الرئيسية بلوق الصفحة 120

معاناة داعية في بيت أهلها في دعوة والدها وأشقائها

معاناة داعية في بيت أهلها في دعوة والدها وأشقائها

السؤال:

كيف أتصرف مع أخي الصغير عمره ( 14 سنة )، عندما ينام عن الصلاة؟ إذا أيقظناه يرد علينا بأسلوب سيء، يعمل مثل تصرفات أخيه الكبير، ويقلده في الرد الوقح عليَّ، وعلى أمي، وعندما أوقظه يقول لي أبي: ” اتركيه ينام، وإذا استيقظ يصليها “، المشكلة: إذا كان أبي لا يأمره بالصلاة، ويقلد أخي في نومه عن الصلاة، ويسمع الأغاني، وحياته عبارة عن لعب في لعب، الألعاب الالكترونية، كيف أغرس فيه القيم الفاضلة وأبي وأخي يشكلون له القدوة؟ ومرة من المرات اكتشفت أنه يشاهد مشاهد وصور إباحية، ولم أعرف كيف أتصرف سوى أننا منعناه من دخول الانترنت، وقد سألني في بعض المرات عن ما هو الزنا؟ فكيف أشرح له الإنجاب وهو في هذه السن الصغيرة؟ وأنا لا أريد أن يبحث عن الإجابة من مصادر أخرى، والشيء الثاني: كيف أتعامل مع أبي؟ أبي شخص لا يحب المشايخ، وكان يخاصم أمي لأنها تحث أخي الصغير على حفظ القرآن، ولا يذهب للمسجد، ويشكك في صحة أحاديث ” البخاري “، ويقول: إننا يجب أن نعرض الأحاديث على العقل أولًا، والنقاش معه لا يأتي بفائدة؛ لأنه مقتنع برأيه، وهو دائماً على صح، علمًا بأنه الآن في الستين من عمره، ويتهمني بالتشدد إذا قلت له الأغاني حرام.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله أن يحسن خاتمتك، وأن يجزيك خير الجزاء على حرصك على أهلك، وشفقتك عليهم من الوقوع فيما لا يرضي ربهم، وهكذا نريد الأخوات المستقيمات على طاعة الله تعالى، أن لا تكتفي الواحدة منهن بالهداية لنفسها، بل تحرص على إيصالها إلى من استطاعت، وإن أولى الناس بدعوتها، وجهدها، هم أهلها، فاستمري بارك الله عليك في دعوتهم، ونصحهم، وتذكيرهم، فأنتِ على خير إن شاء الله.

ثانياً:

المشكلة عندكم ليس في أخيك الذي يرفض الاستيقاظ للفجر، ويتصرف كأخيه الأكبر، إنما المشكلة في رب البيت، ومسئوله الأول، وهو والدك، فلو أنه كان على هدى واستقامة لأثمر ذلك نتائج طيبة – غالبًا – على البيت وأهله، وليته كان في موقف محايد من دعوتك لإخوتك للخير، بل رأيناه من الصادِّين لك عن دعوتهم، ونصحهم، وهذا من أكبر العوائق في طريق الدعاة نت الشباب والشابات في دعوة أهل بيتهم، لكن لا ينبغي لهذه العقبة أن تقف في طريقك وتُرجعك للخلف، نعم، يمكنها أن تضيق عليك الطريق، وأن تجعل سلوكه صعبًا، لكن إياك واليأس والقنوط، واحذري من التراجع، فليس هذا من سيما من صفات الدعاة إلى الله، الحريصين على إيصال الخير للناس، ولك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فقد بذل من جهده ووقته ما بذل في سبيل إصلاح الناس، وابتداء بأهله الأقربين، وقد أثمرت دعوته لهم خيرًا عظيمًا، ولم يكن ذلك إلا من صدقه، وإخلاصه، وصبره، واحتسابه، وهكذا هو عمل الأنبياء، وكذا هو عمل من يقوم بعملهم من الدعاة أمثالك، حتى وصل الأمر أن قال له ربه تعالى: ( فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ) [ فاطر / من الآية 8 ]، وقال: ( فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ) [ الكهف / الآية 6 ].

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

يقول تعالى مسليًّا رسوله صلى الله عليه وسلم في حزنه على المشركين، لتركهم الإيمان وبُعدهم عنه، كما قال تعالى: ( فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ) [فاطر / من الآية 8 ]، وقال: ( وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ) [ النحل / الآية 127 ]، وقال: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) [ الشعراء / الآية 3 ].

باخع: أي: مهلك نفسك بحزنك عليهم؛ ولهذا قال: ( فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ ) يعني: القرآن، ( أَسَفًا ) يقول: لا تهلك نفسك أسفًا.

قال قتادة: قَاتِل نَفْسَكَ غضبًا، وحزنًا عليهم، وقال مجاهد: جزعًا، والمعنى متقارب، أي: لا تأسف عليهم، بل أبلغهم رسالة الله، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات.

” تفسير ابن كثير ” (5 / 137 ).

ثالثًا:

وإنا وإن قلنا بأن علاج رأس البيت ضرورة لإصلاح من بعده، إلا أن هذا لا يعني التوقف عن إصلاح الآخرين، ونصحهم، سواء استجاب الأب، أو امتنع عن الاستجابة، وعدم استجابة الأب لا يمنع أن يستجيب أحد أبنائه، أو بناته، وها هو الدليل أمامنا، وهو أنتِ! فوالدك حاله ما ذكرتِ، وأنت حالك ما هو معروف، ويمكن أن يزيد العدد، فتصبحون اثنين، وثلاثة، وأكثر، فمع دعوة والدك للخير: لا تقصري البتة في دعوة أشقائك، وشقيقاتك، والأمر ليس صعبًا فيُترك، وليس سهلًا فيُهمل، وما عليك إلا بذل الجهد، والله يتولاكِ، وييسر أمرك، واسأليه الإعانة، واحرصي على الدعاء لهم بالهداية، وكل ذلك من الدعوة، والدعاء: هو من هدي الأنبياء والمرسلين.

رابعًا:

ولدعوة إخوتك: احرصي على التلطف في الأسلوب عند النصح والتوجيه، ووثقي علاقتك بهم، وانظري ماذا يحبون من الأشياء المباحة فقدميه لهم هدية؛ فإن هذا مما يحببهم لشخصك، وانظري البرامج النافعة في القنوات الإسلامية ليشاهدها، فبعض تلك البرامج مؤثر للغاية، وها هو رمضان على الأبواب، فيه الخير، وفيه تصفيد الشيطان فاستثمري ذلك، ومن المهم تجنب القسوة والعنف في التعامل؛ فسنُّهم لا يجعل مثل هذا مجديًا، وإذا جعلوك قدوة لهم تكونين نجحتِ في دعوتك؛ لأنهم يفتقدون القدوة الصالحة، وكم سمعنا وقرأنا عن عظيم تأثير بعض الأخوات الفاضلات على بيوت أهاليهن، حتى غدين الموجهات لدفة قيادته، وصرن مرجعًا لأهل البيت، ومحط ثقة الجميع، فاحرصي على هذا، فلعلَّ الله أن يهدي أفراد الأسرة جميعها على يديك، وتنالين الأجر الوافر من رب العالمين.

وبخصوص ما ترينه على إخوتك من فعل منكرات: فلا تعنفي عليهم، وتلطفي في الإنكار عليهم، وحاولي تقوية إيمانه ودينه؛ فإن من شأن ذلك أن يتخلص هو بنفسه من أفعال السوء والمنكر.

 

ونسأل الله تعالى أن يوفقك لما فيه رضاه، وأن يهدي أهلك جميعاً للبر والتقوى.

 

 

والله أعلم.

مربون يسألون: هل نحث طلاب المتوسطة على أداء الرواتب والوتر؟

مربون يسألون: هل نحث طلاب المتوسطة على أداء الرواتب والوتر؟

السؤال:

نحن لجنة تعمل لإعداد أهداف تربوية لحلقات المرحلة المتوسطة، وقد وضعنا هدفاً كالتالي: أن يحافظ الطالب على السنن الرواتب، وصلاة الوتر، أو أن يُحثَّ الطالب على السنن الرواتب وصلاة الوتر.

