ومرضاته على هواه، ولكنَّه آثر الدنيا وأخلدَ إلى الأرض واتَّبع هواه.
وقال الزمخشري: المعنى: ولو لزم آياتنا لرفعناه بـها، فذكر المشيئة، والمراد: ما هي تابعةٌ له ومسببةٌ عنه، كأنَّه قيل: ولو لزمها لرفعناه بـها. قال: ألا ترى إلى قوله: { وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ } فاستدرك المشيئة بإخلاده الذي هو فعله، فوجب أنْ يكون { وَلَوْ شِئْنَا } في معنى ما هو فعله، ولو كان الكلام على ظاهره: لوجب أنْ يقال: ولو شئنا لرفعناه، ولكنَّا لم نشأ. ا.هـ.
فهذا من الزمخشري شنشنةٌ نعرفها مِن قدريٍّ نافٍ للمشيئة العامة، مبعد للنُّجعة في جعْلِ كلام الله معتزليّاً قدريّاً. فأين قوله: { وَلَوْ شِئْنَا } مِن قوله: ولو لزمها؟. ثم إذا كان اللزوم لها موقوفاً على مشيئة الله -وهو الحق- بَطَل أصله.
وقوله: (إنَّ مشيئة الله تابعةٌ للزوم الآيات) مِن أفسدِ الكلام وأبطلِه، بل لزومه لآياته تابعٌ لمشيئة الله، فمشيئةُ الله سبحانه متبوعةٌ لا تابعةٌ، وسببٌ لا مسبَّب، وموجب مقتضٍ لا مقتضى، فما شاء الله وجب وجوده، وما لم يشأ امتنع وجوده) ا.هـ .
انظر : ” أعلام الموقعين ” [1/165-169]. وانظر: ” الفوائد ” [ص150].
وقال الشيخ الشنقيطي رحمه الله:
ضرب اللهُ المثلَ لهذا الخسيس الذي آتاه آياته فانسلخ منها: بالكلب، ولم تكن حقارةُ الكلبِ مانعةً مِن ضربه تعالى المثلَ به. وكذلك ضربُ المثلِ بالذباب في قوله: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ، وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لاَ يَسْتَـنْقِذُوهُ مِنْهُ، ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالمَطْلُوبُ } [الحج/73] ، وكذلك ضربُ المثلِ ببيتِ العنكبوت في قوله: { مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً، وَإِنَّ أَوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } [العنكبوت/41]. وكذلك ضربُ الله المثلَ بالحمارِ في قوله: { مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةِ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ } [الجمعة/5] وهذه الآيات تدل على أنَّه تعالى لا يستحيي مِن بيانِ العلوم النفيسة عن طريق ضرب الأمثال بالأشياء الحقيرة. وقد صرَّح بهذا المدلول في قوله: { إنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحِيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا } [البقرة/26]. ا.هـ (أضواء البيان [2/303]).

التعريف والتنكير

التنكير للأقل والتعريف للأعظم ( فجعل من دون ذلك فتحا قريبا ) هو الحديبية ،( إذا جاء نصر الله والفتح ) هو فتح مكة ، ( إنه كان فاحشة) هو الزنا ، ( أتأتون الفاحشة ) هو اللواط .

