الرئيسية بلوق الصفحة 33

مِن فوائد قصة حديث الإفك.

0

(مِن فوائد قصة حديث الإفك)

رابط سماع القصة أدنى المقال.

الحمد لله

فإن قصة اتهام أمنا عائشة بالإفك من أكثر القصص إيلاما للنفس السوية، وخاصة عندما تكون هي الراوية لها وتذكر فيها شعورها و حالها، ولا أعلم قارئا أو سامعا لسردها لم يتأثر، تعاطفا مع حالها وما قاسته في تلك الحادثة الأليمة، ولذا فقد استحقت كرامة الله لها بإنزال عشر آيات في براءتها، وكُفر من يقذفها بعد نزول تلك الآيات، ولتبقى قصتها عبرة للجميع صارت من الوحي الذي يُقرأ إلى يوم القيامة.

ولي وقفات مع هذه القصة أرجو أن يكون فيها النفع – (وأرجو الاستماع للقصة أولا قبل قراءة كلامي) – :

 

(١) من المتكلمين في الإفك واتهام عائشة و الذين حدوا ثمانين جلدة حد القذف :

أ. “مسطح بن أثاثة”، وهو من أقرباء أبي بكر الصديق – فأم مسطح هي ابنة خالة أبي بكر – والد الشريفة عائشة رضي الله عنها، وكان مسطح يأخذ نفقته من والدها!.

والأصل أن يُحسن المسلم لمن أحسن إليه فإن لم يستطع فلا أقل من أن يكف شره عنه، وهذا ما دعا أبا بكر الصديق رضي الله عنه للغضب الشديد من فعل مسطح، وحُق له الغضب.

زد على ذلك أن هذا القذف و التشهير سيؤثر على بيت النبوة مصدر الوحي والعلم و الدين، ولا شك أنه سيسبب أثرا سيئا على المقتدين بهذا البيت و الآخذين منه العلم، ونظرة في حال “الرافضة” الآن تنبئك عن الحال.

فمن المعيب أن تكون “عالة” على شخص في طعامك و شرابك و مسكنك و ملبسك ثم بدلا من الحياء منه وتوقيره و حماية عرضه تصير قاذفا لعرضه متهما لأمانته وتسعى للضرر به و بأسرته.

فإذا كان هذا حال هذا المريض وهو يعيش عالة على غيره فكيف تتوقع حاله لو كان يعيش بعرق جبينه و يحصّل رزقه بنفسه؟!.

ب. “حَمْنة بنت جحش” وهي شقيقة “زينب” أم المؤمنين رضي الله عنها، فبينما كان موقف زينب مشرفا – كما سيأتي – نرى موقف حمْنة – شقيقتها – مخالفا لشرع الله؛ حيث أرادت بقول الإفك على الشريفة عائشة أن ترفع مقام أختها – وهي التي كانت تنافس عائشة في رسول الله صلى الله عليه وسلم – ولو كان بالقذف و التشهير فيما لم تر منه شيئا إنما هو الكذب و الافتراء.

ونرى الشيء نفسه في واقعنا ممن لا يريد من القذف والتشهير إلا رفع نفسه أو جماعته أو حزبه ولو على حساب قذف الناس و التشهير بهم.

ومثل هؤلاء المرضى لا يهمهم نتائج أفعالهم القبيحة مما يحصل بافترائهم من عار و قطيعة و ترك استقامة و إغلاق أبواب الدعوة أمام الناس و طرد دعاة من بلادهم، وغير ذلك، وإنما المهم عندهم تفريغ خبثهم و حسدهم و مرضهم في الأرض و ليكن بعدها ما يكون حتى لو هلك في افترائه أهل بيته و أقرب الناس منه.

(٢) ولما سبق فلا عجب أن ترى دعاء و سبا وشتما من والدة “مسطح” على ولدها – فلذة كبدها – القاذف لعرض الأبرياء و المشهّر بهم ظلما و زورا، وكانت والدة مسطح تدعو عليه و تسبه باستمرار، ومما يدل على ذلك أنها عندما تعثّرت قالت “تعس مسطح”! – ومنه عرفت الحصان الرزان عائشة رضي الله عنها بالإفك -.

ويستفاد منه جواز دعاء الوالد و الوالدة على ولدهم المفسد في الأرض الطاعن في الأعراض والمشكك في الأمانات، ولو استمر ذلك منهم و تكرر طالما أن ولدهم المريض على هذه الحال.

(٣) بيئة المنافقين خصبة للطعن في “أمانة” و “عرض” العاملين للدين، ولذا فإن من تولى كبر الفتنة و الإفك هو زعيم المنافقين “ابن أبيّ بن سلول” ، وتجد هذا المنافق حذرا من أن يثبت عليه اتهام يُحدُّ عليه، فحديثه في مجالس العامة يدور بين “يقولون” و “أتوقع” و “سمعت”، بينما حديثه مع بني جنسه يكون بالتصريح و القطع و التأكيد.

