الرئيسية بلوق الصفحة 61

حكم دعم الجمعيات الخيرية التي يقوم عليها المبتدعة

حكم دعم الجمعيات الخيرية التي يقوم عليها المبتدعة

السؤال:

هل من الجائز أن أقوم بإعطاء الهبات للطوائف المنحرفة – كالصوفية – إذا كانوا ينفقونها في سبيل الخير، مثل مساعدة الفقراء بينهم، أو إنشاء مدارس يمكن من خلالها تعليم الأطفال، وتحفيظهم القرآن؟ وسوف أكون ممنوناً إذا ما كانت هناك حادثة كهذه من السلف.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن من الخير الذي أمر الله  به وحث عليه: ما يقدمه الإنسان من صدقات يريد بها الأجر والثواب، كما قال تعالى: ( لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } [ النساء :114]

وقد بين الله سبحانه في كتابه فضل تلك النفقات والصدقات فقال: ( مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ ِ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمّ َ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ  ) البقرة/ 261، 262.

وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ – وَلاَ يَقْبَلُ اللَّهُ إِلاَّ الطَّيِّبَ – وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّى أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَل ).

رواه البخاري ( 1344 ) ومسلم ( 1014 ).

وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( قَالَ اللَّهُ: أَنْفِقْ يَا ابْنَ آدَمَ أُنْفِقْ عَلَيْكَ ).

رواه البخاري ( 5073 ) ومسلم ( 993 ).

 

ثانيًا:

والأصل أن تكون العطيات، والصدقات، وما شابهها: لأهل السنَّة, وأن يتحرى المسلم في ذلك أهل الاستقامة والتقوى منهم، وأن لا يمكِّن لماله أن يكون بين أيدي أهل المجون، والبدع، والضلال؛ لما في ذلك من الاستعانة به على نشر بدعتهم، وضلالهم.

عنْ أَبِى سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( لاَ تُصَاحِبْ إِلاَّ مُؤْمِنًا وَلاَ يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلاَّ تَقِيّ ). رواه الترمذي ( 2395 ) وأبو داود ( 4832 )، وحسَّنه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

 

ثالثًا:

وحكم إعطاء المال لأهل البدع يختلف باختلاف نوع النفقة، ويختلف باختلاف حكم الشرع في البدعة، فإذا كانت النفقة واجبة كالزكاة: فلا تُعطى لمن بدعته تخرجه من الإسلام – كالصوفية الحلولية والاتحادية -، ويعطون من الزكاة إذا كانت بدعتهم لا تخرجهم من الملة – كالصوفية دون أولئك ممن بدعتهم في الذِّكر الجماعي والتوسل -، وكانوا من الأصناف التي تُدفع لهم الزكاة.

وأما إن كانت النفقة مستحبة: فيجوز إعطاؤها لمن بدعته غير مخرجة له من الملة، إلا أن يكون يستعين بذلك المال على نشر بدعته، ومحاربة السنَّة وأهلها به، والأولى أن تكون نية المُعطي تأليف قلب ذلك المبتدع على السنَّة.

وإذا كان أولئك المبتدعة يرعون أيتامًا، وفقراء: فإن الأولى أن يتولى أهل السنَّة زمام ذلك، أو يعطى أولئك الفقراء والأيتام مباشرة؛ لأن تمكين المبتدعة من المال ليقوموا بتوزيعه هم: من شأنه أن يقوي مكانتهم بين العامة، ويصلوا بذلك إلى قلوبهم، فيتمكنون من نشر بدعتهم بينهم.

* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين  – رحمه الله -:

هل يجوز دفع الزكاة لأهل البدع؟.

فأجاب:

البدع تنقسم إلى قسمين:

القسم الأول: بدع مكفِّرة، يخرج بها الإنسان من الإسلام، فهذه لا يجوز أن تدفع الزكاة لمن كان متصفًا بها، مثل من يعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم يجيب دعاء من دعاه، أو يستغيث بالنبي صلى الله عليه وسلم، أو يعتقد بأن الله بذاته في كل مكان، أو ينفي علو الله عز وجل على خلقه، وما أشبه ذلك من البدع.

القسم الثاني: البدع التي دون ذلك، والتي لا توصل صاحبها إلى الكفر، فإن صاحبها من المسلمين، ويجوز أن يعطى من الزكاة إذا كان من الأصناف الذين ذكرهم الله في كتابه. ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 18 / 279 ).

فالزكاة الواجبة لا تدفع للصنف الأول, وأما غيرها من صدقة التطوع، والهبة، والإحسان: فلا بأس بإعطائهم منها بالشرطين المذكوريْن -أن لا يستعينوا بها على نشر بدعتهم, وأن يكون ذلك بنية تأليف قلوبهم -، وقد أجاز العلماء إعطاء غير المسلم من تلك النفقات والأموال: فمن باب أولى من كان من أهل الإسلام وقد تلبس ببدعة.

وأقوال العلماء في دفع الزكاة للعاصي، والمبتدع تدل على ما ذكرناه، وتفصيله:

  1. لا يُعطى الفسَّاق والمبتدعة من الزكاة إن كانوا غير مستحقين لها.
  2. لا يُعطون منها إن كانوا يستعينون بها على معصيتهم، وبدعتهم.
  3. لا يُعطى المبتدعة الذين تخرجهم بدعتهم من الملة.
  4. أهل السنَّة، وأهل الطاعة، هم أولى من يُعطون من الزكاة إن كانوا مستحقين.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 23 / 327، 328 ):

وقد صرح المالكية بأن الزكاة لا تُعطى لأهل المعاصي إن غلب على ظن المعطي أنهم يصرفونها في المعصية، فإن أعطاهم على ذلك: لم تجزئه عن الزكاة، وفي غير تلك الحال تجوز، وتجزئ.

وعند الحنابلة: قال ابن تيمية: ” ينبغي للإنسان أن يتحرى بزكاته المستحقين من أهل الدِّين المتبعين للشريعة، فمن أظهر بدعة، أو فجورًا: فإنه يستحق العقوبة بالهجر، وغيره، والاستتابة، فكيف يعان على ذلك؟ “، وقال: ” مَن كان لا يصلي: يؤمر بالصلاة، فإن قال: أنا أصلي: أُعطي، وإلا لم يعط “، ومراده: أنه يعطى ما لم يكن معلوما بالنفاق.

وعند الحنفية: يجوز إعطاء الزكاة للمنتسبين إلى الإسلام من أهل البدع إن كانوا من الأصناف الثمانية، ما لم تكن بدعتهم مكفرة مخرجة لهم عن الإسلام.

على أن الأولى تقديم أهل الدِّين المستقيمين عليه في الاعتقاد، والعمل على من عداهم عند الإعطاء من الزكاة، لحديث: ( لاَ تُصَاحِبْ إِلاَّ مُؤْمِناً وَلاَ يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلاَّ تَقِيٌّ ). انتهى.

وما قلناه في الزكاة، ونقلناه عن أهل العلم: هو عينه الذي نقوله في الصدقات المستحبة، وفي الهبات.

 

وليعلم الأخ السائل وفقه الله أن أهل البدعة ينصر بعضهم بعضًا، وينتصر بعضهم لبعض، وأما أهل السنَّة فلا بواكي لهم إلا قليلًا، فالأولى والأحرى أن يقصد الإنسان ويتحرى أهل السنة والجماعة بزكاته، ونفقاته، ووقفه، وهباته، وخاصة في مثل هذا الزمان الذي يعيش فيه أهل السنة غربة عظيمة، في اعتقادهم، ومنهجهم، وبلدانهم.

 

والله أعلم.

 

 

 

معنى تعجب إبراهيم من البشرى بإسحاق ومعنى قول الملائكة ( فلا تكن من القانطين )

معنى تعجب إبراهيم من البشرى بإسحاق ومعنى قول الملائكة ( فلا تكن من القانطين )

السؤال:

هل بوسعكم – يا شيخ – تفسير بعض آيات سورة ” الحِجر “؛ لأني لا أفهمها، وأنا أبحث عن تفسيرها في تفاسير مختلفة، لكنى أعجز عن إيجاده، يقولون في الآية 55: ( قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالحَقِّ فَلاَ تَكُنْ مِنَ القَانِطِينَ ) فيقول هو في الآية 56: ( قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ ) لأن الشيطان يوسوس لي، ويوهن قلبي بالقول بأن الله تعالى لم يقبل الدعاء، فإبراهيم عليه السلام قد تقدم به العمر ، وهو يدعو الله سبحانه وتعالى أن يرزقه بابنٍ من سارة عليها السلام، فلا تتوقع أن يجيب الله سبحانه وتعالى دعاءك عندما تكون في شدة، بل إنك عندما تطعن في العمر وتكون قد اقترفت الكثير من الذنوب: فإن من الممكن أن يكون مصيرك إلى جهنم!.

ويقول الله تعالى في القرآن: ( فَالحَقُّ وَالحَقُّ أَقُولُ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُم أَجْمَعينَ )، كما ذكر في الحديث ( كلٌّ مُيسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ )، فهل بوسعكم – رجاء – تفسير لماذا قالت الملائكة لإبراهيم عليه السلام: ” بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين”؟.

 

الجواب:

الحمد لله

 

قال تعالى: ( وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْراَهِيمَ. إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلامًا قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ. قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ. قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ. قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ. قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ ) الحِجر/ 51 – 56.

