الرئيسية بلوق الصفحة 85

كلمات في ” تمارين النظر المغنطيسي ” و ” تمارين التنفس العميق “

كلمات في ” تمارين النظر المغنطيسي ” و ” تمارين التنفس العميق ”

السؤال:

– لدي سؤالان أرجو من فضيلتكم الإجابة عليهما:

  1. ما حكم الإسلام في تعلم تمارين ” النظر المغناطيسي ” من أجل تقوية العينين، وتقوية التركيز الفكري، واستخدامها في الحياة العملية؟.
  2. وما حكم الإسلام في تعلم تمارين ” التنفس العميق ” لعلاج القلق، والضغوطات النفسية، وتقوية الإرادة؟.

أرجو من فضيلتكم الإجابة على أسئلتي، وجزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

تمارين ” النظر المغناطيسي ” – ويطلق عليه كذلك ” النظر الممغنط ” – هي إحدى الترهات التي تسوَّق من خلال دعاة ” البرمجة اللغوية العصبية “، وهم الذين يعيشون في أوهام التقدم، والرقي، والطاقة الفعَّالة، وقوة الشخصية، وغير ذلك مما يعقد لكل فرع منها دورات بآلاف الدنانير.

واعتماد مدَّعي هذه النظرية كان – كالعادة – على كلام لأحدِ كفَّار الغرب، أو مخرفي الشرق، وهذا الكلام هو المسطور في كتاب ” القوة الفكرية في المغناطيسية الحيوية ” تألي : الأمريكي ” وليم ووكر أتكنسون “.

وبالنظر في مقتطفات في الكتاب نجد أنه لا يخرج عن تسويق الأوهام، والخيالات، والخرافات، وهو يرسم الطريق لمن أراد إتقان ” التنويم المغناطيسي ” وهو ضرب من ضروب الكهانة والدجل.

وقد سوق بعضهم لهذه النظرية على أنها حقيقة علمية لا تقبل النقاش والجدال، وكعادة هؤلاء فإنهم ينظرون لمخالفيهم نظر ازدراء، ويتهمونهم بالتخلف، والناظر لهؤلاء وعلمهم المزعوم يرثي لحالهم، فبعض أساطين هذه العلوم تخلوا عنها، وبعضهم اكتشف دجله ، وبعضهم تبين أنه يسوق لعقيدة وثنية، وكثيرون كان هدفهم المال، وقد حصلوا عليه بتسويق كتبهم باهظة الثمن، وعقد الدورات بأغلى الأسعار.

وحتى يتم التسويق لتمارين ” النظر المغناطيسي ” فلا بد من إيهام المتدرب أنه سيحوز على علم لا يبدله بمال الدنيا! ولم لا وهو سيؤثر في المخاطَب، وسيكسبه من طاقته، أو يسحب منه طاقته، ويؤثر على عقله، بل تعدى ذلك إلى التأثير على الحيوانات المفترسة! فإنها ستفر من أمام من ينظر إليها ممن أكسب عينيه ” القوة المغناطيسية “!.

 

* وهذه مقتطفات مما جاء في ذلك الكتاب:

  1. ” وستشعر بالتدريج بلذة هذه الاختبارات عندما تطبقها على الأشخاص الذين يلوذون بك! ويتحقق لديك أنهم لا يقوون على احتمال حدة نظراتك التي تصوبها إليهم، ويشعرون ببعض القشعريرة إذا حدجتهم ببصرك بضع دقائق “.
  2. وقال:

” ومتى حصلت على هذه النتيجة، واكتسبت البصر الـممغنط: لن ترغـب في استبداله، ولا بمال العالم “.

  1. وقال:

” ومتى وصلت إلى هذه الدرجة دون أن تغرورق عيناك بالدموع: فتأكد أن نظرك قد حاز على القوة المغنطيسية المطلوبة, وبها تستطيع التأثير على مخاطبك, حتى إن الحيوانات سوف تضطرب من نظراتك، وتفزع منها! “.

” تستطيع أيضا أن تجرِّب قوة نظرك في أي حيوان، وستتحقق من أنه يخشاك، ويفر من أمامك فزعًا).

  1. ومما في الكتاب من الفجور:

” ولا تقنط من الوصول إلى غرضك ، بل ثابر على العمل فمن لم يخاطر بشيء لا ينال شيئًا، كما أن القلب الخائف الوجل لا يربح حب المرأة الجميلة!.

وإذا صدقنا المثل القائل ” أن ما فاز باللذة إلا الجسور “: لوجب علينا أن نعلم أن من الناس من يستسلم بسهولة والبعـض بصعـوبة، فيجب إذن المثـابرة، والثبات لنيل المراد.

لا تكتفي بكلمة ” كـلا ” جوابًا على سؤالـك، بل تمشي في الأفعال، كما تتمشى مع امرأة جميلة! تتحبب إليها، فتتدلل عليك، وبلا شك أنها كلما تجنبت، ورفضـت مبادلتها غرامك: كلما زدت هياماً بها! ولم تأبه برفضها مرة، وثانية، وثالثة “.

* وملخص التمرين:

هو تحديق النظر بالتدرج نحو بقعة، وإبقاء العين مفتوحة من غير أن ترمش، ويستمر على ذلك لأيام حتى يصل إلى القدرة على التحديق ربع ساعة من غير أن ترمش عيناه!.

* سئل الدكتور وهبة الزحيلي – وفقه الله -:

هل علوم ” الميتافيزقيا ” حرام؟ هل علوم ما وراء الطبيعة والخوارق حلال أو حرام؟ وهي ” التلبثة ” – التواصل عن بُعد -، ” قراءة الأفكار ” telepahtic، ” الخروج الأثيري عن الجسد ” out of body experience، ” تحريك الأشياء بالنظر “، ” النظر المغناطيسي “، ” اليوجا، و ” التنويم الإيحائي “، ” التاي شي “، ” الريكي “، ” التشي كونغ “، ” المايكروبيوتك “، ” الشكرات “، ” الطاقة الكونية “، ” مسارات الطاقة “، ” الين واليانغ “؛ لأني وجدت موقعًا يحرِّمها- موقع الأستاذة فوز كردي – السعودية -؟.

فأجاب:

هذه وسائل وهمية، وإن ترتب عليها أحيانًا بعض النتائج الصحيحة، ويحرم الاعتماد عليها وممارستها، سواء بالخيال، أو الفعل، فإن مصدر العلم الغيبي: هو الله وحده، ومن اعتمد على هذه الشعوذات: كفر بالله، وبالوحي، كما ثبت في صحاح الأحاديث النبوية الواردة في العَّراف، والكاهن، ونحوهما.

http://www.zuhayli.net/fatawa_p56.htm

* وللفائدة:

فإن نظرية ” المغنيطسية الحيوانية ” هي أقدم بكثير من زمن ذلك المدعي لاكتشافها، وهي تسمى هكذا أصلًا، وقد حرِّفت الكلمة في بعض الترجمات العربية إلى ” الحيوية “! حتى إن مترجمًا صرَّح بذلك فقال: ” لا أدري لمَ نجد في الترجمة العربية للكتاب استخدام لفظ ” المغناطيسية الحيوانية “، ولقد استبدلتها بـ ” المغناطيسية الحيوية “!؛ لأنني وجدت ذلك أفضل! “.

وأول من قال بهذه النظرية هو طبيب نمساوي، وقد ثبت بحكم لجان طبية كذب هذه النظرية، وعدم ثبوت شفاء مرضى بها، وأن من شُفي منهم فإنما هو وليد خياله!.

* وقد جاء في ” الموسوعة العربية العالمية “:

” المسمرية “:

يُعزى التطور العلمي للتنويم المغنطيسي إلى جهود ” فرانز أنطون مسمر “، وهو طبيب نمساوي، اشتهر خلال السبعينيات من القرن الثامن عشر الميلادي، وقد أطلق على نظريته ” المغنطيسية الحيوانية “.

اعتقد بعض الناس يومئذ أن المرض ينشأ ويتطور عندما يُقطع سبيل سوائل مغنطيسية خفية، أو يساء توزيعها، واستخدم مسمر حوض استحمام وعصيّاً مغنطيسية؛ لتوجيه السوائل المزعومة نحو مرضاه، وادّعى كثير من المرضى شفاءهم بهذه المعالجة.

وفي عام 1784م تشكّلت لجنة فرنسية للتحقيق في مزاعم ” مسمر “، وأتباعه، وقررت اللجنة أنه لا وجود للسوائل المغنطيسية! وفُسرت حالات الشفاء بأنها: وليدة خيالات المرضى!.

ساعد كثير من مرضى ” مسمر “، وطلابه، على نشر فكرة ” المغنطيسية الحيوانية “، حتى صارت تدعى بـ ” المسمرية “.

واصل تلاميذ هذه المدرسة إجراء تجاربهم باستخدام بعض وسائله، لكن سرعان ما اكتشف بعضهم أنه لا لزوم للمغنطيسات، أو السوائل. انتهى.

ثانيًا:

وأما تمارين ” التنفس العميق ” فلا تخرج عن صاحبتها السابقة من حيث المبالغة، والتهويل، وهي من الفروع التابعة للبرمجة العصبية، ومن دعايات هذه التمارين:

” التنفس العميق يعالج كل شيء! “، ” التنفس العميق يحافظ على صحتك! “، ” التنفس العميق يطيل العمُر! “، ” التنفس العميق يشحن جهاز الإثارة! “، ” التنفس العميق يقضي على المشاكل! “، وكل ذلك من المبالغات، والتهويلات، وقد يكون ثمة فوائد لمثل هذا العمل، لكن ليس له تلك الآثار المنسوبة له، بل ثمة من ينبه على خطر المداومة على هذه التمارين، أو المبالغة في أدائها؛ وذلك لحاجة الدم في البدن لثاني أكسيد الكربون، والذي يُخرجه البدن بالزفير في تلك التمارين، ومن شأن هذا النقص أن يزيد في عدد ضربات القلب، ويسبب الدوار لصاحبه.

والعجيب أن كثيرًا من هؤلاء المفتونين بتلك الحضارة الزائفة، وبتلك العلوم القائمة على الوهم والخيال يخجل أحدهم من ذِكر آيات من القرآن، وأحاديث صحيحة من السنَّة النبوية تدل على العلاج بالعسل، والحبة السوداء، والقسط الهندي، وغير ذلك، ويحاول كتم هذه النصوص، وفي الوقت نفسه يعظم تلك الخرافات، ويجعل من تمرين تنفس وقاية من الأمراض جميعها! بل وعلاجًا لها إن وقعت.

 

والله أعلم.

تخرَّج من تخصص ” موارد مالية ” ويشكو من عدم وجود فرص لعمل مباح

تخرَّج من تخصص ” موارد مالية ” ويشكو من عدم وجود فرص لعمل مباح

السؤال:

درست ” إدارة أعمال ” تخصص ” موارد مالية ” وعليه فأنا مؤهل للعمل في أي مكان يتعامل مع الأموال ، كالبنوك – مثلًا – ، ولكني بعد أن تخرجت انصدمت بأن هناك فتاوى تقول إن معظم البنوك تتعامل بالربا، وأنه لا يمكن العمل فيها، ليس ذلك فحسب، بل إن هناك الكثير من الشركات، والقطاعات تتعامل بالربا.

سؤالي هو: هل أنتم متأكدون من هذه الفتوى؟ ما العمل إذن؟ أين نذهب بهذه المؤهلات والشهادات؟ هل ذهبت كلها أدراج الرياح ، أم أنه يتوجب عليَّ بعد هذه السنوات من الدراسة أن أعمل نادلًا في أي مقهى؟ أنا أعلم أنكم ستقولون إن هناك بنوكًا إسلامية، ولكني أظن أن هذا غير موجود، وإنما مثل البنوك الاسلامية في هذه الايام كمثل النبيذ الذي مر عليه ردح من الزمن ولكنه في قارورة جديدة؟ أرجو التوضيح.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نحتاج منك إلى أن تخفف حدتك في الكلام، وتهون على نفسك، فلسنا الذين أشرنا عليك بدخول الجامعة، ولا دراسة ذلك التخصص.

ثانيًا:

ومع غضبك الواضح في رسالتك: إلا أننا أحببنا فيك حرصك على الالتزام بالحكم الشرعي، وإلا فما الذي يجعلك تراسل موقع فتاوى لتسأله عن حكم عملك المستقبلي لولا أنه تريد طيب المكسب، وحِلَّ اللقمة ؟ فنرجو أن لا يخيب ظننا بك أنك تريد الحق، وتبحث عن مصدر الكسب الحلال، وأنك ستلتزم بما نقوله لك.

ثالثًا:

نعم، نحن متأكدون مما نقلناه في موقعنا من حكم العمل في البنوك الربوية – في جميع أقسامها -، ومتأكدون من حكم عمل المحاسب في الأعمال المالية المحرمة المتعلقة بالشركات والمصانع، وقد ذكرنا في أكثر من فتوى تحريم العمل في تلك الأماكن، والإدارات؛ لما فيها من مباشرة كتابة الربا أحيانًا, ولما فيها من التعاون على الإثم أحيانًا أخرى.

 

 

رابعًا:

ونأسف أنه كل من تخرَّج من مثل تخصصك أنه لا يجد عملًا حلالًا بسهولة؛ وذلك لكثرة وجود الربا في قطاعات كثيرة من أماكن العمل، حكومية كانت، أو خاصة.

وليست دراستك الجامعية بعذر لك حتى تباشر عملًا محرَّمًا، أرأيت لو استعمل المتخرجون من كليات ” الفنون “! ومعاهد ” الموسيقى ” منطقك في الكلام: فهل كنتَ تجد لهم عذرًا للعمل في المسارح، وصناعة التماثيل، وإنتاج الأفلام، وتلحين الأغاني؟ وما سنقوله لهم هو ذاته الذي نقوله لك الآن، ولتذهب تلك الشهادات أدراج الرياح، والمهم أننا لا نغضب ربنا تعالى في أعمالنا، ولا نكسب اللقمة الحرام.

وإذا كان ثمة مجال للعمل المباح لمن تخرج من ” الفنون ” أو ” الموسيقى “: فإنه لا مانع من أن يعمل المتخرج فيه، فالقنوات الفضائية الإسلامية الآن – بفضل الله – كثيرة، وهي محتاجة لمثل هذه التخصصات، ويمكن جدًّا أن يباشر أولئك أعمالًا مباحة لا إشكال في إباحتها.

وهكذا نقول لك – أخي السائل -: إن كان ثمة مجال للعمل بشهادتك في أماكن شرعية، أو في أقسام لا تباشر فيها عملًا محرَّمًا، ولا تعين عليه: فما المانع منه؟ ومن الذي ينكر عليك؟.

فيمكنك العمل محاسبًا في ” قناة فضائية إسلامية “، ويمكنك العمل محاسبًا في شركة، أو مصنع لأهل الالتزام والاستقامة ممن يتحرون الحلال في أعمالهم – وهم كثر ولله الحمد -، كما يمكنك العمل في ” محل للصرافة “، وهكذا في أعمال مباحة مثلها، لا تخرج عن تخصصك، ولا تضيع عليك سني دراستك في الجامعة.

خامسًا:

وقولك ” أم أنه يتوجب عليَّ بعد هذه السنوات من الدراسة أن أعمل نادلًا في أي مقهى “: لنا معه وقفة، فأهل الاستقامة يبحثون عن الأعمال المباحة، ولا تستهويهم المناظر والمظاهر على حساب دينهم والتزامهم بأمر ربهم تعالى، فربَّ عامل في محطة ” بنزين “، أو ” كهربائي ” سيارات، أو ” سائق أجرة ” أقرب إلى الله من كثير ممن يجلس على مكتب ” رئيس مجلس إدارة “، أو مكتب ” مدير “، أو مكتب موظف، ودينار يكسبه أولئك من أعمالهم الحلال خير وأبرك من آلاف الدنانير التي يكسبها غيرهم ممن رضي العمل في وظيفة محرَّمة، فالعبرة بما يبارِك الله فيه من كسب، لا بما يَرضاه لك الناس، ويثنون عليك به، ولو كان مسبِّبًا لسخط ربك، ولهذا لا تعجب إن علمتَ أنه ثمة أئمة، وعلماء في دين الله تعالى عُرفوا بمهنهم وأعمالهم، ولا نتوقع أن يرضاه كثيرون في زماننا هذا لأنفسهم، فثمة من عمل في صناعة الأحذية! ” الإسكافي ” ، وثمة من كان ” نجَّاراً “، و ” حدّادًا “، وغيرها من المهن الشريفة المباحة، وكل ذلك فعلوه باحثين عن طيب المكسب، وحل المال، كما حثهم عليه نبيهم صلى الله عليه وسلم، وهو – وإخوانه الأنبياء عليهم السلام – القدوة في ذلك، فما من نبي إلا رعى الغنم، كما رواه البخاري ( 2143 ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ ) فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: ( نَعَمْ كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ ).

وأما الحث على الكسب من عمل اليد : فقد جاء في حديث رواه البخاري (1966) عَنْ الْمِقْدَامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ).

وقد ألَّف العلماء في بيان المكاسب الحلال، والحث عليها، والتحذير من الكسب الحرام مؤلفات كثيرة، منها: كتاب ” الكسب ” للإمام محمد بن الحسن الشيباني، وكتاب ” الحث على التجارة والصناعة والعمل والإنكار على من يدعي التوكل في ترك العمل ” للإمام الخلاَّل، وكتاب ” البركة في فضل السعي والحركة ” للإمام أبي عبدالله محمد بن عبيد الرحمن الوصابي الشافعي، وكتاب ” تخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحِرف والصنائع والعمالات الشرعية ” لأبي الحسن الخزاعي التلمساني، وكلها مطبوعة.