ومثل هذا المنافق تجده نشيطا اجتماعيا في مواضيع الشر و الفتنة، لا يشارك الناس أفراحهم و لا أتراحهم فلا يعود مريضا و لا يشارك في جنازة و لا يعزي في ميت، فإذا جاءت مواضيع الفتنة و الشر تجده نشيطا في الزيارات و الاتصالات و اللقاءات، وهو ينتقي “فرائسه” بخبث بالغ، فيأتي “القريب الموقِّر” و “الصديق المُحِب” و “الخصم اللدود” و “الحاسد البغيض” ويلقي قمامته بينهم فمنهم الكاره لها والكافّ له، و منهم المستمتع بريحها، ولسان حاله – بل قاله – هل من مزيد؟ وليُعلم أنهم تكتب عليهم آثام و سيئات بقولهم “الله المستعان” و “سبحان الله” لأنهم يطلبون بهذه الكلمات المزيد و ليس يريدون إلا تهييج المريض للمزيد من القذف و الافتراء لا أنهم يريدون ذكر الله .

وليس العجب منه فهو معروف لكن العجب ممن يسمع له و يدخله بيته و يعطي لكلامه أهمية، وهؤلاء أحوال و أشكال وأخسهم من يسمع مستمتعا منشرحا ليبرد قلبه الحاسد و الحاقد على الإسلام أو الدعوة أو الإغاثة أو التعليم.

وأخبث الناس في الأرض من جمع بين صفات ابن أبيّ و مسطح و حمنة جميعها.

(٤) (إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم).

عاتب الله تعالى هنا طائفة من المؤمنين لم يصدقوا الخبر و استبعدوه لكنهم وقعوا في أخطاء :

أ. التلقي باللسان ويعني السؤال عن الخبر والسماع من القاذف الفاجر و المتكلم بالسوء.

ب. قولهم تلك الأخبار ونشرها وليس لهم عذر ولا ينفعهم سبب لفعلهم ذاك.

ج. حسبوا أن الأمر هين فهو – عندهم – (مجرد) كلام، ولكنه عند الله عظيم.

وكان الواجب عليهم الترك بالكلية و الإعراض التام عن الموضوع جملة و تفصيلا.

وفي هذا يقول الرب تعالى (ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم) ولو فعل الناس ذلك ما وجد ذلك الكاذب القاذف أحدا يسمع له.

أين من الرجال من يكون مثل “زينب بنت جحش” لما سألها النبي صلى الله عليه وسلم عن عائشة قالت (أحمي سمعي و بصري) فهي لم تسمع و لم تر فكيف تتكلم وحالها كذلك، ونعمت الحماية – والله – هذه لتلك الأعضاء المتوعدة بالعذاب لو كذبت، وهو من عظيم شكر النعمة.

وزينب هي المنافسة الأولى لعائشة فلم تستثمر هذه الفرصة لقول أي حرف فيه كذب.

وأما من يريد أن يحكم بالشرع من القضاة فإن الأصل أن يقول لهذا المريض ابتداء “البيّنة أو حدٌّ في ظهرك” فلا يُسمع منه جملة واحدة ولا خبر، إلا أن يكون معه بينة شرعية فإن كانت في عرض فيأتي بأربعة شهود فإن لم يفعل فلا يُسمع منه، وإن تكلم ولم يأت بأولئك الشهود فهو قاذف وهو عند الله من الكاذبين، قال تعالى (فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون).

وإن كان الكلام طعنا في “أمانة” فيأتي بشاهدين أو اعتراف غير مكره عليه، وإلا فهو كاذب مفتر يستحق التعزير.

وهكذا حفظت الشريعة أعراض الناس، ويقال للمعترض على هذا الحكم والمنكِر له: اعلم أن لك عرضا و للناس ألسنة، والشرع حمى عرضك أنت كذلك بهذه الأحكام.

(لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم).

(٥) وضع الشرع المطهر القيود بالبينات لئلا تصبح الأعراض نهبة للمنافقين و المرضى، ومن جاء ليعترف بذنبه فإن الشرع يوصيه أن يتوب بينه و بين ربه لا أن يعترف للقاضي بفعلته، وهو ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم و أبو بكر و عمر مع من جاء ليعترف بذنبه لإقامة الحد.

قال الحافظ ابن حجر (الشافعي) :

ويؤخد من قضيته – أي : ماعز عندما أقرَّ بالزنى – أنه يستحب لمن وقع في مثل قضيته أن يتوب إلى الله تعالى ويستر نفسه ولا يذكر ذلك لأحدٍ ، كما أشار به أبو بكر وعمر على “ماعز” ، وأن مَن اطَّلع على ذلك يستر عليه بما ذكرنا ولا يفضحه ولا يرفعه إلى الإمام كما قال صلى الله عليه وسلم في هذه القصة ” لو سترتَه بثوبك لكان خيراً لك “ ، وبهذا جزم الشافعي (رضي الله عنه) فقال : أُحبُّ لمن أصاب ذنباً فستره الله عليه أن يستره على نفسه ويتوب ، واحتج بقصة ماعز مع أبي بكر وعمر .” فتح الباري ” ( 12 / 124 ، 125 ) .