قول الملائكة لإبراهيم عليه السلام ذلك كان من أجل قوله ” أبشرتموني بذلك على أن مسني الكبَر وأثَّر فيَّ “، فقد تعجَّب عليه الصلاة والسلام من بشارتهم بالولد في حالة مباينة للولادة؛ فإن البشارة بما لا يُتصور وقوعه عادة وطبيعة: تُدخل في النفس التعجب منها، ولم يكن عليه السلام قانطًا، ولا منكرًا لقدرة الله، وهو الذي رأى بعيني رأسه موت الطيور الأربعة التي ذبحها بنفسه، ثم قسَّمها أجزاء، فأحياها الله تعالى له، فجاءته تسعى! فهو عليه السلام آمَن بأن الله قد خلق بشرًا بغير أبوين، فكيف من شيخ فانٍ، وعجوزٍ عقيم.

وأول ذلك أن الله تعالى أرسل ملائكة لتبشر إبراهيم عليه السلام وزوجه ” سارة ” بإسحاق، فلما جاءت الملائكة بالبشرى: سألهم عليه السلام عن طبيعة البشارة، وكيف سيكون الولد، مع أنه بلغ به السن ما بلغ، فأكدُّوا له الأمر أن ما جاءوا به هو بشارة حق.

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

ثم قال مُتعجبًا من كِبَره، وكِبَر زوجته، ومتحققًا للوعد: ( أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُون ). ” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 541 ).

فقول إبراهيم عليه السلام ” فبِمَ تبشرون ” يحتمل الاستفهام، والتعجب معًا، ولا تعارض بينهما.

* قال الماوردي – رحمه الله -:

( فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ) فيه وجهان:

أحدهما: أنه قال ذلك استفهامًا لهم، هل بشروه بأمر الله؟ ليكون أسكن لنفسه.

الثاني: أنه قال ذلك تعجبًا من قولهم، قاله مجاهد.

” تفسير الماوردي ” ( 3 / 163، 164 ).

* قال ابن الجوزي – رحمه الله -:

وهذا استفهام تعجب كأنه عجب من الولد على كبره.

” زاد المسير ” ( 4 / 406 ).

فأكدوا بشارتهم بالولد، وأنها من الله تعالى، وهي حقٌّ لا ريب فيه.

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

فأجابوه مؤكدين لما بشروه به تحقيقًا، وبشارة بعد بشارة، ( قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ ). ” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 541 ).

وقولهم له بعدها ( فَلاَ تَكُن مِّنَ القَانِطِينَ ) لا يقتضي أنه كان قانطًا، بل هو تلطف من الملائكة في التنبيه له أن لا يصل به الأمر أن يكون في زمرة القانطين، وهذا الأسلوب معروف في التنبيه، ولا يلزم كون المخاطب به منهم، كما قال تعالى لنوح عليه السلام: ( فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ) هود/ من الآية 46.

* قال الطاهر بن عاشور – رحمه الله -:

فقالوا: ( فَلاَ تَكُنْ مِنَ القَانِطِينَ ) ذلك أنه لمَّا استبعد ذلك استبعاد المتعجب من حصوله: كان ذلك أثَرًا من آثار رسوخ الأمور المعتادة في نفسه، بحيث لم يقلعه منها الخبر الذي يعلم صدقه، فبقي في نفسه بقية من التردّد في حصول ذلك، فقاربتْ حاله تلك حال الذين يَيأسون من أمر الله، ولما كان إبراهيم عليه السلام منزّهًا عن القنوط من رحمة الله: جاءوا في موعظته بطريقة الأدب المناسب، فنهوه عن أن يكون من زمرة القانطين؛ تحذيرًا له مما يدخله في تلك الزمرة، ولم يفرضوا أن يكون هو قانطًا؛ لرفعة مقام نبوءته عن ذلك، وهو في هذا المقام كحاله في مقام ما حكاه الله عنه من قوله: ( أَرني كَيْفَ تُحْيي المَوْتَى قَالَ أَوْ لَمْ تُؤمن قَالَ بَلَى وَلكنْ ليَطْمَئنَّ قَلْبي ) البقرة/ 260.

وهذا النّهي كقول الله تعالى لنوح عليه السلام: ( إنّي أَعظُكَ أَنْ تَكُونَ منَ الجَاهلينَ ) هود/ 46. ” التحرير والتنوير ” ( 14 / 60 ).

* قال الشيخ الشنقيطي – رحمه الله -:

ولا ينافي كون استفهام إبراهيم للتعجب من كمال قدرة الله: قول الملائكة له فيما ذَكَرَ الله عنهم: ( قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بالحق فَلاَ تَكُن مِّنَ القَانِطِينَ ) الحجر/ 55، بدليل: قوله: ( قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضآلون )  الحجر/ 56؛ لأنه دليل على أن استفهامه ليس استفهام منكر، ولا قانط.

قوله تعالى: ( قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضّالُّونَ )، بيَّن تعالى في هذه الآية الكريمة أن نبيَّه إبراهيم قال للملائكة: ” إنه لا يقنط من رحمة الله جل وعلا إلا الضالون عن طريق الحق “.

” أضواء البيان ” ( 2 / 283 ).

وثمة أمر آخر مهم، وهو أن تنبيه الملائكة على أمرٍ يمكن وقوعه من الأنبياء، لكن ما نفاه إبراهيم عليه السلام هو المستحيل وقوعه منهم عليهم السلام، وبيان ذلك:

أن تنبيه الملائكة هو عدم قنوط إبراهيم عليه السلام من الولد، ومعنى القنوط هنا ” اليأس “، وهذا أمر لا عجب أن يكون من شيخ كبير في السن، وامرأته لا تلد، لذلك كان حاله حال المستفهم، والمتعجب.

وأما الذي نفاه عليه السلام فهو القنوط من رحمة الله، وهذا ملصق بالكفار، فكيف يمكن لنبي أن يقع فيه؟!.

ونلحظ هذا في لفظ الآيات واضحًا، فكلام الملائكة ( فَلاَ تَكُن مِّنَ القَانِطِينَ ) في سياق البشارة بالولد، وكلام إبراهيم عليه السلام ( وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضّالُّونَ ) في القنوط من رحمة الله.

* قال الشوكاني – رحمه الله -:

أي: إنما استبعدتُ الولد لكبَر سنِّي، لا لقنوطي من رحمة ربي.

” فتح القدير ” ( 3 / 193 ).

ونرجو أن نكون بتلك النقولات قد وضحنا الأمر للأخ السائل، وأنه زال عنه الإشكال.

 

والله أعلم.

ماذا يترتب على من اعتمر وهو جنب جهلا وجوب الاغتسال؟

ماذا يترتب على من اعتمر وهو جنب جهلا وجوب الاغتسال؟

السؤال:

أحد الإخوة طلب مني بحث جواب له.

يقول: أحرمت وأنا في الرابعة عشرة من عمري، وهي أول عمرة لي بعد البلوغ، وركبت الطائرة، ثم غفت عيني، فلما استيقظت إذا بي قد احتلمت وأصاب شيء منه إحرامي ( وكنت جاهلًا ) فلم أُلق بالًا، ولم أغتسل، وأكملت عمرتي، وبعد سنة أو أكثر: بدأت أعلم معنى الاحتلام وضرورة الطهارة، ولم أعتمر حتى الآن.

فهل عمرتي صحيحة؟ وهل يجب عليَّ قضاؤها – إذا كانت فاسدة -؟.

أفتوني مأجورين.

 

الجواب:

الحمد لله

اختلف العلماء رحمهم الله في حكم الطهارة للطواف على أقوال:

  1. فجمهورهم على أن الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر شرط لصحة الطواف.
  2. وذهب الحنفية إلى وجوبها، وأن من طاف بحدث أصغر أو أكبر أن عليه إعادة الطواف إن كان لا يزال في مكة، وأنه إن عاد إلى بلده: فعليه ذبح شاة إن كان حدثه أصغر، وأنه إن طاف بحدث أكبر – كجنابة أو حيض -: فعليه بدَنة.
  3. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية باستحباب الطهارة الصغرى للطواف.
  4. وقال ابن حزم الظاهري بأن الطواف بالبيت على غير طهارة جائز مطلقًا، حتى للجنب، وللنفساء، ولا يحرم إلا على الحائض فقط.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 16 / 52 ) – تحت عنوان ” ما يحرم فعله بسبب الجنابة ” -:

ويحرم كذلك: الطواف، فرضًا كان، أو نفلًا؛ لأنه في معنى الصلاة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أحل لكم فيه الكلام ) – الصحيح أنه موقوف على ابن عباس -، ولذلك لا يصح الطواف ممن كان جُنُبًا، وهذا عند المالكية والشافعية والحنابلة، أما عند الحنفية: فإن طواف الجنب صحيح، ولكن عليه بدَنة؛ لأن الطهارة في الطواف عندهم ليست شرطًا وإنما هي واجبة، وقد روي عن ابن عباس أنه قال: البدنة تجب في الحج في موضعين: إذا طاف جنبا، والثاني: إذا جامع بعد الوقوف. انتهى.

والذي نرجحه في موقعنا هو القول الأول، وأن الطهارة شرط لصحة الطواف، وأن من طاف غير طاهر: فهو آثم، ويشتد الإثم في حال الحدث الأكب ، ولكن هذا الإثم إنما يكون مع التعمد، أما مع النسيان والجهل: فلا إثم، ولا يعني رفع الإثم صحة الطواف.

وللنظر في الرد على الأقوال الأخرى: ينظر البحث العلمي المتين ” حكم الطهارة من الحدث للطواف ” للدكتور عبد الله بن إبراهيم الزاحم – عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة -، المنشور في ” مجلة البحوث الإسلامية ” ( 55 / 161 – 222 ).

