الرئيسية بلوق الصفحة 93

نصائح وتوجيهات لمن لا يطيق الاختلاط بالناس ويفضِّل المكوث في البيت وحده

نصائح وتوجيهات لمن لا يطيق الاختلاط بالناس ويفضِّل المكوث في البيت وحده

السؤال:

لا أطيق الاختلاط بالناس، وأفضِّل الوحدة، وأشعر بحالة نفسيَّة سيئة عندما أختلط بالآخرين، الرسول عليه الصلاة والسلام يأمر بالصلاة في المسجد، ماذا أفعل؟ أفضل عدم الصلاة على الصلاة في المسجد.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ليس الأمر الذي أنت فيه أخي السائل متعلقًّا بالصلاة في المسجد فحسب، بل يتعلق بواجبات محتمات عليك، توجب عليك الخروج من البيت، كصلة الرحم، والتكسب من أجل لقمة العيش، وطلب العلم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ، وغير ذلك.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فحقيقة الأمر: أن الخلطة تارة تكون واجبة، أو مستحبة، والشخص الواحد قد يكون مأمورًا بالمخالطة تارة، وبالانفراد تارة، وجماع ذلك: أن المخالطة إن كان فيها تعاون على البر والتقوى: فهي مأمور بها، وإن كان فيها تعاون على الإثم والعدوان: فهي منهي عنها، فالاختلاط بالمسلمين في جنس العبادات كالصلوات الخمس والجمعة والعيدين وصلاة الكسوف والاستسقاء ونحو ذلك: هو مما أمر الله تعالى به، ورسوله صلى الله عليه وسلم، وكذلك الاختلاط بهم في الحج، وفي غزو الكفار، والخوارج المارقين، وإن كان أئمَّة ذلك فجارًا، وإن كان في تلك الجماعات فجَّارٌ.

وكذلك الاجتماع الذي يزداد العبد به إيمانا: إما لانتفاعه به، وإما لنفعه له، ونحو ذلك. ” مجموع الفتاوى ” ( 10 / 425 ).

 

وبه تعلَم أن ما أنت عليه من حال فهو غير مرضي عنه عند رب العالَمين، ووجب عليك إعادة النظر بحالك، وأنك ما أنت فيه إنما هو تلبيس من الشيطان، يحسِّن لك حالك، ويزين سوء عملك، فاحذره، وانتبه لمكائده، وأعدَّ العدَّة لمحاربته، وثق بربك في الانتصار عليه.

 

ثانيًا:

وإذا كنتَ تشعر بنفسية سيئة في اختلاطك بالناس: فإننا لنجزم أن نفسيتك أشد سوءً في وحدتك، وعزلتك، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، وإنما يتسلط الشيطان على أصحاب الوحدة الذين لا يجدون أعوانًا يعينونهم على طاعة ربهم، ولا أنصارًا ينصرونهم على الشيطان وجنوده، وحتى لو كنتَ تجد في مخالطتك للناس أذى: فإن تلك المخالطة إن كان معها صبرٌ: فإنها خير من عدمها، وقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على من يختلط بالناس ويصبر على أذاهم.

عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ ). رواه الترمذي ( 5207 ) وابن ماجه ( 4032 ).

 

ثم إن العزلة التي أنت فيها ليس عندك من أسبابها شيء، ولا لديك – فيما يظهر لنا – من مقوماتها ما نشجعك به عليها، فمن أسباب العزلة: فساد الناس بالكلية، وعدم وجود أنصار على الحق، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، وعدم نفع النصح في الناس، وكل هذا غير موجود – بفضل الله – في المجتمعات المسلمة، بل الكافرة، فها نحن نسمع عن آلاف يدخلون دين الله من الكفار كل حين، ونسمع عن مثلهم من العصاة السالكين درب الهداية، بل إننا لنجد الناس عطشى لمن يروي ظمأهم، وجوعى لمن يطعمهم، من الخير والهداية.

 

وأما مقومات العزلة التي نجدها مفقودة عندك: فهي العلم الشرعي، فها أنت تقدِّم العزلة على الخلطة الواجبة، وها أنت تفرط في واجبات شرعية بسبب عزلتك تلك، فأين العلم الشرعي الذي تحمله حتى نقول لك اعتزل الناس وتفرغ لطاعة ربك، والحفاظ على دينك؟! ومن هنا قال قال أبو سليمان الخطابي رحمه الله: ” فالعزلة إنما تنفع العلماء، العقلاء، وهي من أضر شيء على الجهَّال، وقد روِّينا عن إبراهيم أنه قال لمغيرة: ” تفقَّه ثم اعتزل “.

– انظر كتاب ” العزلة ” للخطابي ( ص 225 ).

 

ثالثًا:

وبما أنك راسلتنا – ونحن نشكرك على هذا – فهذا يعني أنك في الطريق الصحيح، وأن هذا بداية خروجك من الوحدة القاتلة، وأنت قد دخلت في عالم ” الإنترنت ” وهو أوسع بملايين المرات من عالَمك الصغير الذي هجرتَه، وفي هذا العالَم الفسيح من الشر والسوء أضعاف أضعاف ما في عالَمك المهجور، فكن على حذرٍ منه، فكم تسبب في فتنة صالح، وكم تسبب في السوء لامرأة فاضلة عفيفة.

 

 

 

 

* فاحرص على القيام بما أوجب الله عليك من الطاعات، وعلى رأس ذلك:

صلاة الجماعة في المسجد، وتجد في جواب السؤال رقم ( 120 ) الأدلة على ذلك الوجوب، كما عليك أن تقوم بالكسب المباح المشرع لتحفظ كرامتك من سؤال الناس، وتنجو من منَّتهم، وتقوم ببر والديك والعناية بهما، وإعانتهما بشراء ما يحتاجانه، أو توصيلهما لمكان يرغبان الذهاب إليه، وتقوم بصلة أرحامك.

 

واعلم أنه لن تخلو الدنيا من كدَر، وهمٍّ، وغمٍّ، وإذا أردت مكاناً ليس فيه شيء من هذا، مع سعادة تامة، وهناء بالغ، ورغد عيش، ورضوان من الله : فذلك تجده في جنة الله في الدار الآخرة، فاعمل لذلك اليوم، وتخلص مما يكدرك في الدنيا بالتخفيف منه، وسؤال الله الإعانة عليه، واعلم أن الوحدة ليست إلا خلوة بالشيطان، وليس يستكثر الإنسان فيها إلا الهموم والغموم، ألا ترى أن عقوبة الحبس هي أليمة على الحر؟! وآلم منها ” الحبس الإنفرادي ” فكيف ترضى لنفسك ما يبذل المساجين من أجل الفكاك منه الغالي والنفيس؟!.

 

ونسأل الله تعالى أن يهدي قلبك للحق، وأن يأخذ بيدك لسلوك طريق الصالحين من عباده، والذين لولا أن قيضهم الله تعالى للاختلاط بالناس وإقامة الطاعات لما عرفنا نحن وأنت الإسلام، ولا تشرفنا بالانتماء إليه، فكن جنديًّا من جنود الإسلام، وارفع سلاحك في وجه شيطانك، وعوِّض ما فاتك من أيام بالعمل الدؤوب، والطاعة المتينة.

 

 

والله الموفق.

 

من هو الذي يحق له التكلّم في الدين؟

من هو الذي يحق له التكلّم في الدين؟

السؤال:

نسمع بوجود أشخاص عندهم نشاط في تعليم أمور الإسلام، لكنهم لا يملكون مؤهلات حقيقية في العلم الإسلامي.  وهم, مع هذا, يدرسون من باب الحماس و( here-say- لا أعرف معناها لكن ربما تعني أنهم يبتون في كل أمر بسرعة ودون ترو).  إنهم يقولون بآرائهم في الدين, فهم يقولون: علينا أن نفعل كذا وكذا وهم لا يقدمون أدلة كاملة وواضحة تساند أقوالهم.  ونتيجة لجهل العامة, فإنهم يقبلون منهم.  فأين نضع الخط الفاصل لنتمكن من معرفة من يحق له تقديم رأيه في الدين ممن لا يحق له ذلك؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا بد أن يعلم المسلم أن شأن الفتيا عظيم، وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى: { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون }. [ النحل / 116 ].

 

ثانيًا:

من المقرر عقلا وبديهة عند الناس أنه لو تكلم إنسان في غير فنِّه لعابه الناس ووقعوا به، فلو تكلم إنسان في الطب مثلا وهي ليست مهنته لأسكته الناس بل لوجدته حريصا أن لا يتكلم، وكذلك لو استشرت إنسانًا مثلا في البناء والتعمير لقال لك: اسأل أصحاب الاختصاص فهذا ليس فني، وهكذا، وأما الفتيا فالجميع يتجرأ عليها ويتكلم بما شاء في الحلال والحرام إلا من رحم الله ممن ليسوا أهلًا لها.