وهذا حال الكبار مع المعترفين بذنوبهم فكيف سيكون حالهم مع المنكرين لما يقال فيهم و عنهم من الباطل و الإفك؟.

(٦) “من يعذِرُني من رجل بلغني أذاه في أهلي” هل استشعرت أيها القارئ حال نبيك صلى الله عليه وسلم وهو يقول تلك الكلمة طالبا النصرة ؟.

ولله در الصحابي الكبير سعد بن معاذ – سيد الأوس – والذي قال – رادا على طلب النبي صلى الله عليه وسلم – :

“أنا أعذِرك منه (يعني أنا أنصرك) يا رسول الله، إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك”.

ولعله لولا الفتنة التي وقعت بين الأوس و الخزرج وقتها أن يرضى منه صلى الله عليه وسلم قتله.

(والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم).

والله أعلم

(تنبيه:

وصف أفعال الصحابة المخالف للشرع إنما هو باعتبار الفعل مجردا، وأما الفاعل فقد تاب وأقيم عليه الحد فلا ينسحب الوصف عليه بعد ذلك).

كتبه :

إحسان العتيبي أبو طارق

٢ محرم ١٤٤٥ هـ

سماع القصة :

عون القدومي في الميزان

لتحميل الكتاب اضغط ( تحميل الكتاب ) في الأسفل:

للقراءة اضغط على الرابط في الأسفل:

عون القدومي في الميزان

 

مَا حُكْـم تَزْييـن البُيـوت اسْتعدادًا لرجُوع الحُجَّـاج؟

السؤال:

ما حكم الاحتفال بالحاج بعد عودته وتزيين البيت له والقول له ” حجاً مبروراً ” وعمل حفلة خاصة بالحدث ؟ هل يعد ذلك من البدع المحدثة مع الدليل ؟

الجواب:

 

الحمد لله

أولاً:
لم يرد في تزيين البيت بالأشجار والأضواء لقدوم الحاج شيء في السنَّة النبوية ، ولا مِن فعل الصحابة رضي الله عنهم ، وقد أفتى بعض المعاصرين من أهل العلم بعدم جواز هذا الفعل ، وذكروا للمنع أسباباً ، منها :
1. أن هذا الفعل لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فهو بدعة .
2. أن فيه شبهة الرياء .
3. أن فيه إسرافاً للمال .
والذي يظهر لنا بالتأمل : أن هذا الفعل جائز ، وأن ما ذكره أولئك العلماء الأفاضل لا يقوى لتحريم تزيين البيت لقدوم الحاج ، ويمكن الرد على ما قالوه بأمور :
الأول : أن هذا الفعل من العادات ، وليس من العبادات ، وعليه : فلا وجه للمنع منه بحجة عدم فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه له ، إذ المعلوم أن الأصل في العادات : الحل ، والإباحة ، وعلى من منع منها الدليل .
الثاني : أن غالب ما يُفعل من الزينة إنما هو شيء يسير ليس فيه تكلفة باهظة ، وما رأيناه من الناس أنهم يضعون بعض أجزاء من الأشجار الخضراء ، ونصب خشبي غالباً ما يكون عندهم أصلاً ، ولم نرَ محلاتٍ تتخصص في بيع هذه الأشياء ، فدلَّ ذلك أنها ليست ذات تكلفة حتى يُمنع الناس منها ، نعم يمكن أن يقال هذا في بعض أهل النعمة والمال ، لكن حتى هذا قد يرد عليه بأنهم يملكون المال الذي يجعل ما يفعلونه غير داخل في الإسراف .
الثالث :
أنه لا يلزم الرياء بمجرد هذه الأفعال : فإن الحج ليس من العبادات الخفية حتى يُخشى من مجرد إظهارها الرياء ، بل يتطرق الرياء إلى إظهار التبذل ورثاثة الهيئة وترك الزينة ، كما يتطرق إلى إظهار الزينة والفرح بقدوم الحاج ، والمدار في ذلك على نية الفاعل وما قام بقلبه.
فالظاهر : أن هذا التزيين داخل في العادات ، والأصل فيها الإباحة ، وليس مع من حرَّمه شيء يقوى لمقابلة القول بالإباحة .

