الرئيسية بلوق الصفحة 109

حكم التبني دون تغيير اسم اليتيم

السؤال:

الكثير من اللاجئين الكوسوفيين يدخلون أمريكا وربما ترعاهم منظمات نصرانية.

بعض الأخوة يريدون أن يكفلوا الأيتام بأن يأخذوهم ليعيشوا في بيوتهم ويطعموهم.

أحد الشيوخ قال بأن هذا حرام فلا يجوز التبني في الإسلام ولم يشجع الناس على كفالة الأيتام. هل الإسلام يسمح لنا بأن نتبنى الأيتام وبدون تغيير اسم اليتيم؟

هل يعتبر اليتيم المكفول كطفل للكافل؟

 

الجواب:

الحمد لله

– هناك فرق بين التبني وكفالة اليتيم.

  • أما التبني: فهو أن يتخذ الرجل يتيمًا من الأيتام فيجعله كأحد أبنائه الذين هم من صلبه ويدعى باسمه ولا تحل له محارم ذلك الرجل فأولاده إخوة لليتيم وبناته أخوات له وأخواته عماته وما أشبه ذلك, وهذا كان من فعل الجاهلية الأولى، حتى أن هذه التسميات لصقت ببعض الصحابة كالمقداد بن الأسود حيث أن اسم أبيه ( عمرو ) ولكنه يقال له ابن الأسود باسم الذي تبناه.

وظل كذلك في أول الإسلام حتى حرم الله ذلك في قصة مشهورة حيث كان زيد بن حارثة يدعى زيد بن محمد، وكان زوجاً لزينب بنت جحش فطلقها زيد.

عن أنس قال: لما انقضت عدة زينب قال رسول الله لزيد بن حارثة: ” اذهب فاذكرها علي فانطلق حتى أتاها وهي تخمر عجينها, قال: يا زينب ابشري أرسلني رسول الله يذكرك قالت: ما أنا بصانعة شيئًا حتى أُوامر ربي فقامت إلى مسجدها وجاء رسول الله صلى الله  فدخل عليها0000

وفي هذا أنزل الله قوله: { وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرًا  زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً وكان أمر الله مفعولاً} ( الأحزاب / 37 ). رواه مسلم ( 1428 ).

  • وقد حرم الله تعالى التبني لأن فيه:
  • تضيع الأنساب وقد أمرنا بحفظ أنسابنا.

عن أبي ذر رضي الله عنه أنه سمع النبي  صلى الله عليه وسلم يقول: ” ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر ومن ادَّعى  قوما ليس له فيهم نسب فليتبوأ مقعده من النار “. رواه البخاري ( 3317 ) ومسلم ( 61 ).

ومعنى كفر: أي جاء بأفعال الكفار لا أنه خرج من الدين.

  • لأن فيه تحريمًا لما أحل الله وتحليلًا لما حرم.

فإن تحريم بنات المتبني مثلًا على اليتيم فيه تحريم للمباح الذي لم يحرمه الله تعالى واستحلال الميراث من بعد موت المتبني مثلاً فيه إباحة ما حرم الله لأن الميراث من حق الأولاد الذين هم من الصلب.

  • قد يُحدث هذا الشحناء والبغضاء بين المتبنى وأولاد المتبني.

لأنه سيضيع عليهم بعض الحقوق التي ستذهب إلى هذا اليتيم بغير وجه حق وهم بقرارة أنفسهم يعلمون أنه ليس كفؤًا لهم.

ب – أما كفالة اليتيم فهي أن يجعل الرجل اليتيم في بيته أو أن يتكفل به في غير بيته دون أن ينسبه إليه، ودون أن يحرم عليه الحلال أو أن يحل له الحرام كما هو في التبني، بل يكون المتبني بصفة الكريم المنعم بعد الله تعالى، فلا يقاس كافل اليتيم على المتبني لفارق الشبه بينهما وإن كفالة اليتيم مما حث عليه الإسلام.

  • قال تعالى: { ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم } ( البقرة / 220 ).
  • وقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم كفالة اليتيم سببًا لمرافقته في الجنة مع الملازمة .

عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” وأنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا – وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئًا – “.

رواه البخاري ( 4998 ).

ولكن يجب التنبيه على أن هؤلاء الأيتام متى بلغوا الحلم يجب فصلهم عن نساء الكافل وبناته وألا يصلح من جانب ويفسد من جانب آخر كما أنه ينبغي العلم بأن المكفول قد تكون يتيمة وقد تكون جميلة تشتهى قبل البلوغ فيجب على الكافل أن يراقب أبناءه من أن يقعوا بالمحرمات مع الأيتام لأن هذا قد يحدث ويكون سبباً للفساد الذي قد يعسر إصلاحه.

ثم إننا نحث إخواننا على كفالة الأيتام وأن هذا من الأخلاق التي يندر فعلها إلا عند من وهبه الله الصلاح وحب الخير والعطف على الأيتام والمساكين، لا سيما إخواننا في كوسوفو والشيشان فقد لاقوا من الضنك والعذاب ما نسأل الله تعالى أن يفرّج عنهم كربهم و شدائدهم.

والله  أعلم.

حكم صيام يوم السبت

السؤال:

هل صيام يوم السبت مكروه؟  لأنني أصوم أيام 13 و 14 و 15 من الأشهر القمرية وقال لي أحد الأخوة بأنه ليس من المستحب الصيام في يوم السبت بدون مناسبة, إذا كان كلامه صحيح فهل الأيام البيض تعد مناسبة؟

 

الحمد لله

ـ أما صيام يوم السبت فقد اختلف فيه العلماء قديمًا وحديثًا خلافًا طويلًا من عدة وجوه:

1ـ من الناحية الحديثية. 2ـ ومن الناحية الأصولية.

3ـ ومن الناحية الفقهية.

  1. أما من الناحية الحديثية:

فإنَّ الحديث الذي ينهى عن صيام يوم السبت مختلف في صحته وضعفه بين العلماء  قديمًا وحديثًا، والحديث هو:

عن عبد الله بن بسر عن أخته: ”  أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال: ” لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض الله عليكم فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة أو عود شجرة  فليمضغه  “.رواه الترمذي ( 744 ) وأبو داود ( 2421 ) وابن ماجه (1726 ).

والحديث: كان الإمام أحمد يتقيه.

قال ابن تيمية: فهذا تضعيف للحديث.

وقال: وعلى هذا فيكون الحديث إما شاذًّا أو منسوخًا وهذه طريقة قدماء أصحاب أحمد الذين صحبوه، كالأثرم وأبي داود.

” اقتضاء الصراط المستقيم ” ( ص 36 ).

وقال أبو داود: حديث منسوخ.

وقال أبو داود: قال مالك: هذا كذب.

وأعله بالاضطراب: النسائي والحافظ ابن حجر.

انظر ” التلخيص الحبير ” ( 2 / 216 ).

أما الأحاديث الأخرى التي تعارضه فهي:

1 – عن جويرية  بنت الحارث رضي الله عنها: ”  أن النبي  صلى الله عليه وسلم  دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال: أصمت أمس؟ قالت: لا، قال: تريدين أن تصومي غدًا؟ قالت: لا، قال: فأفطري، فأفطرت “.

رواه البخاري ( 1885 ).

2 –  عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: ”  بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أني أسرد الصوم وأصلي الليل فإما أرسل إلي وإما لقيته فقال: ألم أخبر أنك تصوم ولا تفطر وتصلي ولا تنام فصم وأفطر وقم ونم فإن لعينك عليك حظًا وإن لنفسك وأهلك عليك حظًا قال إني لأقوى لذلك قال فصم صيام داود عليه السلام قال: وكيف, قال: كان يصوم يومًا ويفطر يومًا ولا يفر إذا لاقى قال من لي بهذه يا نبي الله “.

رواه البخاري ( 1876 ) ومسلم ( 1159 ).

3 -عن أبي سلمة قال سألتُ عائشة رضي الله عنها عن صيام رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فقالت: كان يصوم حتى نقول قد صام ويفطر حتى نقول قد أفطر ولم أره صائمًا من شهر قط أكثر من صيامه من شعبان كان يصوم شعبان كله كان يصوم شعبان إلا قليلًا.  رواه البخاري ( 1868 ) ومسلم ( 1156 ).

  1. ومن الناحية الأصولية:

قد عارض هذا الحديث أحاديث أخرى جعلها بعضهم أنها مختلفة أصوليًّا

فهذا الحديث ينهى والأحاديث الأخرى تبيح. وقالوا: النهي مقدم على الإثبات.

هو قول والأخرى فعل وقالوا : القول مقدم على الفعل.

هو منطوق وغيره مفهوم – حسب فهمهم – طبعًا.

وقال أبو داود هو منسوخ وغيره ناسخ.

وقال بعضهم حديث النهي خاص وغيره عام, فنخصص الخاص ونبقي سائر العموم على عمومه.

  1. أما من الناحية الفقهية:

قال الذين يمنعون صيامه في الحديث:

1ـ أن فيه حظرًا، وغيره من الأحاديث المعارضة فيها الإباحة، والحاظر مقدم على المبيح عند الأصوليين.

2ـ هو قول، وغيره فعل، والأقوال مقدمة على الأفعال.

3ـ هو منطوق صريح، وغيره مفهوم غير صريح، والمنطوق مقدم على المفهوم.

الرد على هذه الآراء:

ـ إنّ المعلوم عند الأصوليين: أنـه لا يصار إلـــى الترجيح – الذي منه هذه الأوجه الثلاثة التي ذكرها المانعون من صوم يوم السبت – إلا عنـد تعذر الجمـع بين سائـر الأحاديث، والجمع هنا لا يتعذر؛ لأن ترجيح حديث على حديث فيه إهمال لبعض النصوص، والأصل إعمال النصوص لا إهمالها.

ـ ثم إننا لا نسلم لهم في بعض ما ذكروه، مثل: أن هذا قول وغيره فعل والقول مقدم على الفعل؛ لأن هناك أفعالًا مقدمة علـى الأقوال؛ لأن الفعل حادثة تقع أمام الرائي فنسيانها أصعب من نسيان القول الذي هو عبارة أو عبارتان قد يسمع بعضها ولا يسمع الآخر ويفهم بعض الذي سمعه على غير المراد وحديث النهي من هذا النوع.

وقد تقع بعض الأفعال منه صلى الله عليه وسلم في آخر حياته وأمام الآلاف من أصحابه فيقدم حينئذ مثل هذا الفعل على قول متقدم أمام عدد قليل من الصحابة.

هذا مع منازعتنا لهم بأن كل الأحاديث المبيحة أفعال، بل إن فيها أقوال مثل حديث:

” فصم صيام داود عليه السلام قال: وكيف, قال: كان يصوم يومًا ويفطر يومًا ولا يفر إذا لاقى قال من لي بهذه يا نبي الله “. رواه البخاري ( 1876 ) ومسلم ( 1159 ).