ولمعرفة جملة كبيرة من العلماء نسبوا إلى حرفة أو مهنة: انظر كتاب ” الطرفة فيمن نُسب من العلماء إلى مهنة أو حرفة ” تأليف عبد الباسط بن يوسف الغريب.

 

* فالخلاصة:

إما أن تعمل بشهادتك في مجال مباح، أو في غير مجالها – وكثيرون يفعل ذلك – وهو مجال رحب واسع.

ونسأل الله تعالى أن يوفقك لما يحب ويرضى، وأن ييسر لك عملًا حلالًا طيبا مباركًا فيه.

 

والله أعلم.

رد تفصيلي على أدلة من أجاز التعامل بالربا مع الكفار في ديارهم

رد تفصيلي على أدلة من أجاز التعامل بالربا مع الكفار في ديارهم

السؤال:

أنا ساكن – يا شيخنا – في إحدى الدول الإسكندنافية، وقد انتشرت بين المسلمين فتنة الربا ، أو داء الربا – بتعبير أصح -، وذلك من خلال فتوى اعتمد عليها هؤلاء، أخذوها من ” دار الإفتاء المصرية “، بدعوى أن المعاملات المالية الفاسدة مع الكافر المحارب جائزة، وينسبون ذلك لأبي حنيفة رحمه الله، وتلميذه محمد بن الحسن، ويشهرون ذلك في وجوهنا – نحن أتباع السلف، ولا نزكي على الله أحدًا – ولكن كي تكون الأمور واضحة لسيادتكم, وأتوا بـ 6 أحاديث، يزعمون أنها الأدلة على جواز أخذهم الربا.

وهنا نص فتواهم من موقع ” دار الإفتاء المصرية “:

http://www.dar-alifta.org/Print.aspx?Type=1&ID=4402

نرجو الرد المفصل – شيخنا العزيز – فالفتنة أصابتنا، ونرجو منكم ردًّا، وعدم إرجاعنا إلى فتوى سابقة، لكي تكون فتواكم تبيانًا للحق.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الربا من كبائر الذنوب، وقد توعَّد الله المرابين بالمحق أموالهم في الدنيا، والعذاب في البرزخ، وفي المحشر بعد خروجهم من قبورهم، عدا عن توعدهم بنار جهنم. قال تعالى: ( يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ) البقرة/ 276.

وقال تعالى: ( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) البقرة/ 275.

وعن سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ لِأَصْحَابِهِ: ( هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيَا ) قَالَ: فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُصَّ وَإِنَّهُ قَالَ ذَاتَ غَدَاةٍ: ( إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي وَإِنَّهُمَا قَالَا لِي: انْطَلِقْ وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا … قَالَ: فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ – حَسِبْتُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ – أَحْمَرَ مِثْلِ الدَّمِ وَإِذَا فِي النَّهَرِ رَجُلٌ سَابِحٌ يَسْبَحُ، وَإِذَا عَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ حِجَارَةً كَثِيرَةً، وَإِذَا ذَلِكَ السَّابِحُ يَسْبَحُ مَا يَسْبَحُ ثُمَّ يَأْتِي ذَلِكَ الَّذِي قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ الْحِجَارَةَ فَيَفْغَرُ لَهُ فَاهُ فَيُلْقِمُهُ حَجَرًا، فَيَنْطَلِقُ يَسْبَحُ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ، كُلَّمَا رَجَعَ إِلَيْهِ فَغَرَ لَهُ فَاهُ فَأَلْقَمَهُ حَجَرًا، قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَانِ؟ قَالَ: قَالَا لِي انْطَلِقْ انْطَلِقْ … وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يَسْبَحُ فِي النَّهَرِ وَيُلْقَمُ الْحَجَرَ: فَإِنَّهُ آكِلُ الرِّبَا ).

رواه البخاري ( 1320 ) و ( 6640 ).

ثانيًا:

والرفض لهذا الحكم من الكفار، والتساهل فيه من قبل المسلمين أدَّى إلى كوارث في أموالهم، وها نحن الآن – شهر شوال 14229 هـ – نشهد دمارًا عالميًّا لدول قامت على الربا، وجاهرت بنظامها الاقتصادي المتين الذي أقامته عليه، وها هي مجتمعاتهم تئن وتتوجع جرَّاء محاربتهم لله تعالى بإعلان هذا المنكر العظيم، فقد أعلنت شركاتهم الربوية إفلاسها، وقد أغلقت أعتى البنوك العالمية أبوابها، وأعلنت فقدانها للسيولة النقدية! فهبَّت دولهم للوقوف بجانبها، وأنَّى لها أن تخرج من هذا الدمار بغير خسائر بشرية ومالية!.

ونعجب من مسلمين يلبسون العمائم، ويتكلمون باسم الدين، أصابهم الخوَر، وبحثوا عن أقوال من هنا وهناك لإرضاء المسلمين الذين يعيشون في الغرب، فأفتوا لهم بأخذ القروض الربوية من بنوك تلك البلدان، فشملت هؤلاء مصائب أولئك القوم، وها هم الآن قد اشتركوا معهم في الإفلاس، فلا هم بالذين نجوا من الوقوع في الحرام، ولا هم بالذين تملكوا بيوتهم التي اشتروها بالربا.

ثالثًا:

ومع تحريم الربا الصريح في كتاب الله تعالى، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أننا نجد من يأتي ويبيح هذا الربا الصريح بدعوى عدم شمول الربا لصورته، وبدعوى خروجه من عموم التحريم، وهو ما أفتى به بعضهم من جواز أخذ القروض الربوية من البنوك الربوية الجاثمة في ديار الكفر، بدعوى أن هذه فتوى أبي حنيفة رحمه الله! وهو بالإضافة إلى الافتراء على الشرع بإباحة هذه الصورة: فهو افتراء على أبي حنيفة وصاحبه، فإنهما لم يقولا بما نسبه إليه هؤلاء.

رابعًا:

* ولبيان ذلك باختصار نقول: إن من أفتى بتلك الفتيا خالف ما قاله أبو حنيفة من جهتين:

الأولى: أن هؤلاء المفتين لا يعدُّون دول الغرب ” ديار حرب ” – بل ولا يسمونها ” ديار كفر “! -، وفتيا أبي حنيفة إنما هي في مثل هذه الديار.

والثانية: أن أبا حنيفة يفتي بجواز إعطاء أصحاب تلك الديار أمولًا وأخذ الربا منهم! لا أن يدفع المسلمون لهم الربا! وما ذاك إلا لأن أموالهم حلال للمسلمين باعتبارهم دار حرب، فالاستيلاء عليها بهذه الصورة عنده جائز.

فانظر أيها المسلم، وقارن، بين ما أفتاه ذلك الإمام – مع مخالفتنا له – وبين ما يفتي به هؤلاء لترى الفرق الشاسع بينهما، في الصورة، والحكم.

* فالشروط عند أبي حنيفة ومن وافقه من الحنفية لجواز التعامل بالربا:

  1. أن يكون العقد في أرضهم.
  2. أن يكون العقد مع كافر حربي هناك.
  3. أن لا يكون المسلم موكِلا للربا.
  4. أن يكون هو الآخذ للفائدة الزائدة الربوية.

انظر ” المبسوط ” ( 14 / 56 ).

وهؤلاء المفتون لا يطلقون اسم ” دار الحرب ” على تلك الديار، ويقولون بجواز أن يكون المسلم هو المقترض بفائدة ربوية! فافترقا، واختلفا.

خامسًا:

والصحيح الذي لا شك فيه أن ما قاله الإمام أبو حنيفة خطأ ، وأن الربا محرَّم بين مسلم ومسلم ، وبين مسلم وكافر ، وسواء كان العقد في ديار الإسلام ، أو ديار الكفر ، أو ديار الحرب ، فلم تأت الشريعة المطهرة بما يخرج صور الربا الجاهلي ما ظنوه خارجاً عنها .

* قال ابن قدامة المقدسي – رحمه الله -:

ويحرم الربا في دار الحرب، كتحريمه في دار الإسلام، وبه قال مالك، والأوزاعي، وأبو يوسف، والشافعي، وإسحاق، وقال أبو حنيفة: لا يجري الربا بين مسلم وحربي في دار الحرب، وعنه: في مسلميْن أسلما في دار الحرب: لا ربا بينهما؛ لما روى مكحول عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ” لا ربا بين المسلمين وأهل الحرب في دار الحرب “؛ ولأن أموالهم مباحة وإنما حظرها اختلفا في دار الإسلام، فما لم يكن كذلك كان مباحا.

ولنا: قول الله تعالى ( وحرَّم الربا ) البقرة/ 275، وقوله ( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ) البقرة/ 275، وقال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من   الربا ) البقرة/ 278، وعموم الأخبار يقتضي تحريم التفاضل، وقوله ” من زاد أو ازداد فقد أربى ” عام، وكذلك سائر الأحاديث؛ ولأن ما كان محرما في دار الإسلام: كان محرما في دار الحرب، كالربا بين المسلمين. ” المغني ” ( 4 / 47 ).

* وقال:

من دخل إلى أرض العدو بأمان: لم يخنهم في مالهم، ولم يعاملهم بالربا.

 * وقال – أيضًا -:

أما تحريم الربا في دار الحرب: فقد ذكرناه في الربا، مع أن قول الله تعالى: (وحرَّم الربا )، وسائر الآيات، والأخبار الدالة على تحريم الربا: عامة، تتناول الربا في كل مكان، وزمان. ” المغني ” ( 9 / 237 ).

 

* وقال النووي – رحمه الله -:

ودليلنا: عموم الأدلة المحرمة للربا, فلأن كل ما كان حرامًا في دار الإسلام: كان حرامًا في دار الشرك, كسائر الفواحش والمعاصي; ولأنه عقد فاسد فلا تستباح به العقود عليه كالنكاح ….

وأما استباحة أموالهم إذا دخل إليهم بأمان: فممنوعة, فكذا بعقد فاسد, ولو فرض ارتفاع الأمان: لم يصح الاستدلال; لأن الحربي إذا دخل دار الإسلام يستباح ماله بغير عقد، ولا يستباح بعقد فاسد, ثم ليس كل ما استبيح بغير عقد استبيح بعقد فاسد, كالفروج تستباح بالسبي, ولا تستباح بالعقد الفاسد.

” المجموع ” ( 10 / 487 ، 488 ).

سادسًا:

وقد استدل الحنفية قديمًا – ومن قلَّدهم حديثًا – بأدلة ضعيفة من حيث السند، وضعيفة من حيث الاستدلال، واستدلوا بما توهموا أنه دليل، وليس كذلك.

ومن أدلتهم التي استدلوا – بحسب ترتيب ما في الرابط -:

  1. 1. ما روى مكحول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” لا ربا بين مسلم وحربي في دار الحرب “.

الرد:

الحديث مرسل، والمرسل من أقسام الضعيف، وقد ضعفه الشافعي، وابن حجر، والنووي، وآخرون.

* قال الشافعي – رحمه الله -:

وما احتج به أبو يوسف لأبي حنيفة ليس بثابت، فلا حجة فيه.

” الأم ” ( 7 / 358، 359 ).

* وقال النووي – رحمه الله -:

والجواب عن حديث مكحول: أنه مرسل ضعيف فلا حجة فيه ولو صح لتأولناه على أن معناه ” لا يباح الربا في دار الحرب “؛ جمعًا بين الأدلة.

” المجموع ” ( 9 / 488 ).

* وقال ابن حجر – رحمه الله -:

لم أجده.

” الدراية في تخريج أحاديث الهداية ” ( 2 / 158 ).

  1. 2. واستدلوا بحديث بني قينقاع، قالوا: ” فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين أجلاهم قالوا: إن لنا ديونًا لم تحل بعد، فقال: ( تَعَجَّلُوا أو ضَعُوا )، ولمَّا أجلى بني النضير قالوا: إن لنا ديونًا على الناس، فقال: ( ضعوا أو تعجلوا ).

وبين السرخسي وجـه الدلالة فقال: ” ومعلوم أن مثل هذه المعاملة – الربا المتمثل في قوله: ” ضعوا أو تعجلوا ” – لا يجوز بين المسلمين؛ فإنَّ من كان له على غيره دَيْن إلى أجل فوضع عنه بشرط أن يعجل بعضه: لم يجُز، كره ذلك عمر، وزيد بن ثابت ، وابن عمر رضي الله عنهم، ثم جوزه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حقهم؛ لأنهم كانوا أهل حرب في ذلك الوقت ولهذا أجلاهم، فعرفنا أنه يجوز بين الحربي والمسلم ما لا يجوز بين المسلمين “. انتهى.

الرد:

أ. حديث بني قينقاع: لم أجده، وحديث بني النضير: رواه الحاكم في ” المستدرك ” (2 / 61 ) والدارقطني في ” السنن ” ( 3 / 46 ) والبيهقي في ” السنن ” ( 6 / 28)، وهو حديث ضعيف، لا يصح  فيه: مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ الْمَكِّيُّ، وهو ضعيف.

ب. هذه المسألة يُطلق عليها عند الفقهاء ” ضع وتعجل “، ويطلق عليها – أيضًا – : ” صلح الإسقاط “، أو ” صلح الإبراء “، أو ” صلح الحطيطة “.

وهي ليست من الربا في شيء حتى تكون جائزة فقط بين المسلم والحربي، ومن قال بتحريمها قد خولف من غيره، وعلى رأس المجيزين الصحابي الجليل عبد الله بن عباس، وأيده بالجواز شيخا الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وأفتى به علماء اللجنة الدائمة، والشيخ العثيمين، وبالجواز صدر القرار من ” مجمع الفقه الإسلامي”، سواء كان الطلب من الدائن، أو من المدين.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

إذا كان له على رجل ديْن مؤجل، وأراد ربُّ الدَّين السفر، وخاف أن يَتْوى ماله – أي : يذهب ويضيع -، أو احتاج إليه، ولا يمكنه المطالبة قبل الحلول، فأراد أن يضع عن الغريم البعض، ويعجل له باقيه: فقد اختلف السلف، والخلف في هذه المسألة:

فأجازها ابن عباس، وحرمها ابن عمر، وعن أحمد فيها روايتان، أشهرهما عنه: المنع، وهي اختيار جمهور أصحابه. والثانية: الجواز، حكاها ابن أبي موسى، وهي اختيار شيخنا – أي: ابن تيمية.

وحكى ابن عبد البر في ” الاستذكار ” ذلك عن الشافعي قولًا، وأصحابه لا يكادون يعرفون هذا القول، ولا يحكونه، وأظن أن هذا إن صح عن الشافعي فإنما هو فيما إذا جرى ذلك بغير شرط، بل لو عجل له بعض دينه – وذلك جائز – فأبرأه من الباقي حتى لو كان قد شرط ذلك قبل الوضع والتعجيل، ثم فعلاه بناء على الشرط المتقدم: صح عنده؛ لأن الشرط المؤثر في مذهبه: هو الشرط المقارن، لا السابق، وقد صرح بذلك بعض أصحابه، والباقون قالوا: لو فعل ذلك من غير شرط: جاز، ومرادهم: الشرط المقارن.

وأما مالك: فإنه لا يجوزه مع الشرط، ولا بدونه؛ سدًّا للذريعة، وأما أحمد: فيجوزه في ديْن الكتابة، وفي غيره عنه روايتان … .

وهذا ضد الربا؛ فإن ذلك يتضمن الزيادة في الأجل والدَّيْن، وذلك إضرار محض بالغريم، ومسألتنا تتضمن براءة ذمة الغريم من الدين، وانتفاع صاحبه بما يتعجله، فكلاهما حصل له الانتفاع من غير ضرر، بخلاف الربا المجمع عليه، فإن ضرره لاحق بالمدين، ونفعه مختص برب الدَّيْن، فهذا ضد الربا، صورة، ومعنى.

” إغاثة اللهفان ” ( 2 / 11 – 13 ).

فالحديث الذي ذكروه ضعيف، والصورة التي فيه ليست محرَّمة أصلًا على الراجح، سواء بين المسلمين بعضهم مع بعض، أو بين المسلمين والكفار، في دار الإسلام، أو في دار الكفر.

  1. 3. ومما استدلوا به: ” ما وقع عند مصارعته صلى الله عليه وآله وسلم رُكانة حين كان بمكة، فصرعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كل مرة بثلث غنمه، ولو كان مكروهًا ما فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم لمـا صرعه في المرة الثالثة قال ركانة: ما وضع أحد جنبي إلى الأرض، وما أنت الذي تصرعني، فرد رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم الغنمَ عليه.

* يقول السرخسي: ” وإنما رد الغنم عليه تَطَوُّلًا منه عليه، وكثيرًا ما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع المشركين يؤلفهم به حتى يُؤمِنوا “.

ولا يخفى أن مكة حينئذ لم تكن دار حرب، بل كانت دار كفر.

الرد:

أ. هذا ليس استدلالًا منهم على جواز الربا بين المسلم والكافر، بل هو لبيان صحة العقود الفاسدة، كالقمار، وهو أعم من مسألة إباحة الربا، ومع ذلك: فالقول باطل في أصله، والاستدلال بمصارعة النبي صلى الله عليه وسلم لركانة في مكة لا يدل على جواز التعامل مع الكافر في دار الحرب بما هو محرَّم في شرعنا بين المسلمين.

– ويحمل حديث ركانة على أحد وجهين:

الأول: أن هذا من الأحكام المنسوخة، وذلك قبل تشريع تحريم الميسر في المدينة، وهذا هو قول جمهور العلماء.