وعليه: فيقال للأخ المسئول عن حكم فعله من كونه اعتمر وهو جنب، وكان في أول بلوغه، ولم يكن يدري عن وجوب الاغتسال من خروج المني:

  1. أن عمرته باطلة – وكذا صلاته – وأنه ليس آثمًا؛ لجهله بالحكم.
  2. ليس عليه قضاء ما صلاه وهو جنب، وقد أوجب طائفة من أهل العلم عليه قضاء الصلوات التي صلاها جنبًا، ولا يظهر لنا رجحان هذا القول؛ لثبوت النص بترك عمر رضي الله عنه الصلوات لما أجنب في السفر، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء تلك الصلوات، ولفوات أوقات تلك الصلوات.
  3. أن إحرامه وهو جنب، وكذا سعيه بين الصفا والمروة: لا شيء فيهما؛ إذ لا يشترط لهما الطهارة، لا الصغرى، ولا الكبرى، ولكن الترتيب في الطواف والسعي في العمرة: واجب، فبطل السعي عنده لبطلان الطواف.
  4. أنه لا يزال محرِمًا، فعليه تجنب محظورات الإحرام، وأن عليه أن يبادر بالذهاب إلى مكة المكرمة فوراً محرمًا، لابساً لملابس الإحرام، وعليه أن يعيد الطواف والسعي.

قال الحطاب المالكي – رحمه الله -: 

فأما اشتراط طهارة الحدث في الطواف: فهذا هو المعروف من المذهب، فمن طاف محدثًا، متعمدًا، أو جاهلًا، أو ناسيًا: لم يصح طوافه، ورجع إلى ذلك من بلده، على المعروف، خلافًا للمغيرة.

” مواهب الجليل مع التاج والإكليل ” ( 3  / 67 ، 68 ).

والمغيرة هو من أصحاب الإمام رحمه الله.

وقال علماء اللجنة الدائمة – فيمن اعتمر وعليه حدث أصغر -:

يجب عليك أن تعود إلى مكة وأنت محرم، وتطوف وتسعى لعمرتك؛ لأن طوافك على غير طهارة: غير صحيح، ثم تحلق، أو تقصر.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 11 / 241 ، 242 ).

  1. أنه إن كان قد عقد على امرأة عقد نكاح: أنه يجب عليه إعادته؛ لأنه مفسوخ بكونه لا يزال محرِمًا، ولا يصح العقد من محرِم، مع رفع الإثم عنه؛ لجهله.

 

 

 

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله –:

إذا قال قائل: إذا عقد وهو لا يدري أن عقد النكاح في حال الإحرام حرام؟.

فالجواب: أنه لا إثم عليه، لكن العقد لا يصح؛ لأن العقود يعتبر فيها نفس الواقع.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 7 / 155 ).

 

  1. أنه إن كان حصل منه جماع: فإن جهله بالحكم الشرعي المترتب على جماعه: يرفع عنه آثاره، من فساد عمرته، ووجوب المضي فيها، وقضائها من ميقاته الذي أحرم منه أولًا.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – فيمن جامع امرأته محرمًا وهو جاهل -:

أما ما حصل من المباشرة بينكما وهو صادر عن جهل أو نسيان: فإن ذلك لا يؤثر على النسك شيئًا؛ لأن لدينا قاعدة مهمة يجب لطالب العلم أن يفهمها وهي: ” أن ارتكاب المحظور نسيًا أو جهلًا: لا أثر له “، كل المحظورات: محظورات الإحرام، ومحظورات الصيام، ومحظورات الصلاة، كلها إذا وقعت عن جهل أو نسيان: فإنها لا تؤثر شيئًا، فلو أن الإنسان في صلاته تكلم يظن أن الكلام لا يبطل الصلاة: فصلاته صحيحة؛ لأنه فعل المحظور جاهلًا … .

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 22 / 471 ).

 

والله أعلم.

بطلان الاستدلال بلعب الحبشة بالحراب على الرقص الصوفي!

بطلان الاستدلال بلعب الحبشة بالحراب على الرقص الصوفي!

السؤال:

لدي سؤال يدور حول الرقص في الإسلام، فالصوفية يستندون إلى حديث من مسند الإمام أحمد بن حنبل من المجلد الثالث الصفحة رقم 152، ويدعي الصوفية أنه كان من عادة الأحباش أنهم كانوا يرقصون حول النبي صلى الله عليه وسلم، فهل يمكن أن توضح لي الحديث الذي ذكرتُ لكَ موضعه، وأسأل: لماذا لا تجوز طريقة تعبد الصوفية ( وهي الرقص عند ذكر الأوراد )؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

اعلم أخي السائل أن ” الصوفية ” من الفرق المنحرفة عن المنهج الحق، وعن طريق الكتاب والسنَّة.

 

ثانيًا:

وأما الحديث الذي أشار إليه السائل: فلا يدل على جواز الرقص الصوفي، ولا على أصل الرقص؛ بل هو دليل جواز اللعب بالسلاح، والتدرب على الحرب، والمبارزة؛ لغاية الجهاد.

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِي وَقَالَ: ” مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؟ ” فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَالَ: ( دَعْهُمَا ) فَلَمَّا غَفَلَ، غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا، وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ، فَإِمَّا سَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَإِمَّا قَالَ ( تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ ) فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ خَدِّي عَلَى خَدِّهِ، وَهُوَ يَقُولُ ( دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ) حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ قَالَ: ( حَسْبُكِ؟ ) قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ( فَاذْهَبِي ).

رواه البخاري ( 907 ) ومسلم ( 829 ).

وقد ترجم البخاري رحمه الله على هذا الحديث في صحيحه بقوله: ” باب الحراب والدَّرَق يوم العيد “.

* قال بدر الدين العيني – رحمه الله -:

– والحِراب بكسر الحاء: جمع حَربة.

– والدَّرَق بفتحتين: جمع درقة، وهي الترس الذي يتخذ من الجلود.

” عمدة القاري ” ( 6 / 267 ).

 

 * قال النووي – رحمه الله -:

فيه جواز اللعب بالسلاح، ونحوه من آلات الحرب، في المسجد، ويلتحق به ما في معناه من الأسباب المعينة على الجهاد.  ” شرح مسلم ” ( 6 / 271 ).

* وقال ابن حجر – رحمه الله -:

واستُدل به على جواز اللعب بالسلاح على طريق التواثب، للتدريب على الحرب، والتنشيط عليه. ” فتح الباري ”  ( 2 / 445 ).

وبالنظر في الحديث الذي أشار إليه الأخ السائل، وكلام الشرَّاح يتبين عدم صحة استدلال من استدلَّ به على الرقص الصوفي في حلقاتهم البدعية، وأنه لم يكونوا أصلًا حول النبي صلى الله عليه وسلم – كما جاء في السؤال -، ولم يكونوا يذكرون الله حتى يكون دليلًا لأهل البدع من أصحاب الرقص.

* وسئل الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله –:

عندنا في مناطقنا هناك في الجنوب في الأعراس يحصل رقص للرجال على الطبول بأسلحتهم، فهل هذا جائز؟.

فأجاب:

اعلم أن الأصل في المعازف أنها حرام، ومنها الطبول، ولا يحل منها إلا ما ورد الشرع به، والذي ورد به الشرع هو ” الدف “، وكان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم لا يرتاده إلا النساء، يضربن بالدف، والدف هو عبارة عن شيء مدور كالصحن، ويكون أحد جانبيه مستورًا بالجلد الذي يكون له الصوت، أي: أنه مفتوح من جانب، ومختوم بالجلد من جانب، هذا هو الذي وردت به السنَّة.

أما الرقص للرجال: فإنه لا يجوز؛ لأن الرقص من عادات النساء، وليس من عادات الرجال، وأما اللعب بالسلاح بالبنادق، والسيوف، وما أشبه ذلك – إذا لم يكن فيه طبول -: فهذا لا بأس به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مكَّن الحبشة أن يلعبوا في وسط مسجده صلى الله عليه وسلم برماحهم، لكن بدون رقص.

” لقاء الباب المفتوح ”  ( 39 / السؤال رقم 5 ).

وقد يصاحب هذا  الرقص الصوفي محرمات أخرى كالغناء، وبعض المعازف، كالطبل, واختلاط الرجال بالنساء، وهذا يزيد في الإثم، ويُعظم المعصية.

 

ثالثًا:   

والرقص في العبادات: محدث، مبتدع، لم يُؤت به إلا من الأديان المحرَّفة، ولم يجد أصحابه شيئًا يستدلون به على بدعتهم، وحتى دليلهم السابق في لعب الأحباش بالحراب: فإنهم لم يعقدوا مجلسًا يذكرون فيه ربهم تعالى حتى يكون دليلًا لأهل الرقص، بل قد علم المسلمون المتبعون لهدي نبيهم صلى الله عليه وسلم أنهم ليس له اختراع عبادة يتقربون فيها إلى خالقهم، لا في أصلها، ولا في عددها لو كانت مشروعة في الأصل، فلا يخالفون الثابت عندهم في الشرع، ولا يخترعون جديداً ينسونه للدِّين.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

والأصل في باب العبادات: المنع، حتى يرد الدليل عليها شرعًا، فلا يقال: إن هذه العبادة مشروعة من أصلها، أو من جهة عددها، أو هيئتها، إلا بدليل شرعي، فمَن ابتدع في دين الله ما لم يشرعه الله: فما صدر منه: مردود عليه، قال صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ )، وفي رواية: ( مَنْ أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هذا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ ).

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 2 / 473 ).

* وقال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

فكل مَن أحدث شيئًا ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه: فهو ضلالة، والدين منه بريء. ” جامع العلوم والحكم”  ( 2 / 128 ).

* وقال ابن حجر – رحمه الله -:

والمراد بقوله: ( كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلةٌ ) ما أُحدث ولا دليل له من الشرع، بطريق خاص، ولا عام. ” فتح الباري ” ( 13 / 254 ).