فنرجو منك – فضيلة الشيخ – إبداء رأيك في هذا الهدف من الناحية الشرعية، وأيضا من الناحية التربوية، ومناسبتها للمرحلة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لا يمكن لعاقل أن يعترض على مثل هذه الأهداف العالية، فالحث على الطاعة والعبادة، مما ينبغي على الآباء والمربين الاهتمام به غاية الاهتمام لأولادهم وتلامذتهم، وإذا كان ثمة تقصير من الأهل في ذلك: فإن على المربين حث تلامذتهم على ما قصَّر به أهليهم، ولسنا فقط مع حث أولئك التلامذة على الرواتب والوتر، بل نحن – كذلك – مع حثهم على صيام النفل، والصدقة، وبر الوالدين، وإعانة المحتاجين، وإماطة الأذى عن الطريق، نحن مع حثهم على كل خير، وتحذيرهم من كل شرٍّ وسوء.

عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ قَالَتْ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ الَّتِي حَوْلَ الْمَدِينَةِ:” مَنْ كَانَ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ, وَمَنْ كَانَ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ “، فَكُنَّا بَعْدَ ذَلِكَ نَصُومُهُ, وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا الصِّغَارَ مِنْهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ, وَنَذْهَبُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ الْعِهْنِ, فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهَا إِيَّاهُ عِنْدَ الإِفْطَارِ. رواه البخاري ( 1960 ), ومسلم ( 1136 ).

– وهذا الصيام الوارد في الحديث هو في صوم النافلة.

قال ابن القيم – رحمه الله -:

فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه، وتركه سدى: فقد أساء غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبَل الآباء، وإهمالهم لهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وسنُنه، فأضاعوهم صغارا، فلم ينتفعوا بأنفسهم، ولم ينفعوا آباءهم كبارا.

” تحفة المودود بأحكام المولود ” ( ص 229 ).

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

أوجب الله الصيام أداء على كل مسلم مكلف قادر مقيم، فأما الصغير الذي لم يبلغ: فإن الصيام لا يجب عليه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” رفع القلم عن ثلاثة “، وذكر ” الصبي حتى يبلغ “، ولكن يجب على وليِّه أن يأمره بالصيام إذا بلغ حدًّا يطيق الصيام فيه؛ لأن ذلك من تأديبه، وتمرينه على فعل أركان الإسلام، ونرى بعض الناس ربما يترك أولاده فلا يأمرهم بصلاة، ولا صوم، وهذا غلط، فإنه مسؤول عن ذلك بين يدي الله تبارك وتعالى، وهم يزعمون أنهم لا يُصَوِّمون أولادهم شفقة عليهم ورحمة بهم، والحقيقة: أن الشفيق على أولاده، والراحم لهم هو من يمرِّنهم على خصال الخير، وفعل البر، لا من يترك تأديبهم، وتربيتهم تربية نافعة.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 19 / 19 ، 20 ).

فنحن نشجعكم على حث الشباب في المرحلة المتوسطة على أداء الرواتب، بل ونطلب المزيد من الحث على عموم الخير، وعلى التحذير من المعاصي والشر، والتربية في الصغر نافعة أشد النفع بإذن الله، والتقصير فيها والتفريط يؤدي إلى فساد عريض.

قال ابن القيم – رحمه الله -:

ومما يحتاج إليه الطفل غاية الاحتياج: الاعتناء بأمر خُلُقه؛ فإنه ينشَّأ على ما عوَّده المربِّي في صغره، مِن حرْد، وغضب، ولجاج، وعجلة، وخفة مع هواه، وطيش، وحدَّة، وجشع، فيصعب عليه في كِبَره تلافي ذلك، وتصير هذه الأخلاق صفاتٍ، وهيئاتٍ راسخة له، فلو تحرز منها غاية التحرز فضحته ولا بدَّ يوما ما، ولهذا تجد أكثر الناس منحرفة أخلاقهم, وذلك من قبَل التربية التي نشأ عليها.

” تحفة المودود ” ( ص 240  ).

 

– ونسأل الله لكم التوفيق.

 

والله أعلم.

مترددة في لبس غطاء الوجه وتحتاج من يشجعها على فعل ذلك

مترددة في لبس غطاء الوجه وتحتاج من يشجعها على فعل ذلك

السؤال:

أنا لطالما بعثت إليك بخصوص الحجاب، ومصارعتي مع الشيطان من أجل أن أرتديه، ولكنك كنت تجيب على سؤالي بأن سبق وتم الاجابة على سؤال مشابه لسؤالك، طبعًا يا شيخنا الفاضل أنت مشكور كل الشكر، وجزاك الله على ذلك خيرًا، وأعانك، ولكنني أريد جواباً شافياً لمشكلتي، وقناعاتي.

أنا منذ سنتين أريد أن أرتدي الحجاب، ولكنني لم أستطع اتخاذ هذه الخطوة، وأنا والحمد لله من عائلة ملتزمة، ولكن المشكلة أن لبس الخمار عندنا ليس منتشرًا كما عندكم، وليس الجميع يتقبل هذا الشيء، فلا بد من معين لذلك بعد الله.

والمشكلة الثانية – وربما أنها ليست مشكلة في نظرك، ولكن أريد أن أتخلص من هذه الوساوس – والمشكلة أني قصيرة القامة، وأنا – والله شهيد على ما أقول – أريد أن أعمل ما يرضي الله، وأرتاح من هذا الصراع المؤلم الذي لا يشعر أحد به إلا الله، فأريد أن تكون معيني بعد الله، وترشدني على طريق الهداية، وهل لي أن أنال رضا الله من دون ارتداء الحجاب؟.

أرجوك يا شيخنا الفاضل أن تجيبني، وجزاك الله كل خير، وأطال في عمرك لخدمة الإسلام والمسلمين.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

مما يميز المسلم المستقيم على طاعة الله أنه لا يتردد في تنفيذ أوامر ربه تعالى، ولا يتلكأ، بل يبادر إليه، ويُري ربَّه أنه قد حقَّق الإيمان الذي أمره به، وأنه يتشرف بكونه من المستسلمين لأمره عز وجلَّ ودينه، ولو خالف ذلك عاداتٍ اعتادها، أو هوى في نفسه يحثه على مخالفة أمر ربه، وقد ضرب الصحابة في ذلك أروع الأمثلة، ومن ذلك:

  1. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ يَوْمَ حُرِّمَتْ الْخَمْرُ فِي بَيْتِ أَبِي طَلْحَةَ وَمَا شَرَابُهُمْ إِلَّا الْفَضِيخُ – الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ – فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي، فَقَالَ: اخْرُجْ فَانْظُرْ، فَخَرَجْتُ, فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي: أَلَا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، قَالَ: فَجَرَتْ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فَاهْرِقْهَا، فَهَرَقْتُهَا. رواه البخاري ( 2332 ) ومسلم ( 1980 ).

ولم تكن المسارعة في الاستجابة لأمر الله تعالى خاصة بالرجال من الصحابة وحدهم، بل قد شاركهم النساء في ذلك، ومن أمثلته مما له تعلق بالسؤال:

  1. عَنْ عَائِشَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – قَالَتْ: يَرْحَمُ اللَّهُ نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ ( وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ): شَقَّقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهَا. رواه البخاري ( 4480 ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قوله: ” مروطهن “: جمع مرط، وهو الإزار، وفي الرواية الثانية: ” أزرهن “، وزاد: ” شققنها من قبل الحواشي “، قوله: ” فاختمرن ” أي: غطين وجوههن.

” فتح الباري ” ( 8 / 490 ).