ثانياً:
وأما الاحتفاء والاحتفال بالقادم من الحج ، وصنع الطعام له : فالظاهر – أيضاً – جوازه ، بل لو صنع القادمُ من الحج نفسه طعاماً ودعا الناس إليه كان جائزاً : فكيف لا يقال بجواز صنع الناس له الطعام ؟! .
وقد ثبت في السنَّة النبوية احتفاء الصحابة بقدوم المسافر ، سواء كان سفر حج ، أو عمرة ، أو تجارة ، أو غير ذلك .
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضى الله عنهما قَالَ : لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ – أي : في فتحها – اسْتَقْبَلَتْهُ أُغَيْلِمَةُ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، فَحَمَلَ وَاحِداً بَيْنَ يَدَيْهِ وَآخَرَ خَلْفَهُ‏ .
رواه البخاري ( 1704 ) في كتاب العمرة , وبوَّب عليه : باب استقبال الحاج القادمين ، والثلاثة على الدابة .
وقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ لِابْنِ جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ : أَتَذْكُرُ إِذْ تَلَقَّيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَأَنْتَ وَابْنُ عَبَّاسٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَحَمَلَنَا وَتَرَكَكَ . رواه البخاري ( 2916 ) .
وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ تُلُقِّيَ بِنَا .
قَالَ : فَتُلُقِّيَ بِي وَبِالْحَسَنِ أَوْ بِالْحُسَيْنِ . قَالَ : فَحَمَلَ أَحَدَنَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَالْآخَرَ خَلْفَهُ حَتَّى دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ . رواه مسلم ( 2428 ) .
قال النووي – رحمه الله – :
يستحب النقيعة ، وهي طعام يُعمل لقدوم المسافر ، ويطلق على ما يَعمله المسافر القادم ، وعلى ما يعمله غيرُه له ، … ومما يستدل به لها : حديث جابر رضي الله عنه ” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة من سفره نحر جزوراً أو بقرةً ” رواه البخاري .
” المجموع ” ( 4 / 400 ) .
وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :
ظاهرة تنتشر في القرى خاصة بعد عودة الحجاج من مكة .
الشيخ :
السنة هذه ؟ .
السائل :
كل سنة تقريباً ، يعملون ولائم يسمونها ” ذبيحة للحجاج ” أو ” فرحة بالحجاج ” أو ” سلامة الحجاج ” ، وقد تكون هذه اللحوم من لحوم الأضاحي ، أو لحوم ذبائح جديدة ، ويصاحبها نوع من التبذير ، فما رأي فضيلتكم من الناحية الشرعية ، ومن الناحية الاجتماعية ؟ .
الشيخ :
هذا لا بأس به ، لا بأس بإكرام الحجاج عند قدومهم ؛ لأن هذا يدل على الاحتفاء بهم ، ويشجعهم أيضاً على الحج ، لكن التبذير الذي أشرت إليه والإسراف هو الذي ينهى عنه ؛ لأن الإسراف منهي عنه ، سواء بهذه المناسبة ، أو غيرها ، قال الله تبارك وتعالى : ( وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) الأنعام/141 ، وقال تعالى : ( إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ) الإسراء/27 ، لكن إذا كانت وليمة مناسبة ، على قدر الحاضرين ، أو تزيد قليلاً : فهذا لا بأس به من الناحية الشرعية ، ومن الناحية الاجتماعية ، وهذا لعله يكون في القرى ، أما في المدن فهو مفقود ، ونرى كثيراً من الناس يأتون من الحج ولا يقام لهم ولائم ، لكن في القرى الصغيرة هذه قد توجد ، ولا بأس به ، وأهل القرى عندهم كرم ، ولا يحب أحدهم أن يُقَصِّر على الآخر .
” لقاءات الباب المفتوح ” ( 154 / السؤال رقم 12 ) .
ثالثاً:
ولا حرج على المهنئين بسلامة الحاج أن يقولوا من العبارات ما يشاءون ، على أن تكون مباحة في الشرع ، ودالة على المقصود منها ، نحو ” تقبل الله طاعتكم ” أو ” تقبل الله حجكم ” أو ” حجّاً مبروراً وسعياً مشكوراً ” ، وقد جاءت أحاديث وآثار ضعيفة فيما يقال للحاج بعد رجوعه ، ولا نُثبتها من حيث السند ، لكن لا بأس من استعمال ما فيها من أدعية ، ومِن ذلك : ” قَبِل الله حجَّك ، وغفر ذنبَك ، وأخلف نفقتَك ” ، و ” تقبل الله نسكك ، وأعظم أجرك ، وأخلف نفقتك ” ، والأمر في ذلك واسع – ولله الحمد – .
والله أعلم

حكم المجسمات التي تُستخدم للزينة من الفوانيس والهلال والنجمة والخِراف وغيرها

حكم المجسمات التي تُستخدم للزينة من الفوانيس والهلال والنجمة والخِراف وغيرها

السؤال:

– انتشر في الآونة الأخيرة شراء المجسمات للزينة في بعض المواسم:

١. كتزيين البيوت بالخِراف في موسم الأضاحي.

٢. وتزيينها بالهلال والنجمة والفوانيس والشخصيات الكرتونية ( شخصيات الفوانيس ) في رمضان.

٣. وتزيينها عموما بمجسمات للقطط والكلاب والعصافير والخيول التي تُعلّق على الجدران والأبواب وأجهزة المطبخ حتى وصل الأمر لتعليق تماثيل للأصنام والفراعنة.

٤. وعمل قوالب من الكيكات وبعض المأكولات على شكل مجسمات من باب تزيينها وإدخال الفرح على الأطفال عند شرائها لهم.

