الرئيسية بلوق الصفحة 145

هل الشراء من البقالة بالأجل يعدُّ من ربا النسيئة؟

هل الشراء من البقالة بالأجل يعدُّ من ربا النسيئة؟

سؤالي:

يوجد بالقرب من منزلنا بقالة، فنقوم بطلب ما نريده منها ونؤخر تسليم الثمن إلى أجل محدود، فهل يعتبر هذا من ربا النسيئة؟ مع العلم أن البائع راضٍ بأي طريقة تم الدفع بها عاجلا أو مؤخرا فما الحكم في ذلك؟ وجزاكم الله خيرا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

إذا اشتريتَ من صاحب بقالة وكان يبيع بسعر واحدٍ عاجلا وآجلا: فلا يهم إن كنتَ اشتريتَ منه شيئا وأخرتَ دفعه فيما بعد.

وإن كان صاحب البقالة يبيع بسعرٍ للعاجل وبآخر للآجل: فلا يجوز لك أن تشتري منه شيئاً دون الاتفاق على واحدٍ من السعرين؛ لأنك إن فارقتَه ولم تحدِّد أيًّا من السعرين تمَّ عليه الاتفاق فإنه تكون صفقتكم ” بيعتين في بيعة “, وهي بيعة محرَّمة في الشرع.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ” نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ “. رواه الترمذي ( 1231 ) وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي ( 4632 ).

قال الإمام الترمذي – بعد رواية الحديث -:

والعمل على هذا عند أهل العلم، وقد فسَّر بعضُ أهلِ العلم قالوا: بيعتين في بيعة أن يقول: أبيعك هذا الثوب بنقدٍ بعشرة وبنسيئةٍ بعشرين ولا يفارقه على أحد البيعين، فإذا فارقه على أحدهما فلا بأس إذا كانت العُقدة على أحدٍ منهما. انتهى.

وقال الإمام البغوي في ” شرح السنة ” – بعد أن ذكر هذا تفسير الترمذي -:

هو فاسد عند أكثر أهل العلم؛ لأنه لا يدري أيهما جعل الثمن، انتهى.

وقال الشوكاني في ” نيل الأوطار “:

والعلة في تحريم بيعتين في بيعة عدم استقرار الثمن في صورة بيع الشيء الواحد بثمنين، انتهى.  انظر ” تحفة الأحوذي ” ( 4 / 357 ، 358 ).

ثانيا:

وليس شراء الطعام بثمن آجل من ربا النسيئة في شيء، والمعلوم أن ربا البيوع قسمان: ربا الفضل، وربا النسيئة، وربا الفضل: هو الذي يكون في بيع الأموال الربوية بعضها ببعض، والأموال الربوية التي ورد بها حديث عبادة بن الصامت في صحيح مسلم ستة، وهي: الذهب، والفضة، والبر، والتمر، والملح، والشعير، فلا يجوز بيع الذهب بالذهب متفاضلا، ولا التمر بالتمر متفاضلا، بل لا بدَّ من شرطين لحل مثل هذا البيع، وهما: التساوي والتقابض، فتبيع كيلو تمر بكيلو مع القبض، وهكذا في باقي الأصناف، فمن فاضل بينهما فقد وقع في ” ربا الفضل “، وإذا لم يفاضل وأخَّر القبض أو الدفع فقد وقع في ” ربا النسيئة “، فإن فاضل وأخَّر فقد وقع في كلا النوعين من الربا.

فإن اختلفت الأصناف – الذهب والفضة صنف، وباقي الأربعة صنف آخر – فيجوز البيع متفاضلاً لكن مع شرط القبض، فمن اشترى فضة بذهب أو العكس فيجوز التفاضل لكن يشترط التقابض، والورق النقدي يقوم مقام الذهب والفضة، ومن اشترى تمراً بشعير فكذلك يجوز له التفاضل بينهما بشرط القبض، وأما في حال شراء شيء من الأصناف الأربعة أو غيرها بذهب أو فضة أو ورق نقدي فيجوز التفاضل وتأخير دفع الثمن.

ومن أشهر صور ربا النسيئة هو القرض الجاهلي الذي يكون فيه اشتراط دفع أكثر مما أخذ، أو يكون فيه زيادة مالية مقابل تأخره في السداد، وكانوا في الجاهلية يقولون: ” إما أن تَقضي وإما أن تُربي ” أي: إما أن تقضي ما عليك من ديْن أو تزيد في الدَّيْن.

وبه يُعلم: أن من اشترى تمرا أو شعيرا بذهب أو فضة أو مال نقدي: فإنه يجوز له التفاضل والنسيئة، فله أن يشتري ألف كيلو تمر بكيلو ذهب، ولا يشترط التقابض في مجلس العقد.

وما يجري من شراء الناس من البقالات هو من هذا الباب، فيجوز شراء أي مادة منها مع تأخير الدفع، لكن بشرط أن يتفقا على السعر الآجل كما ذكرنا في “أولا”.

وقد اشترى النبي صلى الله عليه وسلم من يهودي شعيراً وأخَّر دفع ثمنه، ورهن عنده درعه، فمات صلى الله عليه وسلم ولم يوفه ثمنه.

عَنْ عَائِشَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – قَالَتْ: اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا بِنَسِيئَةٍ وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ. رواه البخاري ( 1999 ) ومسلم ( 1603 ).

– وبوب عليه البخاري بقوله: ” باب شراء النبي صلى الله عليه وسلم بالنسيئة “.

قال ابن حج:

قال ابن بطال: الشراء بالنسيئة جائز بالإجماع.

” فتح الباري ” ( 4 / 302 ).