  • فهذا قول وليس فعل.

ـ أما قولهم:

إن حديث النهي منطوق وأحاديث الإثبات مفهومة: فهذا لا نسلم لهم به أيضًا. فهل قول الرسول صلى الله عليه وسلم ” هل تريدين صيام غد ” من المفهوم؟، الجواب: لا ليس مفهومًا لأن معنى المفهوم هو المستنبط، وقد يخطئ المستنبط ويزل في فهمه ولكن حديثنا لا يزل في فهمه عاقل، وكيف له أن يزل والأمر أوضح ما يكون؟ فلو قال القائل وهو في يوم جمعة: سأسافر غدًا، هل يفهم من هذا غير يوم السبت؟ لا، إذًا احتمال الزلل غير وارد فاستوى المنطوق والمفهوم لو سلمنا لهم أنه مفهوم.

وقال المبيحون لصيام يوم السبت: يجب أن نجمع بين الأحاديث فيكون المراد من النهي عن صيام يوم السبت هو التخصيص وهذا يشبه يوم الجمعة لأن النهي ورد فيه على التخصيص.

 * قال ابن تيمية:

وأما أكثر أصحابنا: ففهموا من كلام أحمد الأخذ بالحديث، وحمله على الإفراد، فإنه سئل عن عين الحكم فأجاب بالحديث وجوابه بالحديث: يقتضي اتباعه، وما ذكر عن يحيى: إنما هو بيان ما وقع فيه من الشبهة، وهؤلاء يكرهون إفراده بالصوم عملًا بهذا الحديث، بجودة إسناده، وذلك موجب للعمل به، وحملوه على الإفراد، كصوم يوم الجمعة، وشهر رجب. وقد روى أحمد في المسند من حديث ابن لهيعة: حدثنا موسى بن وردان عن عبيد الأعرج حدثتني جدتي – يعني الصماء –  ” أنها دخلت على رسول صلى الله عليه وسلم يوم السبت، وهو يتغدى فقال: تعالي تغدّي, فقالت: إني صائمة، فقال لها أصمت أمس؟ قالت: لا, قال: كلي فإن صيام يوم السبت لا لك ولا عليك “.

وهذا وإن كان إسناده ضعيفًا، لكن تدل عليه سائر الأحاديث, وعلى هذا فيكون قوله ” لا تصوموا يوم السبت ” أي: لا تقصدوا صيامه بعينه إلا في الفرض، فإن الرجل يقصد صومه بعينه، بحيث لو لم يجب عليه إلا صوم يوم السبت، كمن أسلم ولم يبقِ من الشهر إلا يوم السبت: فإنه يصومه وحده.

وأيضًا: فقصده بعينه في الفرض لا يكره، بخلاف قصده بعينه في النفل، فإنه يكره، ولا تزول الكراهة إلا بضم غيره إليه، أو موافقته عادة، فالمزيل للكراهة في الفرض مجرد كونه فرضًا، لا للمقارنة بينه وبين غيره، وأما في النفل فالمزيل للكراهة ضم غيره إليه، أو موافقته عادة ونحو ذلك. ” اقتضاء الصراط ” (ص265).

    وأما علة النهي عن صيام يوم السبت فقد قال شيخ الإسلام:

ثم اختلف هؤلاء في تعليل الكراهة، فعللها ابن عقيل: بأنه يوم تمسك فيه اليهود، ويخصونه بالإمساك، وترك العمل فيه، والصائم في مظنة ترك العمل، فيصير صومه تشبهًا بهم، وهذه العلة منتفية في الأحد.

وعلله طائفة من الأصحاب: بأنه يوم عيد لأهل الكتاب يعظمونه، فقصده بالصوم دون غيره يكون تعظيما له، فكره ذلك كما كره إفراد عاشوراء بالتعظيم لما عظمه أهل الكتاب، وإفراد رجب أيضًا لما عظمه المشركون، وهذا التعليل قد يعارض بيوم الأحد فإنه يوم عيد النصارى، فإنه صلى الله عليه وسلم قال: ” اليوم لنا، وغدًا لليهود، وبعد غدٍ للنصارى “. وقد يقال: إذا كان يوم عيد فمخالفتهم فيه بالصوم لا بالفطر، ويدل على ذلك: ما رواه كريب مولى ابن عباس قال: أرسلني ابن عباس وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أم سلمة أسألها: أي الأيام كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر صيامًا لها؟ قالت: كان يصوم يوم السبت، ويوم الأحد أكثر ما يصوم من الأيام، ويقول: ” إنهما يوما عيد للمشركين, فأنا أحب أن أخالفهم “. رواه أحمد وابن أبي عاصم والنسائي وصححه بعض الحفاظ، وهذا نص في استحباب صوم يوم عيدهم لأجل قصد مخالفتهم وقد روى عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من الشهر: السبت والأحد والإثنين، ومن الشهر الآخر: الثلاثاء والأربعاء والخميس. رواه الترمذي، وقال: حديث حسن. قال: وقد روى ابن مهدي هذا الحديث عن سفيان ولم يرفعه.

وهذان الحديثان ليسا بحجة على مـن كره صوم يوم السبت وحـده، وعلل ذلك بأنهـم يتركون فيه العمل والصوم مظنة ذلك، فإنه إذا صام السبت والأحد زال الإفراد المكروه، وحصلت المخالفة بصوم يوم فطرهم. ” الاقتضاء ” ( ص 265 ).

وبهذا يترجح أن صوم السبت لا يجوز صومه مفردًا لذاته إلا أن يصادف مناسبة صوم كصوم يوم عرفة أو يوم عاشوراء، أو وافق صوم عادةٍ كمن يصوم يومًا ويفطر يومًا ووافق يوم السبت يوم الصوم.

ويجوز صومه مع غيره كمن صام الجمعة ولم يصم الخميس فإنه يصومه في هذه الحالة وإلا فلا.

 

والله أعلم.

كيف ينسحب المحدث من الصف وحكم التحية بسلام فقط؟

كيف ينسحب المحدث من الصف وحكم التحية بسلام فقط؟

1- إذا كنت إماما في جماعة أو مأموما ثم أحدثت، فكيف أقطع صلاتي؟

مثلا كنت واقفا أمام الجماعة ونحن بمنتصف الصلاة فكيف اتصرف؟

2- أخبرني أحدهم بأنه لا يجوز أن أسلم على المسلمين بقول: ” السلام ” فقط وأن هذه العبارة تقال لغير المسلمين فقط، فما مدى صحة هذا القول؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

إذا أراد المصلي أن يخرج من صلاته وقد جاءه من الأسباب التي تنقضها كفساد الوضوء مثلاً فإنه يخرج من الصلاة دون أن يسلم.

عن عبد الله بن مالك بن بحينة ” أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا وقد أقيمت الصلاة يصلي ركعتين فلما انصرف رسول الله  صلى الله عليه وسلم لاث به الناس وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح أربعًا الصبح أربعًا  “. رواه البخاري ( 632 ) ومسلم ( 711 ).

لاث: أحاط.

وقد وردت هذه القصة مع ابن عباس رضي الله عنه في رواية في صحيح ابن خزيمة ( 2 / 169 ) عن ابن عباس قال: ” أقيمت الصلاة ولم أصل الركعتين فرآني وأنا أصليهما فنهاني فجذبني وقال تريد أن تصلي للصبح أربعا قيل لأبي عامر يعني صالح بن رستم النبي  صلى الله عليه وسلم  قال نعم “.

ففي الحديث دليل على أن من بطلت صلاته يخرج منها من غير تسليم لأن الصحابي هذا قد بطلت صلاته لأن الرسول صلى الله عليه و سلم قال: ”  إذا  أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة “. رواه مسلم ( 710 ).

ولو لم تبطل لما جذبه الرسول صلى الله عليه وسلم ولأمره أن يسلم التسليمتين ففيه دليل على أن من بطلت صلاته فإنه يخرج من الصلاة بدون تسليم.

ثم إن الرسول صلى الله عليه و سلم قال في حديث عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: ” مفتاح الصلاة  الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم  “. رواه الترمذي ( 3 ) وابن ماجه ( 275 ).

والحديث: حسَّنه البغوي والنووي كما في ” خلاصة البدر المنير ” ( 1 / 111)، و ” نصب الراية ” ( 1 / 307 ).

فمعنى التحليل: الخروج من الصلاة فما دام أن وضوءه قد انتقض فصلاته باطلة، وليس ثم صلاة يخرج منها أو يتحلل منها.

أما إن أراد أن يخرج من الصلاة لطارئ غير هذا كاحتياجه لقضاء الحاجة أو لمرض فإنه يخرج من الصلاة بالتسليمتين لأنه لم يزل محرما ولا يخرج المحرم من صلاته إلا بالتسليمتين والدليل على ذلك حديث علي السابق.

ثانيا: ولا فرق في ذلك بين الإمام والمأموم إلا أن الإمام يجب عليه أن يستنيب أقرأ القوم فيقدمه ثم إذا انصرف الإمام خرج من الصلاة وشق الصفوف بلطف وسكينة ثم خرج من المسجد  ليستقبل وضوءاً جديداً ثم يرجع ليصلي مع المسلمين.

ثالثا:

أما أن الرجل يصلي ثم لا ينوي أن يكون مأموما ثم يصير مأموما فقد جاء في

الصحيحين – البخاري ( 652 ) ومسلم ( 421 ) – عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم فحانت الصلاة فجاء المؤذن إلى أبي بكر فقال أتصلي بالناس فأقيم قال نعم قال فصلى أبو بكر فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس في الصلاة فتخلص حتى وقف في الصف فصفق الناس وكان أبو بكر لا يلتفت في الصلاة فلما أكثر الناس التصفيق التفت فرأى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن امكث مكانك فرفع أبو بكر يديه فحمد الله عز وجل على ما أمره به رسول الله  صلى الله عليه وسلم من ذلك ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف وتقدم النبي صلى الله عليه وسلم فصلى ثم انصرف فقال يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك قال أبو بكر ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مالي رأيتكم أكثرتم التصفيق من نابه شيء في صلاته فليسبح فإنه إذا سبح التفت إليه وإنما التصفيح للنساء   “.

فالحديث فيه أن أبا بكر دخل في الصلاة بنية الإمامة ثم صار مأموما.

رابعا:

أما سؤالك أنه لا يجوز السلام على المسلمين بصيغة السلام فقط:

فالجواب: أن السلام خلق حسن عند المسلمين حث عليه الإسلام الحنيف ودعا إليه.

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: ”  أن رجلا سأل النبي  صلى الله عليه وسلم أي الإسلام خير؟ قال: تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف “. رواه البخاري ( 12 ) ومسلم ( 39 ).