الثاني: أن هذا من الأفعال الجائزة إلى يوم القيامة، وهو داخل في الرهان المباح من الجانبين، إذا كان فيما يحبه الله من الأعمال، وهذا قول شيخي الإسلام ابن تيمية، وابن القيم رحمهما الله، وبمثله يرد على استدلالهم بمراهنة الصدِّيق للمشركين في مكة – كما سيأتي إن شاء الله – وهذا الأفعال يُلحق حكمها بالحديث الوارد في السنن، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( لَا سَبَقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ ) . رواه أبو داود ( 2574 ) والترمذي ( 1700 ) وقال: هذا حديث حسن، والنسائي ( 6 / 226 ) وابن ماجه ( 2827 ) دون ذكر ” النصْل “، قال الحافظ ابن حجر: وصححه ابن القطان، وابن دقيق العيد . أ.ه‍ ‍” التلخيص الحبير ” ( 4 / 161)، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

– السَّبَق: العِوض، والجائزة، يبذلان للسابق.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وإذا ثبت هذا: فهو دليل على المراهنة من الجانبين بلا محلل، وهو نظير مراهنة الصدِّيق؛ فإن كل واحدة منهما مراهنة على ما فيه ظهور الدين، فإن ركانة هذا كان من أشد الناس، ولم يُعلم أن أحداً صرعه، فلمَّا صرعه النبي صلى الله عليه وسلم علِم أنه مؤيد بقوة أخرى من عند الله، ولهذا قال: ” والله ما رمى أحد جنبي إلى الأرض “، فكان لا يُغلب فأراد النبي صلى الله عليه وسلم بمصارعته إظهار آيات نبوته وما أيده الله به من القوة والفضل، وكانت المشارطة على ذلك كالمشارطة في قصة الصدِّيق، لكن قصة الصديق في الظهور بالعلم، وهذه في الظهور بالقوة، والقدرة، والدين إنما يقوم بهذين الأمرين: العلم، والقدرة، فكانت المراهنة عليهما نظير المراهنة على الرمي، والركوب؛ لما فيهما من العون على إظهار الدين وتأييده، فهي مراهنة على حق، وأكل المال بها أكل له بالحق، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لمَّا كان غرضه إعلاء الحق وإظهاره: ردَّ عليه المال، ولم يأخذ منه شيئًا، فأسلم الرجل، وهذه المراهنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدِيقه هي من الجهاد الذي يظهر الله به دينه، ويعزه به، فهي من معنى الثلاثة المستثناة في حديث أبي هريرة، ولكن تلك الثلاثة جنسها يعد للجهاد، بخلاف جنس الصراع؛ فإنه لم يعد للجهاد، وإنما يصير مشابها للجهاد إذا تضمن نصرة الحق وإعلائه، كصراع النبي ركانة، وهذا كما أن الثلاثة المستثناة إذا أريد بها الفخر والعلو في الأرض وظلم الناس: كانت مذمومة، فالصراع، والسباق بالأقدام، ونحوهما: إذا قصد به نصر الإسلام: كان طاعة، وكان أخذ السبق به حينئذ أخذاً بالحق، لا بالباطل، والأصل في المال أن لا يؤكل إلا بالحق، لا يؤكل بباطل، وهو ما لا منفعة فيه، فحديث ركانة هذا أحد طرقه صريحة في الرهان من الجانبين من غير محلل، والطريق الأخرى لم تنف ذلك، بل لم تكن عادة العرب وغيرهم وإلى الآن أن يبذل السبق أحد المتغالبين وحده، وإنما المعروف من عادات الناس التراهن من الجانبين، وقد جعل في طباعهم وفطَرهم أن الرهن من أحد الجانبين قمار، وحرام، والنفوس تحتقر الذي لم يبذل، وتزدريه، وتعدُّه بخيلًا، شحيحًا، مهينًا، ومما يوضح أن التراهن كان من الجانبين في هذه القصة: أن ركانة لما غلبه النبي وأخذ منه شاة: طلب ركانة العوْد، وإنما ذلك ليسترجع الشاة، ولم يكن له غرض في أن يغرم شاة أخرى، وثالثة، ولو كان البذل من ركانة وحده: لم يكن له سبيل لاسترجاع الشاة التي خرجت منه، بل إذا غُلب: غرم شاة أخرى، وإن غَلب: لم يفرح بأخذ شيء، فلم يكن ليطلب العود إلى صراع هو فيه غارم ولا بد، ولا سبيل له إلى استنقاذ ما غرمه ألبتة، وهذا بخلاف ما إذا كان التراهن من الجانبين، كما هو الواقع، كان المغلوب على طمع من استرجاع ما غرمه، فيحرص على العود ….

فهذا الأثر يدل على جواز المراهنة من الجانبين بدون محلل، في عمل يتضمن نصرة الحق، وإظهار أعلامه، وتصديق الرسول صلاة الله وسلامة عليه، وهذا بخلاف العمل الذي وجوده مكروه بغيض إلى الله ورسوله، متضمن للصد عن ذكره: فإن هذا لا يجوز فيه مع إخراج العوَض، وهذا على أحد الوجهين في مذهب الشافعي، وأحمد، ظاهر جدًّا. ” الفروسية ” ( 203 – 205 ).

فيتبين بهذا عدم صلاحية ما استدلوا به من مصارعة النبي صلى الله عليه وسلم لركانة في مكة على جواز العقود الفاسدة مع الكفار في دار الحرب، فهو على قول الجمهور منسوخ بتحريم الميسر على اعتبار أن الرهان من جهتين من أنواع الميسر، أو على القول الآخر – وهو الأرجح -: أن الفعل جائز، وأن له حكم ما ذُكر في حديث أبي هريرة من جواز الرهان على سباق الخيل، والإبل، والرماية بالسهم، وما يشبه هذه مما يستعان بها على الإعداد للجهاد في سبيل الله.

  1. 4. ومما استدلوا به قولهم: ” وما قاله صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه عنه ابن عباس رضي الله عنهما وغيره، قال: قال صلى الله عليه وآله وسلم: ( أَلاَ وَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ تَحْتَ قَدَمَيَّ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُهُ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؛ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ ).

ووجه الدلالة في هذا الحديث: أن العباس رضي الله تعالى عنه بعدما أسلم بعد أن جيء به أسيرًا في غزوة بـدر استأذن رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم في الرجوع إلى مكة بعد إسلامه، فأذن له، فكان يربي بمكة إلى زمن الفتح، وكان فعله لا يخفى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلما لم ينهه عنه دل أن ذلك جائز، وإنما جعل الموضوع من ربا في دار الحرب ما لم يقبض، حتى جاء الفتح فصارت مكة دار إسلام؛ ولذا وضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الربا عند الفتح “.

الرد:

أ. آيات تحريم الربا كانت آخر ما نزل من القرآن في العام العاشر من البعثة، وقد كان المسلمون يمارسون الربا على العادة الجاهلية، كما كانوا يشربون الخمر في مكة، والمدينة حتى جاءت الأحكام المحرَّمة لهذه الأفعال، فتركوا كل منهي عنه، وسارعوا إلى الاستجابة الكاملة، ولم يكن ذلك مقتصرًا على مكة، بل حتى في المدينة كانوا يفعلونه.

ب. قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( وأول ربا أضع ربا العباس بن عبد المطلب): إنما كان ذلك في حجة الوداع في العام العاشر من الهجرة ، ولم يكن في فتح مكة.

ج. لا علاقة لممارسة العباس للربا بديار المسلمين أو ديار الكفر، والحرب، إن العباس رضي الله عنه لم يمارس الربا بعد تحريمه، ومن أين لهم تشريع تحريم الربا وفهم العباس أنه غير منطبق على ديار الكفر والحرب؟ إن كل ما هو محرَّم على المسلمين من العقود الفاسدة والأفعال المشينة هي حرام دون أن يكون لذلك تعلق بكونها بين المسلمين أو في ديارهم.

* قال النووي – رحمه الله -:

والجواب: أن العباس كان له ربا في الجاهلية من قبل إسلامه فيكفي حمل اللفظ عليه وليس، ثم دليل على أنه بعد إسلامه استمر على الربا ولو سلم استمراره عليه; لأنه قد لا يكون عالما بتحريمه, فأراد النبي صلى الله عليه وسلم إنشاء هذه القاعدة وتقريرها من يومئذ. ” المجموع ” ( 10 / 488 ).

  1. ومما استدلوا به قولهم: ” ولأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قامر مشركي قريش قبل الهجرة حين أنزل الله تعالى: ( الم . غلبت الروم … ) الآية ” فقالت قريش له: ترون أن الروم تغلب؟! قال: نعم، فقالوا: هل لك أن تُخاطِرَنا؟ فقال: نعم، فخاطرهم، فأخبر النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: « اذهب إليهم فزد في الخَطَر »، ففعل، وغلبت الرومُ فارسًا، فأخذ أبو بكر خَطَرَه؛ فأجازه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو القمار بعينه بين أبي بكر ومشركي مكة، وكانت مكةُ دارَ شرك.

ولا يخفى أن مكة هنا أيضا لم تكن دار حرب؛ حيث كان ذلك قبل شرع الجهاد أصلا”.

الرد:

أ. هو مثل ما قلنا في الرهان بين النبي صلى الله عليه وسلم، والوجه الأول في الرد على من استدل بهذا على جواز العقود الفاسدة مع الكفار في دار الحرب: أن هذا الرهان الذي جرى بين أبي بكر رضي الله عنه وبين المشركين: منسوخ بتحريم الميسر فيما بعد بالمدينة، وهو قول جمهور العلماء.

ب. والقول الآخر هو أن هذا الفعل يدل على الجواز مطلقًا، وأنه محكم غير منسوخ، وهذا القول هو قول أصحاب أبي حنيفة، وشيخي الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، رحمهما الله.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

– وقد اختلف أهل العلم في إحكام هذا الحديث ونسخه على قولين:

فادعت طائفة نسخه بنهي النبي عن الغرر، والقمار، قالوا: ففي الحديث دلالة على ذلك وهو قوله: ( وذلك قبل تحريم الرهان ).

قالوا: ويدل على نسخه ما رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله: ( لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل ) والسبَق بفتح السين والباء، وهو الخطر الذي وقع عليه الرهان، وإلى هذا القول ذهب أصحاب مالك، والشافعي ، وأحمد.

وادعت طائفة أنه محكم غير منسوخ، وأنه ليس مع مدعي نسخه حجة يتعين المصير إليها،  قالوا: والرهان لم يحرَّم جملة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم راهن في تسبيق الخيل – كما تقدم – يعني: حديث ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم (سَبَّقَ بَيْنَ الْخَيْلِ ) رواه أبو داود ( 2577 ) وصححه الألباني، وزاد أحمد ( وَأَعْطَى السَّابِقَ ) كما في ” مسنده ” ( 9 / 471 ) وفي لفظ ( وَرَاهَنَ ) وصححها جميعًا الألباني في ” إرواء الغليل ” ( 5 / 336 ) -، وإنما الرهان المحرَّم: الرهان على الباطل الذي لا منفعة فيه في الدين، وأما الرهان على ما فيه ظهور أعلام الإسلام، وأدلته، وبراهينه – كما قد راهن عليه الصدِّيق -: فهو من أحق الحق، وهو أولى بالجواز من الرهان على النضال، وسباق الخيل، والإبل: أدنى، وأثر هذا في الدين أقوى؛ لأن الدين قام بالحجة، والبرهان، وبالسيف، والسنان، والمقصد الأول: إقامته بالحجة، والسيف منفِّذ.

قالوا: وإذا كان الشارع قد أباح الرهان في الرمي، والمسابقة بالخيل، والإبل؛ لما في ذلك من التحريض على تعلم الفروسية، وإعداد القوة للجهاد: فجواز ذلك في المسابقة، والمبادرة إلى العلم، والحجة التي بها تُفتح القلوب، ويعز الإسلام، وتظهر أعلامه: أولى، وأحرى. وإلى هذا ذهب أصحاب أبي حنيفة، وشيخ الإسلام ابن تيمية.

قال أرباب هذا القول: والقمار المحرم: هو أكل المال بالباطل، فكيف يُلحق به أكلُه بالحق؟!.

قالوا: والصدِّيق لم يقامر قط في جاهلية، ولا إسلام، ولا أقر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على قمار، فضلًا عن أن يأذن فيه.

وهذا تقرير قول الفريقين. ” الفروسية ” ( ص 96 – 98 ).

* وقال – رحمه الله -:

وقوله ( وذلك قبل تحريم الرهان ): من كلام بعض الرواة، ليس من كلام أبي بكر، ولا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. ” الفروسية ” ( ص 95 ).

ج. وثمة ردٌّ حري بالنقل والذِّكر: وهو أن مراهنة الصدِّيق للمشركين ليست من باب الرهان الذي يدخل صاحبه مخاطرًا بما بذله؛ وذلك لأنه رضي الله عنه دخل وهو مطمئن لفوزه بالرهان؛ لأنه اعتمد في قوله على ما سمعه من كلام الله تعالى من أن الفرس سيغلبون في بضع سنين، وليس حاله كحال من راهن على شيء يجهله، بل هو قد دخل في الرهان على حق، ويقين بفوزه؛ لاعتماده على كلام ربِّه تعالى.

وبكل حال: فلا يصلح الاستدلال برهان الصدِّيق للمشركين على جواز العقود الفاسدة مع الكفار في دار الحرب؛ لما سبق ذِكره من الوجوه في تفسير تلك الحادثة.

  1. 6. ومما قالوه في إباحة العقود الفاسدة – ومنه الربا – في ديار الحرب: ” ولأن مالهم مباح فحُقَّ للمسلم أن يأخذه بلا غدر؛ لحرمة الغدر؛ لأن المسلمين لو ظهروا على ديارهم لأخذوا مالهم بالغنيمة “.

الرد:

إنما أبيحت أموالهم في الحرب بشرع الله تعالى، وليس مع من أباح أموالهم بالعقود الفاسدة دليل، فليس ثمة قياس صحيح.

سابعًا:

ومما سبق يتبين أنه ليس مع من أجاز العقود الفاسدة – ومنها: الربا – مع الكفار في دار الحرب دليل، ولا يصح لهم استدلال، والنصوص الواردة في تحريم الربا عامة، لا ينبغي لأحدٍ أن يستثني من التحريم مكانًا، ولا زمانًا، ولا أفرادًا.

وليتق الله تعالى كلَّ من يفتي للمسلمين في الغرب بأخذ القروض الربوية من البنوك التي رفعت راية الربا، وليعلموا أن أحوال المسلمين هناك – غالبًا – لا تسر، وهم ليسوا بصدد البحث عن فتوى بالجواز ليتخلصوا من الربا، ونظرة عامة إلى حياتهم، وأعمالهم، وتعاملهم بالدولار: تبين لك واقعهم، إلا من رحم الله منهم، وإذا كنَّا في بلاد الإسلام نرى زبائن البنوك الربوية بالملايين، ولا يتورع أحدهم عن سحب ماله من بنك ربوي، فكيف سيكون حال من عاش في تلك الديار التي تغيِّر الطبائع، والأخلاق، والدِّين، بقوة وتخطيط خبيث؟!.

 

والله أعلم.

 

 

وقفات مهمة مع حديث الحوض، وبيان الطوائف التي تردهم الملائكة عنده

وقفات مهمة مع حديث الحوض، وبيان الطوائف التي تردهم الملائكة عنده

السؤال:

ما معنى تفسير الحديث القدسي في ما معناه – أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما يرِد المسلمون إلى حوضه، يُرجع الله طائفة من الناس فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( يا رب، أمتي، أمتي ) فيقول عز وجل: إنك لا تدري ما فعلوا بعدك؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

اصطلح المحدثون على تسمية الحديث الوارد هنا: ” حديث الحوض “، وللحديث ألفاظ وروايات متعددة، ليس بينها – بفضل الله -اختلاف.

* وهذه بعض الروايات بألفاظها المختلفة:

عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا، لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، فَأَقُولُ: إِنَّهُمْ مِنِّي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًا،سُحْقًا، لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي ).

رواه البخاري ( 6212 ) ومسلم ( 2290 ).

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى الْمَقْبُرَةَ فَقَالَ: ( السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا ) قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ( أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ ) فَقَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: ( أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ ) قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ( فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ الْوُضُوءِ وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ، أَلَا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ أُنَادِيهِمْ أَلَا هَلُمَّ فَيُقَالُ إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا ). رواه مسلم ( 249 ).

عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ حَوْضِي لَأَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنٍ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَذُودُ عَنْهُ الرِّجَالَ كَمَا يَذُودُ الرَّجُلُ الْإِبِلَ الْغَرِيبَةَ عَنْ حَوْضِهِ ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَتَعْرِفُنَا؟ قَالَ: ( نَعَمْ تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ لَيْسَتْ لِأَحَدٍ غَيْرِكُمْ ). رواه مسلم ( 248 ).

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( إِنِّي عَلَى الْحَوْضِ أَنْتَظِرُ مَنْ يَرِدُهُ عَلَيَّ مِنْكُمْ، فَلَيُقَطَّعَنَّ رِجَالٌ دُونِي، فَلَأَقُولَنّ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فَلَيُقَالَنَّ لِي: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ، مَا زَالُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ ).

رواه أحمد ( 41 / 388 ) وصححه المحققون.

عن أَنَس بْن مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ الْحَوْضَ رِجَالٌ مِمَّنْ صَاحَبَنِي، حَتَّى إِذَا رَأَيْتُهُمْ وَرُفِعُوا إِلَيَّ اخْتُلِجُوا دُونِي، فَلَأَقُولَنَّ: أَيْ رَبِّ أُصَيْحَابِي أُصَيْحَابِي، فَلَيُقَالَنَّ لِي: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ ).

رواه البخاري ( 6211 ) ومسلم ( 2304 ).

عن عَبْد اللَّهِ بنِ مسعود قال: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ لَيُرْفَعَنَّ إِلَيَّ رِجَالٌ مِنْكُمْ حَتَّى إِذَا أَهْوَيْتُ لِأُنَاوِلَهُمْ اخْتُلِجُوا دُونِي، فَأَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَصْحَابِي يَقُولُ: لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ ).