واعلمي أيتها الأخت السائلة أن الاستجابة لأوامر الله تعالى ليست كمالًا يتحلى به المسلم، وليس فضيلة يتكسب بها الأجر، بل إنها واجبة، لا اختيار للمسلم فيها، وليس له أن يعلقها على قناعته بالأمر، ولا اقتناعه بحكمته، بل عليه المبادرة في الاستجابة، وإن تخلف عنها كان من العاصين الآثمين، قال تعالى: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا ) [ الأحزاب / الآية 36 ].

* قال ابن حزم – رحمه الله -:

وانبلج الحكم بهذه الآية ولم يبق للشك مجال؛ لان الندب تخيير، وقد صح أن كل أمر لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم فلا اختيار فيه لأحدٍ، وإذا بطل الاختيار: فقد لزم الوجوب ضرورة؛ لأن الاختيار إنما هو في الندب والإباحة للذين لنا فيهما الخيرة، إن شئنا فعلنا، وإن شئنا لم نفعل، فأبطل الله عز وجل الاختيار في كل أمر يرد من عند نبيه صلى الله عليه وسلم، وثبت بذلك الوجوب، والفرض في جميع أوامرهما، ثم لم يدعنا تعالى في شك من القسم الثالث، وهو الترك، فقال تعالى: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا ).

قال علي – وهو ابن حزم نفسه -: وليس يقابل الأمر الوارد إلا بأحد ثلاثة أوجه، لا رابع لها، نعلم ذلك بضرورة الطبيعة، وببديهة العقل: إما الوجوب، وهو قولنا، وإما الندب والتخيير في فعل أو ترك، وقد أبطل الله عز وجل هذا الوجه في قوله تعالى: ( أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ )، وأما الترك – وهو المعصية -: فأخبر تعالى أن من فعل ذلك: ( فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا ). ” الإحكام في أصول الأحكام ” (3/275 ).

ثانيًا:

واعلمي أيتها الأخت السائلة أن للشيطان طرقًا كثيرة في الضلالة، والصد عن دين الله تعالى، وعن الالتزام بأحكامه، وشرائعه، ويجب عليك التفطن لهذه الطرق، وقطعها عليه، فقولك إن الخمار ليس منتشرًا عندكم، وإنه ليس الجميع يتقبله: ليس بأعذارٍ مقبولة، ويمكنك قطع تلك الطرق على الشيطان بأن تبادري لأن تكوني سببًا لانتشار غطاء الوجه، ولتحوزي شرف المبادرة، ولتحصلي أجور من يأتي بعدك ويفعل فعلك، فبدلًا من أن يكون ما ذكرتِ عائقًا أمامك عن تنفيذ أمر الله تعالى، فليكن سببًا لتنفيذه، والمبادرة بفعله.

واعلمي أنه قد يوجد في بيئتك ممن حولك من أخواتك من ينتظر مثل هذا الأمر من مثلك، لتبادر هي الأخرى بفعل الأمر نفسه، وقد يكون ثمة ثالثة، ورابعة، وأكثر، فلتكن منك البداية، وبفعلك يكون التشجيع لغيرك على إظهار ذلك الستر المأمور به.

ثم أيتها الأخت السائلة: لماذا تجهر النساء حولك بلبس القصير والضيق والشفاف وغيرها من الألبسة المحرمة، ولا تجد حرجًا من ذلك، مع كونه محرَّمًا، وأنتِ لا تلبسين ما يأمرك به الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم؟ ولماذا تجرؤ النساء العاصيات على المجاهرة بمعاصيهن، وأنتِ وأمثالك تخجلون من إظهار شعائر دينكم، وأنتم أولى بأن يكون لكم المجاهرة بالطاعة من أولئك بمعصيتهن.

فبادري بتنفيذ الأمر، واحرصي على الخير لنفسك، واعلمي أنه لن ينفعك أحد ممن تحرصين على رضاهم الآن عندما تلقين ربك بأعمالك، ولا تتذرعي بحجج واهية لترك ما يأمرك الله تعالى به، وليس قصر قامتك بعذر لك أيضًا لتتركي غطاء الوجه، فكشفك لوجهك لن يزيد من طول قامتك، وإياك أن تجعلي ثغرة في نفسك ليلج منها الشيطان, فيقنعك بمثل هذه الأعذار الواهية، وها هنَّ النساء المستقيمات على أمر الله تعالى في العالَم كله يلتزمن النقاب، والخمار، ولا يلتفتن لأمر طولهن، أو قِصَرهن، أو بدانتهن.

واستعيني بالله تعالى ربك على تثبيتك على الحق، وإعانته لك على فعل الطاعات، وترك المنكرات، فهو نعم المولى، ونعم النصير.

ونرجو منك التأمل فيما جمعناه من أحكام الحجاب وصفاته، ومسائل، وفوائد متنوعة حوله، وذلك تحت هذا الرابط:

http://www.islamqa.com/ar/cat/2016

 

والله أعلم.

كيف يتعامل مع أبيه القاسي في معاملته له ولأمه ولأشقائه؟.

كيف يتعامل مع أبيه القاسي في معاملته له ولأمه ولأشقائه؟.

السؤال:

أنا شاب مسلم، ومتدين، والحمد الله، ولي أب ظالم, منذ أن ولدت على هذه الدنيا ووالدي يظلمني أنا وأمي وإخوتي, مستحيل أن يمر يوم واحد دون أن يختلق المشاكل لنا، ويضرب أمي فيه, حتى في العيدين, والله لا أذكر عيدًا واحدًا دون أن يختلق مشاكل، ومصادمات فيه, مع العلم أنه كان يتقصد فعل ذلك من دون أن نفهم السبب, كل الناس تسمع ذكر الله، وتصلي في العيد, ونحن في البيت نسمع سخطه، وسبه، وإهاناته, والله أصبح الناس يكرهون مخالطتنا منه، ومن سوء معاملته معهم, لقد تدين أموالاً كثيرة من الناس، دون أن يسددها, وما زالت الديون تتكاثر حتى الآن, وظلمه يزداد يومًا بعد يوم, تارة يتهمني بأشياء لا صلة لي بها, وتارة يغضب عليَّ بعدد الشجر، والحجر، دون أن أعرف السبب، حتى غضبه نكون جالسين في الصالة، وكل شيء عادي, وبعدها لا تراه إلا يسب، ويشتم، ويضرب، من دون سبب، عندما كنت صغيرًا: كانوا أقاربي يعطوني العيدية, كنت أفرح بها كثيرًا, لكن عندما ينتهي العيد يأتي ويأخذها مني ليفعل بها ما يريد, كرهت هذا الأب، ولطالما فكرتُ أن أخرج من البيت، وأن لا أعود إليه أبداً, لكن ما يحز بخاطري هي أمي, لا أريد أن أتركها وحيدة معه, أنا أحب أمي كثيرًا، وأحاول أن أفعل أي شيء حتى ترضى, لكن هو لا أطيق حتى أن أنظر إليه, لذلك أريد أن أسأل: كيف تكون المعاملة مع هذا الوالد؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

خلق الله الخلق وجعل فيهم الرحمة والعطف، وهذه فطرة الله التي فطر الناس عليها، وأقوى ما تكون هذه الرحمة، وأعظم ما يكون هذا العطف: هو ما يكون من الوالدين تجاه أولادهم، فإذا رأيت من لا يتصف بهذا من عموم الخلق، أو من خصوص الآباء والأمهات: فهو منتكس الفطرة، نُزعت الرحمة من قلبه، فصارت الحجارة خيرًا منه، قال تعالى: ( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) [ البقرة / الآية  74 ].

وإن أعظم ما يسبب هذه القسوة – وبخاصة من الآباء – هو: الدين، والبيئة، ولذا رأينا المشركين يقتلون أولادهم بسبب الرزق! وخشية العار! وتقربًا لآلهتهم! فأي قسوة أعظم من هذه، أن يقدم الأب ويحفر لابنته حفرة، ثم يدفنها حيَّة؟!، قال تعالى:( وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ) الأنعام / الآية 137 ].