وما من مسلم إلا ويحفظ قول الله تعالى:{ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها }  ( النساء / 86 ).

وقد اتفق الناس على أن هذا في المسلمين ثم لم يتفقوا هل هو عام في الكافرين أيضاً أو لا.

 

وقد قال ابن بطال:

قال قوم رد السلام على أهل الذمة فرض لعموم الآية وثبت عن بن عباس أنه قال من سلم عليك فرد عليه ولو كان مجوسيًّا وبه قال الشعبي وقتادة ومنع من ذلك مالك والجمهور وقال عطاء الآية مخصوصة بالمسلمين فلا يرد السلام على الكافر مطلقًا فان أراد منع الرد بالسلام. ” فتح الباري ” ( 11 / 42 ).

والصحيح: أنه لا يجوز للمسلمين أن يبدؤوا المشركين بالسلام ومعنى رد السلام كما هو في كلام ابن بطال أي بعد أن يلقي المشرك على المسلم السلام فإنه يجب على المسلم أن يرد عليه التحية وهذا قاله كثير من العلماء كما علمت.

ثم اختلفوا في كون التحية كاملة أم أنه يقتصر على قوله ( وعليكم ).

عن  ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن اليهود إذا سلموا عليكم  يقول أحدهم السام عليكم، فقل: عليك “.

رواه البخاري (  5902 ) ومسلم ( 2164 ) – واللفظ له -.

– ومعنى السام: الموت

قال الشيخ الألباني رحمه الله:

والرد عليهم بـ (وعليكم ) محمول عندي على ما إذا لم يكن سلامهم صريحا، وإلا وجب مقابلتهم بالمثل: وعليكم السلام، لعموم قوله تعالى:{ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها } ( النساء / 86 )،  ولمفهوم قوله صلى الله عليه وسلم: إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم السام عليكم- فقل وعليك ” متفق عليه.

” السلسلة الصحيحة ” ( 5 / 291 ).

خامسا:

أما الاقتصار على قولك للمسلم (السلام) فقط فهذا غير حسن من جهة أنك ضيعت السنة.

ولا يحسب أجر إلقاء السلام إلا بقول المسلِّم ” السلام عليكم ” وهو الحد الأدنى من التحية الشرعية.

عن عمران بن حصين أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال السلام عليكم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم ” عشر ” ثم جاء آخر فقال السلام عليكم ورحمة الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم ” عشرون ” ثم جاء آخر فقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فقال النبي صلى الله عليه وسلم ” ثلاثون “.

رواه الترمذي ( 2689 ) وأبو داود ( 5195 ).

والحديث: حسَّنه الترمذي وقوَّاه ابن حجر في ” الفتح ” ( 11 / 6 ).

 

والله أعلم.

كيف يُصلّون في الدول التي لا تغيب عنها الشمس؟

السؤال:

بالنسبة للدول التي لا يحل فيها الظلام في فصل الصيف فكيف يصلون المغرب والعشاء؟ وماذا يفعلون في شهر رمضان حيث يحل في ذلك الوقت، فكيف يصوموا؟

 

الجواب:

الحمد لله

عن النواس بن سمعان قال: ” ذكر رسول الله  صلى الله عليه وسلم الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في طائفة النخل فلما رحنا إليه عرف ذلك فينا فقال ما شأنكم قلنا يا رسول الله ذكرت الدجال غداة فخفضت فيه ورفعت حتى ظنناه في طائفة النخل فقال غير الدجال أخوفني عليكم إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه والله خليفتي على كل مسلم قلنا: يا رسول الله وما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يومًا, يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم قلنا: يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا اقدروا له قدره0000 “. رواه مسلم ( 2937 ).

* قال الإمام النووي – رحمه الله -:

وأما قولهم ” يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا اقدروا له قدره “، فقال القاضي وغيره: هذا حكم مخصوص بذلك اليوم شرعه لنا صاحب الشرع، قالوا: ولولا هذا الحديث ووكلنا إلى اجتهادنا لاقتصرنا فيه على الصلوات الخمس عند الأوقات المعروفة في غيره من الأيام، ومعنى ” اقدروا له قدره “: أنه إذا مضى بعد طلوع الفجر قدر ما يكون بينه وبين الظهر كل يوم فصلوا الظهر ثم إذا مضى بعده قدر ما يكون بينها وبين العصر فصلوا العصر وإذا مضى بعد هذا قدر ما يكون بينها وبين المغرب فصلوا المغرب وكذا العشاء والصبح ثم الظهر ثم العصر ثم المغرب وهكذا حتى ينقضي ذلك اليوم وقد وقع فيه صلوات سنة فرائض كلها مؤدّاة في وقتها وأما الثاني الذي كشهر والثالث الذي كجمعة فقياس اليوم الأول أن يقدر لهما كاليوم الأول على ما ذكرناه، والله أعلم.

” شرح النووي على صحيح مسلم ” ( 18 / 66 ).

هذا وقد صدرت فتوى رقم (2769) من هيئة كبار العلماء واللجنة الدائمة في هذه المسألة بمثل ما ذكرناه، وهذا نص السؤال والجواب:

الحمد لله وحده والصلاة السلام على من لا نبي بعده .. وبعد:

فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ما ورد إلى سماحة الرئيس العام من المستفتي الأمين العام لاتحاد الطلبة المسلمين بهولندا، والمحال إلى اللجنة من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء والسؤال نصه: نرجو من سماحتكم التفضل بموافاتنا بالفتوى اللازمة لكيفية تعيين أوقات صلاة المغرب والعشاء والصبح، وكذلك تعيين أول رمضان، وأول أيام عيد الفطر المبارك، ذلك أنه بالنسبة إلى حركة شروق وغروب الشمس في بلدان شمال أوربا والقريبة من القطب الشمالي تختلف عن مثيلتها في بلدان الشرق الإسلامي، والسبب في ذلك يرجع إلى وقت مغيب الشفق الأحمر والأبيض، فيلاحظ أن الشفق الأبيض في الصيف يمتد حتى يكاد يستغرق الليل كله فيصعب تحديد وقت العشاء وكذلك طلوع الصبح؟

والجواب:

لقد صدر قرار هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية في بيان تحديد أوقات الصلوات، وتحديد بدء صباح كل يوم ونهايته في رمضان في بلاد مماثلة لبلادكم هذا مضمونه:

بعد الاطلاع والدراسة والمناقشة قرر المجلس ما يلي:

أولًا:

من كان يقيم في بلاد يتمايز فيها الليل من النهار بطلوع فجر وغروب شمس إلا أن نهارها يطول جدًّا في الصيف ويقصر في الشتاء وجب عليه أن يصلي الصلوات الخمس في أوقاتها المعروفة شرعاً. لعموم قوله تعالى { أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودًا } ( الإسراء / 78) وقوله تعالى{ إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتًا } ( النساء / 103 ) ولما ثبت عن بريدة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله رجل عن وقت الصلاة فقال له: «صل معنا هذين» يعني اليومين، فلما زالت الشمس أمر بلالًا فأذن، ثم أمره فأقام الظهر، ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية، ثم أمره فأقام المغرب حين غابت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر، فلما كان اليوم الثاني أمره أن يبرد بالظهر فأبرد بها، فأنعم أن يبرد بها وصلى العصر والشمس مرتفعة، أخرها فوق الذي كان وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق، وصلى العشاء بعد ما ذهب ثلث الليل، وصلى الفجر فأسفر بها ثم قال: «أين السائل عن وقت الصلاة» فقال الرجل أنا يا رسول الله قال: «وقت صلاتكم بين ما رأيتم» رواه البخاري ومسلم.

وعن عبدالله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة فإنها تطلع بين قرني شيطان» أخرجه مسلم في صحيحه.

 

إلى غير ذلك من الأحاديث التي وردت في تحديد أوقات الصلوات الخمس قولاً وفعلاً ولم تفرق بين طول النهار وقصره وطول الليل وقصره ما دامت أوقات الصلوات متمايزة بالعلامات التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهذا بالنسبة لتحديد أوقات صلاتهم، وأما بالنسبة لتحديد أوقات صيامهم شهر رمضان فعلى المكلفين أن يمسكوا كل يوم منه عن الطعام والشراب وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس في بلادهم ما دام النهار يتمايز في بلادهم من الليل وكان مجموع زمانهما أربعًا وعشرين ساعة. ويحل لهم الطعام والشراب والجماع ونحوها في ليلهم فقط وإن كان قصيرًا، فإن شريعة الإسلام عامة للناس في جميع البلاد وقد قال الله تعالى: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل}.

ومن عجز عن إتمام صوم يوم لطوله، أو علم بالأمارات أو التجربة أو إخبار طبيب أمين حاذق، أو غلب على ظنه أن الصوم يفضي إلى إهلاكه أو مرضه مرضًا شديدًا، أو يفضي إلى زيادة مرضه أو بطء برئه أفطر ويقضي الأيام التي أفطرها في أي شهر تمكن فيه من القضاء قال تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر}، وقال الله تعالى: {لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وقال: {وما جعل عليكم في الدين من حرج}.

ثانيًا:

من كان يقيم في بلاد لا تغيب عنها الشمس صيفًا ولا تطلع فيها الشمس شتاء، أو في بلاد يستمر نهارها إلى ستة أشهر، ويستمر ليلها ستة أشهر مثلًا وجب عليهم أن يصلوا الصلوات الخمس في كل أربع وعشرين ساعة، وأن يقدروا لها أوقاتها ويحددوها معتمدين في ذلك على أقرب بلاد إليهم تتمايز فيها أوقات الصلوات المفروضة بعضها من بعض، لما ثبت في حديث الإسراء والمعراج من أن الله تعالى فرض على هذه الأمة خمسين صلاة كل يوم وليلة فلم يزل النبي يسأل ربه التخفيف حتى قال: «يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر فذلك خمسون صلاة …» إلى آخره.

ولما ثبت من حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم  فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «خمس صلوات في اليوم والليلة» فقال: هل علي غيرهن قال: «لا ، إلا أن تطوع…» الحديث.

ولما ثبت من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد أتانا رسولك فزعم أنك تزعم أن الله أرسلك قال: «صدق» إلى أن قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا قال: «صدق» قال فبالذي أرسلك: آلله أمرك بهذا؟ قال: «نعم…» الحديث.

وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم حدث أصحابه عن المسيح الدجال فقيل له ما لبثه في الأرض قال: «أربعون يوماً يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم» فقيل: يا رسول الله اليوم الذي كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: «لا، اقدروا له» فلم يعتبر اليوم الذي كسنة يوماً واحداً يكفي فيه خمس صلوات بل أوجب فيه خمس صلوات في كل أربع وعشرين ساعة، وأمرهم أن يوزعوها على أوقاتها اعتباراً بالأبعاد الزمنية التي بين أوقاتها في اليوم العادي في بلادهم.