 

ثالثًا:

أن السلف من الصحابة والتابعين كانوا أشد الناس حذرًا من الفتيا أو التكلم في الحلال والحرام، فهذا أبو بكر رضي الله عنه مع أنه أكثر الناس مصاحبة للنبي صلى الله عليه وسلم فهو من أقل الصحابة حديثًا، لماذا؟ حذرًا وخوفًا وورعًا، وكان رضي الله عنه إذا وقعت له مسألة جمع لها كبار الصحابة وأهل بدر، فأين هذا من صغار الشباب بل النساء العوام من التجرؤ على الفتيا والقول على الله بغير علم؟!.‍‍

 

رابعًا:

عظَّم الفقهاء في مصنفاتهم  من شأن الفتيا، ويحسن أن أنقل ما كتبه النووي في كتابه  ” المجموع ” في هذا الشأن، قال رحمه الله:

اعلم أن الإفتاء عظيم الخطر، كبير الموقع، كثير الفضل، وصاحبه وارث الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وقائم بفرض الكفاية، لكنه معرَّض للخطأ، ولهذا قالوا: المفتي موقع عن الله تعالى، وروِّينا عن ابن المنكدر قال: العالم بين الله تعالى وبين خلقه فلينظر كيف يدخل بينهم، وروِّينا عن السلف وفضلاء الخلف من التوقف عن الفتيا أشياء كثيرة معروفة: فمنها:

عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول، وفي رواية: ما منهم مَن يحدِّث بحديث إلا ودَّ أن أخاه كفاه إياه ولا يستفتى بشيء إلا ودَّ أن أخاه كفاه الفتيا.

– وعن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم: من أفتى عن كل ما يسأل فهو مجنون.

– وعن الشعبي والحسن قالوا: إن أحدكم ليفتي في المسألة لو وردت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر.

– وعن عطاء بن السائب قال: أدركت أقوامًا يسأل أحدهم عن الشيء فيتكلم وهو يرعد.

– وعن ابن عباس قال: إذا أغفل العالم لا أدري أصيبت مقاتله.

– وعن سفيان ابن عيينة قال: أجسر الناس على الفتيا أقلهم علمًا.

– وعن الهيثم بن جميل قال: أدركت مالكاً سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين مسألة منها: لا أدري.

– وعن مالك أيضا: أنه ربما كان يسأل عن خمسين مسألة فلا يجيب في واحدة منها وكان يقول: من أجاب في مسألة فينبغي قبل الجواب أن يعرض نفسه على الجنة والنار وكيف خلاصه ثم يجيب.

– وقال آخر: قلَّ مَن حرص على الفتيا وسابق إليها وثابر عليها إلا قل توفيقه واضطرب في أموره.

” المجموع ” للنووي ( 1 / 41 ).

 

فالشاهد: أن أمر الفتيا ليس بالهين،  فأنصح هؤلاء الشباب أن يتقوا الله، وأن يتجنبوا أمر الفتيا والقول في الحلال والحرام.

 

 

والله أعلم.

ملتزمة وحافظة لكتاب الله وشيء من معاناتها مع أهلها غير الملتزمين

ملتزمة وحافظة لكتاب الله وشيء من معاناتها مع أهلها غير الملتزمين

السؤال:

أنا حافظة لكتاب الله، وطالبة من طالبات العلم الشرعي، وأهلي نقيض لما أنا فيه، سؤالي هو: أني أشعر بالأمانة، والمسؤولية؛ لأن كل تصرفاتي تؤخذ بعين الاعتبار بالنسبة لهم، إني لا أحب التزين كثيرًا، وأحاول أن تكون زينتي بسيطة قدر الإمكان، وهم العكس، ودائمًا ما يرون ذلك تشددًا، وغلظة، وأخشى أني قد أعطيتهم صورة سيئة عن قرآني الذي أحمل، ولا أعلم أيحق لي التزين والتجمل لأجذبهم ولأخبرهم بأنه لا نقيض بين الإسلام والجمال؟ هذا من جانب، ومن جانب آخر: كثيرًا ما ينقمون عليَّ قلة جلوسي معهم، وعدم رغبتي في الخروج دائمًا، وعدم مشاركتي لهم في الأندية الرياضية، مع العلم أني أجلس معهم وقتًا لا بأس به، ولكن سبحان الله وكأن الشيطان يؤزهم عليَّ ليفسدوا عليَّ, فما رأيكم؟ أيعقل أن أكون معهم متى ما أرادوني؛ لأكسبهم، وأدعوهم، أم أن الأولى هو استغلال وقتي فيما يعود عليَّ بالنفع الأكثر؟ العيش في بيئة مناقضة للشخص صعب جدًّا، ويتطلب ثباتًا، وصبرًا، فأجزلوا لنا النصح، جزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

– نسأل الله تعالى أن يوفقك لما فيه رضاه، وأن يثبتك على الحق.

والمسلم المستقيم على أمر الله تعالى بين أهلٍ يخالفونه في توجهه، ومنهجه: لا شك أنه يعاني من ذلك، وهو يعيش متقلبا بين مواجع كثيرة، فهو يحزن لما يراه من بُعدهم عن الاستقامة على شرع الله، وهو يعاني من ضغطهم عليه لينصهر في بيئتهم، ويسلك طرقهم في حياتهم، وهو يحرص على سلوك طريقة في دعوتهم تجمع بين عدم التنازل عن شيء من دينه، وبين تحبيبهم في الاستقامة، وهذه الصعوبات والمواجع يعانيها الأخ المستقيم على أمر الله تعالى إن كان رجلًا، أما إن كانت أنثى فلعل الأمر أن يكون أصعب، لذا نوصيك بالثبات على الطاعة, وكثرة الدعاء لك، ولأهلك، وليكن فيما تجدينه في كتاب الله الذي تحفظينه من قصص الأنبياء والمرسلين في قومهم، والدعاة والمصلحين مع الناس: أسوة، وسلوة، أسوة تقتدين بهم في صبرهم، وجلدهم، وثباتهم على الحق، وسلوة لأحزانك فيما ترينه من مخالفة أهلك للحق، وعسى الله أن يهديهم، ويوفقهم.

 

 

 

ثانيًا:

والحكم على المستقيم على أمر الله أنه متشدد: لا ينبغي أن يكون عائقًا أمامه، بل ولا ينبغي أن يعطيه وقتًا من يومه ليتأمله، فالأوقات أثمن من أن تُصرف في تتبع الطعونات والأوصاف القبيحة التي تُلصق من استقام على طاعة الله، فخروج المرأة من البيت، واختلاطها بالرجال في الأسواق، والأماكن العامة، والنوادي الرياضية، والمطاعم العائلية: كل ذلك فيه من المنكرات, والموبقات، والفتن والانحرافات، وتضييع الأوقات، ما لا يخفى على أحد، فموافقة الأهل على رغبتهم، والمشي وفق هواهم في هذه الأمور هو هدم لما تبنينه، ونقض لما تعمرينه، فاحذري من موافقتهم في ذلك، ولو أدى ذلك لغضب من غضب، ولو أدى ذلك لوصفك بما تكرهين، وغالبًا ما يستيقظ مثل هؤلاء عند صدمة، أو مشكلة، أو فتنة، يعلمون معها صحة الطريق التي تسلكين، وصواب المنهج الذي عليه تسيرين.

 

ثالثًا:

وفي الوقت نفسه ندعوكِ – وندعو المستقيمين على طاعة الله ممن حالهم كحالك – أن يحاولوا قدر استطاعتهم التقرب من أهليهم، ولو بفعل ما تكرهه نفوسهم، بشرط أن يكون من المباحات، فالتزين – مثلًا – مباح إذا لم يكن من أجل أجنبي يراه، والأكل مع الأهل، أو صلة الرحم معهم إذا لم يكن ثمة محذور في الزيارة، وغير ذلك مما أباحته الشريعة، أو استحبته: لا مانع من أن يشارك الإخوة والأخوات الملتزمين أهليهم بها، ولو كرهت نفوسهم مثل هذا؛ لأن في فعل ذلك تقربًا محمودًا لقلوب أولئك الأهل، وفيه رفع التهمة عنهم بالتشدد، ورفع التهمة عن دينهم واستقامتهم، ومراعاة الأهل والناس فيما ليس فيه ترك واجب، ولا فعل محرَّم: هدي نبوي، وسنة شريفة، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا: ( يَا عَائِشَةُ لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لَأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ وَأَلْزَقْتُهُ بِالْأَرْضِ وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ ) رواه البخاري ( 1509 ) ومسلم ( 1333 ).

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

فتَرَك صلى الله عليه وسلم نقضَ الكعبة، وإدخال حِجر إسماعيل فيها: خشية الفتنة، وهذا يدل على وجوب مراعاة المصالح العامة، وتقديم المصلحة العليا، وهي تأليف القلوب، وتثبيتها على الإسلام على المصلحة التي هي أدنى منها، وهي إعادة الكعبة على قواعد إبراهيم. ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 6 / 345 ).