* وقال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

والمتابعة لا تتحقق إلا إذا كانت العبادة موافقة للشرع في ستة أمور: السبب، والجنس، والقدْر، والكيفية، والزمان، والمكان .

” الشرح الممتع ” ( 1 / 410 ).

وعلى ذلك: فهذا الرقص الصوفي المصاحب للذِّكر: لا يدل عليه دليل من الكتاب، أو السنَّة، بل هو من البدع المحدثة، وأصله: من اليهودية، والأديان الهندية، بل لو تأملنا أصلًا أذكارهم لوجدناها مخالفة للشرع في كلماتها، حتى لو لم يصاحبها معازف، أو رقص! فقلما تخلو أذكار حلقاتهم من استغاثة بالأموات، أو توسل بدعي.

* سئل الإمام أبو بكر الطرطوشي رحمه الله:

ما يقول سيدنا الفقيه في مذهب الصوفية؟ واعلم – حرس الله مدته – أنه اجتمع جماعة من رجال، فيكثرون من ذِكر الله تعالى، وذِكر محمد صلى الله عليه وسلم، ثم إنهم يوقعون بالقضيب على شيء من الأديم – الجِلد -، ويقوم بعضهم يرقص ويتواجد حتى يقع مغشيًّا عليه، ويحضرون شيئا يأكلونه، هل الحضور معهم جائز أم لا؟ أفتونا مأجورين.

فأجاب:

يرحمك الله، مذهب الصوفية بطالة، وجهالة، وضلالة، وما الإسلام إلا كتاب الله وسنَّة رسول، وأما الرقص والتواجد: فأول من أحدثه أصحاب ” السامري “، لمَّا اتخذ لهم عجلًا جسدًا له خوار، قاموا يرقصون حواليه، ويتواجدون؛ فهو دين الكفار، وعُبَّاد العجل؛ وأما القضيب: فأول من اتخذه الزنادقة؛ ليشغلوا به المسلمين عن كتاب الله تعالى؛ وإنما كان يجلس النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه كأنما على رؤوسهم الطير من الوقار، فينبغي للسلطان، ونوابه: أن يمنعهم عن الحضور في المساجد، وغيرها؛ ولا يحل لأحدٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم، ولا يعينهم على باطلهم؛ هذا مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وغيرهم من أئمة المسلمين، وبالله التوفيق.

نقله عنه الإمام القرطبي في ” تفسيره ” ( 11 / 237، 238 ).

* وقال علماء اللجنة الدائمة:

لم يُعرف عنه صلى الله عليه وسلم أنه خصص أيامًا، وليالي من الأسبوع، يجتمع فيها هو وأصحابه على ذِكر الله تعالى جماعةً باسمٍ مفردٍ من أسمائه الحسنى، قيامًا، أو قعودًا، في حلقات، أو صفوفًا، يترنحون فيها ترنح السكارى، ويتمايلون فيها تمايل الراقصين طربًا لتوقيع الأناشيد، ونغمات المغنين، ودفات الطبول، والدفوف، وأصوات المزامير، وبهذا يُعلم أن ما يفعله الصوفية اليوم: بدعة محدثة، وضلالة ممقوتة.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 2 / 281 ).

 

والله أعلم.

 

 

 

 

 

حكم تناول ما يسمى ” خميرة البيرة “

حكم تناول ما يسمى ” خميرة البيرة ”

السؤال:

هل تناول حبوب خميرة البيرة من أجل التسمين حرام؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الأصل في الأطعمة والأشربة: الحل، إلا ما جاء الشرع بتحريمه، قال تعالى: ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا ) البقرة/ من الآية 29، وقال تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأرْضِ حَلالا طَيِّبًا ) البقرة/ من الآية 168.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

الأصل في الأطعمة: الحل؛ لقوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالا طَيِّبًا )، وقوله: ( قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ )، ولا يخرج عن هذا الأصل إلا ما ورد النهي عن أكله، كالنجس، مثل: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما فيه مضرة، كالسم، ونحوه، وكل ذي ناب من السباع – غير الضبع – وكل ذي مخلب من الطير، والحمر الأهلية، وما يأكل الجيف ….

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 22 / 312 ).

 

ثانيًا:

الخميرة: فطريات موجودة في الهواء، لا ترى إلا بالمجهر، وتساعد على إنضاج العجين.

و” خميرة البيرة ” عبارة عن: حبوب مستخلصة من كائنات حية، تستخرج من تخمير النشويات، كالشعير، والذرة، والأرز، كما تُستخلص من المواد الطبيعية الغنية بالسكر، مثل: قشر التفاح، أو العنب، وهي في أصلها نافعة ومفيدة، واستعمال أهل الفساد لهذه المواد في صنع البيرة، والخمور لا يجعلها محرمة، وإنما الحرمة في استعمالهم لها على ذلك الوجه المحرم، كالعنب، والتفاح، يمكن استعمالهما لصنع الخل المباح، كما يمكن إطالة مدة التخليل قليلًا ليصنع منهما الخمر، مع أن العملية واحدة.

 

وأما سبب تسميتها بهذا الاسم: فلأنها كانت تُصنع قديمًا من النواتج المتخلفة من تخمر البيرة، وأما في الوقت الحالي: فإنها تُصنع من نبات الخميرة، وهو نبات فطري.

و ” خميرة البيرة ” غنية بالفيتامينات – وخاصة فيتامين ” ب ” -، والمعادن، والأحماض، والبروتينات.

* قال الدكتور جايلورد هاوزر:

إن الأشخاص الذين يتبعون هذه القواعد البسيطة: سيجدون قوةً تُدهشهم، ولأجل أن تعرف المزايا المدهشة الموجودة في ” خميرة البيرة ” أقدم فيما يلي نتيجة تحليلها، وسترون أنها تحمل جميع الفيتامينات ( ب )، وخمسة عشر نوعا من المعادن، وستة عشر نوعا من الأحماض.

” الغذاء يصنع المعجزات، لماذا نأكل، وماذا يجب أن نأكل ” ( ص 53 ، 54 ) ترجمة أحمد قدامة، تحديث الدكتور هاني عرموش، طبعة دار النفائس، بيروت.

ومما ذُكر في الكتاب من أنواع الفيتامينات: فيتامين ب 1، فيتامين ب 2، فيتامين ب 6، فيتامين ب 12.

ومن الأحماض: غلسرين، برولين، هيدرو سبولورين، سييتين – آرجينين.

ومن المعادن: كالسيوم، نحاس، منغنيز، صوديوم.

وقد ذكر أهل الاختصاص فوائد غذائية، وطبية، لهذه الخميرة، منها: تقوية جهاز المناعة في الجسم, ومعالجة النحافة، بتناولها مع الطعام، أو بعده بساعة أو ساعتين، وتستخدم في علاج السمنة إن تناولها السمين قبل الطعام بفترة لتشعره بالشبع، كما أن من فوائدها: تقوية جميع عضلات البدن، كما أنها تقوي الذاكرة، وتساعد في تهدئة  الأعصاب، وتعالج المشاكل النفسية، وتساهم في تنظيف البشرة – ويمكن عمل قناع للوجه ويضاف مع الخميرة لبن، وعسل – وتقوية الشعر، ومنعه من التساقط، وغير ذلك.

مع التنبيه على ضرورة الأخذ باستشارة طبيب، أو مختص بالأغذية الطبيعية، لإعطاء الوصفة، والكمية، المناسبتيْن لكل شخص.

فأصل هذه الخميرة: فطري, فهي ليست نجسة، ولا مسكرة، والحبوب المصنعة منها ليس لها دور في ذهاب العقل، أو إسكاره, وعلى ذلك: فلا بأس من تناول تلك الحبوب؛ لأن الأصل – كما قدمنا – في الأطعمة، والأشربة: الحل، إلا ما دلَّ الدليل على تحريمه.

 

والله أعلم.

 

نبذة عن حياة عمر بن عبد العزيز، وذِكر شيء من سيرته

نبذة عن حياة عمر بن عبد العزيز، وذِكر شيء من سيرته

السؤال:

كيف كان عمر بن عبد العزيز في خلافته؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن معرفة سيرة السلف الصالح، وتراجم الخلفاء: أمر حسنٌ مندوب إليه, وخاصة الحقبة الأولى من القرون المفضلة الذين كانوا مثالًا عاليًا في كل الصفات، وفي معرفة تراجمهم دافع للمسلم للاقتداء بهم، والتأسي بأفعالهم، وأخلاقهم، ومآثرهم, وخاصة في مثل هذا الوقت التي أصبحت فيه القدوة، والأسوة، للساقط من الناس، من الممثلين، والمغنيين، وأشباههم.

 

ثانيًا: 

عصرُ عمر بن عبد العزيز كان عصرًا مميَّزًا عن العصور التي بعده, وكانت سيرته أشبه بسيرة الخلفاء الراشدين، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى عصره,  وأثنى عليه، فعَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ( لاَ يَزَالُ الإِسْلاَمُ عَزِيزًا إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً ) ثُمَّ قَالَ كَلِمَةً لَمْ أَفْهَمْهَا، فَقُلْتُ لأَبِي: مَا قَالَ؟ فَقَالَ: ( كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ ).

رواه البخاري ( 6796 ) ومسلم ( 1821 ) – واللفظ له -.