فيجب على المسلمين في البلاد المسئول عن تحديد أوقات الصلوات فيها أن يحددوا أوقات صلاتهم معتمدين في ذلك على أقرب بلاد إليهم يتمايز فيها الليل من النهار وتعرف فيها أوقات الصلوات الخمس بعلاماتها الشرعية في كل أربع وعشرين ساعة.

وكذلك يجب عليهم صيام شهر رمضان وعليهم أن يقدروا لصيامهم فيحددوا بدء شهر رمضان ونهايته وبدء الإمساك والإفطار في كل يوم منه ببدء الشهر ونهايته، وبطلوع فجر كل يوم وغروب شمسه في أقرب بلاد إليهم يتميز فيها الليل من النهار ويكون مجموعها أربعًا وعشرين ساعة لما تقدم في حديث النبي r عن المسيح الدجال، وإرشاده أصحابه فيه عن كيفية تحديد أوقات الصلوات فيه إذ لا فارق في ذلك بين الصوم والصلاة.

وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.

عبدالله بن غديان، عبدالرزاق عفيفي، عبدالعزيز بن عبدالله بن باز.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 6 / 130 – 136 ).

 

 

والله أعلم.

كيف تحدد المرأة متى تبدأ الصلاة بعد انتهاء فترة الحيض؟

السؤال:

كيف تحدد المرأة متى تبدأ الصلاة بعد انتهاء فترة الحيض؟ ماذا يجب أن تفعل إذا اعتقدت بأنها انتهت وبدأت الصلاة ثم اكتشفت المزيد من الدم أو إخراج سائل بني؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إذا حاضت المرأة فإن طهرها يكون بانقطاع الدم قل ذلك أو كثر ولا يجوز تحديده بوقت معين كما يحدده بعض العلماء أن أقله يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يومًا.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

 ومن ذلك اسم الحيض، علَّق الله به أحكامًا متعددة في الكتاب والسنَّة، ولم يقدر لا أقله ولا أكثره، ولا الطهر بين الحيضتين مع عموم بلوى الأمَّة بذلك واحتياجهم إليه، واللغة لا تفرق بين قدرٍ وقدرٍ، فمن قدَّر في ذلك حدًّا فقد خالف الكتاب والسنَّةَ والعلماء منهم من يحدُّ أكثرَه وأقلَّه، ثمَّ يختلفون في التحديد، ومنهم من يحد أكثره دون أقله والقول الثالث أصح: أنَّه لا حدَّ لا لأقله ولا لأكثره.

” مجموع الفتاوى ” ( 19 / 237 ).

ثانيًا:

وهناك دم يسمى الاستحاضة يكون مختلفاً بصفاته عن دم الحيض وله أحكام تختلف عن أحكام الحيض ويمكن تمييز هذا الدم عن الحيض بما يأتي:

اللون: دم الحيض أسود والاستحاضة دمها أحمر.

الرقة: دم الحيض ثخين غليظ والاستحاضة دمها رقيق.

الرائحة: دم الحيض منتن كريه والاستحاضة دمها غير منتن لأنه                                                                                                                                                                                                   دم عرق عادي.

التجمد: دم الحيض لا يتجمد إذا ظهر والاستحاضة دمها يتجمد لأنه دم عرق.

فهذه هي صفات الدم الذي يكون من الحيض وإن شابهت هذه الصفات فهو حيض يوجب الغسل، ودمه نجس، أما الاستحاضة فالدم لا يوجب الغسل.

والحيض يمنع الصلاة، والاستحاضة لا تمنع الصلاة، وإنما تكتفي بالتحفظ والوضوء لكل صلاة إذا استمر نزول الدم إلى الصلاة التي بعدها، وإن نزل الدم خلال الصلاة فلا يضر.

ثالثًا:

قد ينقطع الدم عن الحائض ولا يكون منها لا دم حيض ولا استحاضة فتحدد طهرها بأن تدخل المرأة في رحمها قطنة بيضاء فإن خرجت مادة الطهر وهي ما يسمى بـ ” القَصَّة البيضاء ” فتكون قد طهرت فتغتسل، ثم تصلي.

وإن خرجت القطنة حمراء أو صفراء أو بنية: فلا تصلي.

 كانت النساء يبعثن إلى عائشة بالدّرجة فيها الكرسف فيه الصفرة فتقول: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء.

 رواه البخاري معلقاً ( كتاب الحيض، باب إقبال المحيض وإدباره ) ومالك ( 130 ).

ومعنى الدّرجة: الوعاء التي تضع المرأة طيبها ومتاعها.

الكرسف: القطن.

القَصَّة: ماء أبيض يخرج عند انتهاء الحيض.

ومعنى الصفرة: أي ماء أصفر.

وأما إن جاءت صفرة أو كُدرة في أيام طهر المرأة فإنه لا يعد شيئًا ولا تترك المرأة صلاتها ولا تغتسل لأنه لا يوجب الغسل ولا تكون منه الجنابة.

 فإن كان هذا في الحيض اعتبر مع الحيض.

عن أم عطية: كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئًا.

 رواه أبو داود (307 )، ورواه البخاري ( 320 ) ولم يذكر ” بعد الطهر “.

ومعنى الكدرة: هي الماء البني الذي يشبه الماء الوسخ.

ومعنى لا نعده شيئًا: أي لا نعده حيضًا ولكنه ماء نجس يوجب غسله ويوجب الوضوء وقد استحسن الشيخ ابن عثيمين هذا الرأي وقال هو الراجح.

رابعًا:

إذا اعتقدت المرأة أنها طهرت ثم عاد لها الدم، فإن كان الدم يحمل صفات الحيض التي بيناها فهو حيض، وإن كان يحمل صفات الاستحاضة التي بيناها فهي استحاضة.

 ففي الأولى: لا تصلي.

وفي الثانية: تتحفظ، ثم تتوضأ لكل صلاة، ثم تصلي.

وأما السائل البني وهو ( الكدرة ) كما عرفناه فإن رأته بعد الطهر فحكمه: أنه طاهر لكن يوجب الوضوء فحسب.

 وإن رأته في زمن الحيض فحكمه حكم الحيض.

 

والله أعلم.

ظاهرة عدم إغلاق الهواتف في المساجد

السؤال:

الهواتف الخلوية ” الجوال ” شيء جديد، ولكن عندما يأتي بها الناس إلى المساجد، ولا يغلقونها، وتبدأ بالصفير والرنين أثناء الصلاة، تكون مصدر للإزعاج وتشتيت تركيز المصلين.

– ما هو حكم الإسلام في هذا الموضوع ( الظاهرة )؟

 

الجواب:

الحمد لله

حرص الإسلام على أن تكون صلاة المسلم كاملة الخشوع والخضوع بعيدة عما يلهي عن الصلاة والانشغال بغيرها عنها، ومن الأمور التي راعاها الإسلام في ذلك:

1 ـ  عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ” كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم في شدة الحر فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن وجهه من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه “. رواه البخاري (1150 ) ومسلم ( 620 ).

قال الحافظ ابن حجر: 

لأن الظاهر إن صنيعهم ذلك لإزالة التشويش العارض من حرارة الأرض.

” فتح الباري ” ( 1 / 493 ).

2 ـ عن عائشة: ” أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في خميصة لها أعلام فنظر إلى أعلامها نظرة فلما انصرف قال اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم وأتوني بأنبجانية أبي جهم فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي.  وقال هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” كنت أنظر إلى علَمها وأنا في الصلاة فأخاف أن تفتنني “. رواه البخاري ( 366 ) ومسلم ( 556 ).

3 ـ عن عائشة:  عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فابدءوا بالعشاء “. رواه البخاري ( 5148 ) – واللفظ له -، ومسلم ( 558 ).

قال الحافظ:

وقال الفاكهاني: ينبغي حمله على العموم نظراً إلى العلة وهي التشويش المفضي إلى ترك الخشوع. ” فتح الباري ” ( 2 /160 ).

4 ـ عن أبي صالح السمان قال: رأيت أبا سعيد الخدري في يوم جمعة يصلي إلى شيء يستره من الناس فأراد شاب من بني أبي معيط أن يجتاز بين يديه فدفع أبو سعيد في صدره فنظر الشاب فلم يجد مساغًا إلا بين يديه فعاد ليجتاز فدفعه أبو سعيد أشد من الأولى فنال من أبي سعيد ثم دخل على مروان فشكا إليه ما لقي من أبي سعيد ودخل أبو سعيد خلفه على مروان فقال ما لك ولابن أخيك يا أبا سعيد قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان “. رواه البخاري ( 487 ) ومسلم ( 505 ).

قال الزرقاني: ” فإنما هو شيطان ” أي : فِعله فعل الشيطان؛ لأنه أبى إلا التشويش على المصلي.

” شرح الزرقاني ” ( 1 / 442 ).

5 ـ عن أبي سعيد قال: ” اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال: ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضًا ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة – أو قال في الصلاة – “. رواه أبو داود ( 1332 ).

نلاحظ في هذا الحديث الأخير أن الرسول صلى الله عليه وسلم ينهى الناس أن يشغل بعضهم بعضا عن الصلاة بالصلاة أو بقراءة القرآن فلم يرض صلى الله عليه وسلم أن تكون صلاة أحد أو قراءته مشغلة لصلاة أحد.

 

 الخلاصة: أن الإسلام حث على الخشوع في الصلاة والاستقامة فيها، وما نرى هذه الهواتف المتنقلة في الحالة التي ذكرت إلا سببا لضياع الخشوع من الصلاة لأن فيه تشويشا مضرا بروح الصلاة والطمأنينة فيها .

 

فننصح الأخوة الذين يملكون مثل هذه الأجهزة ألا يتركوها قابلة للاستقبال في وقت الصلاة لدفع الضرر الذي قد يقع على المصلين.

 

والله أعلم.

 

 

 

بعض الفوارِق بَيْن أَهْل السُّنَّة والرَّافضة، وَصِفَة القَبْض في صلاة النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

السؤال:

أنا محتار في الطريقة التي يصلي بها السنة والشيعة، والدي شيعي وعلمني أن أصلي ويداي في جانبي ولكنني لست أدري ما الفرق.

لماذا يوجد هذا الاختلاف بينهما؟

سأكون ممتنًا إذا قلت لي أي طريقة كان يستعملها الرسول صلى الله عليه وسلم.

 

الجواب:

الحمد لله

  1. الفرق بين الشيعة – الرافضة – وأهل السنة كبير جدًّا؛ وذلك لاختلاف المراجع والأصول التي يرجع إليها كل منهما، فالشيعة يعتمدون على كتب وعلماء ليسوا عند أهل السنة بشيء.