 

 

وعليه: فما تجدينه في شرع الله حلالًا فعله، وترين أنه مرغوب عند أهلك أن تفعليه: فافعليه، واحتسبي فعله عنه الله إن كنت تكرهينه، واقصدي بذلك أن تؤلفي قلوبهم، وأن ترغيبهم بك؛ حتى يكون ذلك أدعى أن يقبل منك كلام، ويذب عنك افتراء وتقوُّل.

واحذري من فعل الحرام، وترك الواجب، فاحرصي على رضا ربك ولو أسخط ذلك أهلك وأقرباءك، ولا تسخطي ربك حرصًا على رضاهم، فعن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( مَنْ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ، وَمَنْ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ ) رواه الترمذي ( 2414 ) وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ومما يجب أن يُعلم: أنه لا يسوغ في العقل، ولا الدِّين: طلب رضا المخلوقين لوجهين:

أحدهما: أن هذا غير ممكن، كما قال الشافعي رضي الله عنه: ” رضا الناس: غاية لا تُدرك، فعليك بالأمر الذي يصلحك فالزمه، ودع ما سواه، ولا تعانه ” .

والثاني: أنا مأمورون بأن نتحرى رضا الله ورسوله، كما قال تعالى: ( والله ورسوله أحق أن يُرضوه )، وعلينا أن نخاف الله، فلا نخاف أحدًا إلا الله، كما قال تعالى: ( فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين )، وقال: ( فلا تخشوا الناس واخشون )، وقال: (فإياي فارهبون )، ( وإياي فاتقون )، فعلينا أن نخاف الله، ونتقيه، في الناس، فلا نظلمهم بقلوبنا، ولا جوارحنا، ونؤدي إليهم حقوقهم بقلوبنا وجوارحنا، ولا نخافهم في الله فنترك ما أمر الله به ورسوله خيفة منهم، ومن لزم هذه الطريقة كانت العاقبة له كما، كتبت عائشة إلى معاوية: ” أما بعد: فإنه من التمس رضا الناس بسخط الله: سخِط الله عليه، وأسخط عليه الناس، وعاد حامده من الناس ذامًّا، ومَن التمس رضا الله بسخط الناس: رضي الله عنه، وأرضى عنه الناس “، فالمؤمن لا تكون فكرته وقصده إلا رضا ربه، واجتناب سخطه، والعاقبة له، ولا حول ولا قوة إلا بالله . ” مجموع الفتاوى ” ( 3 / 232 ، 233 ).

 

 

والله أعلم.

مقلدون يتركون الصلاة خلف إمام مسجدهم لمخالفتهم له في بعض مسائل الصلاة!

مقلدون يتركون الصلاة خلف إمام مسجدهم لمخالفتهم له في بعض مسائل الصلاة!

السؤال:

عندي سؤالان لو سمحت:

  1. لاحظت في جامعتي أن بعض الإخوة لا يصلون خلفي، ويخرجون من المصلى عندما أقدم لأصلي بالقوم، عندما سألتهم عن ذلك أجابوا – وهم أحناف، صوفية -: ” لأنك تمسح على الجوربين ( من الصوف )، ونحن نقول بأن وضوء المرء لا يجزئ إذا مسح على الجوربين ” ( يعني لابد أن يكون من جلد ) هل هذا مبرر لهم لأن يتخلفوا عن هذه الجماعة ويصلون عندما أنتهي أنا من الصلاة؟.
  2. ثم هناك طائفة أخرى من الأحناف – وليسوا من الصوفية- يأبون الصلاة مع الجماعة عندما نصلي العصر في أول الوقت، ويجلسون خلفنا حتى يدخل وقتهم.

السؤال:

هل لهم أن يفعلوا ذلك؟ أم الأولى أن يلتحقوا مع الجماعة وإن اختلفنا في بعض مسائل الفقه ( مع الأدلة المناسبة أفادكم الله ورعاكم ).

الأمر حرج يا شيخ ومؤلم، فوالله إننا لنكابد غربة ووحشة بين ظهراني المنتسبين للإسلام، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن ما تقوله – أخي السائل – حرج ومؤلم، ونأسف أن يصل الأمر بالمصلين إلى هذا الحد تعصبًّا لمذهبهم، وهم مع مخالفتهم لشرع الله تعالى يخالفون شيخ مذهبهم، فهل يظنون أن أبا حنيفة رحمه الله يتوقف في الصلاة خلف ابن عمر رضي الله عنه – مثلًا -، أو ينتظر في المسجد حتى ينتهي ابن عباس – مثلًا – من الصلاة؟!.

أما بخصوص المسح على الجوربين: فقد بينا في جواب سابق أنه لا يشترط أن يكون الجوربان الممسوح عليهما من الجلد، فانظره.

والمسح على الجورب المثقوب، والشفاف الذي يصف البشرة، جائز.

– الشروط الشرعية الثابتة في السنَّة في المسح على الخفين أربعة شروط لا غير، وهي:

الشرط الأول: أنْ يكون لابساً لهما على طهارة.

الشرط الثاني: أنْ يكون الخُفَّان أو الجوارب طاهرةً.

الشرط الثالث: أنْ يكون مسحهما في الحَدَث الأصغر لا في الجنابة أو ما يوجب الغُسل.

الشرط الرابع: أنْ يكون المسح في الوقت المحدَّد شرعًا وهو يومٌ وليلةٌ للمُقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر.

فهذه الشروط التي تُشترَط للمسح على الخفَّيْن وهناك شروط أخرى ذكرها بعض أهل العلم وفي بعضها نظر .

وهو من كلام الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، فانظره.

 

ثانيًا:

وأما بخصوص وقت صلاة العصر: فقد ثبت في السنَّة الصحيحة ابتداء وقت العصر وأنه يكون بانتهاء وقت الظهر، أي: عند مصير ظل كل شيء مثله.

 

ثالثًا:

وأما بخصوص ترك الصلاة مع الإمام الراتب وانتظار إمام مذهبهم: فهو مخالف لشرع الله تعالى في الأصل، إذ ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الإنكار على من جلس ولم يصلِّ مع الجماعة الراتبة حتى لو كان قد صلَّى الصلاة نفسها، وأن عليه أن يصلِّي مع الجماعة ناويًا التنفل، فكيف بمن جلس ولم يصلِّ الفرض أصلًا ولعذرٍ غير مقبولٍ شرعًا؟!.

عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ غُلاَمٌ شَابٌّ فَلَمَّا صَلَّى إِذَا رَجُلاَنِ لَمْ يُصَلِّيَا فِى نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ فَدَعَا بِهِمَا فَجِىءَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا فَقَالَ: ( مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟ ) قَالاَ: قَدْ صَلَّيْنَا فِى رِحَالِنَا، فَقَالَ: ( لاَ تَفْعَلُوا إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فِى رَحْلِهِ ثُمَّ أَدْرَكَ الإِمَامَ وَلَمْ يُصَلِّ فَلْيُصَلِّ مَعَهُ فَإِنَّهَا لَهُ نَافِلَةٌ).

رواه  الترمذي ( 219 ) وأبو داود ( 575 ) والنسائي ( 858 ) وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

 

رابعًا:

وأما ترك الصلاة خلف الإمام المخالف للمأموم في المذهب: فلا شك أنه من الخطأ البيِّن، وأن من فعله فقد أحدث في المسلمين فُرقة في صفهم، وأنه يساهم في تشويه صورة الإسلام، فليتق الله تعالى أولئك القوم الذين ينتسبون إلى المذهب الحنفي، وليعلموا أنه ما بقي – في حد علمنا – من يفعل هذا الفعل غيرهم، وها هم المسلمون – وفيهم عقلاء الحنفية وعلماؤهم – إذا جاؤوا مكة المكرمة والمدينة النبوية صلوا خلف أئمة الحرمين بلا أدنى حرج، وهم يعلمون أنهم يصلون العصر على حسب الدليل الثابت في ابتدائه، ويعلمون أنهم يخالفون أولئك الأئمة في بعض مسائل الصلاة، فلم يكن هذا بعذر لهم ليتركوا الصلاة خلفهم، فهل سيعي أولئك المقلدون هذا؟! وألم يأن لهم ترك التعصب الذميم والذي فرَّق الصفَّ المسلم في أطهر بقاع الأرض وهي المساجد؟!.

ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تفصيل نافع في مسألة صلاة أهل المذاهب خلف بعضهم بعضًا، وسنذكره بطوله، ففيه فوائد، فنسأل الله أن يكون هداية لهم ليتركوا ذلك التعصب وليلتحقوا بالجماعة يتوحدون فيها ويرصون صفوفهم، وخاصة في بلاد الغرب حيث يكون هذا الفعل منهم من أسباب الصد عن دين الله تعالى.

سئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

عن أهل المذاهب الأربعة: هل تصح صلاة بعضهم خلف بعض؟ أم لا؟ وهل قال أحد من السلف إنه لا يصلي بعضهم خلف بعض؟ ومن قال ذلك فهل هو مبتدع؟ أم لا؟ وإذا فعل الإمام ما يعتقد أن صلاته مه صحيحة والمأموم يعتقد خلاف ذلك، مثل أن يكون الإمام تقيأ، أو رعف، أو احتجم، أو مسَّ ذكَرَه، أو مسَّ النساء بشهوة، أو بغير شهوة، أو قهقه في صلاته، أو أكل لحم الإبل وصلَّى ولم يتوضأ والمأموم يعتقد وجوب الوضوء من ذلك، أو كان الإمام لا يقرأ البسملة، أو لم يتشهد التشهد الآخر، أو لم يسلِّم من الصلاة والمأموم يعتقد وجوب ذلك، فهل تصح صلاة المأموم والحال هذه؟ وإذا شُرط في إمام المسجد أن يكون على مذهب معين فكان غيره أعلم بالقرآن والسنة منه وولي، فهل يجوز ذلك؟ وهل تصح الصلاة خلفه؟ أم لا؟.

فأجاب:

الحمد لله، نعم تجوز صلاة بعضهم خلف بعض كما كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان ومن بعدهم من الأئمة الأربعة يصلي بعضهم خلف بعض مع تنازعهم في هذه المسائل المذكورة وغيرها، ولم يقل أحد من السلف إنه لا يصلي بعضهم خلف بعض، ومن أنكر ذلك فهو مبتدع ضال مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها، وقد كان الصحابة والتابعون ومن بعدهم: منهم من يقرأ البسملة ومنهم من لا يقرؤها، ومنهم من يجهر بها ومنهم من لا يجهر بها، وكان منهم من يقنت في الفجر ومنهم من لا يقنت، ومنهم من يتوضأ من الحجامة والرعاف والقيء ومنهم من لا يتوضأ من ذلك، ومنهم من يتوضأ مِن مسِّ الذكَر ومسِّ النساء بشهوة ومنهم من لا يتوضأ من ذلك، ومنهم من يتوضأ من القهقهة في صلاته ومنهم من لا يتوضأ من ذلك، ومنهم من يتوضأ من أكل لحم الإبل ومنهم من لا يتوضأ من ذلك، ومع هذا: فكان بعضهم يصلي خلف بعض: مثل ما كان أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وغيرهم يصلُّون خلف أئمة أهل المدينة من المالكية وإن كانوا لا يقرءون البسملة لا سرًّا ولا جهرًا، وصلَّى أبو يوسف خلف الرشيد وقد احتجم وأفتاه مالك بأنه لا يتوضأ فصلى خلفه أبو يوسف ولم يعد، وكان أحمد بن حنبل يرى الوضوء من الحجامة والرعاف فقيل له: فإن كان الإمام قد خرج منه الدم ولم يتوضأ تصلِّي خلفه؟ فقال: كيف لا أصلي خلف سعيد بن المسيب ومالك.

وبالجملة: فهذه المسائل لها صورتان:

إحداهما: أن لا يعرف المأموم أن إمامه فعل ما يبطل الصلاة: فهنا يصلِّي المأموم خلفه باتفاق السلف والأئمة الأربعة وغيرهم، وليس في هذا خلاف متقدم، وإنما خالف بعض المتعصبين من المتأخرين: فزعم أن الصلاة خلف الحنفي لا تصح وإن أتى بالواجبات؛ لأنه أداها وهو لا يعتقد وجوبها، وقائل هذا القول إلى أن يستتاب كما يستتاب أهل البدع أحوج منه إلى أن يعتد بخلافه؛ فإنه ما زال المسلمون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد خلفائه يصلي بعضهم ببعض، وأكثر الأئمة لا يميزون بين المفروض والمسنون بل يصلون الصلاة الشرعية، ولو كان العلم بهذا واجبًا لبطلت صلوات أكثر المسلمين ولم يمكن الاحتياط فإن كثيرًا من ذلك فيه نزاع وأدلة ذلك خفية وأكثر ما يمكن المتدين أن يحتاط من الخلاف وهو لا يجزم بأحد القولين، فإن كان الجزم بأحدهما واجبًا فأكثر الخلق لا يمكنهم الجزم بذلك، وهذا القائل نفسه ليس معه إلا تقليد بعض الفقهاء، ولو طولب بأدلة شرعية تدل على صحة قول إمامه دون غيره لعجز عن ذلك، ولهذا لا يعتد بخلاف مثل هذا فإنه ليس من أهل الاجتهاد.

الصورة الثانية: أن يتيقن المأموم أن الإمام فعل ما لا يسوغ عنده: مثل أن يمس ذكَرَه أو النساء لشهوة أو يحتجم أو يفتصد أو يتقيأ، ثم يصلي بلا وضوء: فهذه الصورة فيها نزاع مشهور، فأحد القولين: لا تصح صلاة المأموم؛ لأنه يعتقد بطلان صلاة إمامه، كما قال ذلك من قاله من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد.

والقول الثاني: تصح صلاة المأموم؛ وهو قول جمهور السلف، وهو مذهب مالك، وهو القول الآخر في مذهب الشافعي وأحمد، بل وأبي حنيفة وأكثر نصوص أحمد على هذا، وهذا هو الصواب؛ لما ثبت في الصحيح وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( يُصلُّون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم وإن أخطئوا فلكم وعليهم )، فقد بيَّن صلَّى الله عليه وسلم أن خطأ الإمام لا يتعدى إلى المأموم، ولأن المأموم يعتقد أن ما فعله الإمام سائغ له وأنه لا إثم عليه فيما فعل فإنه مجتهد أو مقلد مجتهد، وهو يعلم أن هذا قد غفر الله له خطأه فهو يعتقد صحة صلاته وأنه لا يأثم إذا لم يعدها بل لو حكم بمثل هذا لم يجز له نقض حكمه بل كان ينفذه، وإذا كان الإمام قد فعل باجتهاده: فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها والمأموم قد فعل ما وجب عليه: كانت صلاة كل منهما صحيحة، وكان كلٌّ منهما قد أدى ما يجب عليه وقد حصلت موافقة الإمام في الأفعال الظاهرة .

وقول القائل: إن المأموم يعتقد بطلان صلاة الإمام: خطأ منه؛ فإن المأموم يعتقد أن الإمام فعل ما وجب عليه، وأن الله قد غفر له ما أخطأ فيه وأن لا تبطل صلاته لأجل ذلك، ولو أخطأ الإمام والمأموم فسلَّم الإمام خطأ واعتقد المأموم جواز متابعته فسلم كما سلم المسلمون خلف النبي صلى الله عليه وسلم لمَّا سلَّم من اثنتين سهوًا مع علمهم بأنه إنما صلَّى ركعتين، وكما لو صلَّى خمساً سهوًا فصلوا خلفه خمساً كما صلَّى الصحابة خلف النبي صلى الله عليه وسلم لمَّا صلَّى بهم خمساً فتابعوه مع علمهم بأنه صلى خمسًا؛ لاعتقادهم جواز ذلك فإنه تصح صلاة المأموم في هذه الحال فكيف إذا كان المخطئ هو الإمام وحده، وقد اتفقوا كلهم على أن الإمام لو سلَّم خطًأ: لم تبطل صلاة المأموم إذا لم يتابعه، ولو صلَّى خمساً لم تبطل صلاة المأموم إذا لم يتابعه فدلَّ ذلك على أن ما فعله الإمام خطأ لا يلزم فيه بطلان صلاة المأموم، والله أعلم. ” مجموع الفتاوى ” ( 23 / 373 – 379 ).

 

 

والله أعلم.

نصح وتوجيه لمن ابتلاه الله تعالى بإعاقة في بدنه

نصح وتوجيه لمن ابتلاه الله تعالى بإعاقة في بدنه

هل المعاق إذا صلَّى جالسا له نصف الأجر أو الأجر كاملا؟

معنى قوله تعالى: ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ )

السؤال:

لقد استفدت من موقعكم جزاكم الله خيرا سؤالي هو: سمعت أن مجرد حديث النفس بسوء في مكة أو المدينة يُعدُّ ذنبا يُكتب في صحيفة العبد، ولذلك فقد كان يحرص السلف على أن لا يطيلوا المكوث فيهما، فهل هذا صحيح؟ أرجو تزويدي بأكبر قدر من المعلومات حول هذا الموضوع فأنا في الحقيقة امرأة معاقة وكثيرا ما تمر الأفكار السيئة في ذهني كأن أقول في نفسي إن الله لا يحبني بأن جعلني معاقة، وإنني أحصل فقط على نصف الأجر بسبب صلاتي قاعدةً، فما رأيكم؟ ماذا يقول الإسلام في مثل حالتي هذه؟ وكيف نشجع المسلمين بالزواج من المسلمات المعاقات؟ ولماذا غالب المسلمين ينظرون بسلبية إلى المعاقين؟ إني أريد العيش في المدينة ولكني خائفة من أن تُكتب عليَّ هذه الأفكار والخواطر.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

الإيمان بالقضاء والقدر من أركان الإيمان، ولا يتم إيمان المسلم حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، والمؤمن لا يسعه سوى الصبر على ما قدَّر الله تعالى عليه من مصائب؛ فهو علامة على كمال إيمانه، ومن صبر وفَّاه الله تعالى أجرَهُ يوم القيامة بغير حساب.