– فما حكم الشرع في جميع ما سبق إذا فُعل على سبيل الزينة والعادات؟

 

ملخص الإجابة:

١. يجوز اتخاذ الزينة من المجسمات التي لا روح فيها كالفوانيس والهلال والدبابات والفواكه ونحوها.

٢. لا يجوز اتخاذ الزينة من المجسمات التي لها روح حتى ولو كانت شخصيات كرتونية وتسمى كذلك ” شخصيات الفانوس ” ويدخل في المنع كذلك ما اختل فيه شرطٌ من شروط ضوابط الزينة: كالشجر الذي فيه تقليد للنصارى، وما كان محرما بذاته كالأوثان والصلبان، وما تضمّن محرّمًا كالموسيقى والتبذير.

٣. أن لا يُقصد من هذا التزيين التعبد لله؛ لأنّ هذا يدخلها في باب البدع المحرمة؛ فإنّه لا يجوز التعبّد لله إلّا بما شرعه الله عز وجل، وإنما يُقصد من ذلك إظهار البهجة والفرح والسرور بما جرت عليه عادات الناس.

٤. يجوز للأطفال اللعب بالمجسمات التي لها روح والمجسمات الكرتونية واتخاذها للتعليم، ولكن لا يجوز تعليقها واتخاذها للزينة.

٥. ينبغي على المسلم أن يستعدّ لرمضان بالإكثار من ذكر الله والصيام وقراءة القرآن وغيرها من الطاعات التي تزين القلب بتقوى الله، فإن هذا خيرٌ من الانشغال بتزيين المنازل والطرقات، ولا مانع من الجمع بينهما.

قال تعالى: ( يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ) الأعراف (26).

 

والله أعلم.

 

التفصيل:

– الإجابة على هذا السؤال تتضمن عدة جوانب:

أولًا: اتخاذ الزينة في الإسلام.

الزِّينةُ لغةً: اسمٌ جامِعٌ لكُلِّ شَيءٍ يُتزيَّنُ به. ( لسان العرب ) لابن منظور (13/202).

والأصل في التزين: الاستحباب؛ لقوله تعالى: { قل من حرَّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق }، الأعراف/32.

– ولكن ينبغي مراعاة ضوابط الزينة الشرعية الآتية حتى تكون مباحة:

١. أن لا يكون فيها تشبه بالنساء بالنسبة للرجال وكذلك العكس؛ لحديث: ( لعنَ رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المتشَبِّهينَ مِن الرِّجالِ بالنِّساءِ، والمتشَبِّهاتِ مِن النِّساءِ بالرِّجالِ ). صحيح البخاري (5885 ).

٢. أن لا يكون فيها تشبه بالكفار والفُسّاق؛ لحديث: ( من تشَبَّه بقَومٍ فهو منهم ). صححه الألباني في إرواء الغليل (1269).

٣. أن لا يترتب على التزيّن ضرر؛ لعموم ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا ضرر ولا ضرار ). أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين (2345). قال المُناوي: (وفيه تحريمُ سائرِ أنواعِ الضَّررِ إلَّا بدليلٍ؛ لأنَّ النكرةَ في سياقِ النَّفيِ تعُمُّ ). فيض القدير (6/431).

٤. أن لا يكون في التزين سرف، لقوله تعالى: ( يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ). [الأعراف: 31].

٥. أن لا يكون فيه تغييرٌ لخلق الله تغييرًا ثابتًا؛ لقوله تعالى: ( وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ) [النساء: 119].

قال القرطبيُّ في ضابط التغييرِ المحَرَّم: (هذا المنهيُّ عنه إنَّما هو فيما يكون باقيًا؛ لأنَّه مِن بابِ تغييرِ خَلقِ الله تعالى، فأمَّا ما لا يكونُ باقيًا- كالكُحلِ والتزَيُّنِ به للنِّساءِ- فقد أجاز العلماءُ ذلك). ((تفسير القرطبي)) (5/393)

٦. أن لا يكون فيه غش وتدليس؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: ( من غشّنا فليس منّا ). صحيح مُسْلِم (101).

٧. أن لا يكون التزيُّن أو التزيين بأمر محرّم. كالأوثان والذهب للرجال ونحو ذلك.

بتصرف ( انظر الموسوعة الفقهية: تعريف الزينة وضوابطها )

ثانيا: اتخاذ الزينة من التماثيل والمجسمات المختلفة.

اتفق العلماء على حرمة صناعة التماثيل المجسمة إن كانت من ذوات الأرواح، وأن ذلك مما يستوجب العقاب يوم القيامة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم. رواه مسلم ( 2108 ).

واستثنوا من ذلك ما لا روح فيه، وما يكون مخصّصًا للأطفال كلُعب البنات ونحوها.

قال ابن حَجَر – رحمه الله -: (إنَّ ابنَ العربيِّ مِن المالِكيَّة نقل أنَّ الصُّورةَ إذا كان لها ظِلٌّ، حَرُم بالإجماعِ، سواء كانت مِمَّا يُمتَهَنُ أم لا، وهذا الإجماع محَلُّه في غيرِ لُعَب البَناتِ). ((فتح الباري)) (10/388).