رواه البخاري ( 6642 ) ومسلم ( 2297 ).

ثانيًا:

وعند التأمل في الأحاديث السابقة نجد أن الكلام قد انحصر في مجموعات ترِد حوض النبي صلى الله عليه وسلم لتشرب منه، فتردهم الملائكة، ويناديهم النبي صلى الله عليه وسلم بألفاظ هي ” أمتي “، ” أصحابي “، ” أصيحابي “، وليس بينها اختلاف تضاد، بل هي محمولة على أناس تشملهم معاني تلك الكلمات، ويمكننا أن نجملهم بهذه الطوائف:

  1. مرتدون عن الإسلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا أسلموا في حياته ورأوه وهم على الإسلام.
  2. مرتدون عن الإسلام في أواخر حياته صلى الله عليه وسلم، ولم يكن يعلم بكفرهم.
  3. أهل النفاق ممن أظهر الإسلام، وأبطن الكفر.
  4. أهل الأهواء الذين غيَّروا سنَّة النبي صلى الله وسلم وهديه، كالروافض، والخوارج.
  5. وبعض العلماء يُدخل فيهم: أهل الكبائر، وله ما يؤيد من السنَّة، فقد روى الإمام أحمد في مسنده ( 9 / 514 ) عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يَأْمُرُونَكُمْ بِمَا لَا يَفْعَلُونَ فَمَنْ صَدَّقَهُمْ بِكِذْبِهِمْ وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ وَلَنْ يَرِدَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ) وصححه المحققون.

ولفظ ” أمتي ” في الأحاديث يصدق على أهل القول الرابع، والخامس، ولفظ ” أصحابي ” و ” أصيحابي ” على الأقوال الثلاثة الأوَل.

ومما يدل على أنهم من أمته صلى الله عليه وسلم: أنه عرفهم بالغر والتحجيل، وهي سيما خاصة بهذه الأمة، ويكون تعرف النبي صلى الله عليهم وسلم هناك بصفاتهم، لا بأعيانهم؛ لأنهم جاءوا بعده.

وأما الذين أظهروا الإسلام في عهده صلى الله عليه وسلم، فارتدوا قبل وفاته، أو بعدها: فهم الذين يصدق عليهم قوله ” أصحابي “، وإنما قال ” أصيحابي ” للدلالة على قلتهم، وهذا هو الواقع، فالذين ارتدوا من بني حنيفة، ومن بني تميم، وغطفان، وبعض قبائل من اليمن، كل هؤلاء جاءت منهم وفود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأسلموا، واستحقوا لقب ” الصحبة “، ومات النبي صلى الله عليه وسلم، وهو لا يدري أن منهم من ارتد عن دينه، فتبع بنو حنيفة: مسيلمة الكذاب، وتبع المرتدون من أهل اليمن: الأسود العنسي، وهؤلاء – الذين ماتوا على الردة – لم يتشرفوا ببقاء لقب الصحبة، وهم قد تخلوا على دينهم في الأصل، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب، فأخبر بما يعلم من صحبتهم، وأخبرته الملائكة بحقيقة واقعهم، وهنا عرفهم صلى الله عليه وسلم بأعيانهم، لا بصفاتهم.

ومما يدل على دخول المنافقين في اسم ” أصحابي “: قوله صلى الله عليه وسلم ( لا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ ) رواه البخاري ( 3518 )، وهذا معنى لغوي بحت للصحبة؛ لأن تعريف الصحابي الاصطلاحي لا يصدق على هؤلاء.

وهذه طائفة من أقوال أهل العلم في تلك الأحاديث:

  1. * قال النووي – رحمه الله – في شرح الحديث -:

هذا مما اختلف العلماء في المراد به على أقوال:

أحدها: أن المراد به المنافقون، والمرتدون، فيجوز أن يُحشروا بالغرة والتحجيل، فيناديهم النبي صلى الله عليه وسلم للسيما التي عليهم، فيقال: ليس هؤلاء مما وُعدت بهم، إن هؤلاء بدَّلوا بعدك، أي: لم يموتوا على ما ظهر من إسلامهم.

والثاني: أن المراد من كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ارتد بعده، فيناديهم النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يكن عليهم سيما الوضوء، لما كان يعرفه صلى الله عليه وسلم في حياته من إسلامهم، فيقال: ارتدوا بعدك.

والثالث: أن المراد به أصحاب المعاصي والكبائر الذين ماتوا على التوحيد، وأصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام.

” شرح مسلم ” ( 3 / 136، 137 ).

  1. * وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

* وقال الخطابي: لم يرتد من الصحابة أحد، وإنما ارتد قوم من جفاة العرب، ممن لا نصرة له في الدين، وذلك لا يوجب قدحًا في الصحابة المشهورين، ويدل قوله: ( أصيحابي ) بالتصغير على قلة عددهم.

” فتح الباري ” ( 11 / 385 ).

  1. * وقال الشيخ عبد القاهر البغدادي – رحمه الله -:

أجمع أهل السنَّة على أن الذين ارتدوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم من كِندة، وحنيفة، وفزارة، وبني أسد، وبني بكر بن وائل، لم يكونوا من الأنصار، ولا من المهاجرين قبل فتح مكة، وإنما أطلق الشرع اسم المهاجرين على من هاجر إلى النبي  صلى الله عليه وسلم  قبل فتح مكة، وأولئك بحمد الله ومنِّه درجوا على الدين القويم، والصراط المستقيم.

وأجمع أهل السنة على أن من شهد مع رسول الله بدرًا: من أهل الجنة، وكذلك كل مَن شهد معه بيعة الرضوان بالحديبية.

” الفَرْق بين الفِرق ” ( ص 353 ).

  1. * وقال الشاطبي – رحمه الله -:

والأظهر: أنهم من الداخلين في غمار هذه الأمة؛ لأجل ما دل على ذلك فيهم، وهو الغرة والتحجيل؛ لأن ذلك لا يكون لأهل الكفر المحض، كان كفرهم أصلًا، أو ارتدادًا.

ولقوله: ( قد بدلوا بعدك )، ولو كان الكفر: لقال: ” قد كفروا بعدك “، وأقرب ما يحمل عليه: تبديل السنة، وهو واقع على أهل البدع، ومن قال: إنه النفاق: فذلك غير خارج عن مقصودنا؛ لأن أهل النفاق إنما أخذوا الشريعة تقيةً، لا تعبدًا، فوضعوها غير مواضعها، وهو عين الابتداع.

ويجري هذا المجرى كل من اتخذ السنَّة والعمل بها حيلةً وذريعةً إلى نيل حطام الدنيا، لا على التعبد بها لله تعالى؛ لأنه تبديل لها، وإخراج لها عن وضعها الشرعي.  ” الاعتصام ” ( 1 / 96 ).

  1. * قال القرطبي – رحمه الله -:

قال علماؤنا رحمة الله عليهم أجمعين: فكلُّ مَن ارتد عن دين الله، أو أحدث فيه ما لا يرضاه الله، ولم يأذن به الله: فهو من المطرودين عن الحوض، المبعدين عنه، وأشدهم طردًا: مَن خالف جماعة المسلمين، وفارق سبيلهم، كالخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها، فهؤلاء كلهم مبدِّلون، وكذلك الظلمة المسرفون في الجور، والظلم، وتطميس الحق، وقتل أهله، وإذلالهم، والمعلنون بالكبائر، المستخفون بالمعاصي، وجماعة أهل الزيغ، والأهواء، والبدع، ثم البعد قد يكون في حال، ويقربون بعد المغفرة إن كان التبديل في الأعمال، ولم يكن في العقائد، وعلى هذا التقدير يكون نور الوضوء، يُعرفون به، ثم يقال لهم ( سحقًا)، وإن كانوا من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يُظهرون الإيمان، ويُسرون الكفر: فيأخذهم بالظاهر، ثم يكشف لهم الغطاء فيقول لهم: ( سحقًا سحقًا )، ولا يخلد في النار إلا كافر، جاحد، مبطل، ليس في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان.” التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ” ( ص 352 ).

ثالثًا:

ومما يبين كذب الروافض في زعمهم أن الصحابة الأجلاء أبا بكر وعمر وعثمان من أولئك المرتدين: أنه قد ثبت بما لا يدع مجالًا للشك أنه قد حصلت ردة، وقتال للمرتدين، فمَن قاتل مَن؟ إن الذي ارتد هو من ذكرنا من بعض قبائل العرب، وإن الذي قاتلهم هو أبو بكر الصدِّيق رضي الله عنه، وإخوانه من المهاجرين والأنصار – وقد شاركهم في قتالهم: علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وسبى من بني حنيفة امرأة، أنجبت له فيما بعد الإمام العلَم ” محمد بن الحنفية ” – فإذا كان هؤلاء هم مرتدون فماذا يكون حال مسليمة وأتباعه، والعنسي وأتباعه؟! ونحن لا نشك لحظة أن حقيقة دين الروافض هو النفاق، وأنهم لم يظهروا إسلامهم إلا من أجل النيل من الإسلام، فعجزوا عن الطعن مباشرة في القرآن، وفي النبي صلى الله عليه وسلم، فراحوا يطعنون في نقلة القرآن، ونقلة السنَّة النبوية، ويكفرونهم، وهم الصحابة الأجلاء رضي الله عنهم، ولا عجب بعد ذلك أن تقرأ لبعض كبارهم إثبات إسلام مسيلمة الكذاب وأتباعه! فقط لأنهم حاربوا الصدِّيق وأصحابه! وقد زعموا  – كذبًا وزورًا – أن الصحابة قد كفروهم لأنهم لم يحملوا الزكاة للصدَّيق رضي الله عنه!.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

الله أكبر على هؤلاء المرتدين المفترين، أتباع المرتدين، الذين برزوا بمعاداة الله ورسوله وكتابه، ودينه، ومرقوا من الإسلام، ونبذوه وراء ظهورهم، وشاقوا الله ورسوله وعباده المؤمنين، وتولوا أهل الردة والشقاق؛ فإن هذا الفصل وأمثاله من كلامهم: يحقق أن هؤلاء القوم المتعصبين على الصدِّيق رضي الله عنه وحزبه من أصولهم من جنس المرتدين الكفار، كالمرتدين الذين قاتلهم الصدِّيق رضي الله عنه.

” منهاج السنة النبوية ” ( 4 / 490 ).

* وقال – رحمه الله -:

وفي الجملة: فأمر مسيلمة الكذاب، وادعاؤه النبوة، واتباع بني حنيفة له باليمامة، وقتال الصدِّيق لهم على ذلك: أمر متواتر، مشهور، قد علمه الخاص، والعام، كتواتر أمثاله، وليس هذا من العلم الذي تفرد به الخاصة، بل عِلْم الناس بذلك أظهر من علمهم بقتال ” الجمَل ” و ” صفِّين “، فقد ذُكر عن بعض أهل الكلام أنه أنكر ” الجمل “، و ” صفين “، وهذا الإنكار وإن كان باطلا: فلم نعلم أحدًا أنكر قتال أهل ” اليمامة “، وأن مسيلمة الكذاب ادعى النبوة، وأنهم قاتلوه على ذلك.

لكن هؤلاء الرافضة مِن جحدهم لهذا، وجهلهم به: بمنزلة إنكارهم لكون أبي بكر وعمر دُفِنَا عند النبي صلى الله عليه وسلم، وإنكارهم لموالاة أبي بكر، وعمر للنبي صلى الله عليه وسلم، ودعواهم أنه نص على ” علي ” بالخلافة، بل منهم من ينكر أن تكون زينب، ورقية، وأم كلثوم من بنات النبي صلى الله عليه وسلم! ويقولون: إنهن لخديجة من زوجها الذي كان كافراً قبل النبي صلى الله عليه وسلم.

” منهاج السنة النبوية ” ( 4 / 492 ، 493 ).

* وقال – أيضًا -:

وهم – أي: الرافضة – يدَّعون أن أبا بكر  وعمر، ومن اتبعهما ارتدوا عن الإسلام! وقد علم الخاص والعام: أن أبا بكر هو الذي قاتل المرتدين، فإذا كانوا يدَّعون أن أهل اليمامة مظلومون، قتلوا بغير حق، وكانوا منكرين لقتال أولئك، متأولين لهم: كان هذا مما يحقق أن هؤلاء الخلف تبع لأولئك السلف، وأن الصدِّيق وأتباعه يقاتلون المرتدين في كل زمان.

وقوله – أي: ابن المطهر الحلي الرافضي – ” إنهم سمُّوا بني حنيفة مرتدين لأنهم لم يحملوا الزكاة إلى أبي بكر “: فهذا مِن أظهر الكذب، وأبينِه؛ فإنه إنما قاتل بني حنيفة لكونهم آمنوا بمسيلمة الكذاب، واعتقدوا نبوته، وأما مانعو الزكاة: فكانوا قومًا آخرين، غير بني حنيفة، وهؤلاء كان قد وقع لبعض الصحابة شبهة في جواز قتالهم، وأما بنو حنيفة فلم يتوقف أحد في وجوب قتالهم.

” منهاج السنة النبوية ” ( 4 / 493 ، 494 ).

 

رابعًا:

ويقال لهؤلاء الروافض: لماذا ارتد الخلفاء الثلاثة دون علي؟! وما الذي استثنى مثل ” عمار بن ياسر ” و ” المقداد بن الأسود ” و ” أبا ذر ” و ” سلمان الفارسي ” من الردة؟! أم هو التحكم والهوى؟!.

ونحن نعتقد أن المهاجرين والأنصار في الجنة خالدين فيها أبدا، قال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) التوبة/ 100.

ونعتقد أن أبا بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وهكذا كل من سماهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأن هؤلاء جميعًا سيشربون من حوض النبي صلى الله عليه وسلم شرابا هنيئًا، والويل والثبور لمن لعنهم، وكفرهم، فهو أولى أن يكون يوم القيامة في صف المرتدين الذين حاربهم أولئك الأطهار.

خامسا:

وهذه الأحاديث حجة على الروافض؛ حيث يثبتون فيها ردة الصحابة رضي الله عنهم إلا نفرًا قليلا، ويزعمون أنهم ” أحدثوا ” بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، ومعنى هذا أنهم كانوا على الإيمان قبل ذلك! فأي دين اعتقدوه بعد ذلك؟ وماذا فعلوا ما استحقوا به التكفير؟! فإن قالوا: سلب الخلافة من علي رضي الله عنه: فيقال لهم هذه معصية! تكفرها الحسنات، ويكفي الصحابة سبكم ولعنكم لهم حتى توضع أوزارهم عليكم، وإن قالوا: قتل جنين فاطمة!: قلنا قد قُتل في زمن علي رضي الله عنه الآلاف! فهل تطبقون عليه القاعدة نفسها في التكفير؟!.

 

 

 

* فتبين مما سبق:

أن الصحابة الأجلاء هم الذين دافعوا عن دين الله، وهم الذين أوقفوا مدَّ الردة، والتي قام على إذكائها ونشرها سلف أولئك الروافض، من أمثال مسيلمة الكذاب، والأسود العنسي، وأن الله تعالى قد أثنى في كتابه الكريم على المهاجرين والأنصار في قرآن يُتلى إلى قيام الساعة، وقد نزههم ربهم عن الوقوع في البدعة، فكيف يقعون في الردة، وهم الذين نشروا الإسلام في الآفاق؟!.

 

والله أعلم.

هل ثبت حرق عمر لبيت فاطمة وهدم الباب عليها وإسقاطها جنينها؟

هل ثبت حرق عمر لبيت فاطمة وهدم الباب عليها وإسقاطها جنينها؟

السؤال:

من أسقط جنين فاطمة رضي الله عنها؟ وما موقفنا ممن فعل من قام بذلك؟ وكيف أرد على اتهامات الشيعة في ذلك؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

لقد كذب الرافضة في قصة انتحلوها في هذا الباب، وملخصها: أن أبا بكر رضي الله عنه آذى عليًّا لما امتنع من البيعة، وأنه بعث إليه عمر بن الخطاب – أو من يسمَّى ” قنفذ ” كما في بعض الروايات عندهم -، مع آخرين، فهدموا بيت فاطمة، بعد أن اقتحموه، ثم حرقوه! وأن عمر بن الخطاب ضغط فاطمة بين الباب والجدار فأُسقط جنينها من بطنها! وأنهم أخرجوا عليًّا بذل وهوان؛ لإجباره على البيعة لأبي بكر، وكل ذلك كذب، وبهتان، ولا يقبل أن يصدقه إلا من كان مثلهم في الضلالة، والبهيمية.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ونحن نعلم يقينا أن أبا بكر لم يُقدِم على علي والزبير بشيء من الأذى، بل ولا على سعد بن عبادة المتخلف عن بيعته أولًا، وآخرًا، وغاية ما يقال: إنه كبس البيت لينظر هل فيه شيء من مال الله الذي يقسمه، وأن يعطيه لمستحقه، ثم رأى أنه لو تركه لهم لجاز، فإنه يجوز أن يعطيهم من مال الفيء، وأما إقدامه عليهم أنفسهم بأذى: فهذا ما وقع فيه قط باتفاق أهل العلم، والدِّين، وإنما يَنقل مثل هذا جهال الكذابين، ويصدقه حمقى العالَمين، الذين يقولون إن الصحابة هدموا بيت فاطمة، وضربوا بطنها حتى أسقطت، وهذا كله دعوى مختلقة، وإفك مفترى، باتفاق أهل الإسلام، ولا يروج إلا على مَن هو مِن جنس الأنعام.

” منهاج السنة النبوية ” ( 8 / 208 ) .