ولا ينبغي أن يَخطر ببالك أن ما قدَّره الله تعالى عليكِ هو شرٌّ محض؛ فليس في أفعال الله تعالى ذلك، ولله تعالى الحكَم البالغة فيما يقدِّره على عباده وما تكرهينه من حال أنت عليه الآن قد يكوون فيه الخير الكثير وأنت لا تعلمين، قال تعالى: ( فعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ) النساء/ 19 ، وروى البخاري ( 5645 ) عن أَبي هُرَيْرَةَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ)، ومعنى ( يُصِب مِنْه ) أي: يَبْتَلِيه بِالْمَصَائِبِ لِيُثِيبَهُ عَلَيْهَا.

وليس ابتلاء الله لك بتلك الإعاقة يعني أن الله تعالى لا يحبك بل لو عكستِ لأصبتِ، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( إِنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلاَءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاَهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ ) رواه الترمذي ( 2396 ) وحسَّنه، وابن ماجه ( 4031 ).

ومن أعظم ما يستفيد منه المبتلى الصابر المحتسب أنه قد يلقى ربَّه ليس عليه خطيئة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ ) رواه الترمذي ( 2399 ) وصححه.

ولذا كان لأهل البلاء الصابرين المحتسبين أعظم المنازل يوم القيامة حتى إن أهل العافية في الدنيا ليتمنَّون أن لو كانوا مثلهم، فعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ الْبَلَاءِ الثَّوَابَ لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالْمَقَارِيضِ ) رواه الترمذي (2402) وحسنه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

وعسى أن ينهض مجموعة من المسلمين الثقات ليسعوا في تزويج الأخوات اللاتي ابتلين بإعاقة في أبدانهن، فمثل هذا العمل الجليل له ثوابه الجزيل إن شاء الله.

وعلى المسلم الذي عافاه الله تعالى في بدنه أن لا ينظر للمبتلى بإعاقة نظرة ازدراء، وليحمد الله تعالى أن عافاه مما ابتلى به غيره، ولا ينبغي له أن يُسمعه هذا الدعاء لئلّا يؤذيه، ومن شكر نعمة العافية أن يقدِّم للمبتلى ما يستطيع من خدمة وعناية ورعاية.

ثانيا:

وأما ظنكِ أن لك نصف الأجر بسبب صلاتك جالسة: فليس بصحيح، بل لك الأجر كاملا إن شاء الله، وإنما نصف الأجر لمن صلَّى نافلة جالسا مع قدرته على القيام، وأما المصلي جالسا لعذر المرض: فهذا له الأجر كاملا فرضا صلَّى أو نافلة.

قال النووي – رحمه الله -:

أجمعت الأمة على أن من عجز عن القيام في الفريضة: صلاَّها قاعدا، ولا إعادة عليه.

قال أصحابنا: ولا ينقص ثوابه عن ثوابه في حال القيام؛ لأنه معذور، وقد ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا ).

” المجموع ” ( 4 / 310 ).

ثالثا:

وأما بخصوص مسألة الهم بالمعصية الواردة في سؤالكِ فدليلها قَوْله تَعَالَى: (إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ) الحج/ 25 ، ونجيب عنها فنقول:

  1. إن الوعيد المتعلق بالهم بالمعصية هو في حرم مكة المكرمة وليس في المدينة.

قال ابن القيم – رحمه الله -:

والمسجد الحرام هنا: المراد به الحرم كُلُّهُ.

” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 3 / 434 ).

وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

من همَّ بالإلحاد في الحرم المكي: فهو متوعَّد بالعذاب الأليم.

” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 16 / 135 ).

  1. إن الوعيد المتعلق بالهم بالمعصية في مكة المكرمة له ثلاث صور:

أ. أن يكون الهامُّ بالمعصية في أي مكان في الأرض ليفعلها في الحرم المكي، قال الضَّحَّاك رحمه الله: ” إنَّ الرجل ليهِمُّ بالخطيئة بمكّة وهو بأرض أخرى فتكُتب عليه ولم يعملها “، وسيأتي مثله عن ابن مسعود رضي الله عنه قريبا.

ب. من همَّ بالمعصية في الحرم ولو فعلها خارج الحرم.

ج. وأعظم الصور إثما أن يكون الهم وفعل المعصية كلاهما في الحرم المكي.

  1. بعض العلماء يرى أن المقصود بقوله تعالى ( يُرِد ) أي: يعمل، وقيل: هو العزم المصمم، وقيل: حديث النفس، وهو القول الأقرب للصواب.

قال ابن القيم – رحمه الله -:

ومن هذا قوله تعالى ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ ) الحج/ 25، وفعل الإرادة لا يتعدى بالباء ولكن ضُمِّن معنى ” يهم ” فيه بكذا، وهو أبلغ من الإرادة، فكان في ذكر الباء إشارة إلى استحقاق العذاب عند الإرادة وإن لم تكن جازمة.

” بدائع الفوائد ” ( 2 / 259 ).

  1. ومعنى ” الإلحاد “: الميل عن الحق، ومعنى ” الظلم ” في الآية : كل مخالفة للشرع، ويشمل ذلك الشرك والبدعة والذنوب كالقتل، وهو ما يرجحه الطبري والشنقيطي رحمهما الله.

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر في هذه المسألة: أن كل مخالفة بترك واجب أو فعل محرم: تدخل في الظلم المذكور، وأما الجائزات كعتاب الرجل امرأته أو عبده: فليس من الإلحاد، ولا من الظلم.

قال بعض أهل العلم: من همَّ أن يعمل سيئة في مكة: أذاقه الله العذاب الأليم بسبب همِّه بذلك، وإن لم يفعلها، بخلاف غير الحرم المكي من البقاع فلا يعاقب فيه بالهم، وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ” لو أن رجلاً أراد بإلحاد فيه بظلم وهو بِعَدَنٍ أَبْيَن لأذاقه الله من العذاب الأليم “، وهذا ثابت عن ابن مسعود، ووقفه عليه أصح من رفعه، والذين قالوا هذا القول استدلوا له بظاهر قوله تعالى ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ) لأنه تعالى رتَّب إذاقة العذاب الأليم على إرادة الإلحاد بالظلم فيه ترتيب الجزاء على شرطه، ويؤيد هذا قول بعض أهل العلم إن الباء في قوله (بإلحاد ) لأجل أن الإرادة مضمنة معنى الهمِّ، أي : ومن يهم فيه بإلحاد، وعلى هذا الذي قاله ابن مسعود وغيره.

فهذه الآية الكريمة مخصِّصة لعموم قوله صلى الله عليه وسلم ( ومن همَّ بسيئة فلم يعملها كُتبت له حسنة ) الحديث، وعليه: فهذا التخصيص لشدة التغليظ في المخالفة في الحرم المكي، ووجه هذا ظاهر.

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ويحتمل أن يكون معنى الإرادة في قوله (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ ) العزم المصمم على ارتكاب الذنب فيه، والعزم المصمم على الذنب ذنب يعاقب عليه في جميع بقاع الله مكة وغيرها.

والدليل على أن إرادة الذنب إذا كانت عزمًا مصمِّمًا عليه أنها كارتكابه: حديث أبي بكرة الثابت في الصحيح ( إذا الْتقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار ) قالوا: يا رسول الله قد عرفنا القاتل فما بال المقتول؟ قال: ( إنه كان حريصا على قتل صاحبه ) فقولهم: ما بال المقتول؟: سؤال عن تشخيص عين الذنب الذي دخل بسببه النار مع أنه لم يفعل القتل، فبيَّن النَّبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ( إنه كان حريصًا على قتل صاحبه ) أن ذنبه الذي أدخله النار: هو عزمه المصمم وحرصه على قتل صاحبه المسلم، وقد قدمنا مراراً أنَّ ” إنَّ ” المكسورة المشددة: تدل على التعليل، كما تقرر في مسلك الإيماء والتنبيه.

ومثال المعاقبة على العزم المصمم على ارتكاب المحظور فيه: ما وقع بأصحاب الفيل من الإهلاك المستأصل بسبب طير أبابيل ( تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ) لعزمهم على ارتكاب المنكر في الحرم، فأهلكهم الله بذلك العزم قبل أن يفعلوا ما عزموا عليه. والعلم عند الله تعالى.

 

والظاهر أن الضمير في قوله ( فِيهِ ) راجع إلى المسجد الحرام، ولكن حكم الحرم كله في تغليظ الذنب المذكور كذلك، والله تعالى أعلم.

” أضواء البيان ” ( 4 / 294 ، 295 ).

 

والله أعلم.