* قال ابن حجر- رحمه الله – في بيان تعداد أولئك الخلفاء -:

في بعض طرق الحديث الصحيحة ( كُلُّهُم يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ النَّاسُ )، وإيضاح ذلك: أن المراد بالاجتماع: انقيادهم لبيعته، والذي وقع: أن الناس اجتمعوا على أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، إلى أن وقع أمر الحكَمين في صفِّين، فسمِّيَ معاوية يومئذ بالخلافة، ثم اجتمع الناس على معاوية عند صلح الحسن، ثم اجتمعوا على ولده يزيد … ثم لما مات يزيد وقع الاختلاف إلى أن اجتمعوا على عبد الملك بن مروان … ثم اجتمعوا على أولاده الأربعة: الوليد، ثم سليمان، ثم يزيد، ثم هشام، وتخلل بين سليمان ويزيد: عمر بن عبد العزيز، فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين، والثاني عشر هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك، اجتمع الناس عليه، لمَّا مات عمه هشام.

” فتح الباري ”  ( 13 / 214 ).

 

 

 

وقد عدَّ كثير من العلماء عمرَ بن عبد العزيز رحمه الله من مجددي هذا الدين.

عنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا ).

رواه أبو داود ( 4291 )، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

* قال ابن كثير – رحمه الله -: 

فقال جماعة من أهل العلم، منهم أحمد بن حنبل – فيما ذكره ابن الجوزي وغيره -: إن عمر بن عبد العزيز كان على رأس المائة الأولى، وإن كان هو أولى مَن دخل في ذلك، وأحق؛ لإمامته، وعموم ولايته، وقيامه، واجتهاده في تنفيذ الحق، فقد كانت سيرته شبيهة بسيرة عمر بن الخطاب، وكان كثيرًا ما تشبَّه به.

” البداية والنهاية ” ( 9 / 232 ).

ثالثًا:

كان عمر بن الخطاب يقول إما بإخبار النبي صلى الله له عليه وسلم، أو برؤيا في منامه: إنه سيلي من ذريته رجل يعدل بين الناس, وكان يقول: إن من ولدي رجلًا بوجهه شين يلي يملأ الأرض عدلًا.

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

وكان نافع مولى ابن عمر يقول: ” لا أحسبه إلا عمر بن عبد العزيز “,  وقد روي ذلك عن عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب نحوًا من هذا، وقد كان هذا الأمر مشهورًا قبل ولايته، وميلاده، بالكلية، أنه يلي رجل من بني أمية يقال له: ” أشج بني مروان “، وكانت أمه ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب.

” البداية والنهاية ” ( 6 / 268 ).

رابعًا:

وأما سيرته رحمه الله تعالى: فقد كانت مثالًا عظيمًا، ومضربًا للمثل، في عدله، وزهده، وحُسن خلقه, وهذه مقتطفات من سيرته نختارها من كتاب ” البداية والنهاية ” لابن كثير رحمه الله ( 9 / 217 ) فما فوقها.

  1. هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أبو حفص، القرشي، الأموي، المعروف، أمير المؤمنين، وأمه أم عاصم ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، ويقال له ” أشج بني مروان “.
  2. وكان حكَمًا، مقسطًا، وإمامًا عادلًا، وورعًا ديِّنًا، لا تأخذه في الله لومة لائم، رحمه الله تعالى.
  3. * قال الزبير بن بكار: حدثني العتبي قال: إن أول ما استبين من رشد عمر بن عبد العزيز: حرصه على العلم ، ورغبته في الأدب، إن أباه ولي مصر وهو حديث السن يشك في بلوغه، فأراد أبوه إخراجه معه إلى مصر من الشام، فقال: يا أبتِ أو غير ذلك لعله يكون أنفع لي ولك؟ قال: وما هو؟ قال: ترحلني إلى المدينة فأقعد إلى فقهائها، وأتأدب بآدابهم، فعند ذلك أرسله أبوه إلى المدينة، وأرسل معه الخدام، فقعد مع مشايخ قريش، وتجنب شبابهم، وما زال دأبه حتى اشتهر ذكره.
  4. وثبت من غير وجه عن أنس بن مالك قال: ما صليتُ وراء إمام أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى – يعني: عمر بن عبد العزيز – حين كان على المدينة.

قالوا: وكان يتم الركوع والسجود، ويخفف القيام والقعود، وفي رواية صحيحة: أنه كان يسبح في الركوع والسجود عشرًا عشرًا، وقال ابن وهب: حدثني الليث عن أبي النضر المديني قال: رأيت سليمان بن يسار خارجًا من عند عمر بن عبد العزيز، فقلت له: مِن عند عمر خرجت؟ قال: نعم! قلت: تُعلِّمونه؟ قال: نعم، فقلت: هو والله أعلمُكم.

  1. قال ابن كثير: وقد كان في هذه المدة من أحسن الناس معاشرة، وأعدلهم سيرة، كان إذا وقع له أمر مشكل: جمع فقهاء المدينة عليه، وقد عين عشرة منهم، وكان لا يقطع أمرًا بدونهم، أو من حضر منهم، وهم عروة، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو بكر بن سليمان بن خيثمة، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد بن حزم، وسالم بن عبد الله ، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وخارجة بن زيد بن ثابت.

– وكان لا يخرج عن قول سعيد بن المسيب.

  1. وقد ظهرت عليه مخايل الورع، والدِّين، والتقشف، والصيانة، والنزاهة ، من أول حركة بدت منه، حيث أعرض عن ركوب مراكب الخلافة، وهي الخيول الحسان الجياد المعدة لها، والاجتزاء بمركوبه الذي كان يركبه، وسكنى منزله رغبة عن منزل الخلافة، ويقال: إنه خطب الناس فقال في خطبته: أيها الناس، إن لي نفسًا تواقة لا تعطى شيئا إلا تاقت إلى ما هو أعلى منه، وإني لما أعطيت الخلافة تاقت نفسي إلى ما هو أعلى منها، وهي الجنة، فأعينوني عليها، يرحمكم الله.
  2. لمَّا استُخلف عمر بن عبد العزيز: قام في الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس! إنه لا كتاب بعد القرآن، ولا نبي بعد محمد عليه السلام، وإني لست بقاضٍ ولكني منفِّذ، وإني لست بمبتدع ولكني متبع، إن الرجل الهارب من الإمام الظالم ليس بظالم، إلا أن الإمام الظالم هو العاصي، ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق عز وجل.

وفي رواية أنه قال فيها: وإني لست بخير من أحد منكم، ولكنني أثقلكم حِملًا، ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الله، ألا هل أسمعت؟.

  1. وقد اجتهد رحمه الله في مدة ولايته – مع قصرها – حتى رد المظالم، وصرف إلى كل ذي حق حقه، وكان مناديه في كل يوم ينادي: أين الغارمون؟ أين الناكحون؟ أين المساكين؟ أين اليتامى؟ حتى أغنى كلا من هؤلاء.
  2. قالت زوجته فاطمة: دخلتُ يومًا عليه وهو جالس في مصلاه واضعًا خدَّه على يده، ودموعه تسيل على خديه، فقلت: مالك؟ فقال: ويحك يا فاطمة، قد وليت من أمر هذه الأمة ما وليت، فتفكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود، واليتيم المكسور، والأرملة الوحيدة، والمظلوم المقهور، والغريب والأسير، والشيخ الكبير، وذي العيال الكثير، والمال القليل، وأشباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد، فعلمت أن ربي عز وجل سيسألني عنهم يوم القيامة، وأن خصمي دونهم محمد صلى الله عليه وسلم، فخشيت أن لا يثبت لي حجة عند خصومته، فرحمتُ نفسي، فبكيت.
  3. قال مالك بن دينار: يقولون مالك زاهد، أي زهد عندي؟ إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز، أتته الدنيا فاغرة فاها، فتركها جملة.

قالوا: ولم يكن له سوى قميص واحد، فكان إذا غسلوه جلس في المنزل حتى ييبس، وقد وقف مرة على راهب فقال له: ويحك عظني، فقال له: عليك بقول الشاعر:

تجرد من الدنيا فإنك إنما * خرجتَ إلى الدنيا وأنت مجرد

قال: وكان يعجبه، ويكرره، وعمل به حق العمل.

قالوا: ودخل على امرأته يوما فسألها أن تقرضه درهمًا، أو فلوسًا يشتري له بها عِنَبًا، فلم يجد عندها شيئًا، فقالت له: أنت أمير المؤمنين وليس في خزانتك ما تشتري به عنبًا؟ فقال: هذا أيسر من معالجة الأغلال، والأنكال، غدًا، في نار جهنم.

  1. وقالت امرأته فاطمة: ما رأيتُ أحدا أكثر صلاة وصياما منه، ولا أحد أشد فرقا من ربه منه، كان يصلي العشاء ثم يجلس يبكي حتى تغلبه عيناه، ثم ينتبه، فلا يزال يبكي حتى تغلبه عيناه، قالت: ولقد كان يكون معي في الفراش فيذكر الشيء من أمر الآخرة فينتفض كما ينتفض العصفور في الماء، ويجلس يبكي، فأطرح عليه اللحاف رحمة له، وأنا أقول: يا ليت كان بيننا وبين الخلافة بعد المشرقين، فوالله ما رأينا سرورًا منذ دخلنا فيها.

وقال علي بن زيد: ما رأيت رجلين كأن النار لم تخلق إلا لهما مثل الحسن وعمر بن عبد العزيز.

  1. في 25 رجب سنة 101 من الهجرة: توفي عمر بن عبد العزيز بـ ” دير سمعان “، وكانت مدة خلافته: سنتين وخمسة أشهر، وأربعة أيام.

فرحمه الله تعالى, وجزاه عن عدله وفعاله الحسنة خير الجزاء.

 

والله أعلم.