وللبيئة البيتية، أو المكانية تأثيرها على القلوب في قسوتها، حتى إن بعض ساكني البيئات الجافة، والمنتكسة ليحن على حيوانه الأليف، أو على دابته أكثر من حنوه على أولاده.

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ؟ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” أَوَأَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ”. رواه البخاري ( 5652 ) ومسلم ( 2317 ).

وفي رواية لمسلم: ” قَدِمَ نَاسٌ مِنْ الْأَعْرَابِ “.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

والأعراب – كما نعلم جميعًا – جفاة، وعندهم غلظة، وشدة، ولا سيما رعاة الإبل منهم؛ فإن عندهم من الغلظة والشدة ما يجعل قلوبهم كالحجارة، نسأل الله العافية، قالوا: ” إنَّا لسنا نقبل صبياننا “، قال النبي عليه الصلاة والسلام: ” أو أملك إن كان الله نزع من قلوبكم الرحمة ” يعني: لا أملك لكم شيئاً إذا نزع الله الرحمة من قلوبكم.

وفي هذا دليل على تقبيل الصبيان شفقة عليهم، ورقة لهم، ورحمة بهم، وفيه دليل على أن الله تعالى قد أنزل في قلب الإنسان الرحمة، وإذا أنزل الله في قلب الإنسان الرحمة: فإنه يرحم غيره، وإذا رحم غيره: رحمه الله عز وجل. ” شرح رياض الصالحين ” ( 2 / 353 ، 354 ).

ثانيًا:

ومع قسوة الأب، وغلظته، بل ولو كان معهما كفر بالله تعالى: فإن الله تعالى قد أمر ببرِّه، والتلطف في معاملته، ولا يستثنى من ذلك إلا الطاعة في المعصية؛ فإنها تحرم على الأولاد أن يفعلوها.

قال تعالى: ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ) [ الإسراء / الآية 23 ].

وقال تعالى:( وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) [ لقمان / الآية  15 ].

ثالثًا:

وكيف يقابل الأولاد قسوة والدهم؟ إن أسهل الطرق للتخلص من هذه القسوة، وسوء المعاملة – أخي السائل – هي الخروج من البيت! لكنه ليس حلاًّ؛ لأن مقتضى الرحمة بالوالد تقتضي البقاء لدعوته، والإحسان إليه، ولسبب آخر: أن أمك، وأشقاءك أحوج ما يكونون إليه مع تلك المعاملة القاسية من والدك للجميع، لذا فإننا ننصحك بما يلي:

  1. الصبر.
  2. الإحسان إليه، وعدم رد الإساءة بمثلها.
  3. الابتعاد بالكلية عن كل ما يغضبه، ويسبب له الاحتقان، من أفعال، وأقوال منكم.
  4. الحرص على هدايته، وتعليمه، ووعظه، ونصحه، بالطرق المناسبة له، كإسماعه شريطاً، أو إهدائه كتاباً، أو التنسيق مع دعاة لزيارتكم، والتعرف عليه، أو غير ذلك مما يناسب حاله، وبيئتكم.
  5. الدعاء له بالهداية، والتوفيق.

* سئل الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

نحن عشرة إخوة، تتدرج أعمارنا إلى تسع عشرة سنة، ونعيش مع والدنا، ووالدتنا في مسكن واحد، ونحن – والحمد لله – متمسكون بالدين الحنيف، فنصلي فروضًا، ونوافل، ونصوم فرضًا، وتطوعًا، ولكن مشكلتنا: والدنا، الذي يسيء معاملتنا في البيت، فهي أشبه بمعاملة البهائم، إن لم تكن أسوأ! بالرغم من أننا نوقره كل التوقير، ونحترمه جل الاحترام، ونهيئ له كل وسائل الراحة والهدوء، ولكنه مع ذلك يعاملنا ووالدتنا أسوأ معاملة، فلا ينادينا إلا بأسوأ الحيوانات، ودائمًا يدعو علينا وينتقدنا في كثرة تمسكنا بالدين، وإلى جانب ذلك كثيرا ما يغتاب الناس، ويسعى بالنميمة بينهم، ويفعل هذه الأفعال مع صلاته وصيامه، فهو محافظ على الصلوات المفروضة في المساجد، ولكنه لم يقلع عن هذه العادة السيئة، حتى سبَّب لنا ولوالدتنا الضجر، والضيق، فقد سئمنا صبرًا، وأصبحنا لا نطيق العيش معه على هذه الحالة، فما هي نصيحتكم له؟ ونحن ماذا يجب علينا نحوه؟ جزاكم الله خيرًا.

أولًا:

يجب على الوالد أن يحسن إلى أولاده، ويستعمل معهم اللين في وقته، والشدة في وقتها، فلا يكون شديدًا دائمًا، ولا يكون ليِّناً دائماً، بل يستعمل لكل وقت ما يناسبه؛ لأنه مربٍّ، ووالد، فيجب عليه أن يستعمل مع أولاده الأصلح، دائمًا، وأبدًا، إذا رأى منهم الإحسان: لا يشتد عليهم، وإذا رأى منهم الإساءة: يشتد عليهم، بنسبة تردعهم عن هذه الإساءة، ويكون حكيمًا مع أولاده.

هذا هو الواجب عليه، فلا يقسو عليهم بما ينفرهم، ولا يشتد عليهم من غير موجب، ومن غير مبرر، بل يحسن أخلاقه معهم؛ لأنهم أولى الناس بإحسانه، وعطفه، وحتى ينشئوا على الدين، والخلق، والعادات السليمة.

أما إذا نفرهم بقسوته، وغلظته المستمرة: فإن ذلك مدعاة لأن ينفروا منه، وأن ينشئوا نشأة سيئة، فالواجب على الأب أن يلاحظ هذا مع أولاده؛ لأنهم أمانة عنده، وهو مسئول عنهم، وكلكم راع ، وكلكم مسئول عن رعيته.

أما واجبكم نحوه: الإحسان، والصبر على ما يصدر عنه، هو والدكم، وله الحق الكبير عليكم، وأنتم أولاده، الواجب: أن تحسنوا إليه، وأن تصبروا على ما يصدر منه من قسوة؛ فإن ذلك مدعاة لأن يتراجع، وأن يعرف خطأه، والله تعالى أعلم. ” المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان ” ( 5 / 382، 383، السؤال 504 ).

 

 

والله أعلم.

كيف يتصرف مع والدته التي يعلم أن لها علاقات محرمة مع أجانب؟.

كيف يتصرف مع والدته التي يعلم أن لها علاقات محرمة مع أجانب؟.

السؤال:

لي أم، ومنذ صغري وأنا أراها تخون والدي، ونجد أعمالًا سحرية في غرفة نومهم، الخيانة مع أشخاص متعددين، والله إني أخاف عقاب الله وأنا أكتب، ولكن طفح الكيل؛ لأنه تبقى واحد من الأنجاس لا يزال على علاقة ببيتنا، وأبي قد توفي –  رحمه الله -، والآن أصغر إخواني يذهب يتنزه مع هذا الرجل وأولاده، ربما يحاول يكفر عن خطيئته، ولكني لا أحتمل وجوده، ورؤيته، ولا أستطيع أن أواجه أمي بحقيقته.

المهم: نشب نزاع بيني وبين أمي حول أخي الصغير، وخروجه معهم، والآن أنا مقاطع بيت أهلي؛ من أمي، وتصرفاتها المخزية، وتعلقها بالدنيا، فهي شخصية متسلطة جدًّا، والكذب، والخداع، والمراوغة لا تكلفها أي مجهود، أو تفكير، أنا تعبت من التفكير، كما أن لدي أخت سألت أحد المشايخ، فأجابها: بأنه ليس لها ما لباقي الأمهات، ومخالفتها لا يعد عقوقًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

      إن صحَّ ما تقول عن والدتك من إقامتها علاقات غير شرعية مع رجال أجانب: فإنها تكون قد عرَّضت نفسها لسخط الله، وعذابه، فإن كانت وقعت في الزنا: فإن وعيدها أعظم، وخاصة وأنها محصنة، وحدُّ الزانية المحصنة: الرجم بالحجارة حتى الموت، والإحصان يحصل بالدخول الشرعي على متزوجة، ولو مرة واحدة، ولذا فإن هذا حكمها سواء كان والدك على قيد الحياة، أم فعلت ذلك بعد وفاته.