* وقال – رحمه الله – أيضا -:

ومنهم من يقول: إن عمر غصب بنت علي حتى زوَّجه بها! وأنه تزوج غصبًا في الإسلام! ومنهم من يقول: إنهم بعجوا بطن فاطمة حتى أسقطت، وهدموا سقف بيتها على من فيه، وأمثال هذه الأكاذيب التي يعلم من له أدنى علم ومعرفة أنها كذب فهم دائما يعمدون إلى الأمور المعلومة المتواترة ينكرونها، وإلى الأمور المعدومة التي لا حقيقة لها يثبتونها، فلهم أوفر نصيب من قوله تعالى ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ ) العنكبوت: من الآية68، فهم يفترون الكذب، ويكذبون بالحق، وهذا حال المرتدين. ” منهاج السنة النبوية ” ( 4 /  493 ).

* وبيان كذبهم من وجوه:

  1. إن تعدِّي رجل واحد على امرأة يعد من الأمور المنكرة المستبشعة، فكيف إذا كانوا مجموعة من الرجال، ومن الصحابة، وعلى ابنة النبي صلى الله عليه وسلم، ويتم حرق بيتها، وإسقاط جنينها؟! إن مجرد تصور حدوث ذلك قد لا نجده في ذهن كاتبي القصص البوليسية، والأفلام الإجرامية، والخيالية، فأنَّى لعاقل أن يصدِّق حصول تلك الحادثة مع سكوت الناس عنها، وعدم مدافعتهم عن أخص بيت النبوة؟! ووالله لو حصل هذا مع عربي لعدَّ عارًا عليه، ولعدَّ مجرمًا غاية الإجرام، لكن هؤلاء الكذبة حبكوا القصة بهذه الطريقة ليوهموا أتباعهم – والسذَّج من أهل السنَّة – أن الصحابة جميعا اشتركوا في الحادثة، من باشر تنفيذها، ومن سكت عنها! وهو كذب رخيص يليق بعقولهم، ويمشي على أتباعهم فقط، لا على العقلاء.
  2. ثم إنهم ليخترعون قصصًا وحكايات لعلي بن أبي طالب تدل على علمه بالغيب! وعلى عظيم قوته، وشجاعته، فلماذا لم يحذِّر فاطمة من مقدم أولئك المفسدين؟ وأين شجاعته وقوته في التصدي لهم ومحاربتهم؟ فأين في هذه الحكاية المفتراة دفاعه عن عرضه؟ لقد كان الطعن في عمر رضي الله عنه وعموم الصحابة على حساب الطعن في علي رضي الله عنه، ومثل هؤلاء لا يهم الثمن الذي يُدفع من أجل النيل من الصحابة الأجلاء، ولو كان الطعن في النبي صلى الله عليه وسلم، أو في علي، أو في آل البيت جميعهم.

وعلى ما نسجوه من كذب في هذه الحكاية فإن علي بن أبي طالب لا يصلح للخلافة! فمن عجز عن الدفاع عن عرضه فليس جديرًا بأن يكون خليفة للمسلمين، ومن الذي سيبايعه إذا كان الناس كلهم قد سكتوا عن اقتحام بيته، وإسقاط جنين امرأته؟! أما أهل السنَّة فيثبتون شجاعة علي رضي الله عنه، وطهارة فاطمة رضي الله عنها، وينفون تلك الحكاية الخبيثة؛ لما فيها من الطعن بعدالة ودين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

  1. ومما يكذِّب هذه الحكاية ما يجمع بين علي وعمر رضي الله عنهما من العلاقة الحسنة، والتي وصلت إلى تزوج عمر بابنة علي وفاطمة، وهي ” أم كلثوم “! فكيف تصدَّق هذه الحكاية الخبيثة ونحن نرى حرص عمر على التقرب من علي وفاطمة بتلك المصاهرة، ونرى موافقة الأبوين عليه أن يكون زوجًا لابنتهم، وأما الرافضة فجنَّ جنونهم لهذه المصاهرة، وتفكروا في التخلص منها فقادهم إبليس إلى القول بأن الزواج تمَّ بالإكراه! وأن هذا ” فرجٌ غُصبناه “! وكما قلنا قبل قليل فإن هؤلاء المجوس لا يهمهم ما يدفعونه من ثمن في الطعن بالصحابة، ولو بمثل هذه التخريجات التي مؤداها الدياثة، والخساسة، والخور، وحاشا أهل البيت من ذلك، لكن الرافضة يقبلونه في دينهم، ويقبلون أن يزوج علي رضي الله عنه قاتل زوجته لابنته على ما هو عليه من دين وخلُق – لأنهم لا يذكرون تغيرًا في حال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بل أثبتوا له أشنع الأخلاق والأوصاف -.
  2. وإذا قال الرافضة إن عليّاً كان ضعيفًا مستضعفًا، حتى هدم بيته – وفي رواية أنه حُرق! – وحتى أُكره على زواج باطل لابنته: فأين إذن باقي أهل البيت؟ ولم لم يدافعوا عن ابنة نبيهم صلى الله عليه وسلم؟! فهل يُعقل أن يجتمعوا جميعًا على الخنوع، والخور؟!.

5 . ولأن هذه القصة تحتوي على ما لا يُصدَّق، وتحتوي على ما فيه الطعن بأشرف بيت، وأجل امرأة: رأينا من كذَّبها من بعض رؤوس الرافضة، لا تنزيها للصحابة أن يفعلوها، بل تنزيهًا لعلي أن يكون موقفه هذا!.

أ. * قال محمد حسين آل كاشف الغطاء – وهو من كبار أئمتهم -:

ولكن قضية ضرب الزهراء، ولطم خدها: مما لا يكاد يقبله وجداني، ويتقبله عقلي، وتقتنع به مشاعري، لا لأن القوم يتحرجون ويتورعون من هذه الجرأة العظيمة، بل لأن السجايا العربية، والتقاليد الجاهلية، التي ركزتها الشريعة الشريعة الإسلامية، وزادتها تأييدًا، وتأكيدًا: تمنع بشدة ضرب المرأة، أو تمد إليها يد سوء، حتى إن بعض كلمات أمير المؤمنين ما معناه: أن الرجل كان في الجاهلية إذا ضرب المرأة يبقى ذلك عارًا في أعقابه ونسله …. ” جنة المأوى ” ( ص 135 ).

فها هو الضال ينزِّه العرب الجاهليين عن مثل هذا الفعل، ثم يزعم بكل صفاقة أن الصحابة الذين زادوا على ما عند الجاهليين من أخلاق حسنة بأخلاق الإسلام: يزعم أنهم يمكن أن يفعلوا مثل هذا! وهو ينزه عنها العرب الجاهليين ويثبتها للصحابة المسلمين! ويرى أن امتناعهم عن فعلها بسبب بيئتهم العربية، لا بسبب إسلامهم! ويهمنا أنه يكذبها، ويكذِّب مشايخ دينه، ودجاجلته الذين يتناقلونها، ويؤججون عواطف أتباعهم بذكرها دائمًا.

ب. * وقال عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن الحسين بن أبي الحديد الشيعي:

أما الأمور الشنيعة المستهجنة التي تذكرها الشيعة من إرسال ” قنفذ ” إلى بيت فاطمة عليها السلام!، وأنه ضربها بالسوط فصار في عضدها كالدملج، وبقي أثره إلى أن ماتت، وأن عمر أضغطها بين الباب والجدار، فصاحت: يا أبتاه، يا رسول الله! وألقت جنينًا ميتًا، وجُعل في عنق علي عليه السلام حبلٌ يقاد به وهو يعتل، وفاطمة خلفه تصرخ، وتنادى بالويل والثبور، وابناه حسن وحسين معهما يبكيان، وأن عليّاً لما أُحضر سلموه البيعة، فامتنع، فتهدد بالقتل، فقال: إذن تقتلون عبد الله، وأخا رسول الله! فقالوا: أما عبد الله: فنعم! وأما أخو رسول الله: فلا، وأنه طعن فيهم في أوجههم بالنفاق، وسطر صحيفة الغدر التي اجتمعوا عليها، وبأنهم أرادوا أن ينفروا ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة: فكله لا أصل له عند أصحابنا! ولا يثبته أحد منهم! ولا رواه أهل الحديث، ولا يعرفونه، وإنما هو شيء تنفرد الشيعة بنقله. ” شرح نهج البلاغة ” ( 2 / 60 ) طبعة إحياء الكتب العربية.

– مع التنبيه على عدم صحة نسبة كتاب ” نهج البلاغة ” لعلي بن أبي طالب.

  1. هذه القصة الخيالية لا توجد في أهم الكتب الشيعية المعتمدة مثل كتاب ” الكافي “، حيث لم يذكرها مؤلفه الكليني أبدًا، ولا تُعرف هذه القصة من إلا من كتاب ” السقيفة ” للرافضي سلَيم بن قيس الهلالي ( يقال توفي سنة 90 هـ )، وهو كتاب حوى الخبيث من القول، والفحش من الحكايات، وفيه نصوص تدل على وقوع تحريف القرآن، وهو كتاب ساقط عند كثير من أئمة الرافضة أنفسهم، وقد شكك بعضهم بوجود هذه الشخصية أصلًا!:

* قال الشيخ ناصر القفاري – حفظه الله -:

وقد لحظت في دراستي لكتاب سليم بن قيس – أول كتاب ظهر لهم – أنهم يضعون روايات، أو كتبًا لأشخاص لا وجود لهم، حتى قال بعض شيوخهم – وهو يعترف بأن كتاب سليم بن قيس موضوع عليه -: ” والحق أن هذا الكتاب موضوع لغرض صحيح، نظير كتاب ” الحسنية “، و ” طرائف بن طاوس “، و ” الرحلة المدرسية “، وتبين لنا فيما سلف أن سليم بن قيس قد يكون اسمًا لا مسمَّى له.

” أصول الشيعة ” ( ص 386 ).

وأيد الشيخ حفظه الله كلامه هذا بنقولات مهمة عن بعض كبار علماء الرافضة، ومنهم:

أ. محمد بن محمد بن النعمان المفيد ( توفي 413 هـ ) حيث قال: ” وينبغي للمتدين أن يجتنب العمل بجميع ما في كتاب سليم؛ لأنه خليط من الكذب، والتدليس، قال ابن داود: هناك منكرات في كتاب سليم، يعني: فيه أكاذيب واضحة، وأنا أعده موضوعًا، ومختلقًا، وقد ذُمَّ في في قاموس الرجال ” انتهى

ب. عبد الله المامقاني ( توفي 1351هـ ) حيث قال: ” يقول أصحابنا الشيعة، وعلماء الشيعة أن سليمًا لم يُعرف، ويُشَك في أصل وجوده، ولم يذكروه بالخير، والكتاب المنسوب إليه موضوع قطعًا، وفيه أدلة كافية للدلالة على وضعه ” انتهى.

ج. وقد رأينا في ” موقع السيستاني ” – مرجع الرافضة المعاصر – الخاص بالفتاوى والمسمى ” السراج في الطريق إلى الله ” – سئل:

كتاب ” سليم بن قيس الهلالي العامري الكوفي ” صاحب أمير المؤمنين علي عليه السلام! المتوفى سنة 90 هجرية، الذي قال الإمام الصادق عليه السلام عن كتابه: ” أنه سرٌّ من أسرار آل محمد “!، فما مدى صحة هذا الكتاب؟ وماذا يقول العلماء عنه، خاصة مع اختلاف طبعاته في الوقت الحاضر؟.

فأجاب:

في سنده إشكال!. انتهى.

وقد بيَّن الشيخ ناصر القفاري حفظه الله أن اختلاف طبعاته تعود لتزوير الرافضة في الكتاب زيادة ونقصاًنا؛ لأن في الكتاب أوابد كتأليه علي رضي الله عنه، وفيه ما ينقض مذهب الرافضة، حيث جعل الأئمة ثلاثة عشر، بزيادة ” زيد بن علي بن الحسين “!.

وهذا هو حال الكتاب الأصل الذي نقلت منه تلك الحكاية المختلقة، وقد رأينا حكم بعض كبار علماء الرافضة على المؤلِّف، وعلى كتابه، فسقط النقل عنه، وثبت كذب الرواية.

  1. ومن الأدلة على بطلان الحكاية: أنه ثمة من ينقل القصة مع اختلاف في وقائعها:

فقد قال كبيرهم الطبرسي صاحب كتاب ” الاحتجاج ” ( 1 / 51 ): ” إن عمر هدَّد المعتصمين في بيت فاطمة قائلًا: ” والذي نفس عمر بيده ليخرجن أو لأحرقنه على ما فيه “، فقيل له: إن فاطمة بنت رسول الله، وولد رسول الله، وآثار رسول الله صلى الله عليه وآله فيه، و أنكر الناس ذلك من قوله، فلما عرف إنكارهم قال: ” ما بالكم! أتروني فعلت ذلك؟ إنما أردت التهويل ” انتهى.

وهو يدل على عدم إجادتهم الكذب، فما كان حقيقة واقعيًّا: صار محتملًا، وما كان: يقينًا صار مشكوكًا فيه، وهذا حال من ليس لهم إسناد، وصدق أئمتنا حين قالوا : ” لولا الإسناد لقال مَن شاء ما شاء “.

وقد تبين بما لا مزيد عليه كذب ما فتروه على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما من حرق بيت فاطمة، وإسقاط جنينها، وإخراج علي رضي الله عنه ذليلا ليبايع أبا بكر، وما ذكرناه مما رواه البخاري ومسلم هو اللائق بدين الصحابة، وأخلاقهم، وهو المعتمد.

ثانيًا:

ومما يُضحك منه: ما حاول بعض الكتاب من الرافضة إيهام العامة من أهل السنَّة أنه يوجد من يثبت هذه الحكاية من أهل السنَّة! وبيان كذبهم وتدليسهم في أمور:

  1. أوهموا أن الشهرستاني يثبتها في كتابه ” الملل والنِّحَل “!.

والذي لا يستراب فيه أن هذا من الكذب الرخيص، وأصل ذلك: أن الشهرستاني كان يترجم في كتابه للمعتزلي ” إبراهيم بن يسار النظَّام “، وذكر في أثناء ذلك أن تلك الحكاية هي مما افتراه النظّام!، وهذا نص كلامه:

* قال محمد بن عبد الكريم الشهرستاني – رحمه الله – في تعداد أوابد النظَّام -:

الحادية عشرة: ميله إلى الرفض، ووقيعته في كبار الصحابة، قال: ” أولًا: لا إمامة إلا بالنص والتعيين، ظاهرًا، مكشوفًا، وقد نص النبي صلى الله عليه و سلم على علي رضي الله عنه في مواضع، وأظهر إظهارًا لم يشتبه على الجماعة، إلا أن عمر كتم ذلك! وهو الذي تولى بيعة أبي بكر يوم السقيفة “.

ونسبه إلى الشك يوم الحديبية في سؤاله الرسول عليه الصلاة و السلام حين قال: ألسنا على حق؟ أليسوا على الباطل؟ قال: نعم، قال عمر: فلم نعطِ الدنية في ديننا؟.

قال: ” هذا شك، وتردد في الدين، ووجدان حرج في النفس مما قضى وحكم “.

وزاد في الفرية فقال: ” إن عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة، حتى ألقت الجنين من بطنها، وكان يصيح: ” احرقوا دارها بمن فيها “، وما كان في الدار غير علي، وفاطمة، والحسن، والحسين. ” الملل والنحل ” ( 1 / 52 ).

  1. ومما نقلوه في ذلك ببلاهة غريبة: ما نقلوه عن ” ميزان الاعتدال ” و ” سير أعلام النبلاء ” كلاهما للإمام الذهبي، و ” لسان الميزان ” لابن حجر عن أبي بكر بن أبي دارم في إثبات إسقاط عمر لجنين فاطمة! من قراءة بعض الناس عليه من كتاب! فكيف نقلوا ذلك بتلك البلاهة؟ قالوا:

” روى عنه الحاكم، وقال: رافضي، غير ثقة، وقال: محمد بن أحمد بن حماد الكوفي الحافظ بعد أن أرخ موته: كان مستقيم الأمر عامة دهره، ثم في آخر أيامه كان أكثر ما يقرأ عليه المثالب، حضرته ورجل يقرأ عليه: إن عمر رفس فاطمة حتى أسقطت بمحسن “.

وانظري كيف جمع الله لهؤلاء الجهل مع الغباء، فهو ينقل عن أئمة السنَّة أن هذا الخبيث  المُترجم له: رافضيّ، غير ثقة، ثم ينقل عنه بكل بلاهة – إسقاط عمر لجنين فاطمة – سواء من كتابته، أو من كتابة غيره، مما يُقرأ عليه.

* قال الذهبي في ترجمته:

أبو بكر بن أبي دارم: كان موصوفا بالحفظ، والمعرفة، إلا أنه يترفض، قد ألف في الحط على بعض الصحابة، وهو مع ذلك ليس بثقة في النقل.

* وقال:

قال الحاكم: هو رافضي، غير ثقة.

* وقال محمد بن حماد الحافظ:

كان مستقيم الأمر عامة دهره، ثم في آخر أيامه كان أكثر ما يقرأ عليه المثالب، حضرته ورجل يقرأ عليه: أن عمر رفس فاطمة حتى أسقطت محسنا، وفي خبر آخر قوله تعالى: ( وجاء فرعون ): عمر، ( ومن قبله ) أبو بكر، (والمؤتفكات): عائشة، وحفصة.

فوافقته، وتركت حديثه.

قلت: شيخ ضال معثر. ” سير أعلام النبلاء ” ( 15 / 577، 578 ).

وهكذا نقل الحافظ ابن حجر رحمه الله في ” لسان الميزان “، وأنتِ ترين أن هؤلاء العلماء حكموا على ابن أبي دارم بالرفض، ونقلوا عن الحافظ محمد بن حمَّاد أنه ترك حديثه، ثم جاء هؤلاء ليتكثروا بالنقولات، وقد أخزاهم الله بأن جعلها عليهم ، لا لهم.