قال خليل: (التَّماثيلُ إن كان بغيرِ حَيوانٍ كالشَّجَرِ جاز، وإن كان بحيوانٍ ممَّا له ظِلٌّ قائِمٌ، فهو حرامٌ بإجماعٍ). ((التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب)) (1/290)،

قال ابن عطية: “وحكى مكي في الهداية أن فرقة كانت تجوز التصوير وتحتج بهذه الآية, وذلك خطأ، وما أحفظ من أئمة العلم من يجوزه” (المحرر الوجيز 4/409).

– ويدخل في لعب الأطفال المباحة: ما كان بقصد التعليم.

جاء في الموسوعة الفقهية: ثَامِنًا: التَّصْوِيرُ لِلْمَصْلَحَةِ كَالتَّعْلِيمِ وَغَيْرِهِ: لَمْ نَجِدْ أَحَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ تَعَرَّضَ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا، عَدَا مَا ذَكَرُوهُ فِي لُعَبِ الأَطْفَالِ: أَنَّ الْعِلَّةَ فِي اسْتِثْنَائِهَا مِنَ التَّحْرِيمِ الْعَامِّ هُوَ تَدْرِيبُ الْبَنَاتِ عَلَى تَرْبِيَةِ الأَطْفَالِ كَمَا قَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، أَوِ التَّدْرِيبُ وَاسْتِئْنَاسُ الأَطْفَالِ، وَزِيَادَةُ فَرَحِهِمْ لِمَصْلَحَةِ تَحْسِينِ النُّمُوِّ، كَمَا قَالَ الْحَلِيمِيُّ، وَأَنَّ صِنَاعَةَ الصُّوَرِ أبِيحَتْ لِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ، مَعَ قِيَامِ سَبَبِ التَّحْرِيمِ، وَهِيَ كَوْنُهَا تَمَاثِيلَ لِذَوَاتِ الأَرْوَاحِ. وَالتَّصْوِيرُ بِقَصْدِ التَّعْلِيمِ وَالتَّدْرِيبِ ونَحْوُهُمَا لا يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ.  انتهى.

* وقد سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:

ما حكم صنع التماثيل؟

فأجاب:

صنع التماثيل المجسمة إن كانت من ذوات الأرواح، فهي محرمة لا تجوز، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت أنه لعن المصورين… أما إذا كانت التماثيل ليست من ذوات الأرواح فإنه لا بأس به وكسبها حلال؛ لأنها من العمل المباح، والله الموفق. مجموع فتاوى و رسائل الشيخ محمد صالح العثيمين المجلد الحادي عشر – باب التصوير.

وقال في موضع آخر:

الحكم في هذه التماثيل الموجودة في البيوت، سواء كانت معلقة، أم موضوعة على الرفوف، أن هذه التماثيل يحرم اقتناؤها ما دامت تماثيل حيوان، سواء كانت خيولاً، أم أسوداً، أم جمالاً، أم غير ذلكفعلى من عنده شيء من ذلك أن يتلفه، أو على الأقل يقطع رأسه… وإنك لتعجب من رجال يشترون مثل هذه التماثيل بالدراهم، ثم يضعونها في مجالسهم، كأنما هم صبيان، وهذا من تزيين الشيطان لهم…فإن أصروا على بقائها فهم آثمون في ذلك، وكل لحظة تمر بهم يزدادون بها إثماً، نسأل الله لنا ولهم الهداية. وأما بيعها وشراؤها فحرام لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله إذا حرم شيئاً، حرم ثمنه». فتاوى نور على الدرب شريط رقم ١٣٠ .

* وسئل الشيخ ابن باز رحمه الله:

ما حكم التماثيل التي توضع في المنازل للزينة فقط وليس لعبادتها؟

فأجاب:

لا يجوز تعليق التصاوير ولا الحيوانات المحنطة في المنازل ولا في المكاتب ولا في المجالس… قال ﷺ: ” أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون “. متفق على صحته. كتاب الدعوة ص 18.

فإن قال قائل:

بعض المجسمات لا نظير له من الكائنات الحية، أو هي شخصيات كرتونية نحو ما يُسمّى بـ ” شخصيات الفوانيس “.

فالجواب:

أنّ اتخاذ هذا للزينة داخل في التحريم كذلك، جاء في حاشية قليوبي الشافعي 3/298 : (وصورة حيوان) أي: ومن المنكر ذلك ولو لِمَا لا نظير له ؛ كبقر له منقار… قوله: (ويحرم تصوير حيوان) ولو على هيئة لا يعيش معها ما لا نظير له كما مر ).

فيتضح مما سبق:

أنه لا يجوز اتخاذ التماثيل والمجسمات التي لها روح للزّينة حتى ولو كانت أشكالًا كرتونية؛ لأنّ الاستثناء إنّما هو ما كان للعب الأطفال وتعليمهم وليس للزينة.

وعليه: يحرم تعليق الخراف في موسم الأضاحي، وشخصيات الفوانيس في رمضان وغيرها من ذوات الأرواح أو اتخاذها للزينة.