      والسحر الذي رأيتَه في غرفة نومها: إن كان بفعلها، أو عن طريقها: فهي على خطر عظيم؛ لما للسحر من شر في ذاته، ومن شدةٍ في حكمه، سواء فعله الساحر بنفسه، أم قصد مسلمٌ ساحرًا ليسحر له أحدًا من الناس.

لذا يجب على أمك أن تتوب توبة صادقة، وعليك أن تعينها على هذه التوبة، وتحثها عليه، وترغِّبها إن هي تابت، وترهِّبها إن هي أصرت على فعلها، ومنكراتها.

ثانيًا:

وفد أخطأتَ بخروجك من البيت خطأً كبيرًا، بل كان الواجب عليك: البقاء في البيت لتحمي أمك، وأخاك الصغير، وأختك، من ذلك الذئب الجائع، ونعجب منك كيف فهمت أن علاقة ذلك الرجل بأخيك إنما هي لتكفير خطيئته بعلاقته المحرمة مع والدتك! فمثل هذا لا يُحسَّن به الظن، بل ينبغي أن يحترس منه بسوء الظن.

فنرى أنك أخطأتَ خطأً عظيمًا بهجرك للبيت، وأن الواجب عليك الآن الرجوع إليه، وأن تكون حاميًا له، ولأفراد أسرتك، من طمع الطامعين، وكيد الكائدين، وبقاؤك مع تحملك لتصرفات أمك خير بكثير من هجرك للبيت لتنفس عن نفسك، فاتق الله تعالى ربك، وأنت الآن صاحب مسئولية، فلا تقدِّم هوى نفسك بتخليك عن تلك المسئوليات، وكن خير حامٍ لأسرتك، فهم أحوج ما يكونون لك.

      وبخصوص ذلك الخبيث: فليس لك إلا مواجهته، وطرده من بيتكم، والطلب منه عدم زيارتكم، والقدوم إليكم، وليكن منك إقناع بذلك لأخيك، حتى يعلم أنه غير مرغوب فيه، فتُقطع رجله عن القدم إليكم، ولا ينبغي لك التهاون في هذا، وبحسب ما جاء في بياناتك أن عمرك ( 31 عامًا ) وهو عمر رجل يستطيع فرض سيطرته على بيته، فافعل ذلك ولا تتردد.

ثالثًا:

ومع ما تقوله من تصرفات والدتك: فإن حقها يبقى عليك في البرِّ، والتلطف في الكلام، وهذا هو الطريق المناسب لقلبها، وهدايتها، دون القسوة، والغلظة، ونرى أن من قال لك بسقوط حقها في البر والصلة أنه أخطأ، نعم، لا تعان على معصية، لكن يبقى برُّها على أولادها.

* سئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – عن امرأة مزوَّجة، ولها أولاد فتعلقت بشخصٍ أقامت معه على الفجور، فلما ظهر أمرها: سعَت فى مفارقة الزوج، فهل بقيَ لها حق على أولادها بعد هذا الفعل؟ وهل عليهم إثم في قطعها؟ وهل يجوز لمن تحقق ذلك منها قتلها سرًّا؟ وإن فعل ذلك غيره يأثم؟.

فأجاب:

الواجب على أولادها وعصبتها: أن يمنعوها من المحرمات، فإن لم تمتنع إلا بالحبس: حبسوها، وإن احتاجت إلى القيد: قيَّدوها، وما ينبغي للولد أن يضرب أمَّه، وأمَّا برُّها: فليس لهم أن يمنعوها برَّها، ولا يجوز لهم مقاطعتها بحيث تتمكن بذلك من السوء، بل يمنعوها بحسب قدرتهم، وإن احتاجت إلى رزق وكسوة رزقوها وكسوها، ولا يجوز لهم إقامة الحد عليها بقتلٍ ولا غيره، وعليهم الإثم في ذلك. “مجموع الفتاوى ” ( 34 / 177، 178 ).

فالمطلوب منك أخي السائل:

  1. الرجوع دون تردد إلى بيت أهلك.
  2. القيام على أمك وأختك وأخيك بالعناية، والرعاية، والدعوة بالحسنى.
  3. طرد ذلك الرجل الخبيث من بيتكم، ومن حياتكم.
  4. منع أمك من لقاء أحد من الأجانب، أو استضافتهم في بيتها، ولو أدى ذلك إلى تقييدها، وحبسها في البيت، على أن تدرس عواقب ذلك, واحتمال وقوع ضرر عليك جراء فعله.
  5. لا تمتنع من برها، ويحرم عليك عقوقها، فأحسن إليها، وتلطف معها، وأخرجها من بيئتها التي تعيش بها، وعرِّفها على أهل الفضل والعفاف، واذهب بها للعمرة، لعلها تغسل ذنبها، وتستغفر ربها، وتغيِّر حياتها للأفضل.
  6. داوم على دعاء الله تعالى لأسرته بالهداية، ولك بالتوفيق والإعانة.

 

والله أعلم.

كلمة في ” الانتخابات النيابية ” و ” الانتخابات الفرعية للقبيلة “

كلمة في ” الانتخابات النيابية ” و ” الانتخابات الفرعية للقبيلة ”

السؤال:

عندنا في الكويت جرت انتخابات مجلس الأمة, وبعض القبائل تقوم بانتخابات فرعية, يتم من خلالها تصفية عدد المرشحين من القبيلة الواحدة, فيتم تحديد عدد معين من أبناء القبيلة الواحدة للنزول لانتخابات مجلس الأمة, الذي من شأنه زيادة فرصة تمثيل القبيلة بعدد أكبر في المجلس, والقبيلة تلتزم التزاماً أدبيًّا بالتصويت فقط لمن نجح في الانتخابات الفرعية, ولكن لا تمنع القبيلة من التصويت لغيرهم, بالرغم من أن من يصوت لغيرهم قد لا يستطيع أن يجهر بهذا, والبعض يجهر بالقول أنه لم يلتزم. سؤالي: هل تعتبر هذه الانتخابات الفرعية من باب التعصب للقبيلة فتكون فرعًا من أبواب الجاهلية الحديثة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

ما يسمى بالمجالس النيابية في عالمنا العربي والإسلامي لا يكاد يكون له ذلك الأثر الذي من شأنه أن يوقف الفساد، وأن ينشر الفضيلة، بل ما تريده الحكومات -غالبًا – هو الذي ينفذ، وأصبح دور تلك المجالس فارغًا من جزء كبير من مضمونه، وهو محاسبة المقصرين، وكشف الفساد، وفضح أهله، وأصبح الدور المهم الذي يقوم به هو ” التشريع ” لما تريده السلطة، حتى صار في كثير من الدول أداة طيعة، يلبي رغبة الحكومة، ولا يحاسبها على تقصيرها، فضلًا أن يحاكمها، ويغيرها لعدم صلاحيتها.

ثم إن ما نراه من حال من يرشح نفسه لتلك المجالس يدعو للعجب، فهو يزكي نفسه في منشوراته، وهو يكذب في أطروحاته مما يعلم أنه لن يحقق شيئًا منها، ثم ما يحصل من شراء للأصوات، واتهام للآخرين من المنافسين، وما يبذل من أموال طائلة، وما يحدث من تعصب للحزب، والقبيلة، ومن تفريقها لأهل البلد، والمدينة، القبيلة، بل والبيت الواحد: كل ذلك – وغيره كثير – أمور لا يُنكرها أحد، وهي تتفاوت من دولة لأخرى، ومن مرشح لآخر، لكنها موجودة في مجملها لا تُنكر.

* قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

وأما الانتخابات المعروفة اليوم عند الدول: فليست من نظام الإسلام، وتدخلها الفوضى والرغبات الشخصية، وتدخلها المحاباة، والأطماع، ويحصل فيها فتن وسفك دماء، ولا يتم بها المقصود، بل تصبح مجالاً للمزايدات، والبيع والشراء، والدعايات الكاذبة. ” جريدة الجزيرة ” العدد 11358، 8 رمضان، 1424 هـ.

ومع هذا كله: فإن بعض علمائنا الأجلاء يفتي لأهل الخير من أهل العلم والخبرة بشغل تلك الأماكن – مع عدم تجويز شيء من الشرور والمعاصي السابق ذِكرها – حتى لا تكون حِكرًا على أهل الشر والفساد، ومنهم الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله-، بل ذهب إلى وجوبها لمن يكون له تأثير فيها.

رأى ما قاله الشيخ – رحمه الله -، وكان غير مرتكب لإثم ذكرناه سابقًا، أو لم نذكره لكنه كذلك في حكم الشرع: فإن حكم الانتخابات الفرعية لقبيلته في حقه كحكم المجلس، سواء بسواء، وكما أنه لا يحل له انتخاب من لا يوثق بدينه وأمانته في المجلس: فإن الأمر كذلك في الانتخابات الفرعية، فليس لأن المرشَّح من حزبه، أو من قبيلته يقدَّم على غيره من أهل العلم والقوة والأمانة، بل ينبغي أن يكون الشرع هو ميزانه في الحكم على الأشخاص، وفي ترشيحهم لتلك المجالس وغيرها، من غير محاباة، ولا مداهنة.

* وتتمة لجواب الشيخ العثيمين الوارد في الجواب المحال عليه – وهو عن ” الانتخابات في الكويت ” –: * سئل الشيخ – رحمه الله -: الانتخابات الفرعية القبلية يا شيخ؟.

* فأجاب الشيخ – رحمه الله -:

كلُّه واحد، أبدًا، رشِّح من تراه أنه خَيْر، وتوكل على الله.

انتهى. ” لقاءات الباب المفتوح ” ( شريط رقم: 211، الوجه الثاني ).

 

والله أعلم.

سكن زوجته الأولى مِلك لها وهو واسع, فهل يجب على الزوج توفير مثله للثانية؟.

سكن زوجته الأولى مِلك لها وهو واسع, فهل يجب على الزوج توفير مثله للثانية؟.

السؤال:

منح والدها لضرتي منزلًا كبيرًا، وعندما تزوجني زوجي كانوا يسكنون بهذا المنزل الواسع، ومن التجربة سنتين: وجدتُ أن زوجي يميل للبيت الأول؛ بحكم العشرة بالطبع، ولتعوده على المنزل الواسع الكبير، وحديقة المنزل الغنَّاء، وأنا أسكنني بشقة صغيرة مقفلة لا يوجد بها منفس لي، ولم يتحرج أن يبقى عندها في يومي إلى بعد العشاء؛ بحجة أنه غير مستعد ليحبس نفسه بشقة معي، الأمر الذي أثَّر كثيرًا على نفسيتي، وطبعًا ما تحتاجه الفيلا أكثر بكثير من الشقة، وإن طلبت شيئًا: قال: معنى هذا لابد أحضر للاثنتين، فتلغى أشياء كثيرة أحتاجها، وهي لها كماليات، وحاليًّا أنا ببلد بعيدة عنه لظرف، فطلبت منه استئجار دور لي، خصوصاً أنه مدير بمكان كبير، ووظيفته مرموقة، وجميع أهله بفلل، وأجد أطفالي يندهشون عندما يدخلون الفلل من حولهم، وخفت أن تصبح الشقة لهم كحبس فيكرهون بيتنا أكثر، ويتعلقون بمنزل ضرتي، وطلبت منه دورًا، وهو عبارة عن ( 4 أو 5 غرف )، وله حديقة، مع أن راتب زوجي أكثر من ( 20000 ريال )، ولكنه يقول: هذا تصعيب عليَّ، وأنا ملتزم بأقساط لسيارات أولاده من الأولى، ما الحكم؟ هل يحق لي سكن أراه مريحًا وهو بطاقته ومستوى من حولنا، أم شقة؟ مع العلم عندي بالبيت طفلان منه، وصغر الشقة يمنعه من استقبال أحد بها، فأراني أبتعد أكثر عن الحياة الاجتماعية. أفتوني مأجورين؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

أوجب الله تعالى على الزوج المعدد العدل بين نسائه في النفقة، والمبيت، والكسوة.

ثانيًا:

اتساع بيت الزوجة الأولى ليس بعذر للزوج لقضاء وقت الزوجة الأخرى فيه، بل يحرم عليه فعل ذلك، ولا يحل له الدخول في نهار الزوجة الثانية على الأولى إلا لحاجة، ولا يحل له الدخول في ليلتها على ضرتها إلا لضرورة.

ثالثًا:

ومن العدل الواجب على الزوج العدل في السكنى، فلا يحل له إسكان زوجة في فيلا، والأخرى في شقة صغيرة، وهذا التفاوت بين السكنين مما يُدخله في الظلم المحرَّم.

أما إذا كان الزوج يسكن في بيت إحدى زوجتيه، وكان واسعا فسيحًا: فلا يلزمه أن يجعل مثله لزوجته الأخرى؛ لأن السكن ليس له، وهذا ليس من الظلم، وليس واجبًا عليه إسكان الأخرى بمثل سكن الأولى.

وإن كان الزوج قادرًا، وقد أنعم الله عليه بالمال: فلا ينبغي له أن يضيِّق على الأخرى بإسكانها في شقة صغيرة، هو نفسه لا يطيق البقاء فيها، وليعلم أنها زوجته، وأولادها هم أولاده، وهو سكنه الذي يأوي إليه، ومن السعادة في حياة المرء اتساع البيت، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أحمد (15409 ) عَنْ نَافِعِ بْنِ عَبْدِ الْحَارِثِ – رضي الله عنه – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ: الْجَارُ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ الْهَنِيءُ، وَالْمَسْكَنُ الْوَاسِعُ ) وصححه الألباني في ” صحيح الجامع ” ( 3029 ).

فعلى الزوج أن يسعى في إسعاد نفسه، وزوجته، وأولاده بتوفير مسكن ملائم، وفسيح، لزوجته الأخرى، وقد أنعم الله تعالى بالمال، وإن الله يُحب أن يرى أثر نعمته على عبده، كما صحَّ بذلك الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وأيضًا: حتى لا يجعل فروقات بين أولاده في مسكنهم، وراحتهم، وسعادتهم، وهو وإن كان غير واجب عليه – كما ذكرنا من قبل – لكنها نصيحة مطلع على أحوال بيوت المسلمين، ومن دراية بنفسياتهم، وبخاصة النساء الضرائر.

والخلاصة:

أنه لا يجب على زوجكِ توفير سكن واسع فسيح لكِ، إلا أن يكون هو صاحب المسكن الأول، لكنه يستحب له فعل ذلك، وهو سعادة له، ولأهله.

 

والله أعلم.

زوجته تسيء في تصرفاتها معه، وعنده منها أولاد فهل يطلقها؟

زوجته تسيء في تصرفاتها معه، وعنده منها أولاد فهل يطلقها؟

السؤال:     

سؤالي يتلخص في مشكلة مع زوجتي منذ سبع سنوات، وذلك أن زوجتي هي زوجة أخي – رحمه الله -، وله منها أربع بنات وولد، وأنا كان هدفي من الزواج منها هو رعاية الأيتام لا غير، مع أنها تكبرني بعشر سنين، أو تزيد, والمشكلة المستديمة في أمرين هما:

أولًا: كثرة ودوام الغيرة العمياء التي لا تمت إلى الحقيقة بشيء، بل تصل إلى حد الشك بي عندما أكلم أقربائي وغيرهم!.