والخلاصة: أنه يجوز لك شراء ما تشاء من بضائع من البقالة بالعاجل أو الآجل شريطة أن تتفقا على أحد البيعيْن إن كان لكل واحد منهما سعر غير الآخر، ولا يدخل ربا النسيئة في هذا البيع إن كنت تشتري بالنقد شيئاً من الطعام.

 

والله أعلم.

هل تجب الزكاة على ذات المحل التجاري؟

هل تجب الزكاة على ذات المحل التجاري؟

السؤال:

أعيش في ألمانيا منذ ( عام 91 م )، واشتريت في ( عام 96 م ) دكانا في سوريا ليعمل به أخي, وبقي الدكان مغلقا إلى الآن دون أن يعمل به أخي، ولم أستفد منه، ولم يأتِ على بالي أبداً أنه يجب الزكاة عليه إلا في هذه الأيام، كان سعر الدكان عند شرائه ( 400 ألف )، ومن ثم نزلت الأسعار إلى ( 300 ألف ) في ( عام 2000 م )، والآن يبلغ سعره من ( 700 – 800 ألف )، في العام القادم إن شاء الله سأحاول أن أفتح المحل ليعمل به شخص ما للاستفادة منه، مع العلم أنني لا أملك شيئا باسمي في سوريا سوى هذا الدكان، وفي ألمانيا لا شيء باسمي ( أقصد أنه لا يوجد عندي أملاك ).

الرجاء نصيحتنا إن كانت تجب الزكاة أم لا؟ وكم تبلغ؟ وماذا يمكن أن أفعل إذا لم يكن لدي المبلغ الواجب دفعه للزكاة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

ليس على المسلم في سيارته ولا في بيته ولا في محله زكاة، ولو كانت قيمة هذه الأشياء كبيرة، وإنما الزكاة على ما يباع ويشترى هو ما يسمى ” عروض التجارة “، فمن كان عنده عقارات – أراض أو بيوت أو محلات – واتخذها للتجارة يبيع ويشتري بها: فإنه يقدر قيمتها وقت الزكاة ويخرج ربع العشر، ومن اتخذها للسكن أو للزراعة أو للتأجير أو للبيع والشراء فيها: فليس فيها زكاة.

قال علماء اللجنة الدائمة:

المال الذي يملكه الإنسان أنواع، فما كان منه نقودا: وجبت فيه الزكاة إذا بلغ نصاباً وحال عليه الحول، وما كان أرضا زراعية: وجبت الزكاة في الحبوب والثمار يوم الحصاد، لا في نفس الأرض، وما كان منه أرضاً تؤجر أو عمارة تؤجر: وجبت الزكاة في أجرتها إذا حال عليها الحول، لا في نفس الأرض أو العمارة، وما كان منه أرضا أو عمائر أو عروضا أخرى للتجارة: وجبت الزكاة فيه إذا حال عليه الحول، وحول الربح فيها حول الأصل إذا كان الأصل نصابا.

الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن منيع.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 9 / 331 ).

وعليه: فلا تحسب قيمة محلك لا فيما مضى ولا في الوقت الحالي؛ إذ ليس عليك فيه زكاة.

 

والله أعلم.

ما هو الجاثوم؟

ما هو الجاثوم؟

السؤال:

كثيرا ما نسمع عن ” الجاثوم ” وأنه من جني يجثم على صدر الإنسان حين يكون تاركا للصلاة أو غيره، فهل يوجد أي شيء في سنة النبي صلى الله عليه وسلم يذكر ذلك؟ أم أنه من الخرافات والأساطير؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

الجاثوم هو الكابوس الذي يقع على الإنسان في نومه.

قال ابن منظور:

” الجثام ” و ” الجاثوم ” : الكابوس، يجثم على الإنسان، … ويقال للذي يقع على الإنسان وهو نائم ” جاثوم . ” لسان العرب ” ( 12 / 83 ).

وقال – أيضا -:

والكابوس: ما يقع على النائم بالليل، ويقال: هو مقدمة الصرع، قال بعض اللغويين: ولا أحسبه عربيًّا إنما هو النِّيدلان، وهو الباروك، والجاثوم.

” لسان العرب ” ( 6 / 190 ).

ثانيا:

وقد يكون ” الجاثوم ” بسببٍ عضوي مادي، كتأثير طعام أو دواء، وقد يكون بسببِ تسلط الجن، ويكون علاج الأول بالحجامة والفصد وتخفيف الطعام وغيرها، ويكون علاج الثاني بالقرآن والأذكار الشرعية.

قال ابن سينا في كتابه الطبي ” القانون “:

فصل في الكابوس:

ويسمى الخانق، وقد يسمى بالعربية الجاثوم، والنيدلان.

الكابوس مرض يحسّ فيه الإنسان عند دخوله في النوم خيالا ثقيلا يقع عليه، ويعصره ويضيق نفسه، فينقطع صوته وحركته، ويكاد يختنق لانسداد المسام، وإذا تقضى عنه انتبه دفعة، وهو مقدمة لإحدى العلل الثلاث: إما الصرع، وإما السكتة، وإما ألمانيا؛ وذلك إذا كان من مواد مزدحمة، ولم يكن من أسباب أخرى غير مادية، ولكن سببه في الأكثر بخار مواد غليظة دموية أو بلغمية أو سوداوية ترتفع إلى الدماغ دفعة في حال سكون حركة اليقظة المحلّلة للبخار، ويتخيل كل خلط بلونه، وعلامة كل خلط ظاهرة بالقوانين المتقدمة.

وقد يكون من برد شديد يصيب الرأس دفعة عند النوم، فيعصره، ويكثفه، ويقبضه، ويختل منه تلك الخيالات بعينها، ولا يكون ذلك إلا لضعف أيضا من الدماغ لحرارته، أو سوء مزاج به. انتهى.