فمثلًا أهل السنة يعتمدون كتاب صحيح البخاري بعد القرآن، والشيعة لا يعتمدونه مرجعًا ولا يعتبرون صاحبه شيئًا، حتى إنهم ليختلفون معنا في الصحابة، فالشيعة يكفرون الصحابة إلا قليلاً منهم، بل إن بعضهم يزعم أن القرآن الذي في أيدي أهل السنة ناقص ومحرف، ومَن لم يقل بنقص القرآن وتحريفه قال بتحريف معناه، وأبطل ما ورد عن أئمتنا في تفسيره.

* قال الشعبي: أحذركم الأهواء المضلة وشرها الرافضة وذلك أن منهم يهودًا يغمصون الإسلام ليتجاوز بضلالتهم كما يغمص طويس بن شاول ملك اليهود والنصرانية ليتجاوز ضلالتهم ثم قال لم يدخلوا في الإسلام رغبة عنه ولا رهبة من الله عز وجل ولكن مقتًا لأهل الإسلام وبغيا عليهم، قد حرقهم علي بن أبي طالب بالنار ونفاهم في البلدان منهم عبدالله بن زائدة سبأ نفاه إلى إسباط وعبدالله بن يسار نفاه إلى حازه وأبو الكروس وآية ذلك أن محنة الرافضة محنة اليهود:

قالت اليهود: لا تصلح الإمامة إلا لرجل من آل داود، وقالت الرافضة: لا تصلح الإمامة إلا لرجل من ولد علي بن أبي طالب.

وقالت اليهود: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المسيح الدجال وينزل سبب من السماء، وقالت الرافضة: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المهدي وينادي مناد من السماء.

واليهود: يؤخرون صلاة المغرب حتى تشتبك النجوم، وكذلك الرافضة والحديث عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم: ” لا تزال أمتي على الفطرة ما لم يؤخروا صلاة المغرب حتى تشتبك النجوم “.

واليهود: تزول عن القبلة شيئاً، وكذلك الرافضة.

واليهود: تنود في الصلاة، وكذلك الرافضة.

واليهود: يستحلون دم كل مسلم، وكذلك الرافضة.

واليهود: لا يرون على النساء عدة، وكذلك الرافضة.

واليهود: لا يرون الطلاق الثلاث شيئاً، وكذلك الرافضة.

واليهود: حرفوا التوراة، وكذلك الرافضة حرفوا القرآن.

واليهود: يبغضون جبريل ويقولون هو عدونا من الملائكة، وكذلك صنف من الرافضة يقولون غلط بالوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم.

” السنة ” للخلال ( 3 / 497 – 498 ).

وهذا بعض من ضلالات الشيعة وخزعبلاتهم، لذا فلا تعجب من سدلهم أيديهم في الصلاة الذي هو مخالفة صريحة لصحيح السنة وصريحها.

 وأما الأدلة على وجوب القبض -أي وضع اليد اليمنى على اليسرى- فهي كثيرة، ومنها:

  1. عن سهل بن سعد قال : كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه   اليسرى  في الصلاة.

قال أبو حازم: لا أعلمه إلا يُنمي ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم -أي: يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم-. رواه البخاري ( 707 ).

  1. كان صلى الله عليه وسلم يضع يده اليمنى على اليسرى. رواه مسلم.
  2. مر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل وهو يصلي وقد وضع يده اليسرى على اليمنى فانتزعها ووضع اليمنى على اليسرى. رواه أحمد وأبو داود
  3. عن وائل بن حجر: أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر وصف همام حيال أذنيه ثم التحف بثوبه ثم وضع يده اليمنى على اليسرى فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب ثم رفعهما ثم كبر فركع فلما قال سمع الله لمن حمده رفع يديه فلما سجد سجد بين كفيه.  رواه مسلم ( 401 )
  4. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إنا معشر الأنبياء أمرنا بتعجيل فطرنا وتأخير سحورنا وأن نضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة “. رواه ابن حبان ( 3 / 13 ).

والحديث: صححه الشيخ الألباني في ” صفة الصلاة ” ( ص 87 ).

  1. عن قبيصة بن هلب عن أبيه – وهو -يزيد بن قنافة الطائي- قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَؤُمنا فيأخذ شماله بيمينه. رواه الترمذي ( 252 ) وابن ماجه ( 809 ).

* قال أبو عيسى الترمذي:

حديث هلب حديث حسن، والعمل على هذا عند أهل العلم مِن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والتابعين ومَن بعدهم يرون أن يضع الرجل يمينه على شماله في الصلاة.

* وقال ابن حجر:

قال ابن عبد البر:  لم يأت عن النبي  صلى الله عليه وسلم فيه خلاف وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين وهو الذي ذكره مالك في الموطأ ولم يحكي ابن المنذر وغيرُه عن مالك غيرَه، وروى ابن القاسم عن مالك الإرسال وصار إليه أكثر أصحابه، وعنه التفرقة بين الفريضة والنافلة، ومنهم من كره الإمساك ونقل ابن الحاجب أن ذلك حيث يمسك معتمدا لقصد الراحة. ” فتح الباري ” ( 2 / 224 ).

 

والله أعلم.

حكم الجماع خلال فترة العدة

السؤال:

في شهر أغسطس 1997 م ألقيت محاضرة في أمريكا عن جواز الجماع خلال العدة من عدمه مع أن الزوج ليست لديه النية أن يرد زوجته.

فهل هذا جائز؟ أرجو ذكر الدليل؟.

 

الجواب:

الحمد لله

هذه المسألة تحتوي على حكمين:

الحكم الأول هو: هل الزوجة المطلَّقة تحل لزوجها أثناء العدة أم هي محرَّمة عليه؟

والحكم الثاني هو: هل يشترط على الزوج أن ينوي المراجعة عند جماع مطلَّقته الرجعية؟

  1. أما الحكم الأول: وهو استدامة النكاح بالنسبة للمطلقة الرجعية، فهو قول الحنفية ورواية عن أحمد، وهو قول الظاهرية.

* قال ابن حزم:

وقد قلنا إن المطلقة طلاقًا رجعيًّا فهي زوجة للذي طلقها ما لم تنقض عدتها يتوارثان ويلحقها طلاقه، وإيلاؤه، وظهاره، ولعانه إن قذفها، وعليه نفقتها، وكسوتها، وإسكانها.

فإذ هي زوجته: فحلال له أن ينظر منها إلى ما كان ينظر إليه منها قبل أن يطلقها، وأن يطأها، إذ لم يأت نصٌّ بمنعه من شيءٍ مِن ذلك، وقد سماه الله تعالى بَعْلًا لها إذ يقول عز وجل { وبعولتهنَّ أحقُّ بردهنَّ في ذلك } [ البقرة / 228 ].

” المحلى ” ( 10 / 251 ).

والرواية الأخرى عن أحمد وهو قول الشافعية ويروى عن مالك: أن ملك النكاح يبقى قائمًا من وجه، زائلًا في حق الوطء.

– فيحل له أن يراها ويسافر بها ويخلو بها، لكن يُمنع من وطئها قبل المراجعة.

* قال ابن قدامة:

والرجعية زوجة يلحقها طلاقه، وظهاره، وإيلاؤه، ولعانه، ويرث أحدهما صاحبه بالإجماع …

وظاهر كلام الخرقي أن الرجعية محرمة … وقد روي عن أحمد ما يدل على هذا وهو مذهب الشافعي وحكي ذلك عن عطاء ومالك.

” المغني ” ( 7 / 400 ).

والذي يظهر هو صحة هذا القول، لأن الله تعالى نهى الزوج المطلِّق أن يُخرج زوجته من بيتها ونهاها عن الخروج، وعلَّل ذلك بقوله { لعلَّ الله يحدث بعد ذلك أمرًا } [ الطلاق / 1 ] والأمر هو: رجوع الزوج إلى زوجته، وهذا يقتضي جواز ظهورها عليه، وتزينها له.

أما الجماع فهو المقصود ابتداء من الطلاق، ولذا عدَّ فعله من الأشياء التي تَرجع فيها المطلقة إلى زوجها.

  1. وأما أن الجماع يعتبر إرجاعاً للزوجة: فصحيح، لكن الذي يظهر هو اشتراط القصد والنية للإرجاع.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

إن الوطء من الزوج مع نيَّة المراجعة: يعتبر رجعة، وهو رواية عن أحمد، وهذا أعدل الأقوال وأشبهها بالأصول. ” الاختيارات الفقهية ” ( ص 273 ).

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله:

فإذا جامعها بنيَّة الرجعة، أو قال لها: راجعتك: حصل المقصود بذلك، إذا كان الطلاق طلقة واحدة أو طلقتين فقط، أما إذا طلَّقها الأخيرة الثالثة: حرُمت عليه حتى تنكح زوجًا غيره. ” فتاوى الطلاق ” ( 1 / 199 ).

 

والله أعلم.

حكم الصلاة لمن لا تتقن اللغة العربية وقراءة الفاتحة

السؤال:

أتحدث اللغة الإنجليزية (وهي لغتي الأصلية) وأحاول تعلم اللغة العربية, وقد تعلمت سورة الفاتحة بعدما أسلمت, لكن هناك بعض الحروف التي لا أستطيع نطقها وهناك حروف أنطقها خطأً, وقد قرأت في أحد كتب الفقه أن الذي يخطىء في حرف من الفاتحة تبطل صلاته, وأحاول أن أستمع لبعض القراءات المسجلة لأصحح قراءتي وما زلت أخطئ وأصبحت متوترة للغاية وأتوقف كثيراً أثناء قراءتي لتصحيح النطق بالحروف وكثيرًا ما أكرر الفاتحة أكثر من مرة, فماذا يجب علي أن أفعل؟

 

الجواب:

الحمد لله

  1. قراءة سورة الفاتحة ركن في الصلاة على الصحيح من أقوال العلماء, وتجب على الإمام والمأموم والعربي والأعجمي.

عن أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: ”  من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج  – ثلاثًا – غير تمام، فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك فإني سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يقول: قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد { الحمد لله رب العالمين }: قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال { الرحمن الرحيم}: قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال { مالك يوم الدين }: قال: مجَّدني عبدي – وقال مرة: فوَّض إليَّ عبدي -، فإذا قال { إياك نعبد وإياك نستعين }: قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال { اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين } قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل “.  رواه مسلم ( 395 ).

ومعنى خداج: غير تمام.

  1. و يجب على المصلي أن يأتي بها على الوجه الذي نزلت به من السماء أي بلغة العرب بالنطق الصحيح؛ لأن الغلط بالنطق الصحيح يحيل المعنى ولا يسمى قرآنًا ونحن مأمورون بقراءة القرآن كما نزل.

– قال الله تعالى  { واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك } [ الكهف / 27 ].