التعليق على مقطع فيديو للدكتور فاضل السامرائي وفقه الله

التعليق على مقطع فيديو للدكتور فاضل السامرائي وفقه الله :
انتشر مقطع للدكتور الفاضل فاضل السامرائي في تفسير قوله تعالى – سورة المعارج – [ يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (13) وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ (14) ] .
قال – حفظه الله – : إن المجرم لم يذكر أمَّه وأباه في الافتداء لأن ذلك يسبِّب غضب ربِّه تعالى عليه ، وذلك لعظيم منزلة الأبوين عند الله ، وأن المجرم لا يجرؤ على الافتداء بهما من نار جهنم .
وتعليقا عليه أقول :
1/ ليس في الآيات ذكر مَن يفتديهم المجرم من عذاب النار فهو لم يذكر أخا ولا ابنا وغيرهما ، بل كان الحديث عما ” يوده ” المجرم وليس عما ذكرهم لربه تعالى .
2/ جاء في بعض الآثار أن الإنسان لا يعطي أباه ولا أمه ولو حسنة واحدة قد تدخلهما الجنة ويفتديان بها من النار ، وهذا هو الواقع الشديد يوم القيامة والذي سيقع من المسلمين فكيف الحال مع المجرمين ؟! .
3/ حال أكثر المجرمين في الدنيا عدم الالتفات لأبويه عناية ورعاية وبرّاً ورحمة فكيف سيشفق على حالهم في الآخرة فلا يقدمهم فداء لنفسه من النار – لو حصل مجال للفداء ولن يحصل أصلا – فهل سيكون بارّاً عندما يكون الخيار بينه وبين أبويه فيمن يلقى في جهنم ؟! .
4/ الذي يظهر أن المجرم عندما يرى العذاب المهول لن يمنعه ذلك من افتداء نفسه بوالديه ! بل حتى بالأنبياء والمرسلين ! ويدل على ذلك قوله تعالى بعد تلك الآيات في سياق من يود المجرم لو حصل له الافتداء بأحد منهم ( وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ ) المعارج 14، ففي الحقيقة أن المجرم يود يوم القيامة لو يفتدي من عذاب جهنم بأمه وأبيه وأنه لا التفات وقتها لغير افتداء نفسه من تلك النار .
5/ والذي يظهر لي أن السبب في عدم التنصيص على الوالدين هو نفسه السبب في عدم ذكر الأنبياء والمرسلين وهو إكرام الله تعالى لذكرهم في الافتداء لا إكرام المجرم لذكرهما ولا لخوفه من غضب الله تعالى عليه زيادة .
والله أعلم
كتبه :
إحسان العتيبي
24 رجب 1438 هـ

تعقيب على فتوى للشيخ الحويني في قياسه خراج العمال على خراج العبيد

الحمد لله
أولاً:
نحن نستفيد من مشايخنا الفضلاء في القنوات ، ونسمع أحياناً ما نجزم أنه خطأ ، إما على الراجح الواضح ، وإما عند المتكلم نفسه ، وعن نفسي أراسل تلك القنوات ، وأدفع ثمن الرسالة 15 ضعف ثمن الرسالة العادية ، ومع ذلك لا أرى تلك الرسالة تظهر في الشريط ، بينما نرى رسائل المدح والثناء والشوق وبيع السيارات والشقق ، وطلب الدعاء بزوج ! – لا بزوجة ! – ،يظهر باستمرار !
وفي اعتقادي أن مثل هذه الرسائل أنفع للشيخ بما لا يقارن مع تلك الرسائل ، ويظهر إنصاف القناة ، وحرصها على العلم النافع للناس .
وعلى كل حال :
فأرجو من إخواني القائمين على تلك القنوات فتح خط خاص لطلاب العلم ليبينوا وهم وخطأ المتكلم من المشايخ والدعاة ، ولا أقول بعرض كل رسائل النقد ، لكنهم وضعوا خدمة اللقب فيمكنهم التأكد من صاحب اللقب عن طريق الاتصال به ، أو عرض النقد على مشايخ القناة مباشرة ، وقبل انتهاء البرنامج .