وهكذا يقول الأطباء المعاصرون، فقد قسَّم الدكتور حسَّان شمسي باشا الكوابيس إلى قسمين: الكوابيس العارضة، والكوابيس المتكررة، وجعل الأول لأسباب مادية، والثاني بسبب تسلط الجن.

وقال في كتابه ” النوم والأرق والأحلام “:

1) الكوابيس العارضة:

تحدث لسببين:

أ- تحيز بخارات في مجرى النفس تتراقى إلى الدماغ أو تنصب منه دفعة حين الدخول في النوم؛ فيشعر المصاب بثقل في الحركة والكلام أو شعور بالفزع، وهو مقدمة الصرع العضوي، ويحدث أيضًا عند التعرض للضغوط النفسية.

ب- تعاطي أدوية يمكن أن تسبب الكوابيس وهي:

  1. الرزربين.
  2. حصرات بيتا.
  3. ليفودبا.
  4. مضادات الهمود.
  5. بعد التوقف عن استعمال الأدوية المهدئة، كالفاليوم.

 2) الكوابيس المتكررة: وهذا النوع من الكوابيس يدل على تسلط وإيذاء الأرواح الخبيثة للإنسان. انتهى.

 

والخلاصة: أن الجاثوم هو الكابوس، وليس هو خرافة ولا أسطورة، بل هو حقيقة واقعة، وقد يكون لأسباب مادية، وقد يكون من تسلط الجن.

 

والله أعلم.

ما حكم احتراف كرة القدم؟

ما حكم احتراف كرة القدم؟

السؤال:

ما حكم احتراف كرة القدم؟

 

الجواب:

الحمد لله

جاء تعريف ” الاحتراف ” في ” الموسوعة الفقهية ” ( 2 / 69 ):

الاحتراف في اللغة: الاكتساب, أو طلب حرفة للكسب، والحرفة: كل ما اشتغل به الإنسان واشتهر به, فيقولون حرفة فلان كذا, يريدون دأبه وديدنه، وهي بهذا ترادف كلمتي صنعة, وعمل.

أما الامتهان: فإنه لا فرق بينه وبين احتراف; لأن معنى المهنة يرادف معنى الحرفة, وكل منهما يراد به حذق العمل.

ويوافق الفقهاءُ اللغويين في هذا, فيطلقون الاحتراف على مزاولة الحرفة وعلى الاكتساب نفسه. ” الموسوعة الفقهية ” ( 2 / 69 ).

ولا يجوز لأحدٍ أن يفتي بحكم لعب ” كرة القدم ” وغيرها – فضلاً عن احترافها – مع إغفاله واقع هذه اللعبة في هذا الزمان، وبيئتها التي تحيط بها، ففي هذه اللعبة كشف للعورات، وتضييع للصلوات، والتعرض للفتن والشهوات، واحتمال الأذى والإصابات، مع ما فيها من الغفلة عن الطاعات.

قال الشيخ محمد بن إبراهيم – رحمه الله -:

اللعب بالكرة الآن يصاحبه من الأمور المنكرة ما يقضي بالنهي عن لعبها، هذه الأمور نلخصها فيما يأتي:

( أولا ) ثبت لدينا مزاولة لعبها في أوقات الصلاة مما ترتب عليه ترك اللاعبين ومشاهديهم للصلاة أو للصلاة جماعة أو تأخيرهم أداءها عن وقتها، ولا شك في تحريم أي عمل يحول دون أداء الصلاة في وقتها أو يفوت فعلها جماعة ما لم يكن ثم عذر شرعي.

( ثانيا ) ما في طبيعة هذه اللعبة من التحزبات أو إثارة الفتن وتنمية الأحقاد، وهذه النتائج عكس ما يدعو إليه الإسلام من وجوب التسامح والتآلف والتآخي وتطهير النفوس والضمائر من الأحقاد والضغائن والتنافر.

( ثالثا ) ما يصاحب اللعب بها من الأخطار على أبدان اللاعبين بها نتيجة التصادم والتلاكم مع ما سبق ذكره، فلا ينتهي اللاعبون بها من لعبتهم في الغالب دون أن يسقط بعضهم في ميدان اللعب مغمى عليه أو مكسورة رجله أو يده، وليس أدل على صدق هذا من ضرورة وجود سيارة إسعاف طبية تقف بجانبهم وقت اللعب بها.

( رابعا ) عرفنا مما تقدم أن الغرض من إباحة الألعاب الرياضية تنشيط الأبدان والتدريب على القتال وقلع الأمراض المزمنة، ولكن اللعب بالكرة الآن لا يهدف إلى شيء من ذلك فقد اقترن به مع ما سبق ذكره ابتزاز المال بالباطل، فضلا عن أنه يعرض الأبدان للإصابات وينمي في نفوس اللاعبين والمشاهدين الأحقاد وإثارة الفتن، بل قد يتجاوز أمر تحيز بعض المشاهدين لبعض اللاعبين إلى الاعتداء والقتل كما حدث في إحدى مباريات جرت في إحدى المدن منذ أشهر ويكفي هذا بمفرده لمنعها، وبالله التوفيق.  ” فتاوى ابن إبراهيم ” ( 8 / 116 ، 117 ).

وأما اللعب بها لتقوية البدن وتنشيطه أو لعلاج بعض الأمراض من غير وقوع في شيء من المحظورات فهو أمر جائز.

قال الشيخ محمد بن إبراهيم – رحمه الله -:

الأصل في مثل هذه الألعاب الرياضية الجواز إذا كانت هادفة وبريئة، كما أشار إلى ذلك ابن القيم في ” كتاب الفروسية ” وذكره الشيخ تقي الدين ابن تيمية وغيره، وإن كان فيها تدريب على الجهاد والكر والفر وتنشيط للأبدان وقلع للأمراض المزمنة وتقوية للروح المعنوية: فهذا يدخل في المستحبات إذا صلحت نية فاعله، ويشترط للجميع أن لا يضر بالأبدان ولا بالأنفس، وأن لا يترتب عليه شيء من الشحناء والعداوة التي تقع بين المتلاعبين غالبا، وأن لا يشغل عما هو أهم منه، وأن لا يصد عن ذكر الله وعن الصلاة. ” فتاوى ابن إبراهيم ” ( 8 / 118 ).