ويجوز فيما عداها كالفوانيس والنجوم والهلال إذا روعيت الضوابط السابقة من عدم التشبه بالكفار وغيرها، فقد انتشر بالآونة الأخير تزيين الأهلة والنجوم بالعشب الأخضر الذي يشبه لحدٍّ كبير شجر النصارى في أعيادهم، فمثل هذا داخل في التحريم.

 

ثالثا: حكم صناعة التماثيل المؤقتة من الحلويات والثلج ونحوها:

اختلف أهل العلم في مثل هذه التماثيل لذوات الأرواح إذا كانت غير دائمة مثل ما يتم صنعه من الطين والثلج والعجين والحلوى ونحو ذلك.

– فذهب جمهور أهل العلم إلى تحريمه لعموم النهي الوارد في التماثيل والتصوير. انظر الشرح الكبير 2/337-338.

 

 

– وذهب بعضهم إلى جواز ذلك؛ لأنه مما يمتهن ويبلى:

قال الإمام الشبراملسي الشافعي رحمه الله:

” الصور التي تتخذ من الحلوى لترويجها، لا يحرم بيعها ولا فعلها، ثم رأيت الشيخ عميرة نقل ذلك عن البلقيني ” [حاشيته على نهاية المحتاج 3/ 396].

وقال بعض المالكية:

لا بأس بها لكونها تبلى وليست دائمة،  ولأنها ممتهنة على هذه الحالة. انظر البيان والتحصيل 9/366.

وهي بلا شك أهون من التماثيل الدائمة؛ بسبب عدم ديمومتها, وللامتهان الذي ينالها, ولصعوبة كونها ذريعة للشرك, مع أنّ الأحوط الامتناع عنها لعموم الأدلة إذا كانت التماثيل مصورة واضحة المعالم.

رابعا:

إن مما لا خلاف فيه عند أهل الإسلام أنّه لا يجوز تعليق الصلبان والأوثان أو حتى اتخاذها للزينة، بل ويحرم بيعها وشراؤها؛ لأنها من شعائر الكفّار المختصّة بهم.

جاء في سنن الترمذي عن عدي بن حاتم ـ رضي الله عنه ـ قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب، فقال يا عدي اطرح عنك هذا الوثن.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

” الصليب لا يجوز عمله بأجرة ولا غير أجرة ، ولا بيعه صليبا ، كما لا يجوز بيع الأصنام ولا عملها ” مجموع الفتاوى (22/141)

قال ابن حزم:

(وأمَّا الصُّلُبُ فبِخلافِ ذلك، ولا يحِلُّ تَركُها في ثوبٍ، ولا في غيرِه؛ لِمَا رُوِّينا… عن عائشة أمِّ المؤمنين: «أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يكُنْ يدَعُ في بيتِه ثوبًا فيه تصليبٌ إلَّا نقَضَه»). ((المحَلَّى)) (7/516).

فالعجب كل العجب أن ترى في بلاد الإسلام من يشتري ويبيع هذه الأصنام والصلبان بحجة أنها للزينة ثم يقوم بعض المسلمين بوضعها في بيوتهم وتعليقها بها مع وضوح ما جاء في شأنها من وجوب نقضها وطمسه.

 

وإذا كان قد وقع الإجماع على حرمة التماثيل لذوات الأرواح من الحيوانات واتخاذها للزينة – باستثناء ما جاء في لعب البنات -؛ لما في ذلك من المضاهاة لخلق الله وذريعة للشرك فكيف بتعليق الأصنام والصلبان بذاتها التي هي أساس عقيدة الشرك ومن أعظم خصائصه.

 

خامسا:

إن مما ينبغي التنبيه عليه: أنه يجب على المسلم أن يغتنم شهر رمضان بالطاعات والكف عن المعاصي وتزيين القلب بالتوبة والخشية من الله، وعدم الانشغال بالمباحات وما لا فائدة فيه، ويجب الاستعداد له من قبل قدومه بالصيام وذكر الله وقراءة القرآن، فهل يحرص أصحاب الزينة على هذا.

فكم ترى الآن حرص الناس على إظهار فرحهم باستقبال شهر رمضان عن طريق شراء ما يسمى بـ ” زينة رمضان “، ويرون أن هذا له بهجة وجمالًا للشهر المبارك، ولكنهم وللأسف لا يحرصون على استقباله بما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم من الاستعداد له بالصوم والحرص على الطاعات.

حتى إنك لتجد كثيرًا ممن يزينون بيوتهم وحدائقهم بزينة رمضان لا يعرفون طريق المسجد، ولربّما لا يصلون حتى في منازلهم، ولا تنطفئُ شاشات تلفازهم عن مشاهدة المسلسلات، ويفطرون على أصناف كثيرة من الطعام والشراب بخلاف فعل نبيهم صلى الله عليه وسلم، ثم إذا جاؤوا لصلاة التراويح استثقلوا صلاة إمامهم وانصرفوا قبل انصرافه.