  1. ومما نقلوه: رواية عن أبي بكر رضي الله عنه فيها قوله: ” وددت أني لم أحرق بيت فاطمة “!.

وقد أتى على تفصيلها، وبيان ما فيها – وأخواتها – من ضعف: كتاب ” أحاديث يحتج بها الشيعة ” للشيخ عبد الرحمن دمشقية وفقه الله.

  1. وقد نقلوا في إثبات الحكاية المنكرة عن المسعودي في كتابه ” مروج الذهب “، وابن قتيبة في كتابه ” الإمامة والسياسة “.

* والرد:

أما المسعودي: فهو رافضي مثلهم، ولا يوثق بنقله.

وأما ابن قتيبة: فهو من رؤوس أهل السنَّة، لكن الكتاب لا تصح نسبته إليه، بل هو لرافضي خبيث.

ومما سبق يتبين كذب الحكاية الملفقة على الصحابة الكرام، وأنه ليس ثمة جنين مُسقط لفاطمة رضي الله عنها، لا من ” قنفذ “، ولا من ” عمر “، وتبين لكل منصف أن الله تعالى قد أكرم أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم بأبي بكر الصدِّيق، يجلهم، ويعظمهم؛ تنفيذا لوصية نبيه صلى الله عليه وسلم، وأنهم كانوا في مقام يليق بهم في دولته، وأنه ما أساء لأولئك الأطهار إلا المجوس الأنجاس، ووالله لو ثبت أن عمر بن الخطاب – وحاشاه – فعل ذلك بابنة النبي صلى الله عليه وسلم لما ترددنا ببغضه، ولرأينا أنه يستحق القتل ! كيف لا، وهو – كما يزعمون – يقتحم دار آمنين، ويعتدي على حريمهم بالضرب، حتى تسقط المرأة جنينها؟! لكن كل ذلك لم يكن، وقد نزَّه الله أولئك الأطهار من أن يُفعل بهم هذا من أفضل الناس بعد الأنبياء، وهم من اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم.

قال تعالى: ( مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) الأعراف/ 178.

وقال: ( مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً ) الكهف/ من الآية 17.

 

والله أعلم.

سنيَّة دخلت مواقع الرافضة وحضرت مناقشاتهم مع أهل السنة وحصل عندها اضطراب

سنيَّة دخلت مواقع الرافضة وحضرت مناقشاتهم مع أهل السنة وحصل عندها اضطراب

السؤال:

إن كنت في ضيق من وقتك فدع رسالتي هذه حتى يتسع الوقت لديك؛ فهي مطولة، وأريد منك إنقاذي فيها، كاختصار لما أريدك إنقاذي منه: أنا عقيدتي في خطر، واشتبهت عليَّ شبهات في دين الرافضة، وأصبحت في حيرة شديدة من أمري.

اعلم قبل كل شيء أني أرسلت رسالتي هذه إلى مشايخي الكرام – أغلبهم – من خلال إيميلاتهم الشخصية التي حاولت جاهدة التوصل إليها، فوجدتها من خلال المواقع الإلكترونية، ولم أعتمد عليها، بل أرسلت رسالتي من خلال المواقع الشخصية للكثير من الدعاة، في صفحة ” أرسل سؤالًا”، فلم أجد الرد من مشايخي الكرام أيضا، فقمت بالمرحلة الثالثة من تسولي لأي شيخ ينقذني مما أنا فيه، وأراد الله أن أتخبط أكثر مما كنت عليه في السابق، فكتبت من خلال ” الجوجل “: ” أرسل سؤالك ” كي أحصل على نتائج بحث لعدد أكبر من مواقع المشايخ، وقمت بإرسال رسالتي، وطلب إنقاذي لجميع من أخرجهم لي نتاج بحثي، وأيضا لم يصل الرد إلا من شخص واحد، زاد تخبطي تخبطًا، أتعلم من هو؟ عالم، رافضي، شيعي، أرسلت له دون أن أعلم أصله، حينما بحثت عن صفحة ” أرسل سؤالك “، فخرج لي الكثير من المواقع الشخصية للعلماء، ومنهم هو، أرأيت؟ لم يرد عليَّ إلا هو، مما زادني تخبطًا، وفي رسالته استمالة شديدة لي لدينه؛ لأن رسالتي التي أرسلتها لهم كانت عن الشبهات التي وقعت بها عن دينهم، وحينها أحسست بتقصير العلماء عندنا، فوالله إني بكيت – وإحقاقا للحق أرسل لي الشيخ خالد المصلح – جزاه الله ألف خير – جوابًا، لكنه اختصر بشكل لم يشفِ علَّتي، ولم يفصل برسالتي، إليك رسالتي التي أرسلتُها لهم، أتمنى أن تنقذني بها أنت، وإن لم تفعل أنت: فأرجوك.

عقيدتي في خطر دلني لإيميل شيخ، أو مشايخ، أو أرسلها أنت لمن ينقذني، لا تهملها، أرجوك.

دعني أخبرك في البداية عن مذهبي حتى لا تعتقد غيره:

أنا فتاة سنيَّة من أسرة متدينة بـ ” الرياض “، ولكن مشكلتي أني أدخل ” النت ” في مسائل المذهبين: السني، والشيعي، ودخلت في متاهات الحوارات القائمة دون علم كافي يسندني، وللأسف الشديد وقعت في المتاهة، أنا مقتنعة جدّاً بمذهبي، وأمقت المذهب الشيعي، ولكني أصبت بسهام التجريح لشخصيات أعتبرها أعلامًا شامخة في حياتي، وهم الصحابة رضوان الله عليهم، دون علم يكفيني.

سأكون صريحة معك للغاية في طريقة طرحي، فأنا أريد أجوبة مقنعة لي، فأرجوك لا تهملني.

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله أن يثبتك على الحق، وأن يرزقك علمًا نافعًا، وعملًا صالحًا متقبَّلًا، وقد رأينا ذِكر بعض الملاحظات لكِ قبل البدء بنقض شبهات أولئك الرافضة، فنقول:

  1. المسلم العاقل يعذر غيره، وخاصة إن كانوا من العلماء، أو طلبة العلم، فمثل رسالتك هذه يحتاج الجواب عليها إلى وقتٍ طويل يُبذل في البحث، والتقصي، والتحقيق، والتدقيق، وأوقات غالب المشايخ لا تتسع لهذا، وهم يجيبون على أسئلة كثير من القراء بشيء يسير من الكلام يؤدي المطلوب بالنسبة للسائل، وهذا في حال أن تكون الرسالة وصلت إليهم، وإلا فمن المحتمل أنها لم تصل لطائفة منهم.

 

  1. ثمة مواقع متخصصة بالفتاوى، وإجابة السائلين – وموقعنا هذا منها -، فمراسلة هذه المواقع أنفع لك وأجدى، وأسرع في حصول المأمول، فاحرصي – في المستقبل – على مراسلتها لتري جوابًا على سؤالك في أسرع وقت إن شاء الله ويسَّر، وندلك على موقع ” الشبكة الإسلامية ” فهو من المواقع الموثوقة عندنا.

 

  1. لم يكن ينبغي لك مراسلة المواقع على اختلاف دين أهلها ومناهجهم؛ فإن من شأن هذا أن يزيد في حيرتك، ويولِّد لديك شكوكاً في قواعد دينك، وأصوله، وهو ما حصل من إجابات ذلك الرافضي، والتي كان لها أسوأ الأثر عليك بما فيها من انحراف وضلال.

 

  1. ولم يكن جائزًا لك من قبلُ الدخول في نقاشات أهل السنة مع الرافضة، لا كتابة، ولا صوتًا؛ وقد حذَّر العلماء – قديمًا وحديثًا – من السماع والقراءة لأهل البدع، والضلال؛ خشية التأثر بكلامهم، فضلًا عن عدم جواز الدخول معهم في نقاش وجدال في الشرع، وإنما يجوز ذلك – وقد يجب أحيانًا – على المتخصصين في الشرع، ممن يعرفون دينهم، ويعرفون مداخل الشبَه على فرق الضلال تلك.

* قال الإمام أحمد – رحمه الله -:

الذي كنَّا نسمع، وأدركنا عليه مَن أدركنا مِن أهل العلم: أنهم كانوا يكرهون الكلام، والجلوس، مع أهل الزيغ, وإنما الأمور في التسليم، والانتهاء إلى ما كان في كتاب الله، أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا في الجلوس مع أهل البدع، والزيغ، لترد عليهم, فإنهم يلبِّسون عليك، ولا هم يرجعون, فالسلامة إن شاء الله في ترك مجالستهم، والخوض معهم في بدعتهم، وضلالتهم.

” الإبانة الكبرى ” لابن بطة ( 2 / 471 ، 472 ).

* وقال شيخ الإسلام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني – رحمه الله – في بيان اعتقاد أهل السنَّة والجماعة -:

ويتجانبون أهل البدع والضلالات، ويعادون أصحاب الأهواء والجهالات، ويبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، ولا يحبونهم، ولا يصحبونهم، ولا يسمعون كلامهم، ولا يجالسونهم، ولا يجادلونهم في الدين، ولا يناظرونهم، ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم التي إذا مرت بالأذان وقرت في القلوب: ضرَّت، وجرَّت إليها من الوساوس، والخطرات الفاسدة ما جرَّت، وفيه أنزل الله عز وجل قوله: ( وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ) الأنعام/ من الآية 68.

” عقيدة السلف أصحاب الحديث ” ( ص  99 ، 100 ).

 

* وقال الذهبي – رحمه الله -:

أكثر أئمة السلف على هذا التحذير، يرون أن القلوب ضعيفة، والشبَه خطَّافة.

” سيَر أعلام النبلاء ” ( 7 / 261 ).

 

ثانيًا:

الرافضة قومٌ بهت، كذبوا على الله، وعلى نبيه صلى الله عليه وسلم، وعلى آل البيت، وهم يزعمون تعظيمهم، فكيف سيصدقون في أعدائهم، وهم الصحابة رضي الله عنهم؟! ولذلك كانوا شرَّ أهل الأهواء، وأضلهم، بل وأحمقهم، وهم يبغضون الإسلام بغضًا شديدًا؛ إذ لا دين إلا ما نقله أولئك الصحابة، ولا قرآن إلا ما قرؤوه وأقرؤوه، ولا سنَّة نبوية إلا ما بلغوها، وهذا هو الإسلام الذي طعنوا فيه، وكفروا بتشريعاته بتكفيرهم للصحابة، وتكذيبهم فيما نقلوه، وما رأوه موافقاً لأهوائهم، أو ما فيه مجال للطعن في أهل السنَّة ودينهم: نقلوا من الثابت عنهم ما شهروه في وجوه المسلمين، وأنَّى لهم أن يكون ما في شرع الله متناقضًا، أو مخالفًا بعضه لبعض، ولم يسمِّهم السلف أهل أهواء عبثًا، بل هو لفظ مطابق لحالهم.

 

* قال الإمام الشعبي – رحمه الله -:

يا مالك – وهو: ابن مغول – إني قد درستُ الأهواء، فلم أرَ فيها أحمق من ” الخشبية ” – فلو كانوا من الطير لكانوا رَخَمًا، ولو كانوا من الدواب لكانوا حُمُرًا، يا مالك لم يدخلوا في الإسلام رغبة فيه لله، ولا رهبة من الله، ولكن مقتًا من الله عليهم، وبغيًا منهم على أهل الإسلام، يريدون أن يغمصوا دين الإسلام كما غمص بولص بن يوشع ملك اليهود دين النصرانية، ولا تجاوز صلاتُهم آذانَهم، قد حرقهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالنار، ونفاهم من البلاد، مِنهم: عبد الله بن سبأ، يهودي من يهود صنعاء، نفاه إلى ساباط، وأبو بكر الكروس، نفاه إلى الجابية، وحرَّق منهم قومًا أتوه فقالوا: أنت هو، فقال: من أنا؟ فقالوا: أنت ربُّنا، فأمر بنار فأججت، فألقوا فيها، وفيهم قال علي رضي الله عنه:

لما رأيتُ الأمر أمراً منكرا *** أججتُ ناري ودعوتُ قنبرا

انظري ” منهاج السنَّة النبوية ” لابن تيمية ( 1 / 29 ، 30 ).

 

و ” الخشبية ” هم الرافضة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ” كما كانوا يسمَّون ” الخشبية ”  لقولهم: ” إنا لا نقاتل بالسيف إلا مع إمام معصوم، فقاتلوا بالخشب “.

” منهاج السنة ” ( 1 / 36 ).

 

والله أعلم.

تقصير المناهج الدراسية في بيان محبة ومنزلة آل البيت

تقصير المناهج الدراسية في بيان محبة ومنزلة آل البيت

السؤال:

آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، لمَ ذِكرُ فضلِهم لدينا قليل، حتى إني لم أعرف عن اختصاصهم بالمحبة إلا من خلال تصفحي للإنترنت؟ وأنا فتاة أعيش في بلد مسلم سنِّي يدرس علوم الدين بسائرها، وبكثافة، لم نفرغ لتعليم حبهم إلا درسًا واحدًا فقط في الثانوية، فهل هذا يكفي؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

هذا من تقصير القائمين على المناهج الدراسية في العالَم العربي والإسلامي، ومحبة آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم دين، وينبغي الإكثار من بيان ذلك في شرعنا حتى لا يُفتح الباب للرافضة للمزاودة على هذا الأمر – مع أن حبهم لهم فيه غلو -، وحتى لا يُتهم أهل السنَّة بأنهم ” نواصب ” – أي: نصبوا العداء لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم -، وينبغي التوضيح للكافة بأن ” الناصبة ” عندنا فرقة ضالة، وهي بلا شك أهون من تلك التي تزاود على محبة آل البيت، وقد بيَّن أهل السنَّة في كتبهم ومصنفاتهم منزلة آل البيت في الشرع، وما ينبغي أن يكون عليه موقف المسلم، وذكروا صورًا ناصعة في تطبيق ذلك عمليًّا.

عن زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ ) فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ثُمَّ قَالَ : ( وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ). رواه مسلم ( 2408 ).

وإنما عظمُ حق أهل بيته لعظم حقه صلى الله عليه وسلم علينا، كما أنه ليس المراد به من أولئك إلا من عُرف بالاستقامة والدِّين، وأما من كان ضالاًّ أو مخرِّفًا: فليس له حق علينا؛ لأنه ليس من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى لنوح عن ابنه الكافر: ( قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ). هـود/ من الآية 46.

وعَن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِهَارًا غَيْرَ سِرٍّ يَقُولُ: ( إِنَّ آلَ أَبِي فُلَانٍ لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ، إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللَّهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ).

رواه أحمد ( 29 / 340 ) وصححه المحققون.

 

 

* وقد نصَّ العلماء على هذه المحبة في كتب العقائد، ومن ذلك ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

ويحبُّون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال يوم غدير ” خُم ” – مكان فيه ماء بين مكة والمدينة -: ( أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي )، وقال أيضا للعباس عمِّه – وقد اشتكى إليه أن بعض قريش يجفو بني هاشم – فقال: ( والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي )، وقال: ( إن الله اصطفى بني إسماعيل واصطفى من بني إسماعيل كنانة واصطفى من كنانة قريشا واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم ). ” مجموع الفتاوى ” ( 3 / 154 ).

ثانيًا:

* وتتجلى محبة آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم عند أهل السنَّة في صور، منها:

  1. اعتقاد أنهم أشرف النَّاس نسبًا.

وأين هذا في دين الرافضة: حيث أنكروا نسب رقية وأم كلثوم ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم!، وزعموا أنهما ابنتاه بالتبني!، وأخرجوا العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجميع أولاده، والزبير ابن صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخرجوهم من آل البيت، ونفوا عنهم النسب الشريف، وهم يبغضون كثيرًا من أولاد فاطمة رضي الله عنها، كزيد بن علي، وابنه يحيى، وأيضًا يبغضون إبراهيم، وجعفر ابنيْ موسى الكاظم.

  1. أن تُعظم منزلتهم بما يستحقون، وخاصة: إن كانوا من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم.

وأين هذا من فعل الروافض، حيث صرّحوا بتكفير بعض كبار أهل البيت وعلمائهم من الصحابة! كالعباس عم الرسول صلى الله عليه وسلم الذي ادعوا أنه نزل فيه قوله تعالى ( وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ) الإسراء/ 72، وكابنه عبد الله بن عباس العالِ الإمام، فقد جاء في ” أصول الكافي ” ( 1 / 247 ) من وصفه بأنه ” جاهل سخيف العقل ! “، وفي كتاب ” رجال الكشي ” ( ص 53) قوله: ” اللهم العن ابني فلان وأعمِ أبصارهما، كما عميت قلوبهما!، وقد فسَّر ذلك شيخهم حسن المصطفوي فقال: ” هما عبد الله بن عباس، وعبيد الله بن عباس “.

  1. أن يقدَّموا في المجالس، ويُكرمون.
  2. أن ينصروا فيما عندهم من حق، وأن تُحفظ لهم كرامتهم، وذلك بكفايتهم من أموال الفيء والغنائم، وإن لم يوجد من هذه المصادر شيء: فيُدفع لهم من الزكاة.

 

 

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

لو فرض أنه لا يوجد لإنقاذ حياة هؤلاء من الجوع إلا زكاة الهاشميين، فزكاة الهاشميين أولى من زكاة غير الهاشميين.

* وقال بعض أهل العلم: يجوز أن يعطوا من الزكاة إذا لم يكن خمس، أو وجد ومنعوا منه.

والخُمس: هو أن الغنائم تقسم خمسة أسهم، أربعة أسهم للغانمين، وسهم واحد يقسم خمسة أسهم أيضًا:

الأول: لله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم، يكون في مصالح المسلمين، وهو ما يعرف بالفيء، أو بيت المال.