والثاني: أنه إذا حدثت مشكلة أنّا نمكث متقاطعين لمدة لا تقل عن أسبوع، أو أسبوعين، وقد تمتد إلى الشهر تقريبًا, وللأسف أدخلنا من نريده أن يصلح بيننا ولكن لا فائدة، وهذه المشاكل التي تحصل – والله يا شيخ – تكون في كل شهر تقريبًا، وأنا يا شيخ – والله – إني قد حاولت أن أطلقها ثلاث مرات لأرتاح لكن الذي يحول بيني وبين ذلك هو حبي الشديد لأبنائي الثلاثة، وأبناء أخي, يا شيخ ما الحل مع هذه الزوجة العجيبة؟ فأنا – والله يا شيخ – أصبحت أبغضها بغضًا شديدًا، ولولا أولادي: لكنت قد طلقتها منذ فترة طويلة.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا تعقل النساء الفرق بين الغيرة والشك والريبة، ولا يعقلن أن هذه الغيرة هي من هوادم زواجها، وتفكك أواصر أسرتها، فمتى تعقل النساء هذا؟.

وتلك الغيرة من زوج الأخ السائل هي سبيل تسلكه تلك الزوجة لتعدم الثقة بينها وبين زوجها، ولتخرب بيتها بيديها؛ فهذه الطريقة في التعامل مع الزوج تقضي على حبه لها، وتحل محلها البغض، وتقضي على رغبته في استمرار زواجها، وتعجل بانقضاء أجله.

والزوجة العاقلة هي التي تزن الأمور بموازين دقيقة، فلا تنكد على زوجها حياته، ولا تدخل في حياتها الشك والريبة تجاه تصرفاته الطبيعية، بل تسعى جاهدة لإحلال الثقة بينها وبينه، وإرساء قواعد المحبة والسعادة بينها وبينه؛ لتستقيم لها، وإلا فإنها يوشك أن تكون في سلك ” المطلقات “.

ثانيًا:

ووصيتنا للزوج أن يتمهل ولا يتعجل، فطبع النساء يختلف عن طبع الرجال، وليس يوجد مستمتع مع زوجته إلا مع عِوَج في أفعالها وتصرفاتها، يقل ويكثر بحسب دينها، وعقلها، وحسن تصرفها.

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ” إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ, فَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا, اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ, وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا, وَكَسْرُهَا طَلاَقُهَا “. رواه البخاري ( 3153 ) ومسلم ( 1468 ).

* قال النووي – رحمه الله -:

وفي هذا الحديث: ملاطفة النساء، والإحسان إليهن، والصبر على عوج أخلاقهن، واحتمال ضعف عقولهن، وكراهة طلاقهن بلا سبب، وأنه لا يطمع باستقامتها. ” شرح مسلم ” ( 10 / 57 ).

فالذي نراه لك: أن تصبر على خلقها، وأن تسعى في إصلاحها، وزيادة علمها، وإيمانها، بتوفير ما يلزم لذلك من كتب نافعة ميسرة، وأشرطة، وصحبة صالحة، وأن تجعل من حسن تعاملك معها سببًا لذلك أيضًا، مع كثرة الدعاء.

واعلم أن الطلاق سبيل تفرق وتشتت للأسرة، وفيه ضياع للزوجة، وضياع للأولاد، غالبًا، وإن كثيرًا من الناس ليصبرون على سوء تصرفات نسائهم لأجل أولادهم، وفي صلاح أولئك الأولاد، وتنشئتهم على خير إعانة لوالدتهم على الطاعة، وضبط تصرفاتها، وهذا مشاهَد مجرَّب، فهذا ما نراه لك، وأما إن كنت لا تستطيع الصبر على تصرفاتها، وأنك ستظلمها، وتهضمها حقوقها: فطلقها، ولعلها ترعوي بعد الطلقة الأولى، أو الثانية، فإن استمرت على ما هي عليه، ولم تستطع التحمل فقد جعل الله في غيرها لك بدلًا.

 

والله الموفق.

زنت وستر عليها زوجها, فهل الأفضل أن يقام عليها الحد أم تتوب؟.

زنت وستر عليها زوجها, فهل الأفضل أن يقام عليها الحد أم تتوب؟.

السؤال:

أرجو منكم إعطائي الجواب الوافي الذي يبرِّد نار قلبي مما جنيتُ في حق ربي، ونفسي، وزوجي. لن أطيل بسرد القصة، علماً بأني تائبة، والله أتفكر كل يوم بما جنتْ يدي، أو كيف انسقتُ لتلك المعصية، لأني تربيتُ مع عائلة محافظة، متمسكة بالكتاب والسنة، أسألكم بالله أفيدوني.

كنت قد ارتكبتُ معصية يقام فيها حدٌّ، وزوجي علِم، وطلقني بدون فضح أمري، ثم أرجعني، وستر عليَّ, وقد اتفقنا على أن يقيم عليَّ الحد! فذهب لأحد الشيوخ، فقال له: استر عليها، ولتتب لربها، أَصلَح لها، وأنا من معرفتي بالدِّين علمتُ بأن الله يعذب الزاني في القبر، فهل إن تبت، وصلح أمري: فإني سأنال من عذاب ربي بعد موتي؟.

أرجوكم، أفيدوني بجواب وافٍ، فقد قرأتُ جميع الآراء والأحكام، ولم أعرف ما الصواب والخطأ، أرجوكم أفيدوني، فهل يجب أن أقيم الحدَّ, أم أن توبتي كافية, وأعيش ذليلة طيلة حياتي؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إن كان من شيء نبدأ به جوابنا: فهو أن نذكر المسلمين والمسلمات بتقوى الله وطاعته، وأن يأخذوا العبرة والعظة من أحوال الناس، وأن لا يعتقدوا في أنفسهم البُعد عن الوقوع في الفواحش والمنكرات، وأن يبتعدوا عن الصحبة السيئة والمهيجات، وأن لا يجني الواحد منهم على نفسه بلذة تزول, وتبقى حسرتها وألمها حتى يلقى ربه، وليس كل واحد ممن عصى ربَّه يوفَّق لتوبة صادقة، ويأتي بحسنات ماحية.

ثانيًا:

ونثني بالثناء على الله تعالى وشكره أن وفقكِ للتوبة، وأن يسَّر لك أن ترجعي لصوابك، فليس كل من فعل معصية وُفق للتخلص منها، والتوبة بعد فعلها، وها قد وفقك ربك لتلك التوبة فاحمديه، واشكريه، وأكثري من الثناء عليه عز وجل، فلولا أن وفقك لها لما كنت تنعمين بها، وهذا لا يعني أن آلامها ستزول، بل مثل تلك الفواحش والمعاصي تُبقي أثرها في حياة فاعلها؛ لعلَّ الله يجعل بتلك الحسرة جدارًا مانعًا من إعادة الوقوع فيها، ولعلَّ ذلك الألم أن ينزل دمعة تطهر خبث النفس، ولعلَّ العذاب بعدها أن يُحدث طاعة يداوم عليها ذلك التائب ليصلح شأنه، وحاله، ويجدد العقد والعهد بينه وبين خالقه أن لا يعود لمثلها.

ثالثًا:

ونثلِّث بالثناء على ذلك الزوج الشهم الأصيل، والذي لم يفضح أمر زوجتك العاصية التائبة، وهذا إن دلَّ على شيء فيدل على عقل راجح، ودين متين، نسأل الله تعالى أن يجزيه خير الجزاء، وأن يهبه تعالى ستراً عليه في الدنيا والآخرة.

وأما هل يطلِّق زوجته أم لا؟ فالمسألة فيها تفصيل.

رابعًا:

ونقول للزوج الشهم الموفق: إن ما قاله ذلك الشيخ من الستر على زوجتك، وإصلاح حالها: هو المتعين، وأنه لا يجوز لأحدٍ أن يقيم الحدَّ على من فعل ما يستوجبه به، بل الحدود لا يقيمها إلا الولاة الشرعيون، ومن يقوم مقامهم.

* قال النووي – رحمه الله -:

قال العلماء: لا يستوفي الحدَّ إلا الإمام، أو من فوَّض ذلك إليه.

” شرح مسلم ” ( 11 / 193 ).