فلا أدري هل غدا شهر رمضان شهر زينة وبهجة بإنارة الجدران والحدائق، مع غفلة القلوب عن التوبة وإحياء الإيمان فيه.

– فمن كان يجمع بين زينة الظاهر وزينة الباطن فلا أظن أحدًا يُنكر عليه.

وأما من اهتم بزينة ظاهره وأهمل باطنه، فقد جهل معاني هذا الشهر العظيم، وضل عن طريق المسلمين، وانخدع بتلبيس إبليس.

 

والله تعالى أعلم.

 

 

جبل على جبل

على قمّة جبَل هَمْلان في منطقة «ماركا الجنوبية»، في العاصمة عمّان كان يَسكن جَبَلُ الحديث العلامةُ محمد ناصر الدين الألباني أبو عبد الرحمن رحمه الله.

     في تلك الدار رفيعة الجُدُر كان يسكن العالمُ رفيعُ القَدْر، الذي كان ذِكْرُه –وما زال- يملأ الصَّدرَ والنَّحر.

      فبعد أنْ مَلأ صاحبُها مكتبتَها بنوادر الكتُب والمصنَّفات؛ مِن المطبوعات والمخطوطات، وحَصَّن مداخلَها بالأبواب والشِّباكات، ذات الشَّمسيات والقَمَريّات، وطَلَاها بالسماويّ الذي كان يحبُّه، وحَلَّى حديقَتها بأشجار التين والليمون والياسمين والعِنّاب، والزعتر والميرمية التي كانتا تفيدان في طِبّه، والتي ما كان يفارقها صياحُ الديكة وهديل الحمائم، التي كانت تسبِّحُ اللهَ، وتوقظُ النائم.

      وبعد ما كانت تعجُّ بالحياة، ويغشاها طلاب العلم والدعاة، صارت تلك الدار أثرًا بعد عَين، فحرَّكت الحَنين، وأدمَعَت العَين، فلله كم بَكَاها وصاحبَها مِن مُحِب، وكم رَحِمَهما مِن قلب.

      وأذكرَتْني -والله- هذه الدار حين هُدِمت أثَرين، كنتُ كلما قرأتُهما أشجياني، وهيَّجا أحزاني:

  • أما أولهما:

      فما ذكَرَه أهل السِّيَر –ومِن «الأخنائية» لابن تيمية أنقلُ-: عن معاذ بن محمد الأنصاري فقال: سمعت عطاءً الخراساني في مجلس فيه عمران بن أبي أنس يقول وهو بين القبر والمنبر: أدركتُ حُجُراتِ أزواجِ النبي صلى الله عليه وسلم مِن جريدٍ، على أبوابها الـمُسُوح من شعرٍ أسود.

      فحضرتُ كتاب الوليد يُقرأ، فأمر بإدخالها في المسجد، فما رأيتُ يومًا كان أكثر من ذلك اليوم باكيًا.

      فسمعت سعيد بن المسيب يقول: (والله لوددتُ أنهم تركوها على حالها، ينشأ ناسٌ مِن المدينة ويَقدم قادمٌ من الأفُق، فيرى ما اكتَنّ به النبي صلى الله عليه وسلم في حياته، فيكون ذلك مما يزهِّد الناسَ في التكاثر والتفاخر).

  • وأما الثاني:

      فما قاله الحاكم –والنقل من «تذكرة الحفاظ» للذهبي-: خرج علينا أبو العباس الأصم في سنة أربع وأربعين، فلما نظَر إلى كثرة الناس والغرباء قد امتلأت السكَّة بهم وهم يطرّقون له ويحملونه، فجلس على جدار المسجد وبكَى، ثم نظر إلى المستملي وقال: اكتب:

     نا الصاغاني سمعت أبا سعيد الأشج يقول: سمعت ابنَ إدريس يقول: أتيتُ بابَ الأعمش بعد موته فدققتُ بابَه، فأجابتني امرأة: هاي هاي, تبكي، وقالت: يا أبا عبد الله ما فعَل جماهيرُ العرب التي كانت تأتي هذا الباب؟

      ثم بكى الكثير.

      وقال: كأني بهذه السكة لا يدخلُها أحدٌ منكم، فإني لا أسمعُ وقد ضعف البصر، وحان الرحيل، وانقضى الأجل.

      قلت: هذه حالُ بيتِ العالم بعد مَوته، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وكتب

حسام بن محمد سيف

أبو عمر الضُمَيري

ذو القعدة ١٤٤٠

هل في الدين ( حريّة ) ؟ وما معنى قول الله تعالى : (لا إكراه في الدين) وغيرها من الآيات؟

(السؤال)

يقول الله تعالى : (لا إكراه في الدين )، ويقول : ( لكم دينكم ولي دين)، ويقول: ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر )، ظاهر هذه الآيات أن للإنسان كامل الحرية في اختيار دينه، وأن له الحرية الشخصية في أفعاله، وإن كانت بنظر الشريعة محرمة، فلماذا يأتي المشايخ والدعاة ويقيدون حرية الإنسان في اختياراته وأفعاله؟