وقال – رحمه الله -:

اللعب بالكرة على الصفة الخاصة المنظمة هذا التنظيم الخاص يجعل اللاعبين فريقين ويجعل عوض – أو لا يجعل -: لا ينبغي؛ لاشتماله عن الصد عن ذكر الله وعن الصلاة.

وقد يشتمل مع ذلك على أكل المال بالباطل، فيلحق بالميسر الذي هو القمار، فيشبه اللعب بالشطرنج من بعض الوجوه.

أما الشخص والشخصان يدحوان بالكرة ويلعبان بها اللعب الغير منظم: فهذا لا بأس به، لعدم اشتماله على المحذور، والله أعلم.

” فتاوى ابن إبراهيم ” ( 8 / 119 ).

وقد ذكرنا في جواب سابق شروطًا لجواز اللعب بكرة القدم، وقد جاء فيه:

الشرط الثالث: ألا تستغرق كثيرا من وقت اللاعب، فضلا عن أن تستغرق وقته كلّه، أو يُعرف بين الناس بها، أو تكون وظيفته؛ لأنه يخشى أن يصدق على صاحبها قوله – جل وعلا -: ( الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرّتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم ).  انتهى.

 

 

وتخلف هذا الشرط مع ما ذكرنا من المخالفات الشرعية في هذه اللعبة يجعل احتراف هذه اللعبة من المحرمات، وخاصة إذا علمنا أن من لوازم احتراف هذه المهنة السفر إلى بلاد الكفر للعب هناك في أندية عالمية، ولا يخفى على أحد ما في تلك البلاد من الكفر والفسوق والعصيان، ولا يخفى – كذلك – تعرض اللاعبين لفتن النساء والشهوات بسبب الشهرة والنجومية والمال، مع التنبيه على أن السفر نفسه حرام ولا يجوز إلا لحاجة شرعية مباحة كعلاج أو تجارة أو دعوة وغيرها.

 

والله أعلم.

هل يُعطى مِن الزكاة من يريد التطوع للجهاد في سبيل الله؟

هل يعطى من يتطوع للجهاد في سبيل الله من الزكاة؟

السؤال:

هل يعطى من يتطوع للجهاد في سبيل الله من الزكاة؟

 

الجواب:

الحمد لله

( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) [ التوبة / 60 ].

قال ابن كثير:

وأما { في سبيل الله } فمنهم الغزاة الذين لا حقّ لهم في الديوان وعند الإمام أحمد والحسن وإسحاق والحج من سبيل الله للحديث. ” تفسير ابن كثير ” ( 2 / 367).

قال الشيخ ابن عثيمين:

فأما تخصيصه بالجهاد في سبيل الله فلا شك فيه، خلافا لمن قال: إن المراد في سبيل الله كل عمل برٍ وخير، فهو على هذا التفسير كل ما أريد به وجه الله، فيشمل بناء المساجد، وإصلاح الطرق، وبناء المدارس، وطبع الكتب، وغير ذلك مما يقرب إلى الله – عزّ وجل -؛ لأن ما يوصل إلى الله من أعمال البر لا حصر له.

ولكن هذا القول ضعيف؛ لأننا لو فسرنا الآية بهذا المعنى لم يكن للحصر فائدة إطلاقاً، والحصر هو { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ…} [ التوبة / 60 ] الآية، وهذا وجه لفظي.

أما الوجه المعنوي فلو جعلنا الآية عامة في كل ما يقرب إلى الله – عزّ وجل – لحرم من الزكاة من تيقن أنه من أهلها؛ لأن الناس إذا علموا أن زكاتهم إذا بني بها مسجد أجزأت بادروا إليه لبقاء نفعه إلى يوم القيامة.

فالصواب: أنها خاصة بالجهاد في سبيل الله.

وأما قول المؤلف إنهم الغزاة، وتخصيصه بالغزاة، ففيه نظر.

والصواب أنه يشمل الغزاة وأسلحتهم، وكل ما يعين على الجهاد في سبيل الله، حتى الأدلاء الذين يدلون على مواقع الجهاد لهم نصيب من الزكاة؛ لأن الله قال: { وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ } ولم يقل: للمجاهدين، فدل على أن المراد كل ما يتعلق بالجهاد؛ لأن ذلك من الجهاد في سبيل الله.

وهل يجوز أن يشترى من الزكاة أسلحة للقتال في سبيل الله؟

على رأي المؤلف لا يجوز، وإنما تعطى المجاهد.

وعلى القول الصحيح يجوز أن يشترى بها أسلحة يقاتل بها في سبيل الله، لا سيما وأنه معطوف على مجرور بفي الدالة على الظرفية دون التمليك، بل هي نفسها مجرورة بفي { وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ }.

وعلى هذا فيكون القول الراجح أن قوله: { َفِي سَبِيلِ اللَّهِ } يعم الغزاة وما يحتاجون إليه من سلاح وغيره. انتهى.