معنى حديث: ” أنا عند ظن عبدي بي … “

معنى ” حسن الظن بالله ” وذِكر أبرز مواضعه

السؤال:

يقول تعالى في الحديث القدسي ( أنا عند ظن عبدي بي .. ) فهل يعني هذا أن الشخص إذا ظن بالله أن رحمته أوسع من عقوبته فإن هذا العبد سيُعامل بالرحمة أكثر من العقوبة، والعكس بالعكس؟ وما هي الموازنة التي يجب على الشخص أن يأخذ بها عندما يتعلق الأمر بالعمل بهذا الحديث؟.

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

حسن الظن بالله تعالى عبادة قلبية جليلة، ولم يفهمها حق فهمها كثير من الناس، ونحن نبيِّن معتقد أهل السنَّة والجماعة في هذه العبادة، ونبيِّن فهم السلف القولي والعملي لها، فنقول:

إن حسن الظن بالله تعالى يعني اعتقاد ما يليق بالله تعالى من أسماء وصفات وأفعال، واعتقاد ما تقتضيه من آثار جليلة، كاعتقاد أن الله تعالى يرحم عباده المستحقين، ويعفو عنهم إن هم تابوا وأنابوا، ويقبل منهم طاعاتهم وعبادتهم، واعتقاد أن له تعالى الحِكَم الجليلة فيما قدَّره وقضاه.

ومن ظنَّ أن حسن الظن بالله تعالى ليس معه عمل: فهو مخطئ ولم يفهم هذه العبادة على وجهها الصحيح، ولا يكون حسن الظن مع ترك الواجبات، ولا مع فعل المعاصي، ومن ظنَّ ذلك فقد وقع في الغرور، والرجاء المذموم، والإرجاء المبتدع، والأمن من مكر الله، وكلها طوام ومهالك.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وقد تبين الفرق بين حسن الظن والغرور، وأن حسن الظن إن حمَل على العمل وحث عليه وساعده وساق إليه: فهو صحيح، وإن دعا إلى البطالة والانهماك في المعاصي: فهو غرور، وحسن الظن هو الرجاء، فمن كان رجاؤه جاذباً له على الطاعة زاجرًا له عن المعصية: فهو رجاء صحيح، ومن كانت بطالته رجاء ورجاؤه بطالة وتفريطًا: فهو المغرور. ” الجواب الكافي ” ( ص 24 ).

* وقال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

وإحسان الظن بالله لابد معه من تجنب المعاصي وإلا كان أمنًا من مكر الله، فحسن الظن بالله مع فعل الأسباب الجالبة للخير وترك الأسباب الجالبة للشر: هو الرجاء المحمود.

وأما حسن الظن بالله مع ترك الواجبات وفعل المحرمات: فهو الرجاء المذموم، وهو الأمن من مكر الله.

” المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان ” ( 2 / 269 ).

ثانيًا:

والأصل أن يكون دائمًا حسن الظنَّ بربه تعالى، وأكثر ما يتعيَّن على المسلم حسن الظن بربِّه تعالى في موضعين:

الأول: عند قيامه بالطاعات.

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضى الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ( يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَىَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَىَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ).

رواه البخاري ( 7405 ) ومسلم ( 2675 ).

فيلاحظ في الحديث علاقة حسن الظن بالعمل أوضح ما يكون، فقد أعقبه بالترغيب بذِكره عز وجل والتقرب إليه بالطاعات، فمن حسُن ظنه بربه تعالى دفعه ذلك لإحسان عمله.

* قال الحسن البصري رحمه الله: ” إن المؤمن أحسنَ الظنّ بربّه فأحسن العملَ، وإنّ الفاجر أساءَ الظنّ بربّه فأساءَ العمل.

رواه أحمد في ” الزهد ” ( ص 402 ).

* وقال ابن القيم – رحمه الله -:

ومن تأمل هذا الموضع حق التأمل علِم أن حُسن الظن بالله هو حُسن العمل نفسه؛ فإن العبد إنما يحمله على حسن العمل ظنه بربه أنه يجازيه على أعماله ويثيبه عليها، ويتقبلها منه، فالذي حمله على العمل حسن الظن، فكلما حسُن ظنُّه حسُنَ عمله وإلا فحُسن الظن مع اتباع الهوى: عجْز ….

وبالجملة: فحُسن الظن إنما يكون مع انعقاد أسباب النجاة، وأما مع انعقاد أسباب الهلاك: فلا يتأتى إحسان الظن.

” الجواب الكافي ” ( ص 13 – 15 ) مختصرًا.

* وقال أبو العباس القرطبي – رحمه الله -:

قيل: معناه: ظنّ الإجابة عند الدعاء، وظنّ القبول عند التوبة، وظن المغفرة عند الاستغفار، وظن قبول الأعمال عند فعلِها على شروطها؛ تمسُّكًا بصادق وعْده، وجزيل فضلِه.

قلت: ويؤيدهُ قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: ( ادْعوا الله وأنتم موقِنون بالإجابة ) – رواه الترمذي بإسناد صحيح -، وكذلك ينبغي للتَّائب والمستغفر، وللعامل أن يَجتهد في القيام بِما عليه من ذلك، موقنًا أنَّ الله تعالى يقبل عملَه، ويغفِر ذنبه؛ فإنَّ الله تعالى قد وعد بقبول التَّوبة الصادقة، والأعمال الصالحة، فأمَّا لو عمل هذه الأعمال وهو يعتقد أو يظنُّ أنَّ الله تعالى لا يقبلُها، وأنَّها لا تنفعُه: فذلك هو القنوط من رحْمة الله، واليأس من رَوْح الله، وهو من أعظمِ الكبائر، ومَن مات على ذلك: وصل إلى ما ظنَّ منه.

فأمَّا ظن المغفرة والرحمة مع الإصرار على المعصية: فذلك محض الجهل والغرة، وهو يجر إلى مذهب المرجئة. ” المفهم شرح مسلم ” ( 7 / 5 ، 6 ).

الثاني: عند المصائب، وعند حضور الموت.

عَنْ جَابِرٍ رضِيَ الله عَنْه قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ وَفَاتِهِ بِثَلاَثٍ يقولُ ( لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاَّ وَهُوَ يُحْسِنُ بِاللَّهِ الظَّنَّ ). رواه مسلم ( 2877 ).

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 10 / 220 ):

يجب على المؤمن أن يُحسن الظنَّ بالله تعالى، وأكثر ما يجب أن يكون إحساناً للظن بالله: عند نزول المصائب، وعند الموت، قال الحطاب: ندب للمحتضر تحسين الظن بالله تعالى، وتحسين الظن بالله وإن كان يتأكد عند الموت وفي المرض، إلا أنه ينبغي للمكلف أن يكون دائمًا حسن الظن بالله. انتهى.

* وقال النووي – رحمه الله -:

قال العلماء: هذا تحذير من القنوط, وحث على الرجاء عند الخاتمة, وقد سبق في الحديث الآخر قوله سبحانه وتعالى: ” أنا عند ظن عبدي بي “, قال العلماء: معنى ” حسن الظن بالله تعالى ” أن يظن أنه يرحمه ويعفو عنه, قالوا: وفي حالة الصحة يكون خائفًا راجيًا, ويكونان سواء, وقيل: يكون الخوف أرجح, فإذا دنت أمارات الموت غلب الرجاء أو محضه; لأن مقصود الخوف: الانكفاف عن المعاصي والقبائح, والحرص على الإكثار من الطاعات والأعمال, وقد تعذر ذلك أو معظمه في هذا الحال, فاستحب إحسان الظن المتضمن للافتقار إلى الله تعالى, والإذعان له, ويؤيده الحديث المذكور بعده ( يبعث كل عبد على ما مات عليه ) ولهذا عقبه مسلم للحديث الأول، قال العلماء: معناه: يبعث على الحالة التي مات عليها, ومثله الحديث الآخر بعده ( ثم بعثوا على نياتهم ). ” شرح مسلم ” ( 17 / 10 ).

 

فتبين مما سبق: أن حسن الظن بالله تعالى لا يكون معه ترك واجب ولا فعل معصية، ومن اعتقد ذلك نافعاً له فهو لم يثبت لله تعالى ما يليق به من أسماء وصفات وأفعال على الوجه الصحيح، وقد أوقع نفسه بذلك في مزالق الردى، وأما المؤمنون العالِمون بربهم فإنهم أحسنوا العمل وأحسنوا الظن بربهم أنه يقبل منهم، وأحسنوا الظن بربهم عند موتهم أنه يعفو عنهم ويرحمهم ولو كان عندهم تقصير، فيُرجى لهم تحقيق ذلك منه تعالى كما وعدهم.

 

 

والله أعلم.