كيف الجمع بين تمام الدين في قوله تعالى ( الْيَوْم أَكْمَلْتُ لَكُم دينَكُم ) واختلاف العلماء؟

كيف الجمع بين تمام الدين في قوله تعالى ( الْيَوْم أَكْمَلْتُ لَكُم دينَكُم ) واختلاف العلماء؟

السؤال:

الحمد لله، أنا مسلم، ولله الفضل والمنَّة، ولكن أشكلت عليَّ آية في كتاب الله العزيز، وهي ( اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُم دينَكُم ) فإذا كان الدّين كاملًا – وهو كذلك -، فكيف نجمع بين هذه الآية وبين خلاف العلماء في مسائل كثيرة؟.

واسألوا الله لي الثبات على دينه حتى الممات.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ليس ثمة تعارض بين اكتمال الشريعة، وما يوجد من اختلاف بين علماء الإسلام؛ وذلك إذا عُرف المراد من كمال الدّين في الآية، وكمالها هو: أصول الدّين، وقواعد الأخلاق، وكليّات الشرع – وليس جزئياته -.

* قال الشاطبي – رحمه الله – في بيان معنى الآية -:

المراد: كلياتها، فلم يبقَ للدّين قاعدة يحتاج إليها في الضروريات، والحاجيات، أو التكميليات، إلا وقد بُينت غاية البيان، نعم، يبقى تنزيل الجزئيات على تلك الكليات موكولًا إلى نظر المجتهد؛ فإن قاعدة الاجتهاد أيضًا ثابتة في الكتاب والسنّة، فلا بد من إعمالها، ولا يسع الناس تركها، وإذا ثبت في الشريعة: أشعرت بأن ثمَّ مجالا للاجتهاد، ولا يوجد ذلك إلا فيما لا نص فيه، ولو كان المراد بالآية الكمال بحسب تحصيل الجزئيات بالفعل: فالجزئيات لا نهاية لها، فلا تنحصر بمرسوم، وقد نص العلماء على هذا المعنى، فإنما المراد: الكمال بحسب ما يحتاج إليه من القواعد، التي يجري عليها ما لا نهاية له من النوازل.

” الاعتصام ” ( 1 / 507 ).

ومن معاني اكتمال الشريعة: اكتمال الأوامر، والنواهي، وذكر جميع المحرمات على المسلمين.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

فقد بيَّن الله سبحانه على لسان رسوله بكلامه، وكلام رسوله: جميع ما أمره به، وجميع ما نهى عنه، وجميع ما أحله، وجميع ما حرمه، وجميع ما عفا عنه, وبهذا يكون دينُه كاملا كما قال تعالى: ( اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُم دينَكُم وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُم نعْمَتي ).

” إعلام الموقعين ” ( 1 / 332 ).

 

 

* ونرجو التأمل في هذين الموقفين بخصوص هذه الآية:

الموقف الأول:

وهو ما علمه عالم يهودي مما احتوته هذه الآية من معاني جليلة، ونعَم عظيمة، وهي إكمال الدين، فانظر ماذا قال، وبماذا رَدّ عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَال: قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ لِعُمَرَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: لَوْ أَنَّ عَلَيْنَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإسْلَامَ دِينًا ) لاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لأَعْلَمُ أَيَّ يَوْمٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ، نَزَلَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ، فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ.  رواه البخاري ( 6840 ) ومسلم ( 3017 ).

الموقف الثاني:

أن هذه الآية العظيمة كانت سدّا عظيمًا أمام كل من أراد أن يزيد في الدين، ويخترع فيه، من العقائد، والعبادات.

* قال الإمام مالك – رحمه الله -:

مَن أحدث في هذه الأمة شيئًا لم يكن عليه سلفها: فقد زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خان الرسالة؛ لأن الله يقول: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) المائدة/ 3، فما لم يكن يومئذ دينًا: فلا يكون اليوم دينًا. انظر ” الاعتصام ” للشاطبي ( 1 / 33 ).

 

ثانيًا:

إن كمال الدّين، وتمامه، لا يمنع من الاختلاف في فهم آية، أو سبب نزولها، أو صحة حديث، أو فهمه على وجهه الصحيح؛ فليس العلماء على درجة واحدة من العلم، فقد يخفى على واحد منهم ما علمه غيره، وقد يَفهم من النصوص ما لا يفهمه غيره عندما يختفي عليه الدليل الواضح، وهذا كله لا يتعارض مع تمام الدين، بل هو شرح لمقصد الدين، وطلب لمراده، ولذلك رأى الإمام الشاطبي: ” أن ما يُعتد به من الخلاف في ظاهر الأمر: يرجع في الحقيقة إلى الوفاق؛ لأن الاختلاف في بعض المسائل الفقهية راجع إما إلى دورانها بين طرفين واضحين يتعارضان في أنظار المجتهدين، وإما إلى خفاء بعض الأدلة، أو إلى عدم الاطلاع على الدليل، وهذا الثاني ليس في الحقيقة خلافًا, إذ لو فرضنا اطلاع المجتهد على ما خفي عليه: لرجع عن قوله “. ” الموافقات في أصول الشريعة ” ( 4 / 220 ).

 

 

 

 

* وقال ابن القيم – رحمه الله – متممًا كلامه السابق نقله عنه -:

ولكن قد يقصر فَهم أكثر الناس عن فَهم ما دلّت عليه النصوص، وعن وجه الدلالة، وموقعها، وتفاوت الأمّة في مراتب الفهم عن الله ورسوله: لا يحصيه إلا الله، ولو كانت الأفهام متساوية: لتساوت أقدام العلماء في العلم، ولما خص سبحانه سليمان بفهم الحكومة في الحرث، وقد أثنى عليه، وعلى داود بالعلم، والحكم، وقد قال عمر لأبي موسى في كتابه إليه ” الفهم، الفهم فيما أدلي إليك “، وقال علي: ” إلا فهمًا يؤتيه الله عبدًا في كتابه “، وقال أبو سعيد: ” كان أبو بكر أعلمَنا برسول الله صلى الله عليه وسلم “، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس أن ( يفقهه في الدّين ويعلمه التأويل )، والفرق بين الفقه والتأويل: أن الفقه هو فهم المعنى المراد، والتأويل: إدراك الحقيقة التي يؤول إليها المعنى التي هي أخيته، وأصله.

وليس كل من فقه في الدين: عرف التأويل، فمعرفة التأويل يختص به الراسخون في العلم، وليس المراد به: تأويل التعريف، وتبديل المعنى؛ فإن الراسخين في العلم يعلمون بطلانه، والله يعلم بطلانه.

” إعلام الموقعين ” ( 1 / 332 ).

 

وبهذا يعلم أن اختلاف العلماء لا يعكس عدم تمام الدين، ولا يتعارض معه، بل هو محاولة لدفع ذلك عنه.

 

ومن تأمل أسباب اختلاف العلماء: لم يجد فيها سببًا واحدًا مرجعه إلى الشرع ذاته، بل الأسباب كلها ترجع إلى غير المعصومين من العلماء، فالتعارض بين الأدلة ليس موجودًا على الحقيقة في نصوص الشرع، بل فقط في نظر المجتهد، وخفاء الأدلة، وعدم العلم بها، أو عدم فهمهما على وجهها: كل ذلك يؤكد ما قلناه من أن الشريعة كاملة تامّة وإنما يبحث كل مجتهد بما وهبه الله من علم وفهم: بمعرفة الحكم المطابق لمراد الله تعالى في نصوص الوحي.

 

والله أعلم.

 

 

 

تحايلوا على شركة التأمين واستولوا على مال منهم فماذا يلزم من تاب منهم؟

تحايلوا على شركة التأمين واستولوا على مال منهم فماذا يلزم من تاب منهم؟

السؤال:

جزاكم الله كل خير على ما تقدمون, أنا ومعي شخصان تحايلنا على التأمين بحادث وهمي، وكان الاتفاق بيننا أن نتقاسم المبلغ، وهو قرابة 21000 لكل واحد 7000، وذهبتُ، واستلمتُ الشيك، وصرفتُه، وأخذتُ منه 1000، والباقي 20000، ذهب للثاني بحجة أنه سوف يقسم المبلغ بالتساوي بيننا الثلاثة, ولكن أنكر هذا الشيء, ولم آخذ أنا إلا 1000 فقط, والعلاقة مقطوعة بيننا من ذاك اليوم, وأنا تبت إلى الله، وأريد إرجاع المبلغ, فهل أرجع فقط المبلغ الذي أخذته وهو 1000 فقط، أم ماذا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

فتح الله تعالى أبواب رحمته للناس، وأخبر أنه من تاب من معصيته: تاب عليه، وغفر له ذنبه، قال تعالى: ( وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ) النساء/ 11، وقال تعالى: ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) الزمر/ 53.

ومن شروط التوبة إذا كانت تتعلق بحقوق العباد: إرجاع الحقوق إلى أصحابها.

* فشروط التوبة الصحيحة الكاملة:

  1. الإقلاع عن الذنب.
  2. الندم على ما فات.
  3. العزم على عدم العودة إليه.

وأما إن كانت التوبة من مظالم العباد في مال، أو عرض: فتزيد شرطًا رابعًا، وهو:

  1. استباحة المظلوم، والتحلل منه، أو إعطاؤه حقه.

ثانيًا: 

التحايل بالغش والخداع لأخذ مال الآخرين بغير وجه حق: من كبائر الذنوب, ويكون صاحبه قد جمع بين ذنبين عظيمين، أخذ المال، والغش والخداع.

قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ …) النساء/ 29.

وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: ( مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي). رواه مسلم ( 102 ).

وما الذي يجب عليك رده من المال؟ والجواب: أن الذي يجب عليك في ذمتك هو المبلغ المأخوذ من شركة التأمين كاملًا، ويمكنك حسم ما أُخذ منك من أقساط إلزامية كنت تدفعها لهم، ويكون في ذمتك باقي المبلغ.