ثانياً:
سمعت قبل قليل في قناة الرحمة شرحا رائعا للشيخ الحويني وفقه الله لحديث ” أسجع كسجع الكهان ؟” ، وأثناء استطراده ذكر حديث أكل أبي بكر لخراج عبده ، وعندما شرح هذا اللفظ ذكر أن مثله من يأتي بعمال على كفالته ! ويقول لهم : اعملوا ولي مبلغ كل يوم أو كل شهر !
قلت :
وهذا الذي ذكره الشيخ وفقه الله وهم واضح ، وخطأ بين ، فالعمال ليسوا ملكا للكفيل ، بينما العبد ملك لسيده ، فكيف يقاس هذا على ذاك ؟! .
وفي ” شرح رياض الصالحين ” للشيخ العثيمين رحمه الله :
نقل الحافظ النووي – رحمه الله – في باب الورع وترك الشبهات عن عائشة رضي الله عنها أن غلاما كان لأبي بكر وكان أبو بكر يخارجه أي يدعه يشتغل ويضرب عليه خراجا معينا، ويقول: ائت لي كل يوم بكذا وكذا وما زاد فهو لك .
وهذه المخارجة جائزة بالنسبة للعبيد، إذا كان الإنسان عنده عبيد وقال لهم: اذهبوا اشتغلوا وائتوني كل يوم بكذا وكذا من الدراهم وما زاد فهو لكم، فإن هذا جائز لأن العبيد ملك السيد فما حصلوه فهو له سواء خارجهم على ذلك أم لم يخارجهم .
لكن فائدة المخارجة أن العبد إذا حصل ما اتفق عليه مع سيده فإن له أن يبقى من غير عمل، يذهب في طلب العلم، يبقى مستريحا في بيته أو أن يشتغل ويأخذ ما زاد .
أما بالنسبة للعمال الذي يجلبهم الإنسان إلى البلاد ويقول: اذهبوا وعليكم كل شهر كذا وكذا من الدراهم فإن هذا حرام وظلم ومخالف لنظام الدولة والعقد على هذا الوجه باطل، فليس لصاحب العمل شيء مما فرضه على هؤلاء العمال، لأن العامل ربما يكدح ويتعب ولا يحصل ما فرضه عليه كفيله وربما لا يحصل شيئا أبدا، فكان في هذا ظلم .
أما العبيد فهم عبيد الإنسان ما لهم وما في أيديهم فهو له هذا الغلام لأبي بكر قد خارجه على شيء معين يأتي به إليه كل يوم .
انتهى
وقد بعثت رسالة لقناة الرحمة باختصار بهذا الكلام ، ولم تظهر ! وحبذا يتم تعويضي من القناة بالسماح لي بعشر رسائل مجانية قادمة !!

اشتراط جهات التوظيف على الموظف عدم العمل خارج وقت الدوام بين المانع والمبيح

اشتراط جهات التوظيف على الموظف عدم العمل خارج وقت الدوام بين المانع والمبيح

وقد وجدت فتويين في موقع ” الشبكة الإسلامية” توافقان القول بالمنع ! – والتناقض في الفتوى في الموقع كثير وللأسف ! – :
==
” فتاوى الشبكة الإسلامية ”
حكم عمل الموظف خارج وقت الدوام والكسب منه

[السُّؤَالُ]
ـ[أنا موظف أعمل في القطاع الحكومي، فما حكم استثمار المال الخاص في مشروع قصد تحسين وضعي المادي بغية الزواج إذا كان القانون يمنع إنشاء المشاريع بالموازاة مع الوظيفة, فهل المال الذي أجنيه من المشروع حلال؟

شكر الله لكم .]ـ

[الفَتْوَى]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإن الموظف الحكومي يعد أجيراً خاصا لدى الجهة التي يعمل عندها، ومن أحكام الأجير الخاص أنه لا يجوز أن يعمل أثناء الدوام في وظيفة أخرى، وأما خارج وقت الدوام فالأصل فيه الجواز إلا إذا اشترط عليه عدم العمل في العقد ورضي هو بهذا الشرط فإنه يلزمه الوفاء بهذا الشرط، فعن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المسلمون على شروطهم . رواه الترمذي وأخرجه أبو داود عن أبي هريرة .

وأما عن كسبك فهو حلال ما دام العمل الذي تعمل فيه حلالا، ولكنك تأثم لمخالفتك الشرط المذكور أثناء العقد، وقد روى البيهقي عن كليب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تعالى يحب من العامل إذا عمل أن يحسن العمل. حسنه الألباني.

ومن إحسان العمل أن يراعي العامل شروط الوظيفة التي بينه وبين صاحب العمل، لكن إذا حصلت بعد ذلك على إذن من الشخص المسؤول بالعمل خارج وقت الدوام بشرط أن يكون ممن يملك الحق في الإذن فإنه يجوز لك العمل.

وتراجع الفتاوى ذات الأرقام التالية: 16885 ، 33287 ، 71869 .

والله أعلم.