وقال الشيخ :

في سبيل الله: وسبيل الله هنا المراد به الجهاد في سبيل الله لا غير، ولا يصح أن يراد به جميع سبل الخير؛ لأنه لو كان المراد به جميع سبل الخير لم يكن للحصر فائدة في قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَـٰكِينِ وَالْعَـٰمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى الرِّقَابِ وَالْغَـٰرِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } إذ يكون الحصر عديم التأثير، فالمراد في سبيل الله هو الجهاد في سبيل الله، فيعطى المقاتل في سبيل الله، الذين يظهر من حالهم أنهم يقاتلون لتكون كلمة الله هي العليا، يعطون من الزكاة ما يحتاجون إليه من النفقات والأسلحة وغير ذلك، ويجوز أن تشترى الأسلحة لهم من الزكاة ليقاتلوا بها، ولكن لابد أن يكون القتال في سبيل الله. والقتال في سبيل الله بينه الرسول صلى الله عليه وسلم بميزان عدل من قسط حين سئل عن الرجل يقاتل حمية، ويقاتل شجاعة، ويقاتل ليرى مكانه أي ذلك في سبيل الله؟ قال:” من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ” فالرجل المقاتل حمية لوطنه وغير ذلك من أنواع الحميات ليس يقاتل في سبيل الله فلا يستحق ما يستحقه المقاتل في سبيل الله، لا من الأمور المادية الدنيوية، ولا من أمور الاۤخرة، والرجل الذي يقاتل شجاعة أي أنه يحب القتال لكونه شجاعاً ـ والمتصف بصفة غالباً يحب أن يقوم بها على أي حال كانت ـ هو أيضاً ليس يقاتل في سبيل الله، والمقاتل ليرى مكانه يقاتل رياء وسمعة ليس يقاتل في سبيل الله، وكل من لا يقاتل في سبيل الله فإنه لا يستحق من الزكاة ؛ لأن الله تعالى يقول: {وَفِى سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } والذي يقاتل في سبيل الله هو الذي يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا.

قال أهل العلم: ومن سبيل الله الرجل يتفرغ لطلب العلم الشرعي، فيعطى من الزكاة ما يحتاج إليه من نفقة وكسوة وطعام وشراب ومسكن وكتب علم يحتاجها، لأن العلم الشرعي نوع من الجهاد في سبيل الله، بل قال الإمام أحمد – رحمه الله -:” العلم لا يعدله شيء لمن صحت نيته “، فالعلم هو أصل الشرع كله، فلا شرع إلا بعلم، والله سبحانه وتعالى أنزل الكتاب ليقوم الناس بالقسط، ويتعلموا أحكام شريعتهم، وما يلزم من عقيدة وقول وفعل, أما الجهـاد في سبيـل الله فنعم هو من أشرف الأعمال، بل هو ذروة سنام الإسلام، ولا شك في فضله، لكن العلم له شأن كبير في الإسلام، فدخوله في الجهاد في سبيل الله دخول واضح لا إشكال فيه. انتهى.

وقال:

قوله تعالى: {وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } المذكورة في آية أهل الزكاة المراد بهم من يقاتلون في سبيل الله، لتكون كلمة الله هي العليا فيعطون نفقاتهم لهذا الغزو، وما يستعينون به من السلاح وغيره من حاجات الغزو. قال القرطبي – رحمه الله – في تفسيره: هم الغزاة وموضع الرباط يعطون ما ينفقون في غزوهم كانوا أغنياء أو فقراء. وقال في المغني (ص 534 جـ 6): ولا خلاف في أنهم الغزاة في سبيل الله؛ لأن سبيل الله عند الإطلاق هو الغزو، واستشهد لذلك، وذكر على قول الخرقي: إن الحج من سبيل الله أن عن أحمد رواية: أنه لا يصرف منها في الحج، وبه قال مالك، والليث، وأبو حنيفة، والثوري، والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر، قال: وهذا أصح، لأن سبيل الله عند الإطلاق إنما ينصرف إلى الجهاد، قال: ولأن الزكاة إنما تصرف إلى أحد رجلين: محتاج إليها كالفقراء والمساكين وفي الرقاب والغارمين لقضاء ديونهم، أو من يحتاج إليه المسلمون كالعامل، والغازي، والمؤلف، والغارم لإصلاح ذات البين، والحج من الفقير لا نفع للمسلمين فيه ولا حاجة بهم إليه، ولا حاجة به أيضاً إليه، لأن الفقير لا فرض عليه فيسقطه، ولا مصلحة له في إيجابه عليه، وتكليفه مشقة قد رفهه الله منها، وخفف عنه إيجابها، وتوفير هذا القدر على ذوي الحاجة من الأصناف، أو دفعه في مصالح المسلمين أولى. اهـ.

وبهذا تبين أن قوله تعالى: {وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } خاص بالجهاد في سبيل الله، لما في ذلك من نصرة الإسلام والذب عنه، ودخول الناس فيه بما يرون من نصرته وإدالته . انتهى.

 

والله أعلم.

 

 

 

هل تحريم العيشة معها يعتبر طلاقًا؟

هل تحريم العيشة معها يعتبر طلاقًا؟

السؤال:

ما الحكم في رجل قال لزوجته أمام القاضي الشرعي العبارة التالية:  ” تحرم العيشة معك وأستعيذ بالله منك “, ثم أرسل لها رسالة قصيرة من خلال الموبايل يقول لها: ” مبارك عليك الطلاق “، مع العلم أن الرجل كان في حالة غضب؟

 

الجواب:

الحمد لله

بما أنكَ تقول إن الرجل قال هذه الكلمات ” أمام القاضي الشرعي ” فإنه هو الذي يحكم بينه وبين زوجته، والذي يظهر لنا أن القاضي قد حكم بالطلاق، ولذلك أرسل لها الزوج رسالة يبارك لها بالطلاق، وهو حكم صحيح.

ولا يشترط للطلاق حتى يقع أن يكون بلفظ الطلاق، بل كل لفظ تعارف الناس عليه أن معناه الطلاق يقع به، وكل لفظ أراد به صاحبه الطلاقَ يقع به.