  1. من تعذر عليه الإتيان بالنطق الصحيح لعلة فيه أو عجمة: وجب عليه أن يتعلم حتى يقدر على ذلك.

فإن لم يستطع: سقط ذلك عنه؛ لأن الله تعالى لا يكلف الأنفس إلا ما استطاعت.

قال الله تعالى: { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } [ البقرة / 286 ].

ولكن عليكِ أختي المسلمة أن تجتهدي ما استطعتِ إلى ذلك سبيلًا، ثم بعد ذلك يسقط عنك الإثم.

ولا داعي للتوتر والقلق، ولا داعي للإعادة أكثر من مرة لأن هذا ينقص الصلاة ويُذهب خشوعها، وتدبر معاني آياتها، وهذا يفرح الشيطان؛ لأن العبادة لم تستكمل شروطها.

وإن الله تعالى هو الرحمن الرحيم، وهو أرحم بنا من أنفسنا، ولا يكلفنا ما لا نطيق.

  1. بل إن الرسول صلى الله عليه و سلم قد أسقط الفاتحة عن العاجز بالكلية فكيف ببعض الحروف؟.

عن عبد الله  بن أبي أوفى قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله علمني شيئًا يجزئني مِن القرآن فإني لا أقرأ، فقال : قل سبحان الله، والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال: فضم عليها الرجل بيده، قال: هذا لربي فما لي؟ قال: قل: اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني وعافني قال فضم عليها بيده الأخرى وقام. رواه النسائي (924) وأبو داود (832). والحديث: جوَّد إسنادَه المنذري في “الترغيب والترهيب” ( 2 /430 )، وأشار إلى تحسينه الحافظ ابن حجر في “التلخيص الحبير” ( 1 / 236 ).

* قال ابن قدامة رحمه الله:

فإن لم يحسن شيئًا من القرآن، ولا أمكنه التعليم قبل خروج الوقت: لزمه أن يقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ لما روى أبو داود قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني لا أستطيع أن آخذ شيئًا من القرآن فعلمني ما يجزيني منه فقال قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال: هذا لله فما لي قال: تقول: اللهم اغفر لي وارحمني وارزقني واهدني وعافني.

ولا يلزمه الزيادة على الخمس الأول؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم اقتصر عليها، وإنما زاده عليها حين طلب الزيادة.

وذكر بعض أصحاب الشافعي أنه يزيد على هذه الخمس كلمتين حتى تكون مقام سبع آيات! ولا يصح لأن النبي صلى الله عليه وسلم علَّمه ذلك جوابًا لقوله: “علِّمني ما يجزيني ” والسؤال كالمعتاد في الجواب فكأنه قال: يجزئك هذا.

فإن لم يحسن هذه الكلمات كلها : قال ما يحسن منها.

وينبغي أن يلزمه تكرار ما يحسن منها بقدرها، كمن يحسن بعض الفاتحة.

ويحتمل أن يجزئه التحميد والتهليل والتكبير لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” فإن كان معك قرآن فاقرأ به، وإلا فاحمد الله وهلِّلْه وكبِّره “، رواه أبو داود.

” المغني ” ( 1 / 289 ، 290 ).

والله أعلم.

بعض الشبهات حول الغناء وحكم الشطرنج

السؤال:

اطلعت إلى ما كتبه بلال كناديس حول ” حكم الإسلام في الموسيقى والغناء ” فوجدت أن بعض النقاط التي يحتج بها من يقول بجواز الاستماع إلى الموسيقى لم يتطرق إليها الكاتب, فأرجو أن تجيب على الأسئلة التالية:

1- ورد في شرح السنة للإمام البربهاري أن ابن المبارك رضي الله عنه قال ما معناه: “لا تأخذوا عن أهل المدينة فيما يختص بالغناء”, وعليه: أفلا يبرر ذلك ما فهمه بعضهم من أن بعض علماء المدينة آنذاك كانوا يُجيزون الغناء المصحوب ببعض الآلات الموسيقية؟ وإن لم يكن ذلك مبررًا، فكيف يشرح العلماء تلك المقولة الواردة عن ابن المبارك؟

2- يجيز بعض العلماء لعب الشطرنج بشرط أن لا تكون الأحجار مصنوعة على شكل تماثيل وألا يشتمل اللعب على القمار، فما هو الرد إذن على من يقول بأن الموسيقى تجوز بشرط أن لا تحتوي الكلمات على أمور غير إسلامية؟ هل ورد هذا الرأي عن أحد العلماء؟ وإذا ورد، فكيف يرد على ذلك؟

3- سمعت بورود حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان راكبًا ومعه أحد الصحابة، فسمعا صوت موسيقى، فوضع النبي صلى الله عليه وسلم أصبعيه في أذنيه، وبعد فترة من الوقت، سأل الصحابي عما إذا كان الصوت قد توقف أم لا, فبعضهم يأخذ من هذا الحديث أن الصحابي لم يضع أصبعيه في أذنيه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمنعه من سماع الموسيقى، وأنه عليه السلام سأل عما إذا كان صوت الموسيقى قد انقطع, ولو كان الصحابي قد وضع أصبعيه أيضًا في أذنيه، لما كان بإمكانه أن يجيب على ذلك, ولذلك فقد توصلوا إلى أن حكم الاستماع إلى الموسيقى هو الكراهة وليس التحريم, فهل يصح هذا الحديث؟ وأرجو أن تذكر قول علماء الحديث حوله، وإذا كان الحديث صحيحًا، فما هو الشرح الصحيح له؟

4- يرى بعض العلماء بحرمة مشاهدة التلفاز، إلا بقصد الدعوة، كما أن أغلب العلماء يقولون بأن الصور الفوتوغرافية محرمة, وقد فهم بعض الناس من ذلك أنه يجوز الاستماع للموسيقى بقصد الدعوة للإسلام، فما الرد على ذلك؟.

 

الجواب:

الحمد لله

  • أما رواية البربهاري: فهي في كتابه ” شرح السنة ” ( ص 52 )، ولفظها:

وقال عبد الله بن المبارك: لا تأخذوا عن أهل الكوفة في الرفض شيئًا، ولا عن أهل الشام في السيف شيئًا، ولا عن أهل البصرة في القدَر شيئًا، ولا عن أهل خراسان في الإرجاء شيئًا، ولا عن أهل مكة في الصرف، ولا عن أهل المدينة في الغناء لا تأخذوا عنهم في هذه الأشياء شيئًا.

قد نقل نحوها الذهبي عن الأوزاعي فقال:

ومن تتبع رخص المذاهب وزلات المجتهدين فقد رق دينه كما قال الأوزاعي أو غيره: مَن أخذ بقول المكيين في المتعة, والكوفيين في النبيذ، والمدنيين في الغناء، والشاميين في عصمة الخلفاء: فقد جمع الشر، وكذا من أخذ في البيوع الربوية بمن يتحيل عليها، وفي الطلاق ونكاح التحليل بمن توسع فيه وشبه ذلك : فقد تعرض للانحلال فنسأل الله العافية والتوفيق.

” سير أعلام النبلاء ” (  8 / 90 )، وأوردها الحافظ في ” التلخيص الحبير ”                     ( 3 / 187 ):

عن أبي عبد الله بشر بن بكر سمعت الأوزاعي يقول يجتنب أو يترك من قول أهل  الحجاز خمس، ومن قول أهل العراق خمس من أقوال أهل  الحجاز استماع الملاهي والمتعة وإتيان النساء في أدبارهن والصرف والجمع بين الصلاتين بغير عذر، ومن أقوال أهل  العراق شرب النبيذ وتأخير العصر حتى يكون ظل الشيء أربعة أمثاله ولا جمعة إلا في سبعة أمصار والفرار من الزحف والأكل بعد الفجر في رمضان وروى عبد الرزاق عن معمر قال لو أن رجلًا أخذ بقول أهل المدينة  في استماع  الغناء وإتيان النساء في أدبارهن وبقول أهل  مكة في المتعة والصرف وبقول أهل الكوفة في المسكر كان شر عباد الله.

* قال الشيخ الألباني معلقًا على هذا الخبر بعد إيراد الشوكاني له في ” النيل “:

ليس منهم الإمام مالك يقينًا بل قد أنكره عليهم هو وغيره من علماء المدينة فروى أبو بكر الخلال في ” الأمر بالمعروف ” (ص32) وابن الجوزي في ” تلبيس إبليس ” (ص244) بالسند الصحيح عن إسحاق بن عيسى الطباع  -ثقة من رجال مسلم – قال: سألت مالك بن أنس عما يترخص به أهل المدينة من الغناء؟ فقال:  إنما يفعله عندنا الفساق.

ثم روى الخلال بسنده الصحيح أيضًا عن إبراهيم بن المنذر – مدني ثقة من شيوخ البخاري – وسئل فقيل له أنتم ترخصون في الغناء؟ فقال: معاذ الله ما يفعل هذا عندنا إلا الفساق.

وأما الأقوال التي نقلها الشوكاني مما سبقت الإشارة إليه ووعدنا بالكلام عليها فالجواب من وجهين:

الأول: أنه لو صحت نسبتها إلى قائليها ( وفيهم الكوفي والمدني وغيرهم ): فلا حجة فيها لمخالفتها لما تقدم من الأحاديث الصحيحة الصريحة الدلالة.

والثاني: أنه صح عن بعضهم خلاف ذلك فالأخذ بها أولى.

” تحريم آلات الطرب ” ( ص 99 – 100 ).

 

 

   * وقال القرطبي:

وذكر إسحاق بن عيسى الطباع قال: سألت مالك بن أنس عما يرخص فيه أهل المدينة من الغناء فقال: إنما يفعله عندنا الفساق، وذكر أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري قال: أما مالك بن أنس فإنه نهى عن الغناء وعن استماعه، وقال: إذا اشترى جارية ووجدها مغنية كان له ردها بالعيب، وهو مذهب سائر أهل المدينة إلا إبراهيم بن سعد فإنه حكى عنه زكريا الساجي أنه كان لا يرى به بأس.

* وقال ابن خويزمنداد:

فأما مالك فيقال عنه إنه كان عالما بالصناعة، وكان مذهبه تحريمها، وروي عنه أنه قال: تعلمتُ هذه الصناعة وأنا غلام شاب فقالت لي أمي: أيْ بني إن هذه الصناعة يصلح لها من كان صبيح الوجه ولست كذلك فاطلب العلوم الدينية فصحبت ربيعة فجعل الله في ذلك خير. ” التفسير ” ( 14 / 55 ).