كان يتصدق على الناس فخرج من عمله وكثرت ديونه فهل يطلب ممن أعطاهم مساعدته؟

كان يتصدق على الناس فخرج من عمله وكثرت ديونه فهل يطلب ممن أعطاهم مساعدته؟

السؤال:

كنت موظفًا بشركة كبيرة، وكان راتبي ودخلي مرتفعًا جدًّا، وكنت قد نويت أن أخرج مبلغًا ماليًّا شهريًّا من راتبي، وبالفعل كنت أقوم بذلك بطريقة معينة، يعني: كنت أستدين مبلغًا كبيرًا من المال، وأسدده بالتقسيط من راتبي، ولم يكن ذلك يزعجني، وقد كنت أستدين حتى تكون مساعدتي للفقير مجزية، كأن أزوِّج أحدًا، أو أساعد إحدى العوائل في شراء منزل، وهكذا، واستمررت على هذه الطريقة مدة 5 سنوات، وفي آخر مرة اضطررت لأن أترك العمل، فلم أستطع تسديد ديوني بالشكل المتناسق الذي كنت قد تعودت عليه، فبدأ الدائنون يطالبوني بالمال، وعندما علم أهلي بذلك أنبوني على أن ما فعلته لا يجوز، وأنه يجب عليَّ أن أطالب من ساعدته ببعض المال حتى أسدد ديوني، وأنا لا أريد فعل ذلك، وأريد أن أسددها بنفسي، ولكن مع الوقت، فهل عليَّ إثم إذا أخرت سداد الدين لبعض الوقت، مع العلم أني أمر بضائقة مالية كبيرة في الوقت الحالي؟ فما يجب عليَّ أن أفعل؟ .

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله تعالى أن يعوضك خيرًا مما أنفقت، وأن يعجل لك ذلك في دنياك قبل أخراك، ونسأله تعالى أن لا تلقاه وعليك ديْن لأحد.

ولا نخفيك أن ما فعلتَه فيه صواب، وفيه خطأ، أما الصواب: فهو نيتك الطيبة في إعانة الآخرين، ورجاحة عقلك في أن تكون الأعطية مجزية، وبخاصة أن يتعلق ذلك بفرج تعفه، أو أسرة تستر عليها بمسكنٍ، وأما ما أخطأتَ به: فهو استدانتك من أجل ذلك الفعل الجليل وهو إعانة الناس، وكان يسعك أن تبذل من مالك ما تجود به نفسك عندما يكون راتبك في يدك، دون أن تستدين من قبل أن تقبض راتبك.

* وفي قضيتك هذه مسائل وأحكام:

  1. أنك تذكر من نفسك عجزًا عن سداد ديونك، فأنت غير واجد لمال الناس، فلستَ ظالمًا.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ ). رواه البخاري ( 2166 ) ومسلم ( 1564 ).

 

 

 

* قال النووي – رحمه الله -:

قال القاضي وغيره: المطل: منع قضاء ما استحق أداؤه، فمطل الغني: ظلم، وحرام، ومطل غير الغني: ليس بظلم، ولا حرام؛ لمفهوم الحديث، ولأنه معذور. ” شرح مسلم ” ( 10 / 227 ).

  1. كما أنه لا يحل للدائنين الطعن فيك، ولا عقوبتك؛ لأنك لا تجد ما تقضي به ديْنك.

عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ ). رواه أبو داود ( 3628 ) والنسائي ( 4689 ) وابن ماجه (2427 )، وحسَّنه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

– اللَّي: الامتناع والمماطلة في سداد الدين.

– عِرْضه: شِكَايَته.

– وَعُقُوبته: تعزيره، وحَبْسُه.

  1. الواجب على الدائنين إمهالك حتى تكون قادرًا على قضاء الدَّين.

قال تعالى: ( وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) البقرة/ 280.

* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

أي: وإن كان الذي عليه الدين معسرًا، لا يقدر على الوفاء: وجب على غريمه أن ينظره إلى ميسرة، وهو يجب عليه إذا حصل له وفاء بأي طريق مباح: أن يوفي ما عليه، وإن تصدق عليه غريمه – بإسقاط الدين كله، أو بعضه -: فهو خير له.

” تفسير السعدي ” ( ص 959 ).

  1. والبشرى لك في أن الله تعالى قد وعد بأن من يأخذ مال الناس يريد أداءه: أنه تعالى يعينه على سداده في الدنيا، أو يؤديها عنك في الآخرة، بإسقاط الإثم، وإرضاء المدين.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ ).

رواه البخاري ( 2257 ).

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ولكن بشرى للإنسان: أنه إذا أخذ أموال الناس يريد أداءها: أدى الله عنه، وإذا أخذها يريد إتلافها: أتلفه الله، فإذا أخذت أموال الناس بقرضٍ، أو ثمن مبيع، أو أجرة بيت، أو غير ذلك، وأنت تريد الأداء: أدَّى الله عنك، إما في الدنيا يعينك حتى تسدد، وإما في الآخرة، صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، أما المتلاعب بأموال الناس، والذي يأخذها، ولا يريد أداءها، ولكن يريد إتلافها: فإن الله يتلفه، والعياذ بالله.

” شرح رياض الصالحين ” ( 6 / 32 ).

 

ثانيًا:

وأما ما اقترحه عليه أهلك من مطالبة مَن كنت ساعدته في سالف الأيام: فهو اقتراح في غير محله، وهو دلالة لك على سبيل من سبل الإثم، فاحذر من الاستجابة لمطلبهم، وأنت كنتَ تريد ما عند الله من الأجور والثواب ببذلك ذلك المال، ولم تعطه لهم قاصدًا المنَّة، ولا هو بقرضٍ تطلب منهم سداده، والعائد في هبته التي بذلها مرتكب لإثم، وحاشاك أن تكون ممن يفعل ذلك.

قال تعالى مبيِّنًا حال المؤمن عند الإنفاق: ( إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورا ) الإنسان/ 9.

ومطالبة أولئك الذين أحسنتَ إليهم بشيءٍ مما بذلته لهم: هو من الأذى الذي نهيتَ عنه، والذي يسبب بطلانًا للصدقة، قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ) البقرة/ من الآية 264.

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

يمدح تعالى الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله، ثم لا يُتبعون ما أنفقوا من الخيرات والصدقات منًّا على مَن أعطوه، فلا يمنُّون على أحد، ولا يمنُّون به، لا بقول، ولا فعل.

وقوله: ( وَلاَ أَذَى ) أي: لا يفعلون مع مَن أحسنوا إليه مكروهًا يحبطون به ما سلف من الإحسان. ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 693 ).

ولا يحل لمن بذل صدقة في سبيل الله أو أهدى هدية أن يرجع بها، ولا أن يشتريها.

عَنْ عُمَرَ بنِ الخطَّاب أَنَّهُ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَوَجَدَهُ عِنْدَ صَاحِبِهِ وَقَدْ أَضَاعَهُ وَكَانَ قَلِيلَ الْمَالِ فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: ( لَا تَشْتَرِهِ وَإِنْ أُعْطِيتَهُ بِدِرْهَمٍ ( ولا تعُد في صدقتك ) فَإِنَّ مَثَلَ الْعَائِدِ فِي صَدَقَتِهِ كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ ).

رواه البخاري ( 1419 ) و ( 2841 ) ومسلم ( 1620 ) و ( 1622 ).

 

– واستعن بالله ربك على أداء ديونك، ونسأل الله لك التوفيق والسداد.

 

 

والله أعلم.

حكم الصلاة، والأذكار، والقرآن، مع القراءة الصامتة من غير تحريك اللسان

حكم الصلاة، والأذكار، والقرآن، مع القراءة الصامتة من غير تحريك اللسان

السؤال:

سؤالي هو: هل قراءة القرآن بالعين يعتبر قراءة، ويؤجر عليها؟ وهل يجوز لي ختم القرآن بهذه الطريقة؟ فأنا – يا شيخ – يحصل لي تدبر، وفهم، واستيعاب، وأتأثر أكثر عند القراءة بالعين، ولا أستوعب إلا قليلا جدّا، وأحيانا أبدًا، إذا قرأت بصوت، أو بترتيل! فالمقصود من القرآن تدبره، وهذه الحالة – يا شيخ – ليست فقط في قراءة القرآن، بل حتى قراءة الكتب، بل وفي الدراسة أيضا، فأنا لا أستوعب المادة التي أدرسها إذا درستُها بصوت، ولكن يحصل عندي حفظ، وفهم، وتدبر، أكثر عند الدراسة بدون صوت! فما توجيهك يا شيخ؟!.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

بخصوص الكتب المدرسية، وكتب أهل العلم، كالفقه، وغيرها:  لا فرق بين القراءة بالعين – أو ما يسمَّى بالقراءة الصامتة -، وبين القراءة الجهرية؛ لعدم وجود ما يمنع في الشرع، بل يفعل كل قارئ ما يراه مناسبًا لفهمه، واستفادته.

ثانيًا:

وأما إن تعلق الأمر بقراءة القرآن، والأذكار الشرعية: فالأمر يختلف عن السابق، وهو على وجهين:

  1. أن يتعلق الأمر بقراءة القرآن، وتلاوة الأذكار، خارج الصلاة.