الثاني: لذي القربى، هم قرابة الرسول عليه الصلاة والسلام، وهم بنو هاشم، وبنو عبد المطلب؛ لأن بني عبد المطلب يشاركون بني هاشم في الخمس.

الثالث: لليتامى.

الرابع: للمساكين.

الخامس: لابن السبيل.

فإذا مُنعوا، أو لم يوجد خمس – كما هو الشأن في وقتنا هذا -: فإنهم يعطون من الزكاة دفعًا لضرورتهم إذا كانوا فقراء، وليس عندهم عمل، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الصحيح.

وأما صدقة التطوع: فتدفع لبني هاشم، وهو قول جمهور أهل العلم، وهو الراجح؛ لأن صدقة التطوع كمال، وليست أوساخ الناس، فيعطون من صدقة التطوع. ” الشرح الممتع ” ( 6 / 253 ، 254 ).

  1. حمايتهم، وصون أعراضهم، عن كل ما يسيء إليهم.

وأين هذا من الطعن في عرض عائشة، واتهامها بالفاحشة، وهي زوجة رأس آل البيت محمد صلى الله عليه وسلم، وهي المبرأة من الله في قرآن يتلونه رغم أنوفهم؟!.

وأين هذا مما فعله الرافضي ابن العلقمي، والطوسي، من جلب التتار إلى بغداد، وقتل الخليفة العباسي، وهو من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وسبي النساء الهاشميات، واغتصابهن من قبَل جنود هولاكو، فهؤلاء الذين يزعمون محبة آل البيت تسببوا في هذا، وفي غيره مما يُبكي العيون دمًا، لا دمعًا.

 

والله أعلم.

البيعة والميراث بين أبي بكر وعمر من جهة وعلي وفاطمة من جهة أخرى

البيعة والميراث بين أبي بكر وعمر من جهة وعلي وفاطمة من جهة أخرى

السؤال:

ما هي حقيقة الخلاف الذي وقع ما بين ” علي ” وزوجته رضي الله عنهم، مع عمر، وعائشة رضي الله عنهم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

لم يكن بين الصحابة خلاف في الاعتقاد، بل ولا في منهج الاستدلال، فهم خير القرون، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق، ولقد كانت علاقتهم بعضهم مع بعض أسمى، وأعلى مما يكذب بضده الرافضة، ومن أدل شيء على ذلك: ما بينهم من مصاهرة، وما حصل من تسمية أبنائهم بأسماء الكبار العظماء من الصحابة الأجلاء، ويمكننا أن نخرج من العموم إلى الخصوص، وهو متعلق بالسؤال، فنقول: لقد تزوج عمر بن الخطاب من ابنة علي بن أبي طالب وفاطمة، وهي ” أم كلثوم “!، وفي أسماء أبناء الحسين: أبو بكر، وعمر!، فهذا هو الحال، وما حصل من خلافٍ بين فاطمة رضي الله عنها، وبين أبي بكر الصدِّيق: فإن الحق فيه مع أبي بكر رضي الله عنها، فقد كانت تريد فاطمة رضي الله عنها أن ترث من أبيها، وهو النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرها أبو بكر أن الأنبياء لا يورثون، وهكذا سمع هو من النبي صلى الله عليه وسلم، وليس لأبي بكر حظ نفس في هذا، فقد أغناه الله تعالى بالمال، وقد منع فاطمة أن ترث، كما منع ابنته عائشة – وهي زوج النبي صلى الله عليه وسلم – أن ترث هي كذلك، فلم يكن له هوى في ذلك، ولا كان بينه وبين فاطمة ما يجعله يولِّد العداء بينه وبينها، وقد وقف علي رضي الله عنه بجانب زوجه فاطمة؛ ليخفف عنها بوفاة والدها، ويسليها في موقفها من العتب على أبي بكر في منعه إعطاءها من ميراث أبيها صلى الله عليه وسلم، وقد امتنع عن الذهاب لأبي بكر رضي الله عنه لبيعته طيلة حياة فاطمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وهي ستة أشهر، لهذا السبب، ولسبب آخر: وهو أنه رأى استعجال الصحابة في الخلافة والبيعة، وأنه كان ينبغي أن يُشاور، ويحضر في الأمر، وكان رأي الصحابة على خلافه، فلما ماتت فاطمة رضي الله عنها، ودفنها: راجع نفسه، وطلب حضور أبي بكر لبيته، فحضر فأخبره عذره في التأخر عن البيعة، ثم أصرَّ أبو بكر على صحة موقفه من منع ميراث النبي صلى الله عليه وسلم، فاطمأن قلب علي رضي الله عنه، وتواعدا على البيعة في اليوم نفسه ظهرًا، وبايعه، ففرح المسلمون فرحًا عظيمًا.

هذا ملخص ما جرى، وقد روى هذا البخاري ومسلم، ولم يكن علي رضي الله عنه نازعًا يده من طاعة أبي بكر، ولا شاقًّا عصا المسلمين، وليس شرطًا في صحة بيعة الخليفة أن يبايعه كل المسلمين.

* وهذا نص الحديث كاملًا بحروفه:

عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَام بِنْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ، وَ ” فَدَكٍ “، وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ ” خَيْبَرَ “، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْمَالِ ) وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَالِهَا الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ مِنْهَا شَيْئًا، فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ، فَهَجَرَتْهُ، فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ، وَعَاشَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيٌّ لَيْلًا وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ، وَصَلَّى عَلَيْهَا، وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنْ النَّاسِ وَجْهٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ: اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ، فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ، وَمُبَايَعَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ يُبَايِعُ تِلْكَ الْأَشْهُرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ” أَنْ ائْتِنَا وَلَا يَأْتِنَا أَحَدٌ مَعَكَ ” – كَرَاهِيَةً لِمَحْضَرِ عُمَرَ – فَقَالَ عُمَرُ: ” لَا وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ “، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا عَسَيْتَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِي وَاللَّهِ لآتِيَنَّهُمْ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ، فَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ فَقَالَ: ” إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا فَضْلَكَ وَمَا أَعْطَاكَ اللَّهُ وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عَلَيْنَا بِالْأَمْرِ وَكُنَّا نَرَى لِقَرَابَتِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصِيبًا “، حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي، وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَالِ: فَلَمْ آلُ فِيهَا عَنْ الْخَيْرِ، وَلَمْ أَتْرُكْ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُهُ فِيهَا إِلَّا صَنَعْتُهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَبِي بَكْرٍ: مَوْعِدُكَ الْعَشِيَّةَ لِلْبَيْعَةِ ، فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الظُّهْرَ رَقِيَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَتَشَهَّدَ وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ وَتَخَلُّفَهُ عَنْ الْبَيْعَةِ وَعُذْرَهُ بِالَّذِي اعْتَذَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ، وَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ، وَحَدَّثَ أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ نَفَاسَةً عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلَا إِنْكَارًا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ، وَلَكِنَّا نَرَى لَنَا فِي هَذَا الْأَمْرِ نَصِيبًا، فَاسْتَبَدَّ عَلَيْنَا، فَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا، فَسُرَّ بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ، وَقَالُوا: أَصَبْتَ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا حِينَ رَاجَعَ الْأَمْرَ الْمَعْرُوفَ.

رواه البخاري ( 3998 ) ومسلم ( 1759 ).

 

 

 

* وهذه وقفات مع الحديث من كلام أهل العلم:

أ. * قال النووي – رحمه الله -:

أما تأخر علي رضي الله عنه عن البيعة: فقد ذكره علي في هذا الحديث، واعتذر أبو بكر رضي الله عنه، ومع هذا: فتأخره ليس بقادح في البيعة، ولا فيه، أما البيعة: فقد اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس، ولا كل أهل الحل والعقد، وإنما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من العلماء، والرؤساء، ووجوه الناس، وأما عدم القدح فيه: فلأنه لا يجب على كل واحد أن يأتي إلى الإمام فيضع يده في يده، ويبايعه، وإنما يلزمه إذا عقد أهل الحل والعقد للإمام الانقياد له، وأن لا يظهر خلافًا، ولا يشق لعصا، وهكذا كان شأن علي رضي الله عنه في تلك المدة التي قبل بيعته، فإنه لم يُظهر على أبي بكر خلافًا، ولا شق العصا، ولكنه تأخر عن الحضور عنده للعذر المذكور في الحديث، ولم يكن انعقاد البيعة وانبرامها متوقفًا على حضوره، فلم يَجب عليه الحضور لذلك، ولا لغيره، فلما لم يجب: لم يحضر، وما نُقل عنه قدحٌ في البيعة، ولا مخالفة، ولكن بقي في نفسه عتب، فتأخر حضوره إلى أن زال العتب، وكان سبب العتب: أنه مع وجاهته، وفضيلته في نفسه في كل شيء، وقربه من النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك: رأى أنه لا يُستبد بأمر إلا بمشورته، وحضوره، وكان عذر أبي بكر وعمر وسائر الصحابة واضحًا؛ لأنهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين، وخافوا من تأخيرها حصول خلاف، ونزاع، تترتب عليه مفاسد عظيمة، ولهذا أخروا دفن النبي صلى الله عليه وسلم حتى عقدوا البيعة؛ لكونها كانت أهم الأمور، كيلا يقع نزاع في مدفنه، أو كفنه، أو غسله، أو الصلاة عليه، أو غير ذلك، وليس لهم من يفصل الأمور، فرأوا تقدم البيعة أهم الأشياء. ” شرح مسلم ” ( 12 / 77 ، 78 ).

وليس معنى هجران فاطمة رضي الله عنها لأبي بكرٍ رضي الله عنه الهجران المحرَّم، فهي أجنبية عنه أصلا.

ب * قال بدر الدين العيني – رحمه الله -:

معنى هجرانها: انقباضها عن لقائه، وعدم الانبساط، لا الهجران المحرَّم مِن ترك السلام، ونحوه.  ” عمدة القاري شرح صحيح البخاري ” ( 17 / 258 ).

* وقال – رحمه الله -:

قال المهلب: إنما كان هجرها انقباضًا عن لقائه، وترك مواصلته، وليس هذا من الهجران المحرم، وأما المحرَّم من ذلك: أن يلتقيا، فلا يسلم أحدهما على صاحبه، ولم يَروِ أحدٌ أنهما التقيا وامتنعا من التسليم، ولو فعلا ذلك: لم يكونا متهاجريْن، إلا أن تكون النفوس مظهرة للعداوة، والهجران، وإنما لازمت بيتها، فعبَّر الراوي عن ذلك بالهجران. ” عمدة القاري ” ( 15 / 20 ).

 

ج. * وقال – رحمه الله – أيضًا -:

قوله ” حياة فاطمة ” لأنهم كانوا يعذرونه عن ترك المبايعة؛ لاشتغاله بها، وتسلية خاطرها مِن قُرب عهدِ مفارقة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

” عمدة القاري ” ( 17 / 259 ).

د. * وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وكأنهم كانوا يعذرونه في التخلف عن أبي بكر في مدة حياة فاطمة، لشغله بها، وتمريضها، وتسليتها عما هي فيه من الحزن على أبيها صلى الله عليه وسلم؛ ولأنها لما غضبت من رد أبي بكر عليها فيما سألته من الميراث: رأى على أن يوافقها في الانقطاع عنه. ” فتح الباري ” ( 7 / 494 ).

هـ. * وقال – رحمه الله – أيضًا :

قوله ” كراهية ليحضر عمر ” في رواية الأكثر: ” لمحضر عمر “، والسبب في ذلك: ما ألِفوه من قوة عمر، وصلابته، في القول، والفعل، وكان أبو بكر رقيقًا، ليِّنًا، فكأنهم خشوا من حضور عمر كثرة المعاتبة التي قد تفضي إلى خلاف ما قصدوه من المصافاة.

” فتح الباري ” ( 7 / 494 ).

و. وقال – رحمه الله -:

قوله ” ولم ننفس عليك خيرًا ساقه الله إليك ” بفتح الفاء من ننفس، أي: لم نحسدك على الخلافة.

وقوله ” استبددت ” أي: لم تشاورنا، والمراد بالأمر: الخلافة.

ز. قوله ” لقرابتنا ” أي: لأجل قرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم نصيبًا ” أي: لنا في هذا الأمر.

ح. * قال المازري:

ولعل عليّاً أشار إلى أن أبا بكر استبد عليه بأمور عِظام، كان مثله عليه أن يحضره فيها، ويشاوره، أو أنه أشار إلى أنه لم يستشره في عقد الخلافة له أولًا، والعذر لأبي بكر، أنه خشي من التأخر عن البيعة الاختلاف لِما كان وقع من الأنصار في حديث السقيفة فلم ينتظروه. ” فتح الباري ” ( 7 / 494 ).

هذا ما جرى بين فاطمة وأبي بكر، وعلي وأبي بكر، رضي الله عنهم جميعًا، ومن يسمع ويقرأ للرافضة يرى عجبًا، وكذبًا، فها هو علي يعتذر لأبي بكر، ويعظمه، ويعترف له بالخلافة، ويبايعه على رؤوس الأشهاد، وقد سبق من أبي بكر زيارة علي في بيته، والثناء عليه، وعلى آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وقرابته، وتفضيلهم على قرابته هو، فأين الحقد، واللعن، والتقية، والخبث، والسوء، والبغض؟! إنه لا وجود له إلا في عقول وقلوب أولئك المجوس، وهذه الرواية أصح الروايات في المسألة، وقد اتفق على إخراجها البخاري ومسلم رحمهما الله، ولسنا نخفي شيئًا من ديننا، وقد نقلنا فيها عدم رغبة علي رضي الله عنه أن يأتي مع أبي بكر أحد، ولم تُخف عائشة – أو غيرها – أنه لعله المقصود به عمر رضي الله عنه، وقد وافق أبو بكر رضي الله عنه على هذا، ورأى أن هذا الرأي حصيف، وذهب إليه وحده، مع محاولة عمر رضي الله عنه لمنع هذا، وكل واحد له عذره المقبول، في طلبه، أو قبوله، أو منعه، وقد أبطل الله تعالى ما حاول الرافضة إيهام الناس به من سلبٍ للخلافة، ومن إرغام علي رضي الله عنه عليها، وتبين كذبهم، وخبثهم.

ط. * قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قال القرطبي: ” مَن تأمل ما دار بين أبي بكر وعلي من المعاتبة، ومن الاعتذار، وما تضمن ذلك من الإنصاف: عَرف أن بعضهم كان يعترف بفضل الآخر، وأن قلوبهم كانت متفقة على الاحترام، والمحبة، وإن كان الطبع البشري قد يغلب أحيانًا، لكن الديانة ترد ذلك، والله الموفق “.

 

وقد تمسك الرافضة بتأخر علي عن بيعة أبي بكر إلى أن ماتت فاطمة، وهذيانهم في ذلك مشهور، وفي هذا الحديث ما يدفع في حجتهم.

” فتح الباري ” ( 7 / 495 ).

 

والله أعلم.

صناديق الأموال في المساجد، أنواعها، وأحكامها، وتنبيهات مهمة في أمرها

صناديق الأموال في المساجد، أنواعها، وأحكامها، وتنبيهات مهمة في أمرها

السؤال:

تقوم إدارة مسجد منطقتنا بعمل بعض النشاطات، مثل الطعام، وغيره، بعد كل عيد, وتكون هذه المصاريف مأخوذة من ” بيت المال “، فما حكم حضور مثل هذه الأماكن؟ لأنني أرى وجود أمور تستحق أن يُنفق عليها أكثر من هذه الأمور، كمساعدة الفقراء، وشراء الكتب الدعوية، وغيرها من الأمور التي ترضي الله سبحانه وتعالى، وهل أذهب الى هناك اذا دُعيت لذلك؟.

 

الجواب:

الحمد لله

الذي وقفنا عليه في ” صناديق المال ” الموضوعة في المساجد: أنه يوجد تساهل من القائمين عليها في تجميعها، وفي إنفاقها.

* أما تجميعها: فالتساهل له صور، منها:

  1. وضعها في صناديق غير محكمة الإغلاق؛ مما يجرِّؤ ضعاف النفوس على سرقتها.
  2. جعْل أمرها في يد شخص واحد، ومن المعلوم أنّ المال فتنة، وفي فعلهم هذا يعرِّضون ذلك القائم على أمرها لفتنة الأخذ منها لنفسه، وقد حصل جرَّاء هذا تعدِّي ضعاف الإيمان على أموال المسلمين، والأفضل جعل الصناديق في أيدي لجنة مشتركة، ممن يعرفون بالأمانة.
  3. وضع صندوق واحد يتم فيه تجميع الأموال المختلفة ذات وجوه الإنفاق المختلفة، فيتم تجميع مال الكفارات، والصدقات، والزكوات، وهذا خطأ، بل يجب جعل صندوق خاص لكل مال له جهة خاصة في النفقات، فكفارات الأيمان لها صندوق ليُشترى به طعام، والزكاة لها صندوقها الخاص، والصدقات العامة لها صندوقها الخاص.

* وأما التساهل في إنفاقها: فله صور، منها:

  1. إنفاق أموال الزكاة على الطعام، وشراء الكتيبات، وعلى النشاط الدعوي، وهذه كلها ليست من مصارف الزكاة.
  2. الإنفاق على شراء طعام، أو نشاط دعوي، من الصندوق المخصص لإعمار وصيانة المسجد – مثلا -، وينبغي مراعاة النية التي من أجلها دفع صاحب المال ماله، أو المجال الذي خصص ماله من أجله.

 

 

 

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

ما قولكم في ” صندوق البرِّ ” الموضوع في المسجد، يُنفق منه على الطلبة، وغيرهم، هل يوضع فيه من الزكاة؟.