قال ابن القيم – رحمه الله -:

والله سبحانه ذكر الطلاق ولم يعيِّن له لفظا، فعُلم أنه ردَّ الناس إلى ما يتعارفونه طلاقا، فأي لفظ جرى عرفُهم به: وقع به الطلاق مع النية.

والألفاظ لا تراد لعينها بل للدلالة على مقاصد لافظها، فإذا تكلم بلفظٍ دالٍّ على معنى وقصد به ذلك المعنى: ترتَّب عليه حكمُه، ولهذا يقع الطلاق من العجمي، والتركي، والهندي بألسنتهم. ” زاد المعاد ” ( 5 / 288 ).

 

والله أعلم.

يوصل زبائنه إلى أماكن معصية ويأخذ عمولة من أصحابها

يوصل زبائنه إلى أماكن معصية ويأخذ عمولة من أصحابها

السؤال:

أسكن في ألمانيا ولدي صديق يعمل سائق تاكسي، وقال: في كثير من الأحيان تأتينا طلبية تطلب إيصاله إلى أماكن دعارة، وعند الوصول إلى مكان الدعارة وأخذ الأجرة من المستأجر للتاكسي ويدخل في مكان الدعارة صديقنا صاحب التاكسي له الخيار أن ينزل ويأخذ من صاحب محل الدعارة بقشيش ( إكرامية أو عمولة ) وهي قيمة مرتفعة لا تقل على ( 30 يورو ) ، وإذا صديقنا صاحب التاكسي أنزل الراكب وانصرف لا يأخذ شيئا.

السؤال:

هل يجوز له أخذ هذا المبلغ ( بقشيش، أو إكرامية أو عمولة ) ولا يتركه لهم على أن يعطيه لصالح المسلمين, ولا ينتفع به قياساً على أخذ الفوائد من البنوك الربوية وصرفها فيما ينفع المسلمين وليس لشخصه.

 

الجواب:

الحمد لله

كان الواجب أن يكون السؤال عن حكم إيصال هؤلاء العصاة إلى أماكن المعصية، لا أن يكون السؤال عن حكم عمولة توصيلهم إلى أماكن الفواحش والمنكرات، وإنما حكم هذه العمولة تابع لحكم توصيلهم.

وقد ذكرنا في جواب سابق تحريم توصيل العصاة إلى أماكن يعصون الله فيها، فيحرم على هذا الأخ السائق أن يوصل أحداً إلى مكان يجزم أو يغلب على ظنه أنه مكان معصية كأماكن الزنا والحانات والمسابح وغيرها.

وإذا فعل وأوصل أحدا إلى تلك الأماكن فإنه يكون شريكاً في آثامهم وجرائمهم، ويكون من الذين يسعون في الأرض فساداً، وهو من التعاون على الإثم والعدوان، وقد توعد الله على ذلك بالعقاب الشديد فقال تعالى: ( وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) [ المائدة / من الآية 2 ] .

وإذا فعله مع علمه فليسارع إلى التوبة والاستغفار والندم والعزم على عدم العود، ولا يلتفت لتلك الأموال الخبيثة التي يدفعها أصحاب تلك الأماكن الفاجرة، والفقراء في غنى عنها، وهذه الأماكن التي يُعصى فيها الله تعالى يجب على المسلم أن ينكر على أهلها؛ لقول رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ, فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ, فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ؛ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ “. رواه مسلم ( 49 ) من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه -، فكيف يوجب عليه الشرع إنكار المنكر وهو يترجل من سيارته ويدخل لتلك الأماكن ليأخذ عمولة توصيل صاحب فاحشة ومنكرات ليفعلها عندهم؟! فلا هو بالذي غيَّر المنكر بيده ولا بلسانه ولا حتى بقلبه، وهذا أمرٌ خطير على صاحبه.

قال النووي – رحمه الله -:

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ( فليغيره ) فهو أمر إيجاب بإجماع الأمة، وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة وإجماع الأمة وهو أيضًا من النصيحة التي هي الدين … .

واعلم أن هذا الباب أعني باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد ضيع أكثره من أزمان متطاولة, ولم يبق منه في هذه الأزمان إلا رسوم قليلة جدًّا، وهو باب عظيم به قوام الأمر وملاكه، وإذا كثر الخبث عم العقاب الصالح والطالح، وإذا لم يأخذوا على يد الظالم أو شك أن يعمهم الله تعالى بعقابه: ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ).

” شرح مسلم ” ( 2 / 22 – 24 ) باختصار.

ولا يحل لمسلم أن يتعمد ذلك ليأخذ أموالهم ويصرفها في مصالح المسلمين، ولا يُعرف لهذا الفعل وجه في الشرع ولا دليل، بخلاف من تاب من الربا أو الكسب الحرام فإن توبة مثل هؤلاء تقتضي تصريف تلك الأموال في وجوه الخير.

 

والله أعلم.

هل يتناول دواءه بعد السحور؟

هل يتناول دواءه بعد السحور؟

السؤال:

لقد وَصف لي الطبيب نوعا من الفيتامينات عبارة عن خلاصة الخضار للتقليل من آثار مرض التهاب المفاصل الروماتيزمي؛ حيث أتناول حبة كل يوم، فهل يجوز تناولها بعد السحور في رمضان؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أباح الله تعالى للمسلمين أن يأكلوا ويشربوا إلى طلوع الفجر، فإذا طلع الفجر حرم الطعام والشراب، ولا فرق بين كون المُتناول طعاماً أو دواء، قال الله تعالى: ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ) [ البقرة / 187 ].

وعن عبد الله بن عمر أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ, فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ” ثُمَّ قَالَ – أي: ابن عمر – وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ. رواه البخاري ( 592 ) ومسلم (1092 ).

وعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ مِنْ سَحُورِهِ؛ فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ؛ وَيُنَبِّهَ نَائِمَكُمْ “. رواه البخاري (6802 ) ومسلم ( 1093 ) .

وعليه: فيجوز لكم أخذ الدواء بعد السحور إذا كان ذلك قبل طلوع الفجر، بلا أدنى حرج، وبقاء أثر الطعام والدواء على الجسم في نهار رمضان أحد بركات السحور، ولذا شرع تأخيره حتى يتقوى المسلم على صيام نهار رمضان، ونسأل الله تعالى لكم العافية في الدين والدنيا.

 

والله أعلم.

هل يجوز أن يتعالج عند من يزعم أنه يتعامل مع طبيب من الجن المسلم؟

هل يجوز أن يتعالج عند من يزعم أنه يتعامل مع طبيب من الجن المسلم؟

السؤال:

إذا تعالجت عند رجل عنده أطباء مسلمون من الجن، فهل يفسد صومي؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

يحرم الذهاب للكهنة والعرافين من أجل التكهن بعلم الغيب أو من أجل العلاج، ولا يجوز تصديق هؤلاء فيما يزعمونه مِن خوارق أو مِن تعامل مع الجن المسلم؛ لأن هذه دعوى لا يعجز عنها أعظم الكهنة والعرّاَفين كفرا، والأصل في هؤلاء الكذب، ومن كان صادقا منهم في نفسه فلا يجوز له أن يدَّعي أنه يتعامل مع جن مسلم، ولا يجوز له الانسياق وراء ادعاءاتهم أو شيء من أفعالهم، فباب الاستدراج عند الجن عظيم، ويخشى على هذا أن يقع في الكفر الأكبر.

وزعم التعامل مع جن مسلم فيه محاذير كثيرة، ومنها:

  1. أنه فعل لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه، وقد أسلم طائفة من الجن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتعامل معهم ولم يستعن بهم مع حاجته لذلك، وكذا أصحابه – رضي الله عنهم -، وقد وجدت الحاجة للاستعانة بهم في قتال المرتدين وعلاج المصابين، ولم يكن شيء من ذلك في زمانهم.
  2. وكيف لهذا المتعامل أن يُثبت أن الجن الذي يتعامل معه أنه من المسلمين؟ فالجن عالم غيبي عنا وهو يرانا ولا نراه فكيف سيُثبت لنفسه أنهم مسلمون فضلاً عن قدرته أن يثبت ذلك لغيره؟ وقد ثبت في حوادث كثيرة كذب زعم مثل هذا الادعاء منهم، وثبت أيضًا استدراج كثير من المتعاملين مع من يزعمون أنهم مسلمون حتى وقعوا في الكفر.
  3. ولا ينبغي لمسلم أن يغتر بنجاح علاج أحد ورؤية أثر ذلك في الواقع، فها هو الدجال يقول للسماء أمطري فتمطر، وللأرض أخرجي كنوزك فتخرج، فهل يغتر المسلم به ويصدقه في دعواه؟! وبعض الأمراض والآفات تكون من الجن أصلا، ويمكن أن يكف الجن عن ذلك المريض لفترة ثم سرعان ما يعود له.

قال علماء اللجنة الدائمة:

يجوز للمسلم أن يذهب إلى طبيب أمراض باطنية أو جراحية أو عصبية أو نحو ذلك ليشخص له مرضه ويعالجه بما يناسبه من الأدوية غير المحرمة شرعًا حسب ما يعلمه في علم الطب؛ لأن ذلك من باب الأخذ بالأسباب العادية، وقد أنزل الله تعالى الداء وأنزل الدواء عرف ذلك من عرفه وجهله من جهله، ولا يجوز أن يذهب إلى الكهنة الذين يزعمون معرفة الغيب؛ ليعرف منهم مرضه، ولا يجوز له أن يصدقهم فيما يخبرونه به فإنهم يتكلمون رجمًا بالغيب أو يستحضرون الجن؛ ليستعينوا بهم على ما يريدون، وهؤلاء شأنهم الكذب، والاستعانة بالجن شرك أكبر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” من أتى عرَّافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة “. رواه مسلم.

وفي السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” من أتى كاهناً فصدقه بما يقول, فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم “. رواه البزار بإسناد جيد، ولا يجوز له أن يخضع لما يزعمونه علاجًا من صب رصاص ونحوه على رأسه فإن هذا من الكهانة، ورضاه بذلك مساعدة لهم على الكهانة والاستعانة بشياطين الجن، كما لا يجوز لأحد أن يذهب إلى من يسأله من الكهان من سيتزوجه ابنه أو عما يكون من الزوجين أو أسرتيهما من المحبة والعداوة والوفاق والفراق؛ فإن ذلك من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 1 / 373 ، 374 ).

وسئل الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز – رحمه الله – عن: حكم استخدام الجن من المسلمين في العلاج إذا لزم الأمر؟.

فأجاب:

لا ينبغي للمريض استخدام الجن في العلاج ولا يسألهم، بل يسأل الأطباء المعروفين، وأما اللجوء إلى الجن فلا؛ لأنه وسيلة إلى عبادتهم وتصديقهم؛ لأن في الجن من هو كافر، ومن هو مسلم، ومن هو مبتدع، ولا تعرَف أحوالُهم، فلا ينبغي الاعتماد عليهم، ولا يسألون، ولو تمثلوا لك، بل عليك أن تسأل أهل العلم والطب من الإنس، وقد ذم الله المشركين بقوله تعالى: ( وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ) [ سورة الجن / 6 ] ؛ ولأنه وسيلة للاعتقاد فيهم والشرك، وهو وسيلة لطلب النفع منهم والاستعانة بهم، وذلك كله من الشرك.

” مجلة الدعوة ” ( العدد 1602 ، ربيع الأول 1418 هـ ، ص 34 ).