فنلاحظ أن إطلاق القول بأن أهل المدينة كانوا لا يرون بذاك بأسًا إطلاق خطأ، والصحيح   أنه ورد عن بعض العلماء في المدينة، ولكن لعل بعض الناس لما سمعوا مثل هذا الخبر عن بعض أهل المدينة طاروا به كل مطير؛ لأن من عادات الناس الخضوع والرضا بما يوافق شهوتهم، فشهروا القول في ذلك؛ لأن بعض الروايات تكذب أن علماء المدينة قالوا هذا، وإن قالها أحد منهم فنفر قليل وليسوا جهابذتهم.

ولو صح هذا عن جملتهم فإن الحق أحق أن يتبع ولا يجوز أن نتبع شاذ الفقه ونترك الصحيح البين.

ثم إن العلماء أوردوا هذه المقولة تحذيرا ًمن اتباع ما فيها لا من أجل مخالفة التحذير.

  • أما اللعب بالشطرنج فعلى الراجح الصحيح أن اللعب به باطل ولهو إثم وننقل في هذا المقام كلاما نفيسا للإمام القرطبي قال:

روى عبد الله بن عبد الحكم وأشهب عن مالك في قوله تعالى { فماذا بعد الحق إلا الضلال } قال: اللعب بالشطرنج والنرد من الضلال، وروى يونس عن ابن وهب أنه سئل عن الرجل يلعب في بيته مع امرأته بأربع عشرة فقال مالك: ما يعجبني وليس من شأن المؤمنين يقول الله تعالى { فماذا بعد الحق إلا الضلال }، وروى يونس عن أشهب قال: سئل – يعني: مالكًا – عن اللعب بالشطرنج فقال: لا خير فيه وليس بشيء وهو من الباطل واللعب كله من الباطل وإنه لينبغي لذي العقل أن تنهاه اللحية والشيب عن الباطل، وقال الزهري لما سئل عن الشطرنج: هي من الباطل ولا أحبها.

 

السادسة: اختلف العلماء في جواز اللعب بالشطرنج وغيره إذا لم يكن على وجه القمار فتحصيل مذهب مالك وجمهور الفقهاء في الشطرنج أن من يقامر بها ولعب مع أهله في بيته مستترًا به مرة في الشهر أو العام لا يطلع عليه ولا يعلم به أنه معفو عنه غير محرم عليه ولا مكروه له وأنه إن تخلع به واشتهر فيه سقطت مروءته وعدالته وردت شهادته، وأما الشافعي فلا تسقط في مذهب أصحابه شهادة اللاعب بالنرد والشطرنج إذا كان عدلاً في جميع أصحابه ولم يظهر منه سفه ولا ريبة ولا كبيرة إلا أن يلعب به قمارًا فإن لعب به قمارًا وكان بذلك معروفًا سقطت عدالته وسفه نفسه لأكله المال بالباطل، وقال أبو حنيفة: يكره اللعب بالشطرنج والنرد والأربعة عشر وكل اللهو فإن لم تظهر من اللاعب بها كبيرة وكانت محاسنه أكثر من مساويه قبلت شهادته عندهم.

* قال ابن العربي:

قالت الشافعية إن الشطرنج يخالف النرد لأن فيه إكداد الفهم واستعمال القريحة، والنرد قمار غرر لا يعلم ما يخرج له فيه كالاستقسام بالأزلام.

السابعة: قال علماؤنا النرد قطع مملوءة من خشب البقس ومن عظم الفيل وكذا هو الشطرنج إذا هو أخوه غذي بلبانه والنرد هو الذي يعرف بالباطل ويعرف بالكعاب ويعرف في الجاهلية أيضًا بالأرن ويعرف أيضًا بالنردشير وفي صحيح مسلم عن سليمان بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه قال علماؤنا ومعنى هذا هو كمن غمس يده في لحم الخنزير يهيئه لأن يأكله وهذا الفعل في الخنزير حرام لا يجوز يبينه قوله صلى الله عليه وسلم من لعب بالنرد فقد عصا الله ورسوله رواه مالك وغيره من حديث أبي موسى الأشعري وهو حديث صحيح وهو يحرم اللعب بالنرد جملة واحدة وكذلك الشطرنج لم يستثن وقتًا من وقت ولا حالًا من حال وأخبر أن فاعل ذلك عاص لله ورسوله إلا أنه يحتمل أن يكون المراد باللعب بالنرد المنهي عنه أن يكون على وجه القمار لما روي من إجازة اللعب بالشطرنج عن التابعين على غير قمار وحمل ذلك على العموم قمارًا وغير قمار أولى وأحوط إن شاء الله …

وعنه – أي: علي – رضي الله عنه أنه مر بقوم يلعبون بالشطرنج فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ لأن يمس أحدكم جمرًا حتى يطفأ خير من أن يمسها، وسئل ابن عمر عن الشطرنج فقال: هي شر من النرد، وقال أبو موسى الأشعري: لا يلعب بالشطرنج إلا خاطئ، وسئل أبو جعفر عن الشطرنج فقال: دعونا من هذه المجوسية …

وهذه الآثار كلها تدل على تحريم اللعب بها بلا قمار والله أعلم.

وقد ذكرنا في ” المائدة ” بيان تحريمها وأنها كالخمر في التحريم لاقترانها به. والله أعلم.

* قال ابن العربي في ” قبسه “:

وقد جوزه الشافعي، وانتهى حال بعضهم إلى أن يقول: هو مندوب إليه! حتى اتخذوه في المدرسة فإذا أعيا الطالب من القراءة لعب به في المسجد! وأسندوا إلى قوم من الصحابة والتابعين أنهم لعبوا بها! وما كان ذلك قط وتالله ما مستها يد تقي.

ويقولون: إنها تشحذ الذهن، والعِيان يكذبهم ما تجر فيها قط رجل له ذهن.

سمعت الإمام أبا الفضل عطاء المقدسي يقول بالمسجد الأقصى في المناظرة: إنها تعلم الحرب، فقال له الطرطوشي: بل تفسد تدبير الحرب؛ لأن الحرب المقصود منها الملِك واغتياله، وفي الشطرنج تقول شاه إياك الملك نحه عن طريقي فاستضحك الحاضرين.

وتارة شدد فيها مالك وحرمها وقال فيها { فماذا بعد الحق إلا الضلال } وتارة استهان بالقليل منها والأهون والقول الأول أصح والله أعلم.

فإن قال قائل روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سئل عن الشطرنج فقال: وما الشطرنج؟ فقيل له: إن امرأة كان لها ابن وكان ملِكًا فأصيب في حرب دون أصحابه فقالت كيف يكون هذا؟ أرنيه عِيانًا فعمل لها الشطرنج فلما رأته تسلَّت بذلك ووصفوا الشطرنج لعمر رضي الله عنه فقال: لا بأس بما كان من آلة الحرب!

قيل له: هذا لا حجة فيه لأنه لم يقل لا بأس بالشطرنج وإنما قال لا بأس بما كان من آلة الحرب، وإنما قال هذا لأنه شبه عليه أن اللعب بالشطرنج مما يستعان به على معرفة أسباب الحرب فلما قيل له ذلك ولم يحط به علمه قال لا بأس بما كان من آلة الحرب إن كان كما تقولون فلا بأس به.

وكذلك من روي عنه من الصحابة أنه لم ينه عنه فإن ذلك محمول منه على أنه ظن أن ذلك ليس يُتلهى به وإنما يراد به التسبب إلى علم القتال والمضاربة فيه …

” التفسير ” ( 8 / 337 )

* وقال شيخ الإسلام رحمه الله:

والمقصود أن الشطرنج متى شغل عما يجب باطنًا أو ظاهرًا حرام باتفاق العلماء وشغله عن إكمال الواجبات أوضح من أن يحتاج إلى بسط، وكذلك لو شغل عن واجب من غير الصلاة من مصلحة النفس أو الأهل أو الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر أو صلة الرحم أو بر الوالدين أو ما يجب فعله من نظر في ولاية أو إمامة أو غير ذلك من الأمور وقلَّ عبدٌ اشتغل بها إلا شغلته عن واجب.

فينبغي أن يعرف أن التحريم في مثل هذه الصورة متفق عليه، وكذلك إذا اشتملت على محرم أو استلزمت محرما: فإنها تحرم بالاتفاق مثل اشتمالها على الكذب واليمين الفاجرة أو الخيانة التي يسمونها المغاضاة، أو على الظلم أو الإعانة عليه: فإن ذلك حرام باتفاق المسلمين ولو كان ذلك في المسابقة والمناضلة، فكيف إذا كان بالشطرنج والنرد ونحو ذلك؟

وكذلك إذا قدر أنها مستلزمة فسادًا غير ذلك مثل اجتماع على مقدمات الفواحش أو التعاون على العدوان أو غير ذلك أو مثل أن يفضي اللعب بها إلى الكثرة والظهور الذي يشتمل معه على ترك واجب أو فعل محرم فهذه الصورة وأمثالها مما يتفق المسلمون على تحريمها فيها.

وإذا قدر خلوها عن ذلك كله: فالمنقول عن الصحابة المنع من ذلك، وصح عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه مر بقوم يلعبون بالشطرنج فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ شبههم بالعاكفين على الأصنام كما في المسند عن النبي  صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” شارب الخمر كعابد وثن “، والخمر والميسر قرينان في كتاب الله تعالى، وكذلك النهي عنها معروف عن ابن عمر وغيره من الصحابة، والمنقول عن أبي حنيفة وأصحابه وأحمد وأصحابه تحريمها، وأما الشافعي فإنه قال: أكره اللعب بها للخبر، واللعب بالشطرنج والحمَام بغير قمار وإن كرهناه أخف حالًا من النرد، وهكذا نقل عنه غير هذا اللفظ مما مضمونه أنه يكرهها ويراها دون النرد.

ولا ريب أن كراهته كراهة تحريم فإنه قال للخبر ولفظ الخبر الذي رواه هو عن مالك: ” مَن لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله “، فإذا كره الشطرنج وإن كانت أخف من النرد وقد نقل عنه أنه توقف في التحريم وقال: لا يتبين لي أنها حرام وما بلغنا أن أحدا نقل عنه لفظًا يقتضي نفي التحريم والأئمة الذين لم تختلف أصحابهم في تحريهما أكثر ألفاظهم الكراهة . قال ابن عبدالبر: أجمع مالك وأصحابه على أنه لا يجوز اللعب بالنرد ولا بالشطرنج وقالوا لا يجوز شهادة المدمن المواظب على لعب الشطرنج، وقال يحيى: سمعت مالكًا يقول لا خير في الشطرنج وغيرها وسمعته يكره اللعب بها وبغيرها من الباطل ويتلو هذه الآية { فماذا بعد الحق إلا الضلال }، وقال أبو حنيفة: أكره اللعب بالشطرنج والنرد، فالأربعة تحرم كل اللهو.

” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 218 – 220 )

ثم لو صح ذلك أن الشطرنج مباح مع مراعاة الشروط التي ذكرت فإن قياس الموسيقى عليه قياس فاسد لاختلاف الطرفين كليهما في العلة وما القياس إلا علم العلة فإن لم تكن علة جامعة بين الطرفين سقط القياس؛ لأن الشطرنج علة التحريم فيه كونه يلهي عن ذكر الله وعلة الموسيقى أنه من الشيطان ذلك أنها تعلق القلب بغير الله وتدفع إلى الخنا والفجور.

 

 

 

وأما الموسيقى فهي حرام للأدلة التالية:

1 –   قوله تعالى: { ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم } [ لقمان / 6 ].

* قال القرطبي:

قلت: هذه إحدى الآيات الثلاث التي استدل بها العلماء على كراهة الغناء والمنع منه والآية الثانية قوله تعالى { وأنتم سامدون } قال ابن عباس: هو الغناء بالحميرية اسمدي لنا أي غني لنا، والآية الثالثة قوله تعالى { واستفزز مَن استطعت منهم بصوتك } قال مجاهد: الغناء والمزامير، وقد مضى في ” سبحان ” – أي: سورة الإسراء – الكلام فيه.

* قال ابن عطية:

وبهذا فسر ابن مسعود وابن عباس وجابر بن عبد الله ومجاهد، وذكره أبو الفرج بن الجوزي عن الحسن وسعيد بن جبير وقتادة والنخعي.

قلت: هذا أعلى ما قيل في هذه الآية، وحلف على ذلك ابن مسعود بالله الذي لا إله إلا هو ثلاث مرات إنه الغناء، روى سعيد بن جبير عن أبي الصهباء البكري قال: سئل عبد الله بن مسعود عن قوله تعالى: { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } فقال: الغناء والله الذي لا إله إلا هو يرددها ثلاث مرات، وعن ابن عمر: أنه الغناء، وكذلك قال عكرمة وميمون بن مهران ومكحول، وروى شعبة وسفيان عن الحكم وحماد عن إبراهيم قال: قال عبد الله بن مسعود: الغناء ينبت النفاق في القلب، وقاله مجاهد، وزاد: إن لهو الحديث في الآية الاستماع إلى الغناء وإلى مثله من الباطل، وقال الحسن: لهو الحديث: المعازف والغناء وقال القاسم بن محمد: الغناء باطل والباطل في النار، وقال ابن القاسم: سألت مالكًا عنه فقال قال الله تعالى { فماذا بعد الحق إلا الضلال } أفحق هو، وترجم البخاري باب كل لهو باطل إذا شغل عن طاعة الله ومن قال لصاحبه تعال أقامرك وقوله تعالى { ومِن الناس مَن يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوًا } فقوله إذا شغل عن طاعة الله مأخوذ من قوله تعالى ليضل عن سبيل الله. ” تفسير القرطبي ” ( 14 / 51 )

  • روى البخاري في صحيحه: عن أبي عامر – أبي مالك – الأشعري سمع النبي  صلى الله عليه وسلم  يقول: ” ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ولينزلن أقوام إلى جنب علَم يروح عليه بسارحة لهم يأتيهم يعني الفقير لحاجة فيقولوا ارجع إلينا غدا فيبيتهم الله ويضع العلم ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة “.

وهذا الحديث صحيح موصول لأن البخاري قال: قال هشام بن عمار والبخاري لا يعرف عنه التدليس وهشام هذا من شيوخه فانتفى الإشكال، وثبت الاتصال.

 

  • عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة مزمار عند نعمة ورنة عند مصيبة “.

رواه البزار، وصححه الشيخ الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 428 ).

  • عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله: ” ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير “. رواه ابن ماجه (  4010 ).

والحديث: صححه الحافظ ابن القيم في ” إغاثة اللهفان ” ( 1 / 261 ).

وهذه الأدلة قاطعة الحجة أن رسول الله حرم المعازف وأنذر فاعل ذلك بأنه في عاصٍ فماذا بعد الحق إلا الضلال؟.

  1. أما الحديث المشار إليه في السؤال: فهو حديث ابن عمر الذي رواه أحمد (4307).

عن نافع مولى بن عمر أن ابن عمر سمع صوت زمارة راعٍ فوضع إصبعيه في أذنيه وعدل راحلته عن الطريق وهو يقول: يا نافع أتسمع؟ فأقول: نعم، فيمضي حتى قلت لا فوضع يديه وأعاد راحلته إلى الطريق وقال: رأيت رسول الله  صلى الله عليه وسلم وسمع صوت زمارة راع فصنع مثل هذا “.

والحديث فيه كلام من حيث الصحة، ولو صح فليس فيه دليل على إباحة المعازف.

 أما أقوال العلماء في سند الحديث:

*  قال الشوكاني:

وحديث ابن عمر الأول أورده الحافظ في التلخيص وسكت عنه قال أبو علي وهو اللؤلؤي سمعت أبا داود يقول: وهو حديث منكر انتهى.

” نيل الأوطار ” ( 8 / 260 ).

وشكك ابن تيمية في صحته، فقال:  فهذا الحديث إن كان ثابتًا فلا حجة فيه…

” مجموع الفتاوى ” ( 30 / 116 ).

وصححه الألباني – رحمه الله – في كتابه ” تحريم آلات الطرب ” ( ص 116 )، ولكن تصحيح الحديث لا يعني أنه يُفهم على جواز الآلات الموسيقية.

والرد على من استدل به على إباحة المعازف من وجوه.

 * قال الشيخ ابن تيمية – رحمه الله -:

فهذا الحديث إن كان ثابتًا فلا حجة فيه على إباحة الشبابة بل هو على النهي عنها أولى من وجوه:

الوجه الأول: أن المحرم هو الاستماع لا السماع فالرجل لو يسمع الكفر والكذب والغيبة والغناء والشبابة من غير قصد منه بل كان مجتازًا بطريق فسمع ذلك: لم يأثم بذلك باتفاق المسلمين، ولو جلس واستمع إلى ذلك ولم ينكره لا بقلبه ولا لسانه ولا يده: كان آثمًا باتفاق المسلمين, فالنبي صلى الله عليه و سلم – وابن عمر – كان مارًّا مجتازًا لم يكن مستمعًا وكذلك كان ابن عمر مع النبي صلى الله عليه و سلم – ونافع مع ابن عمر- كان سامعاً لا مستمعًا، فلم يكن عليه سد أذنه.

 الوجه الثاني: أنه إنما سدَّ النبي صلى الله عليه وسلم أذنيه مبالغة في التحفظ حتى لا يسمع أصلاً فتبين بذلك أن الامتناع من أن يسمع ذلك خير من السماع وإن لم يكن في السماع إثم ولو كان الصوت مباحاً لما كان يسد أذنيه عن سماع المباح.

الوجه الثالث: أنه لو قدر أن الاستماع لا يجوز فلو سد هو ورفيقه آذانهما لم يعرفا متى ينقطع الصوت فيترك المتبوع سد أذنيه.

الرابع: أنه لم يُعلم أن الرفيق كان بالغاً أو كان صغيرًا دون البلوغ، والصبيان يرخص لهم.

الخامس: أن زمارة الراعي ليست مطربة  كالشبابة التي يصنع غير الراعي فلو قدر الإذن فيها لم يلزم الإذن في الموصوف وما يتبعه من الأصوات التي تفعل في النفوس فعل حميا  الكؤوس.

السادس: أنه قد ذكر ابن المنذر اتفاق العلماء على المنع من إجارة الغناء والنوح، فقال: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إبطال النائحة والمغنية.

فإذا كان قد ذكر إجماع من يحفظ عنه من أهل العلم على إبطال إجارة النائحة والمغنية والغناء للنساء في العرس، والفرح جائز وهو للرجل إما محرم وإما مكروه، وقد رخص فيه بعضهم: فكيف بالشبابة التي لم يبحها أحد من العلماء لا للرجال ولا للنساء لا في العرس ولا في غيره، وإنما يبيحها من ليس من الأئمة المتبوعين المشهورين بالإمامة في الدين. ” مجموع الفتاوى ” ( 30 / 118 ).

  1. أما قياس التلفاز على الموسيقى فباطل أيضًا:

 حيث إن القول بإباحة التلفاز فيه نظر، والصحيح أنه حرام من وجوه:

ـ هو وكر للخنا والفجور والسقاطة وتأثيره على شبان وشابات المجتمع واضح لذي عينين مبصر.

ـ هو مرسى العقائد الباطلة والإلحادية والمذاهب الهدامة من الأفكار المستوردة من الكفار وتأثير هذا واضح بيِّن أيضًا.

ـ وفيه أيضًا ضياع الوقت واللهو عن ذكر الله.

ـ ثم إني أعجب كيف تصفه بأنه يستعمل في الدعوة وهذا خبر غير صائب فعلمنا أن هذا الجهاز لم يوضع للدعوة إلى الله بل قد وضع للأسباب سالفة الذكر فأين مجالات الدعوة فيه أما إن قصدت أن فيه أخبار الناس من حولنا مما يفيد الدين وكذلك منه نعرف أخبار المسلمين في أصقاع العالم، قلت: نعم، هذا طيب، ولكن هذا فرض كفاية يطلب من بعض الدعاة لا من كلهم، ثم إن أمكن تحصيله من سبيل أخرى تعين المصير إليها – مما هو أخف ضررًا – كالإذاعة مثلاً فهي أخف ضررًا وأغنى خبرًا.

ـ أما الصور في التلفاز فهي فوتوغرافية، وهذه فيها خلاف بين العلماء المعاصرين معروف فمن أباح فلا إشكال عنده وأما من حرمها فإن أجاز عمل هذه الصور فمتناقض لأن تحريم المتحرك من الصور أعظم مضاهاة من الثابت، ومن أجاز قدْر الضرورة والحاجة فلا حرج عليه.

وأما الموسيقى فليس فيها ما يدعو لأن يكون ضرورة في حياتنا، وإنما هو لهو ولعب وفساد مجرد ليس فيه ما يؤدي إلى الدعوة إلى الله، بخلاف الصور الفوتغرافية، فإنها أصبحت ضرورة في حياتنا كاستعمالها في كشف المجرمين، وإثبات هوية الناس وأسماءهم، وكذا تستعمل في الدعوة إلى الله كعرض صور المجاهدين والمقتولين في ساحات المعارك لجمع المال اللازم للجهاد، ولدفع الحمية للقاعد.

فإذا أمكن استعمال الصور للدعوة إلى الله، فهذا ما لا يمكن أن يكون في الموسيقى التي تؤدي إلى نشر الفساد، ونزع الحياء، وتهييج كوامن النفوس.

وعليه فأين المخرج لنا في قياس التلفاز على الموسيقى من جميع الوجوه سواء الصور أو غيرها، فقياس إباحة الموسيقى على التلفاز قياس فاسد لا يستقيم.

 

 

والله أعلم.