[تَارِيخُ الْفَتْوَى]
09 شعبان 1429-

” فتاوى الشبكة الإسلامية ”
عمل الموظف لحسابه في غير أوقات الدوام

[السُّؤَالُ]
ـ[أعمل مع جهة ما، ولما كتبنا العقد كتبناه على أساس أنني سوف أؤدي وظيفة واحدة محددة ومعروفة، وبمبلغ محدد، وخارج العقد طلب مني أن أقوم بأداء مهام أخرى أكثر من ثلاث وظائف تعتبر أكثر من المهمة المكتوبة على العقد، علماً بأن ما أتقاضاه من مخصصات لا يفي بطموحاتي ولا يتجاوز الأكل والشرب، ووجدت عملا تجاريا يمكن أن أديره في وقت راحتي ويدر علي بعض المال، علماً بأنني سوف أخبر الشخص المسؤول عني مباشرة عن هذا العمل، ما حكم ذلك، أم يتوجب علي التنازل عن بعض راتبي لقاء عملي هذا؟]
ـ

[الفَتْوَى]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فلا مانع من العمل لحسابك في غير وقت الدوام المتفق عليه بينك وبين الجهة التي تعاقدت معها، لأنك بمثابة الأجير الخاص، والأجير الخاص لا يلتزم للمستأجر بغير المدة المتعاقد عليها، إلا إذا اشترط عليه عدم العمل عند غيره ولو في وقت فراغه، وراجع في هذا الفتوى رقم: 33287 ، والفتوى رقم: 68664 .

وفي حالة نص العقد على عدم جواز العمل بالصورة المذكورة فإننا لا نرى مانعاً من العمل إذا حصلت بعد ذلك على إذن من الشخص المسؤول بالعمل خارج وقت الدوام بشرط أن يكون ممن يملك الحق في الإذن، أما إذا كان المسؤول لا يملك هذا الحق فلا يجوز لك العمل خارج وظيفتك لما فيه من التعدي ومخالفة الشرط، وراجع للمزيد من الفائدة الفتوى رقم: 66147 .

والله أعلم.

[تَارِيخُ الْفَتْوَى]
22 محرم 1427

سبب الزواج من ثانية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
إن قيل لنا : لم تتزوجون من أخرى؟
قلنا: للسبب نفسه في زواجنا الأول الخدمة وإحصان الفرج والولد .
فإن قيل : ألا ترون أن من تزوج الثانية فإنه يظلم الأولى غالباً؟
قلنا: ألا ترون أن كثيراً ممن تزوج واحدة فقط قد ظلمها وهضمها حقها؟ فهو بين “عمله” و”ديوانيته” أو “مزرعته” أو في “الصيد” أو في “السفر” بل إن بعض من تزوج من ثانية تراه نساؤه أكثر من الذي في عصمته واحدة، وانظر حولك .
ثم : هل كان الحكم الشرعي – وهو إباحة الزواج – هو السبب في هذا الظلم، أم هي أخلاق هذا المتزوج ووقوعه في حبائل الشيطان؟‍

فإن قيل لنا : إن امرأتك الأولى متدينة وجميلة وقائمة بحقوقك وليست مريضة ولا مقعدة ولا عاقراً حتى تتزوج عليها، فلم فعلت هذا ؟
قلنا: وهل إذا كانت عاقراً أو مقعدة أو مريضة تستحق الظلم؟ بل هي أولى – على زعمك – أن لا يتزوج عليها حتى لا تزيد إلى همها هماً آخر، وأما صاحبة الدين والأولاد فعندها ما يمنعها من الاعتراض على حكم الله وعندها ما يشغلها في غياب زوجها عنها .
ثم: إن من كان عنده خير ونعمة فيحب أن يزيدهما ويكثر منهما، ولو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنى لهما ثالثاً.

ونحن نريد أن نسأل هؤلاء سؤالاً، وهو : أننا نجد بعض الناس يعمل في منطقة بعيدة ولا يرجع إلى أهله وأولاده إلا يومي الخميس والجمعة. وبعض الناس يعمل في دولة أخرى غير بلده ولا يرجع إلى أهله وولده إلا شهراً أو شهرين في السنة‍‍ فلم تمنعون مثل هؤلاء الناس من الزواج من أخرى تقوم على شأنه وتعفه ويعفها؟‍ ولم لا تسمون هؤلاء ظلمة لنسائهم وأولادهم ؟ بل على العكس تسمونهم “مجاهدين” في سبيل الرزق وهل هؤلاء يبقون في نظركم مخلصين جيدين حتى يتزوجوا فيرتفع عنهم كل مدح ويلصق بهم كل ذم ونقص ؟‍
فما الجواب ؟ أنبئونا بعلمٍ إن كنتم صادقين.