وسرقة صاحبك ذلك المبلغ منك لا يعفيك من دفعه للشركة؛ لأن ذمتك انشغلت بمجرد مشاركتك في الحادث الوهمي مشاركة رئيسة، حتى إنهم قد صرفوا لك المبلغ – باسمك – كاملًا -، ولك أن تطالب صاحبك بالمبلغ الذي استولى عليه منك، وعليك وعلى أصحابك من الإثم ما تحتاج معه للتوبة والاستغفار.

ثالثًا:

وهل يُرجَع المبلغ المترتب في ذمتك لشركة التأمين، أم يُتصرف به توزيعًا في وجوه الخير المختلفة باعتبار أن شركات التأمين التجارية محرمة أفعالها، وعقودها؟ الظاهر: أنه يجب رد المبلغ المترتب في ذمتك لهم، وكون أفعالهم محرمة لا يجيز تصريف أموالهم في وجوه الخير، بل تُرجع لهم، ويعاد تمليكهم لها.

 * سئل الشيخ يوسف الشبيلي – حفظه الله -:

هل يجوز التحايل على شركات التأمين لأخذ التعويض؟

فأجاب:

فلا يجوز التحايل على شركات التأمين بالكذب عليها لأخذ التعويض بغير حق، ومن فعل ذلك: فالمال الذي أخذه سحت، يجب عليه رده إلى الشركة التي أخذه منها، ولا يجزئ التخلص منه بالصدقة في أوجه البر، بل يجب رده إلى شركة التأمين. انتهى.

http://www.shubily.com/index.php?news=143

 

رابعًا:

ولا يشترط على من أراد إرجاع الحقوق لأهلها أن يكشف عن نفسه، وهويته؛ إذ المقصود هو رجوع الحق إلى أصحابه.

فإن كان يخاف من المساءلة، ويخشى من عواقب كشف ما فعله: فإنه يبحث عن الطريقة المناسبة التي تحفظ له كرامته, ويُرجع فيه الحق لأهله من غير أن يُحرج نفسه؛ كأن يرسل  المبلغ بالبريد، أو يوكل أحداً بإيصاله، أو يودعه في حسابهم.

 

والله أعلم.

موقف الإسلام من المهن والوظائف الدنيئة والمرموقة

موقف الإسلام من المهن والوظائف الدنيئة والمرموقة

السؤال:

هل يوجد في الإسلام أعمال، ووظائف حقيرة، وأعمال مرموقة؟ وهل حرص الإنسان على الطموح في أن ينال المناصب الرفيعة في عمله ضد الرضا؟ ومتى يتعارض الطموح مع الرضا؟ وهل حرص الإنسان على أن يعمل في وظائف ذات وجاهة في المجتمع يتعارض مع الزهد في الدنيا وعدم جعلها أكبر همه، أم أنه أمر عادى لا يمنعه الشرع؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

جعل الله هذه الدنيا مطية الآخرة؛ وسببًا يستعين بها الإنسان على أمر الآخرة؛ ولذلك بيَّن الله في كتابه أنه سخَّر الأرض وما فيها للإنسان، قال الله تعالى: ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا ) البقرة/ من الآية 29, وقال تعالى: ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ) الملك/ 15.

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

أي: فسافروا حيث شئتم من أقطارها، وترددوا في أقاليمها، وأرجائها، في أنواع المكاسب، والتجارات. ” تفسير ابن كثير ” ( 8 / 179 ).

فكثير من الآيات والأحاديث جاءت بالحث على الكسب، والضرب في الأرض, وكل ذلك من أجل تحصيل المال، ليس لمجرد جمعه، بل ليكف به وجهه، ويصل به رحمه، ويستعين به على طاعة ربِّه.

* قال ابن القيم – رحمه الله – مبيِّنًا فضل المال وأهميته -:

وقد سمَّى سبحانه المال خيرًا في غير موضع من كتابه، كقوله تعالى ( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ ) البقرة/ 180، وقوله ( وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ) العاديات/ 8 … وأعلم الله سبحانه أنه جعل المال قِواماً للأنفس، وأمر بحفظها، ونهى أن يأتي السفهاء من النساء والأولاد وغيرهم، ومدحه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ( نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلْمَرْءِ الصَّالِحِ) – رواه أحمد بإسناد صحيح -، وقال سعيد بن المسيب: ” لا خير فيمن لا يريد جمع المال من حلِّه، يكفُّ به وجهه عن الناس, ويصل به رحمه, ويعطي حقه “، وقال أبو إسحاق السبيعي: ” كانوا يرون السعة عونًا على الدِّين “، وقال محمد بن المنكدر: ” نعمَ العون على التقى: الغنى “، وقال سفيان الثوري: ” المال في زماننا هذا سلاح المؤمن “، وقال يوسف بن سباط: ” ما كان المال في زمان منذ خلقت الدنيا أنفع منه في هذا الزمان ” ….

وقد جعل الله سبحانه المال سبباً لحفظ البدَن, وحفظه سببٌ لحفظ النفس التي هي محل معرفة الله، والإيمان به, وتصديق رسله، ومحبته، والإنابة إليه، فهو سبب عمارة الدنيا، والآخرة .. .

ومن فوائد المال: أنه قِوام العبادات والطاعات، وبه قام سوق برِّ الحج والجهاد, وبه حصل الإنفاق الواجب والمستحب, وبه حصلت قربات العتق، والوقف، وبناء المساجد، والقناطر، وغيرها, وبه يتوصل إلى النكاح الذي هو أفضل من التخلي لنوافل العبادة, وعليه قام سوق المروءة, وبه ظهرت صفة الجود والسخاء, وبه وُقيت الأعراض, وبه اكتسبت الإخوان والأصدقاء, وبه توصل الأبرار إلى الدرجات العلى, ومرافقة الذين أنعم الله عليهم؛ فهو مرقاة يصعد بها إلى أعلى غرف الجنة, ويهبط منها إلى أسفل سافلين, وهو مقيم مجد الماجد، كان بعض السلف يقول: ” لا مجد إلا بفعال, ولا فعال إلا بمال “، وكان بعضهم يقول: ” اللهم إني من عبادك الذين لا يصلحهم إلا الغنى “، وهو من أسباب رضا الله عن العبد، كما كان من أسباب سخطه عليه.

” عدة الصابرين ” ( ص 221 – 223 ) باختصار.

 

ثانيًا:

ولتحقيق هذه الغايات الشريفة للمال: عمل الأنبياء، والرسل بمهن، وحرَف، ووظائف مختلفة، ففي الحديث عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلاَّ رَعَى الْغَنَمَ )، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: ( نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ ) رواه البخاري ( 2143 )، وكذا عملَ نبيُّنا محمد صلى الله عليه وسلم بالتجارة مع عمِّه أبي طالب, وكذلك عمل لخديجة رضي الله عنها، كما هو مشهور في السيرة.

وفي الحديث عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( كَانَ زَكَرِيَّا نَجَّارًا ) رواه مسلم ( 2379 ).

وقد أخبر الله تعالى عن عمل داود عليه السلام بقوله: ( وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ ) الأنبياء / 80.

وعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنِ الْمِقْدَامِ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَاماً قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ) رواه البخاري ( 1966 ).

 

 

 

وقد أكد الإسلام مبدأ السعي في الأرض، وطلب الرزق، فعن ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: ” كَانَ ” ذُو الْمَجَازِ “، و ” عُكَاظٌ ” مَتْجَرَ النَّاسِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلاَمُ كَأَنَّهُمْ كَرِهُوا ذَلِكَ حَتَّى نَزَلَتْ ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ ) فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ ”  رواه البخاري ( 1681 ).

وقد نص الفقهاء والمحدثون على ذلك؛ فبوب البخاري في صحيحه في كتاب البيوع باب ” الخروج في التجارة وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ( فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ) الجمعة/ 10 “، ثم ذكر حديث أبي موسى الأشعري مع عمر وقول عمر: ” أَلْهَانِى الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ ” يَعْنِي: الْخُرُوجَ إِلَى تِجَارَةٍ.

رواه البخاري ( 1956 ) ومسلم ( 2153 ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قَالَ اِبْن الْمُنَيِّر فِي ” الْحَاشِيَةِ “: غَرَضُ الْبُخَارِيِّ إِجَازَةُ الْحَرَكَاتِ فِي التِّجَارَةِ, وَلَوْ كَانَتْ بَعِيدَةً، خِلَافًا لِمَنْ يَتَنَطَّعُ وَلَا يَحْضُرُ السُّوقَ.

” فتح الباري ” ( 4 / 349 ).

وبوب البخاري – كذلك -: ” باب التِّجَارَةِ فِي الْبَحْرِ “, و ” باب ما قيل في الصواغ “, و ” باب ذكر القين والحداد “, و ” باب الخياط “, و ” باب النساج “، و ” باب النجَّار ” … إلخ.

وأراد البخاري بهذه التبويبات وأحاديثها: التدليل على مشروعية العمل، والاحتراف ، والتمهن.

وعلى ذلك: فما يظنه بعض الناس أن الإسلام لا يحث على التكسب، والعمل، أو العمل بالوظائف: فهو هم مغلوط، ويرده ما تقدم.

وما يظنه كثيرون في بعض المهن أنها دنيئة – كالنجارة، والحدادة، والرعي -: فغير صحيح، ويكفي لردِّه ثبوت هذه المهن، والأعمال لخيرة خلق الله، وهم الأنبياء، والرسل، عليهم السلام .

 

ثالثًا:

لا يعارض الإسلام أن يكون الإنسان في مهنة مرموقة، ووظيفة حسنة، بل يشجع الإسلام على ذلك, وأن يكون الإنسان في أحسن مستوى، وأكمل حال, بل وأن يطلب الأفضل والأحسن، ويسعى لتحصيله، بشرط أن لا يؤثر ذلك على دينه، واستقامته، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( الْمُؤْمِنُ الْقَوِىُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِى كُلٍّ خَيْرٌ ) رواه مسلم ( 2664 )، و ( خَيْر ) نكرة تعم كل خير في الدنيا، والآخرة.