وليعلم الزوج والزوجة: أنه لو كان ثمة من يقيم الحدود الشرعية على فاعل المعصية التي تستوجب إقامة الحدّ: لما نصحناه بالذهاب للقاضي أو الحاكم ليقيم على زوجته الحد؛ وذلك لأن ستر العاصي على نفسه خير له من فضح نفسه، ولو كان بعد ذلك يقام عليه الحد المطهِّر، وإننا لننصح بما نصح به النبي صلى الله عليه وسلم، ونصح به الخليفة الراشد أبو بكر الصدِّيق، وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما.

ففي صحيح مسلم ( 1695 ) جاء ” ماعز ” يقول للنبي صلى الله عليه وسلم ” طهِّرني “، قال له: ( ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

ويؤخذ من قضيته – أي: ماعز عندما أقرَّ بالزنى – أنه يستحب لمن وقع في مثل قضيته أن يتوب إلى الله تعالى ويستر نفسه ولا يذكر ذلك لأحدٍ، كما أشار به أبو بكر وعمر على ” ماعز “، وأن مَن اطَّلع على ذلك يستر عليه بما ذكرنا ولا يفضحه ولا يرفعه إلى الإمام كما قال صلى الله عليه وسلم في هذه القصة: ” لو سترتَه بثوبك لكان خيراً لك “، وبهذا جزم الشافعي – رضي الله عنه – فقال: أُحبُّ لمن أصاب ذنبًا فستره الله عليه أن يستره على نفسه ويتوب، واحتج بقصة ماعز مع أبي بكر وعمر. ” فتح الباري ” ( 12 / 124، 125 ).

خامسًا:

ونقول للأخت السائلة: إن باب التوبة مفتوح، وإن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، واعلمي أن الله تعالى يقبل التوبة من عباده، ويبدلها لهم حسنات إن هم صدقوا فيها.

قال الله تعالى: ( وإني لغفار لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى) [طـه/الآية 82 ]، وقال تعالى: ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا. إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) [ الفرقان / الآية 68 – 70 ].

وحتى تكون التوبة صحيحة: فلا بد من تحقيق شروطها، وهذه الشروط هي:

  1. الإقلاع عن الذنب.
  2. الندم على فعله.
  3. العزم على عدم العود إليه.

وإن تبتِ إلى الله تعالى، وأصلحتِ أمرك: فلن يكون عذاب لك، ولا عقاب، على ذلك الذنب، بل إن الله تعالى تفضَّل على عباده التائبين ووعدهم بتبديل سيئاتهم حسنات، فلا تجعلي للشيطان طريقاً إلى قلبك ليحول بينك وبين التوبة، واقطعي الطريق عليه في تيئيسك من رحمة الله تعالى، ولم يكتف عدو الله في إيقاع المسلمين في المعصية حتى يصدهم عن التوبة منها، فاحذري أشد الحذر، واعلمي أن فضل الله واسع، فليس عليك إلا أن تصلحي بينك وبين ربك، وهو تعالى يتولاك، ويسددك، ويوفقك، واعلمي أن التوبة ليست فيها ذلاًّ، إنما الذل في معصية الله، بل ستعيشين مع التوبة سعيدة، هنية، بذكر الله تعالى، وطاعته، بتوفيق منه وإعانة.

 

 

والله الموفق.

 

 

زنا شقيقه بامرأة وتزوجها, وهي حامل منه, فكيف يتصرف معه؟

زنا شقيقه بامرأة وتزوجها, وهي حامل منه, فكيف يتصرف معه؟

السؤال:

هل يجوز لي أن أُدخل أخي وامرأة أخي إلى بيتي بعد أن تبين أن أخي قد زنى بها، وأنجبت طفلة من الزنا, علمًا أن أخي عقد العقد الشرعي قبل أن تنجب، ولم يعقد العقد الشرعي بعد الإنجاب؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن الزنا من كبائر الذنوب، وإنه ليؤلمنا انتشار هذه الكبيرة بين الناس، وهوان أعراضهم على أنفسهم، وعلى أهليهم، وإنهم ليعاندون الشرع فيما جاء به من أحكام تحفظ عليهم أعراضهم، فراحوا يتساهلون في السفر، والاختلاط، والمماسة، والحديث، والمراسلة، والنظر، وكل هذه – وغيرها مما هو مثلها – من الطرق الموصلة للفاحشة.

وعلى أخيك والمرأة التي زنى بها التوبة الصادقة، والإكثار من الأعمال الصالحة والطاعات، ولعل الله أن يعفو عنهما بمنِّه وكرمه.

ثانيًا:

وبخصوص ما فعله أخوك: فاعلم أن جمهور العلماء أجازوا للزاني الزواج قبل توبته، وقد خالف في ذلك الحنابلة، فاشترطوا التوبة من الزاني والزانية لصحة زواجهما، وهذا الذي رجحناه في موقعنا هذا في عدة أجوبة.

والأمر الآخر: زواجها قبل استبراء رحمها من نطفة السفاح، وهو أمر محرَّم، لا يحل لها فعله، فيضاف إلى الشرط السابق، وفيه خلاف – كما في سابقه -، لكنَّ الجمهور هنا على اشتراط براءة رحمها قبل الزواج، وقولهم هو الصواب.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

وإذا زنت المرأة لم يحل لمن يعلم ذلك نكاحها إلا بشرطين:

أحدهما: انقضاء عدتها، فإن حملت من الزنا, فقضاء عدتها بوضعه، ولا يحل نكاحها قبل وضعه ….

والشرط الثاني: أن تتوب من الزنا.

وقال:

وإذا وجد الشرطان: حلَّ نكاحها للزاني، وغيره، في قول أكثر أهل العلم، منهم أبو بكر، وعمر، وابنه، وابن عباس، وجابر، وسعيد بن المسيب، وجابر بن زيد، وعطاء، والحسن، وعكرمة، والزهري، والثوري، والشافعي، وابن المنذر، وأصحاب الرأي. ” المغني ” ( 7 / 108، 109 ).

والأمر الثالث: أن الطفل الذي تولَّد من ذلك السفاح لا يجوز نسبته للزاني، حتى لو تزوجها بعد ذلك، بل هو نتيجة علاقة محرَّمة، فيُنسب للأم، وخالف في ذلك بعض التابعين، وأيدهم شيخ الإسلام ابن تيمية، بشرط أن لا تكون المزني به فراشًا لزوج آخر، وأن يستلحقه الزاني بنسبه.

ونحن رجحنا قول الجمهور في عدة أجوبة، وبعض العلماء يرى أن الزاني إن استلحق ولد الزنا به، ولم تكن المرأة فراشا لأحد، ولم يزعم أنه من الزنا: أنه يكون ولده في أحكام الدنيا.

ثالثًا:

وقد ذكرنا التفصيلات السابقة لبيان أن المسائل المتعلقة بما فعله أخوك فيها خلاف بين العلماء، فإن كان سأل أحد العلماء وأخذ برأيه فيها: فلا حرج عليه، وإن لم يفعل: فنحن نرى أن يفسخ النكاح؛ لعدم توبتهما – كما يظهر -؛ ولأنه عقد عليها وهي حامل!، وعليهما التزام التوبة، وعدم نسبة الولد له، ولهما التزوج بعد ذلك بالشروط الشرعية المعروفة، من الولي، ورضاها.

وأما بخصوص علاقتك به: فإن كانا أظهرا التوبة والندم على فعلهما، وكان زواجهما ونسبتهما الولد له بناء على سؤال أحد أهل العلم: فلك أن تُدخله بيتك، وتزوره، وأما إن لم يُظهرا التوبة، وكانت أفعالهم من الزواج ونسبة الولد ليست بناء على فتوى أحدٍ من أهل العلم: فنرى أن تحذر منه، وتقاطعه، حتى يصوِّب أفعاله، ومثل هذه الأفعال أولى بأن تكون سببًا للهجر من كثير من قضايا الناس الدنيوية التافهة.

 

 

والله أعلم.