وقال الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله -:

لا يستعان بالجان، لا المسلم منهم ولا الذي يقول أنه مسلم؛ لأنه قد يقول مسلم وهو كذاب من أجل أن يتدخل مع الإنس، فيُسد هذا الباب من أصله، ولا يجوز الاستعانة بالجن ولو قالوا إنهم مسلمون؛ لأن هذا يفتح الباب.

والاستعانة بالغائب لا تجوز سواء كان جنيًّا أو غير جني، وسواء كان مسلما أو غير مسلم، إنما يستعان بالحاضر الذي يقدر على الإعانة، كما قال تعالى عن موسى: ( … فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ … ) [ القصص / 15 ]، هذا حاضر ويقدر على الإغاثة فلا مانع من هذا في الأمور العادية.

” السحر والشعوذة ” ( ص 86 ، 87 ).

ثانيا:

والصائم يجب عليه أن ينزه صومه عن كل مخالفة فيه، والذهاب إلى الكهنة والعرافين إما أن يكون كفرا وإما أن يكون كبيرة – كما سبق تفصيله -، وهو غير لائق بمن ترك طعامه وشرابه لربه تعالى، فمن ترك المباح في أصله – وهو الطعام والشراب – فحري به ترك المحرَّم في كل الأحوال، والذهاب إلى من يزعم أنه يتعامل مع أطباء من الجن المسلم أيضًا لا يجوز لا من صائم ولا ومن غير صائم، لكنه لا يفسد الصوم بل ينقصه.

 

والله أعلم.

تركت الطيورَ في فترة حيضها حتى ماتت فهل تأثم؟

تركت الطيور حتى ماتت فهل تأثم؟

كنا نربي عصافير، وكانت أمي تطعمهم، وكانت تسمع أنه من الغلط أن تأتي بجانب الطيور أثناء الدورة، وكلفتني بإطعامهم، وكنت أخاف منهم في بعض الأوقات لأنهم يعضون، وكنت أنسى أوقاتاً إلى أن نسيتهم تمامًا، فماتوا، فكيف نكفر عما فعلنا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

لا أصل للاعتقاد بعدم جواز قربان الطيور أثناء الدورة الشهرية للمرأة، وليس ثمة علاقة بين الأمرين، فالواجب التخلي عن مثل هذه الاعتقادات، وللحائض أحكام خاصة ليس منها مثل هذا الأمر ولا قريب منه.

ثانيا:

كان الواجب عليكِ الاعتذار لأمكِ من إطعامهم؛ لأن الواجب على ملك هذه الطيور وغيرها من البهائم أن يقوم على رعايتها، وإذا كان لا يستطيع ذلك, فالواجب عليه الاعتذار عن المهمة أو بيعها أو ذبحها إن كان مما يؤكل.

– وقد ورد الوعيد الشديد فيمن مسك حيواناً ولم يطعمه أو يسقيه حتى مات.

عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال: ” عُذِّبت امرأةٌ في هرة حبستها حتى ماتت جوعاً, فدخلت فيها النار، قال: فقال: والله أعلم لا أنتِ    أطعمتِها ولا سقيتِها حين حبستها، ولا أنتِ أرسلتِها فأكلتْ من خشاش الأرض “. رواه البخاري ( 2236 ) ومسلم ( 2242 ).

قال ابن قدامة المقدسي – رحمه الله -:

ومن ملك بهيمة لزمه القيام بها, والإنفاق عليها ما تحتاج إليه, من علفها, أو إقامة من يرعاها; لما روى ابن عمر, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” عذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت جوعًا؛ فلا هي أطعمتها؛ ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض “. متفق عليه. فإن امتنع من الإنفاق عليها, أجبر على ذلك فإن أبى أو عجز, أجبر على بيعها, أو ذبحها إن كانت مما يذبح. ” المغني ” ( 8 / 205 ).

وقال الشوكاني – تعليقًا على شرح حديث ” حبس الهرة ” -:

وقد استدل بهذا الحديث على تحريم حبس الهرة وما يشابهها من الدواب بدون طعام ولا شراب؛ لأن ذلك من تعذيب خلق الله, وقد نهى عنه الشارع … قال النووي: والأظهر أنها كانت مسلمة, وإنما دخلت النار بهذه المعصية.

” نيل الأوطار ” ( 7 / 7 ).

 

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 5 / 119 ، 120 ):

يجوز حبس حيوان لنفع, كحراسة وسماع صوت وزينة, وعلى حابسه إطعامه وسقيه لحرمة الروح ويقوم مقامه التخلية للحيوانات لترعى وترد الماء إن ألفت ذلك, فإن لم تألفه فعل بها ما تألفه؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ” عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار؛ لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها؛ ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض “, فإن امتنع أجبر على بيعه أو علفه أو ذبح ما يذبح منه, فإن لم يفعل ناب الحاكم عنه في ذلك على ما يراه. وهذا رأي الشافعية والحنابلة, وهو الرأي الراجح عند الحنفية والمالكية. انتهى.

وفي جواب سابق قلنا:

يجوز الاحتفاظ بطيور الزينة ومثيلاتها في أقفاص خاصة من أجل منظرها أو صوتها، بشرط تقديم الطعام والشراب لها. انتهى.

 

ثالثا:

إن كان عذركِ في عدم إطعام تلك الطيور حتى ماتت هو النسيان لها: فهو عذر شرعي، نسأل الله أن يعفو عنكِ بسببه، قال الله تعالى: ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا … } [ البقرة / من الآية 286 ] ، وقد أجاب الله تعالى دعوة المؤمنين هذه فقال: ” قد فعلت “, كما رواه مسلم ( 126 ) من حديث ابن عباس – رضي الله عنه -.

 

والله أعلم.