 

 

بل كره الإسلام مزاولة بعض المهن الدنيئة, وأمر المسلم أن يترفع عنها, كما جاء في الحديث عَنِ ابْنِ مُحَيِّصَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي إِجَارَةِ الْحَجَّامِ فَنَهَاهُ عَنْهَا فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُهُ وَيَسْتَأْذِنُهُ حَتَّى قَالَ: ( اعْلِفْهُ نَاضِحَكَ وَأَطْعِمْهُ رَقِيقَكَ ) رواه أبو داود ( 3422 ) والترمذي ( 1277 ) وحسَّنه.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء بَعْد ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة – كسب الحجام – فَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى أَنَّهُ حَلَال … وَقَالُوا: هُوَ كَسْب فِيهِ دَنَاءَة، وَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، فَحَمَلُوا الزَّجْر عَنْهُ عَلَى التَّنْزِيه. ” فتح الباري ” ( 4 / 459 ).

* وقال – رحمه الله -:

إِذْ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْنهَا مِنْ الْمَكَاسِب الدَّنِيئَةِ أَنْ لَا تُشْرَع؛ فَالْكَسَّاحُ أَسْوَأ حَالًا مِنْ الْحَجَّام، وَلَوْ تَوَاطَأَ النَّاس عَلَى تَرْكِهِ لَأَضَرَّ ذَلِكَ بِهِمْ.

” افتح الباري ” ( 4 / 324 ).

* وقال ابن قدامة – رحمه الله -:

وإنما كره النبي صلى الله عليه وسلم ذلك للحرِّ تنزيهًا؛ لدناءة هذه الصناعة، وأمرُه صلى الله عليه وسلم بإطعام الرقيق منها: دليل على الإباحة، فيتعين حمل نهيه عن أكلها على الكراهة دون التحريم.  ” المغني ” ( 6 / 133 ).

 

فيتحصل من هذا: أنه يوجد مهَن، ووظائف، يمكن الاصطلاح عليها بأنها ” دنيئة “، كالحجامة التي يعمل صاحبها باستخراج الدم الفاسد، وكجمع القمامة، والعمل في المجاري، وغير ذلك، وننبه هنا إلى أمور:

  1. لا يعني أنها مهن دنيئة أنه يحرم العمل بها، وقد سبق بيان ذلك.
  2. الأصل أن تكون هذه المهن لغير المسلمين، أو للعبيد.
  3. لا شك أن المجتمع المسلم يحتاج لهذه المهن، وهي ضرورية، فعدم جمع القمامة لأيام قليلة يعني صعوبة الحياة في ذلك المجتمع، ويعني انتشار الأمراض والأوبئة، ولذلك يجب على الدولة الإسلامية أن تُكرم أهل هذه الوظائف بميزات تشجيعية، حتى لا ينقطع الناس عن العمل بها.
  4. لا ينبغي تعيير من يعمل بهذه المهن، ممن قلَّت عنده فرص التعليم، أو كان ضعيف العقل، والعاملون بها بلا شك أفضل ممن يمد يده للناس، ويعرِّض وجهه للمذلة.

 

 

 

 

رابعًا:

حث الإسلام على تحصيل الكمال الديني، أو الدنيوي لا يعارض الرضا بما قسم الله تعالى للإنسان؛ لأن من أسباب نيلها: بذل الأسباب, فمباشرة الأسباب التي خلقها الله بحكمته، وتدبيره: تُفضي في الأغلب الأعم إلى تحصيل مسبباتها.

وأما إذا طلبها الإنسان بغير ما أحله الله، كطلبها بمعصية، أو غش، أو تدليس وكذب، وكان همه الأعظم تحصيل هذه المنافع الدنيوية من غير استثمارها في طاعة الله: فقد خالف الرضا بما قسم الله، ووقع في معصيته.

وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلًا عظيمًا لحِرص الإنسان على المال، والجاه، ففي الحديث عن كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلاَ فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ ) رواه الترمذي ( 2376 ) وقال: حَسَنٌ صَحِيحٌ.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ولا ريب أن الحرص، والرغبة في الحياة الدنيا, وفي الدار الدنيا، من المال، والسلطان: مضرٌّ، كما روى الترمذي عن كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلاَ فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ ) وقال: حديث حسن صحيح.

فذم النبي صلى الله عليه وسلم الحرص على المال، والشرف – وهو الرياسة والسلطان – وأخبر أن ذلك يفسد الدِّين، مثل، أو فوق: إفساد الذئبيْن الجائعيْن لزريبة الغنم. ” مجموع الفتاوى ” ( 20 / 142 ).

* وقال ابن القيم – رحمه الله -:

وإنَّما يُذم – المال – منه ما استخرج من غير وجهه, وصرف في غير حقه, واستَعْبَد صاحبه, وملَك قلبَه, وشغله عن الله، والدار الآخرة؛ فيذم منه ما يتوصل به صاحبه إلى المقاصد الفاسدة، أو شغله عن المقاصد المحمودة، فالذم للجاعل، لا للمجعول، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ ) – رواه البخاري  ( 2730 ) – فذمَّ عبدَهما، دونهما ….

” عدة الصابرين ” ( ص 221 ، 222 ).

 

وأما الزهد في الدنيا: فلا يعارض طلب المال، والعمل بالوظائف المرموقة.

 

والله أعلم.

 

 

حكم الاستعاذة من عذاب جهنم وعذاب القبر قبل التسليم من الصلاة

حكم الاستعاذة من عذاب جهنم وعذاب القبر قبل التسليم من الصلاة

السؤال:        

هل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والاستعاذة من عذاب القبر، وعذاب جهنم، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال واجبة في هذا التشهد أم سنَّة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

 

روى مسلم ( 588 ) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ).

وفي رواية عند مسلم ( 590 ) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ يَقُولُ: ( قُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ ).

قَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ: بَلَغَنِي أَنَّ طَاووسًا قَالَ لاِبْنِهِ: أَدَعَوْتَ بِهَا فِي صَلاَتِكَ؟ فَقَالَ: لاَ، قَالَ: ” أَعِدْ صَلاَتَكَ “؛ لأَنَّ طَاووسًا رَوَاهُ عَنْ ثَلاَثَةٍ، أَوْ أَرْبَعَةٍ، أَوْ كَمَا قَالَ.

انتهى.

وقد اختلف العلماء في حكم هذه الاستعاذة، فذهب جمهورهم إلى استحبابها، وذهبت طائفة منهم إلى وجوبها.

* قال النووي – رحمه الله -:

وإن طاووسا رحمه الله تعالى أمر ابنه حين لم يدع بهذا الدعاء فيها بإعادة الصلاة، هذا كله يدل على تأكيد هذا الدعاء، والتعوذ، والحث الشديد عليه, وظاهر كلام طاووس رحمه الله تعالى أنه حمل الأمر به على الوجوب، فأوجب إعادة الصلاة لفواته, وجمهور العلماء على أنه مستحب، ليس بواجب.” شرح النووي ”  (5 /89).

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

بل قد ذهب طائفة من السلف، والخلف، إلى أن الدعاء في آخرها واجب، وأوجبوا الدعاء الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم آخر الصلاة بقوله: ( إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع: من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال ) رواه مسلم، وغيره، وكان طاووس يأمر من لم يدع به أن يعيد الصلاة، وهو قول بعض أصحاب أحمد.

” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 518 ).

* وقال الصنعاني – رحمه الله -:

والحديث: دليل على وجوب الاستعاذة مما ذكر، وهو مذهب الظاهرية، وقال ابن حزم منهم: ” ويجب أيضاً في التشهد الأول “! عملًا منه بإطلاق اللفظ المتفق عليه, وأمر طاوس ابنه بإعادة الصلاة لما لم يستعذ فيها، فإنه يقول بالوجوب، وبطلان صلاة من تركها, والجمهور حملوه على الندب.

” سبل السلام ”  ( 1 / 38 ).

* وقال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

وفي التعوّذ من هذه الأربع قولان:

القول الأول: أنه واجب، وهو رواية عن الإمام أحمد؛ لما يلي:

  1. لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بها.
  2. ولشدَّة خطرها، وعِظَمها.

والقول الثاني: أنه سُنَّة، وبه قال جمهور العلماء.

ولا شَكَّ أنه لا ينبغي الإخلالُ بها، فإن أخلَّ بها: فهو على خَطَرٍ من أمرين:

  1. الإثم.
  2. ألا تصح صلاته، ولهذا كان بعضُ السَّلف يأمر مَنْ لم يتعوَّذ منها بإعادة الصَّلاة.

” الشرح الممتع ”  ( 3 / 199، 200 ).

 

والأرجح هو قول الجمهور، ويُحمل فعل طاووس رحمه الله – إن صح عنه -على توكيد هذا الاستحباب؛ حيث أن أمره بالإعادة كان لابنه في سياق تعليمه، لا لعامة المصلين، وهو احتمال ذكره أبو العباس القرطبي، وارتضاه جمع من الأئمة، حيث قال:

” ويحتمل: أن يكون ذلك إنما أمره بالإعادة تغليظًا عليه؛ لئلا يتهاون بتلك الدعوات، فيتركها، فيُحْرَم فائدتها، وثوابها.

انتهى من ” المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ” ( 2 / 209 ).

 

ثم إن الأصل في الأدعية في الصلاة وغيرها: أنها للاستحباب، والإرشاد، إلا أن تدل قرينة قوية على الوجوب.

 

والله أعلم.