فأجابوا:

مصارف الزكاة بيَّنها الله سبحانه وتعالى بقوله: ( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) التوبة/ 60، وصناديق البرِّ التي توضَع في المساجد غالبًا ما تكون لمصلحة المسجد، ومَن يخدم، أو يتعلم فيه ليست من هذه الأصناف الثمانية، فلا يجوز وضع شيء فيها من الزكاة، ويشرع مساعدة أهلها بغير الزكاة المفروضة؛ لقول الله سبحانه وتعالى: ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ) المائدة/ 2، وقوله: ( وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) الحج/ 77.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.  ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 9 / 453، 454 ).

  1. التساهل في الإنفاق على المشاريع التي يوجد ما هو أولى منها، أو إنفاقها في أمور مبتدعة، كاحتفالات لمناسبات بدعية.

وأما بخصوص مشاركتك معهم في النشاط المأخوذ ماله من صندوق المسجد: فلا مانع منه، وهو يزيد الألفة والمحبة بينك وبين المسلمين المشاركين، وقد يكون ثمة مجال للقاء مسلم جديد فتعلِّمه دينه، أو كافر قد يرغب في الإسلام فتنقذه من نار جهنم، إلا أن هذا مشروط بكون المال المنفَق على ذلك النشاط ليس من أموال الزكاة، أو الكفارات، أو مال إعمار المسجد، فإن كان مالًا من صندوق الصدقات والتبرعات العامَّة: فلا نرى مانعًا من مشاركتك معهم، بل هو أفضل.

 

والله أعلم.

والدهم المطلِّق لأمهم لا يصلي ويشرب الخمر فهل تأثم أمهم إن منعتهم من زيارته؟

والدهم المطلِّق لأمهم لا يصلي ويشرب الخمر فهل تأثم أمهم إن منعتهم من زيارته؟

السؤال:

تزوجت من امرأة مطلقة، وعندها ثلاثة  أبناء من زوجها السابق, ويريد زوجها السابق أن يرى أبناءه بشكل منتظم, لكن لسوء الحظ أنه لا يصلي، ولا يصوم، ويشرب الخمر، ويذهب إلى النوادي الليلية، ولديه عشيقة، وهي حامل منه، فعندما يأخذ أبناءه من عندنا يكون هؤلاء الأولاد حول عائلة أبيهم الذين هم من غير المسلمين, وفي بعض الأحيان يكونون في حالة من السُّكر, وقد لاحظ هؤلاء الأبناء وجود المخدرات, وعندما يعودون إلى المنزل يعودون ورائحتهم تفوح من الدخان.

فهل هذا الأب لا يزال يمتلك الحق في رؤية هؤلاء الصبية، أو أن يأخذهم للعيش معه؟ أرجو الإجابة المدعّمة بالأدلة.

 

الجواب:

الحمد لله

إذا كان ذاك هو حال الأب: فإنه يحرم على الأم تمكين أولادها من رؤيته، فضلًا عن زيارته، فضلًا عن الإقامة عنده؛ لما في ذلك من خطر على دينهم، وأخلاقهم.

والحضانة إنما تكون مع من لا يفرط في أولاده، ومع من يقوم على تربية أولاده، ورعايتهم رعاية حسنة، فإن ثبت تفريط من كان أولاده عنده: انتقلت الحضانة إلى الآخر، والأب هنا جمع بين الكفر والفسق، الكفر في تركه للصلاة، والفسق في شربه للخمر والذهاب للنوادي الليلية واتخاذ العشيقات، وهذا لو كان أبًا من غير طلاق: لما جاز للأم أن تبقى معه، ولا أن تأمن على نفسها ولا أولادها منه، أما وهو الآن مطلِّق: فإن على الأم أن تبذل جهدها في منعه من زيارة أولاده، ومن منعهم من زيارتهم؛ لما في ذلك من الأثر السيئ الذي قد يحدثه اختلاطهم به، وبأولاده، وأيًّا كان الحق الذي للأب عند أحدٍ من العلماء: فإنه يسقط إذا كان ذاك هو حاله، وهي كلمة إجماع.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في حضانة البنات -:

وأحمد وأصحابه إنما يقدِّمون الأب إذا لم يكن عليها في ذلك حرز، فلو قدِّر أن الأب عاجز عن حفظها، وصيانتها، أو مهمل لحفظها، وصيانتها: فإنه يقدَّم الأم في هذه الحالة، فكل من قدمناه من الأبوين: إنما نقدمه إذا حصل به مصلحتها، أو اندفعت به مفسدتها، فأما مع وجود فساد أمرها مع أحدهما: فالآخر أولى بها بلا ريب، حتى الصغير إذا اختار أحد أبويه وقدمناه: إنما نقدمه بشرط حصول مصلحته، وزوال مفسدته، فلو قدَّرنا أن الأب ديوث لا يصونه، والأم تصونه: لم نلتفت إلى اختيار الصبي؛ فإنه ضعيف العقل، قد يختار أحدهما لكونه يوافق هواه الفاسد، ويكون الصبي قصده الفجور، ومعاشرة الفجار، وترك ما ينفعه من العلم، والدين، والأدب، والصناعة، فيختار مِن أبويه مَن يحصل له معه ما يهواه، والآخر قد يرده، ويُصلحه، ومتى كان الأمر كذلك: فلا ريب أنه لا يمكَّن من يفسد معه حاله، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع )، فمتى كان أحد الأبوين يأمره بذلك والآخر لا يأمره: كان عند الذي يأمره بذلك دون الآخر؛ لأن ذلك الآمر له هو المطيع لله ورسوله في تربيته، والآخر عاص لله ورسوله؛ فلا نقدم مَن يعصي الله فيه على من يطيع الله فيه؛ بل يجب إذا كان أحد الأبوين يفعل معه ما أمر الله به ورسوله، ويترك ما حرم الله ورسوله والآخر لا يفعل معه الواجب، أو يفعل معه الحرام : قدِّم من يفعل الواجب، ولو اختار الصبي غيره؛ بل ذلك العاصي لا ولاية له عليه بحال؛ بل كل من لم يقم بالواجب في ولايته: فلا ولاية له عليه؛ بل إما ترفع يده عن الولاية ويقام من يفعل الواجب، وإما أن نضم إليه من يقوم معه بالواجب، فإذا كان مع حصوله عند أحد الأبوين لا تحصل طاعة الله ورسوله في حقه، ومع حصوله عند الآخر تحصل: قدِّم الأول قطعا، وليس هذا الحق من جنس ” الميراث ” الذي يحصل بالرحم، والنكاح، والولاية، إن كان الوارث حاجزًا، أو عاجزًا: بل هو من جنس ” الولاية ” ولاية النكاح، والمال التي لا بد فيها من القدرة على الواجب، وفعله بحسب الإمكان، وإذا قدِّر أن الأب تزوج ضرة، وهي تُترك عند ضرة أمها لا تعمل مصلحتها، بل تؤذيها، أو تقصر في مصلحتها، وأمها تعمل مصلحتها، ولا تؤذيها: فالحضانة هنا للأم، ولو قدِّر أن التخيير مشروع، وأنها اختارت الأم، فكيف إذا لم يكن كذلك؟ ومما ينبغي أن يُعلم أن الشارع ليس له نص عام في تقديم أحد الأبوين مطلقًا، ولا تخيير أحد الأبوين مطلقًا، والعلماء متفقون على أنه لا يتعين أحدهما مطلقًا؛ بل مع العدوان والتفريط لا يقدَّم مَن يكون كذلك على البرِّ، العادل، المحسن، القائم بالواجب.

” مجموع الفتاوى ” ( 34 / 131، 132 ).

وفي ” مجلة البحوث الإسلامية ” ( 53 / 125 – 175 ) مقال بعنوان ” حول تربية الأطفال وتعليم الجهال ” للشيخ الدكتور عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين حفظه الله، وقد أطال النفس فيه فيما يتعلق بمسألتنا، ويصعب علينا نقل كل ما نراه مناسبًا، لذا سننقل نبذاً منه باختصار، عسى أن يكون نافعًا.

* قال – حفظه الله -:

  1. المعتاد والغالب أن الأبناء والذرية يقتدون بالآباء والمربين والمعلمين، كما حكى الله ذلك عن أهل الجاهلية في مثل قوله تعالى: ( إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ . فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ )، وقال تعالى: { مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ).

فالآباء قدوة حسنة، أو سيئة لأولادهم، والاقتداء هو التقليد والاتباع، والتمسك بما عليه الأسلاف من عقيدة أو عمل، فالمعتاد أن الأبناء يحسنون الظن بآبائهم، ويتمسكون بما كانوا عليه، ويعتقدونه سفينة النجاة.

 

  1. وبضد ذلك نرى أن الآباء وأولياء الأمور والمربين والمعلمين متى كانوا منحرفين زائغين؛ ظهر الفساد غالباً فيمن تحت أيديهم من الأطفال، والذراري، فينشئون على استعمال السباب، والشتم، واللعن، والقذف، والعيب، والثلب، وسيئ المقال، أو على الوقاحة، والرذالة، والرعونة، والجفاء، وخشونة الطباع، أو على الانحراف في الأخلاق والطبائع، أو على الحسد، والظلم، والكذب، والخيانة، والسرقة، والاختلاس، والفجور، وقول الزور، أو على المعاصي الظاهرة ولو كانت منكرة في العقل والفطرة، فتراهم يقلدون أكابرهم ومشايخهم في شرب الدخان، وحلق اللحى، وتعاطي المسكرات والمخدرات، والعكوف على سماع الأغاني والملاهي، والنظر في الصور الفاتنة، والصحف الماجنة، والأفلام الهابطة، ونحو ذلك.

ولا شك أن إظهار أمثال هذه المعاصي أمام النشء الصغير غير المميز، مما يدفعه إلى التلوث بها، أو ببعضها، سواء تهاون والده به بادئ ذي بدء أو حذر منها، فإذا أعلن فعلها أمام الأطفال والجهال، حتى نشبوا في تلك الحبائل، ثم حاول تخليصهم وإنقاذهم منها: تعب في ذلك، ولم يستطع، فيندم حين لا ينفع الندم. فلا تسأل عما يحدث من جراء التخلق بمثل هذه الأخلاق الرذيلة، حيث يتحلى الولد بالعقوق والعصيان، والمخالفة الظاهرة لولي أمره، ويصبح كلاًّ على أبويه، يذيقهما مرارة الحياة، ويجرعهما غصص الأذى، حيثما لم يترب على معرفة حق الله تعالى، وما أمر به في حق الأبوين، وإنما يسعى في نيل شهوته البهيمية، واتباع غريزته الدنية، ونيل ما يهواه، دون مبالاة.

 

  1. لا يجوز شرعًا تمكين الكفار من الولاية على المسلمين، فإن ديننا الحنيف قد جاء بالتفريق بين الأقارب لأجل الإسلام، نهى عن موالاة من حاد الله ورسوله ولو كان من الآباء، أو الأبناء، أو العشيرة، فقال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ ).

وذلك أن بقاء المسلم بين ظهراني قوم كفار: يكون سببًا في تعذيبه وأذاه، وإلحاق الضرر به، أو سببًا في افتتانه، ورجوعه عن دينه، وإذا كان هذا يُتصور في الرجل الكبير العاقل: فكيف بالطفل الصغير الذي لا يميز بين الأديان، فيجب إبعاد أولاد المسلمين عن ولاية الكفار، والمشركين، وأهل البدع، والمعاصي؛ وذلك لأن كل فرد – غالبًا – يتأثر بالمجتمع الذي يعيش فيه، ويألف العادات والأعمال والأخلاق المنتشرة الشائعة في الوطن الذي يعيش فيه، وبين المواطنين الذين ينشأ بين ظهرانيهم، وتظهر وتنطبع آثارها في ديانته ومعتقده ومعاملاته.

 

  1. فمتى تربى شخص منذ حداثته على أخلاق، أو عقائد، ونشأ عليها وألفها: فإن تحويله عنها من الصعوبة بمكان، مهما بذلت له المحاولات، وأقيمت عليه البراهين، وأوضحت له الحجج التي تنير الحق، وتبين سفاهة من دان بتلك الأديان الباطلة، أو انتحل تلك النحل الزائغة، أو صدق بتلك العقائد المنحرفة: ( فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ )، فرجوع مثل هذا إلى الصواب مع رسوخ الباطل في ذهنه، شبه المستحيل إلا ما شاء الله.

 

  1. فإن هذه الحضانة والتربية بأيدي الكفار والمضلين لا تجوز شرعًا، فلا يجوز أن يمكَّن الكافر من تولي الطفل المسلم حال طفوليته، ولو كان ذلك الكافر أو المبتدع أباه، أو أخاه، أو قريبه، أو نسيبه، كما أن القريب المسلم إذا كان فاسقًا، أو عاصيًا: لا يجوز أن يتولى حضانة الصبي المسلم مهما كانت قرابته؛ لأنه غير موثوق به في أداء الواجب من الحضانة ، ولا حظَّ للطفل في حضانته ؛ لأنه ينشأ على طريقته، ويقع فيما وقع فيه، وهذا أمر محسوس؛ فإنّ المطلوب من الحضانة أمر زائد على الغذاء والحفظ البدني، والتطهير والتنظيف الظاهر، ذلك الأمر هو التغذية الروحية، وتنمية الفطرة الدينية، وتطبيقها عمليًّا، فمتى كان المربي، أو المعلم، منحرفًا زائغًا في المعتقد، أو متلبسًا بذنبٍ مكفِّر، أو مفسِّق: فإنه يظهر حال تلبسه به أمام أولئك الأطفال، ويوهمهم أن ذلك الذنب حسن، أو لا محذور فيه، فلذلك يشاهَد أن المبتدعة – كالمعتزلة والرافضة ونحوهم – ينشأ أولادهم على معتقدهم الزائغ، كما أن تارك الصلاة، وشارب الخمر، والمدخن، والزاني، وآكل الربا، والسارق، والقاذف، واللعان، والطعان، ونحوهم: يألف أولادهم تلك المعاصي، ويفعلونها محاكاة لآبائهم، ويصعب تحويلهم عنها، حيث نشأوا عليها منذ نعومة أظفارهم، فلا يعرفون سواها، ولم يجدوا موجها صالحا في صغرهم ينبههم على خطرها وضررها. فإذا كان هذا في العصاة والمذنبين فكيف بالكفار والمشركين من النصارى والوثنيين والملحدين.

 

  1. وإليك بعض ما قال علماء الإسلام في حضانة الكافر للمسلم وحكمها، قال أبو محمد بن قدامة في ” المغني ” ( 7 / 612 ): ” ولا تثبت – يعني الحضانة – لكافر على مسلم، وبهذا قال مالك، والشافعي، وسوار، والعنبري. وقال ابن القاسم وأبو ثور وأصحاب الرأي: تثبت له؛ لما روي عن عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه عن جده رافع بن سنان أنه أسلم وأبت امرأته أن تسلم، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ابنتي وهي فطيم أو شبهه. وقال رافع: ابنتي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اقعد ناحية )، وقال لها: ( اقعدي ناحية )، وقال: ( ادعواها )، فمالت الصبية إلى أمِّها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اللهم اهدها ) فمالت إلى أبيها فأخذها ) رواه أبو داود.

ولنا: أنها ولاية، فلا تثبت لكافر على مسلم، كولاية النكاح والمال، ولأنها إذا لم تثبت للفاسق: فالكافر أولى؛ فإن ضرره أكثر، فإنه يفتنه عن دينه، ويخرجه عن الإسلام، بتعليمه الكفر، وتزيينه له، وتربيته عليه، وهذا أعظم الضرر، والحضانة إنما تثبت لحظ الولد، فلا تشرع على وجه يكون فيه هلاكه، وهلاك دينه.

فأما الحديث: فقد روي على غير هذا الوجه، ولا يُثبته أهل النقل، وفي إسناده مقال.

قال ابن المنذر: ويحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أنها تختار أباها بدعوته، فكان ذلك خاصًّا في حقه ا.هـ. انتهى.

وهذا الخلاف المذكور وقع فيما إذا كان الكافر قريبا للطفل، كالأم التي هي أولى بالحضانة، وأعرف بشئون التنظيف والعناية بالطفل، وأصبر على حمله وفصاله، وأعرف بتغذيته ورعاية مصالحه.

* وقال ابن حزم في ” المحلى ” ( 11 / 742 ):

” الأم أحق بحضانة الولد الصغير والابنة الصغيرة حتى يبلغا المحيض، أو الاحتلام، أو الإنبات مع التمييز، وصحة الجسم، فإن لم تكن الأم مأمونة في دينها، ودنياها: نُظر لهما بالأحوط في دينهما، ثم دنياهما، فحيثما كانت الحياطة لهما في كلا الوجهين: وجبت هنالك، عند الأب، أو الأخ، أو الأخت، أو العمة، أو الخالة، أو العم، أو الخال، وذو الرحم أولى من غيرهم بكل حال، والدين مغلب على الدنيا.  انتهى.

 

  1. لكن متى بلغ الطفل سنا يميز به، ويعرف ما يتدين به، ويتأثر بالتلقين، ويخاف أن يألف أعمال الكفار ويميل إليها، وجب نزعه من أحضان أقاربه غير المسلمين، وتسليمه إلى من يسعى في إصلاحه، ويربيه التربية الإسلامية، وهذا واجب على المسلمين. انتهى.

* والخلاصة:

لا تمكنوا ذلك الأب الكافر من رؤية أولاده، ولا الأولاد من رؤيته، ولا تمكنوهم من زيارته، ولا الإقامة عنده؛ لما في ذلك من الخطر الشديد على دينهم، وسلوكهم، واعلموا أن السؤال لو كان عن رجال بالغين عاقلين: لكان الحكم نفسه، وهو عدم جواز زيارته والاختلاط به، إلا من أجل نصحه ودعوته، ولا شك أن خطره على الصغار أعظم من خطره على الكبار، فيتحتم عليكم المنع.

 

والله أعلم.