وهنا يقال: الأذكار الشرعية، والأدعية، وقراءة القرآن، كل ذلك من العبادات التي لا يؤجر أصحابها إن لم يحركوا ألسنتهم بها، وأنهم لو نظروا في المصحف، أو في كتاب أذكار، من غير تحريك لسان: فليس لهم الأجور المترتبة على قراءة ذلك، وإنما لهم التدبر والتفكر، فيما ينظرون إليه، ولا يعد العلماء مثل هذا النظر الخالي من حركة اللسان قراءة؛ لأن القراءة هي حركة اللسان، قال تعالى: ( لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ . إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ . فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ) القيامة/ 16 – 18، ولذلك أجاز مَن منع من العلماء الجنبَ، مِن قراءة القرآن أن ينظر في المصحف، ويمرر القراءة على قلبه، ولو كان فعله ذاك قراءة: لما أجازوا له النظر بالعين، والتمرير على القلب.

* قال النووي – رحمه الله -:

اعلم أن الأذكار المشروعة في الصلاة، وغيرها، واجبة كانت، أو مستحبة: لا يُحسب شيء منها، ولا يُعتد به حتى يتلفظ به.

” الأذكار ” ( ص 10 ).

* وقال – رحمه الله -:

ولهذا اتفقوا على أن الجنب لو تدبر القرآن بقلبه من غير حركة لسانه: لا يكون قارئا، مرتكبًا لقراءة الجنب المحرمة. ” شرح مسلم ” ( 4 / 103 ).

  1. أن يتعلق الأمر بقراءة القرآن، وتلاوة الأذكار، داخل الصلاة.

وهنا يقال: يجب على المصلي أن يجهر بقراءة الواجب من القرآن – كالفاتحة -، والواجب من الأذكار – كتكبيرة الإحرام، والتسبيح في الركوع، والسجود –، فإن أسرَّ ذلك في نفسه، ولم يحرك لسانه بتلك القراءات: كانت صلاته باطلة، مع الإثم.

ثالثًا:

وهل يجب أن يُسمع القارئ نفسه، أم يكفيه تحريك اللسان؟ فيه خلاف بين العلماء، والأرجح أنه لا يشترط إسماع نفسه ، وهو قول المالكية، خلافًا لما عليه الجمهور.

* سئل الشيخ محمد صالح العثيمين – رحمه الله -:

بعض الناس في الصلاة يقرءون الفاتحة، والأذكار، بالقلوب، ولا يقرؤونها باللسان، فهل تجزئهم؟.

فأجاب:

لا يصلح أن يقال ” قرأ فلان ” إلا بنطق، فأما إذا أمرَّها على قلبه: فهذا لم يقرأ، ولا تجزئه في الصلاة؛ لأنه ترك الفاتحة في الحقيقة، وترك التسبيح، وترك التكبير، لكن اختلف العلماء هل يشترط أن يُسمع نفسه، بمعنى: أن يكون لحركات لسانه، وشفتيه، صوت يَسمعه، أو لا يشترط؟ والصحيح: أنه لا يُشترط أن يُسمع نفسه، لكن يُشترط أن ينطق. ” لقاء الباب المفتوح ” ( 16 / السؤال رقم : 17 ).

* وسئل – رحمه الله -:

هل يلزم تحريك الشفتين في الصلاة، والأذكار، والقراءة، أم يكفي أن يقرأ بدون تحريك الشفتين؟.

فأجاب: لا بد من تحريك الشفتين في قراءة القرآن في الصلاة، وكذلك في قراءة الأذكار الواجبة، كالتكبير، والتسبيح، والتحميد، والتشهد؛ لأنه لا يسمَّى قولًا إلا ما كان منطوقًا به، ولا نُطق إلا بتحريك الشفتين، واللسان، ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم يَعلمون قراءة النبي صلى الله عليه وسلم باضطراب لحيته – أي: بتحركها – ولكن اختلف العلماء هل يجب أن يُسمع نفسه، أم يَكتفي بنطق الحروف؟ فمنهم من قال: لا بد أن يُسمع نفسه، أي: لا بد أن يكون له صوت يَسمعه هو بنفسه، ومنهم من قال: يكفي إذا أظهر الحروف، وهذا هو الصحيح. ” لقاء الباب المفتوح ” ( 20 / السؤال رقم : 2 ).

 

والله أعلم.

التعليق على حديث أم سلمة في رؤيا منام للنبي صلى الله عليه وسلم في مقتل الحسين

التعليق على حديث أم سلمة في رؤيا منام للنبي صلى الله عليه وسلم في مقتل الحسين

السؤال:

أتساءل عن حديث روي لأم سلمة رضي الله عنها وكانت تبكي فسئلت عن ذلك فقالت: إنها رأت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وعلى رأسه ولحيته التراب، فسألته : ما هذا يا رسول الله؟  فقال لها: لقد ذهبت إلى المكان الذي استشهد فيه الحسين. أخرجه الترمذي  باب مناقب أهل البيت ( 218 ).

يزعم البعض – استنادا إلى هذا الحديث الشريف – أن النبي صلى الله عليه وسلم قد يكون شاهدا لما يحدث في عالمنا، ويمكن أن يأتينا حتى بعد مماته، فهل هذا حديث صحيح ؟ وإن كان صحيحاً، فما التفسير الأرجح له؟

أفيدوني أفادكم الله، وجزاكم الله خيرا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

الحديث الوارد في السؤال روي عن سَلْمَى، قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ وَهِيَ تَبْكِي، فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكِ؟ قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – تَعْنِي فِي الْمَنَامِ – وَعَلَى رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ التُّرَابُ، فَقُلْتُ: مَا لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: شَهِدْتُ قَتْلَ الحُسَيْنِ آنِفًا. رواه الترمذي ( 3771 ).

والحديث ضعيف، قال الترمذي رحمه الله بعد أن رواه ” حديث غريب “، يعني: ضعيف، وسبب ضعفه: جهالة ” سلمى ” الراوية عن أم سلمة رضي الله عنها.

قال الشيخ المباركفوري – رحمه الله -: ” وقد وهم ” القاري ” وهما شنيعا فقال: “سلمى ” هذه هي زوجة أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم قابلة إبراهيم بن نبي الله صلى الله عليه وسلم “. هذا الحديث ضعيف؛ لجهالة ” سلمى “. انتهى من ” تحفة الأحوذي ” ( 10 / 188 ).

و” القاري ” المقصود في كلام الشيخ المباركفوري هو الشيخ ” الملا علي القاري ” رحمه الله، وكلامه في ” سلمى ” قد ذكره في كتابه ” مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح “. والحديث ضعفه – كذلك – الشيخ الألباني رحمه الله في ” ضعيف الترمذي “.

وقال الشيخ عبد المحسن العبَّاد – حفظه الله -: ” هذا حديث غير صحيح؛ في إسناده ” سلمى ” هذه المجهولة التي لا تُعرف، وهذه رؤيا رأتْها أم سلمة، ومعلوم أن رؤيا غير الأنبياء ليست بوحي، فرؤيا الأنبياء وحي، ورؤيا غيرهم ليست كذلك، والقصة من حيث الإسناد ما ثبتت لأن فيها من هو مجهول وهي هذه المرأة التي تروي عن أم سلمة “. انتهى من ” شرح سنن الترمذي ” ( شريط رقم 408 ).

ثانيا:

ومع ضعف الحديث، وكونها رؤيا ليست وحيا، ومع أن الرؤيا لا يؤخذ منها أحكام شرعية، ومع كون الرؤيا ليس فيها أن النبي صلى الله عليه هو الذي وضع على لحيته ورأسه التراب – بل الواضح منها أنه شهد معركة الحسين مع أعدائه الذين قاتلوه وقتلوه -: إلا أننا نجد بعض أهل الأهواء يستدلون بهذا الحديث على جواز التمرغ بالتراب في وقت المصائب ومناسبات الأحزان! ويعتقد ذلك دِينا، وهو فعل أهل الجاهلية، ونظرة واحدة إلى هؤلاء يتبين معها مدى ضلالهم وانحرافهم، ولينظر العقلاء إليهم في هاتين الصورتين:

http://cache.daylife.com/imageserve/00S7ckg5lp3Xo/610x.jpg

http://cache.daylife.com/imageserve/0dCddFqf0Ub5k/610x.jpg

 

قال البخاري – رحمه الله -:

” باب مَا يُكْرَهُ مِنَ النِّيَاحَةِ عَلَى الْمَيِّتِ “.

وَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: ” دَعْهُنَّ يَبْكِينَ عَلَى أَبِي سُلَيْمَانَ مَا لَمْ يَكُنْ نَقْعٌ أَوْ لَقْلَقَةٌ ” .

وَالنَّقْعُ: التُّرَابُ عَلَى الرَّأْسِ.                  وَاللَّقْلَقَةُ: الصَّوْتُ.

” صحيح البخاري ” ( 1 / 433 ).

– وأبو سليمان هو الصحابي الجليل خالد بن الوليد رضي الله عنه.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -: ” وضع التراب على الرأس مكروه في المعتاد؛ لما كانت تفعله الجاهلية عند المصائب، والنوائب. “.

انتهى من ” التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير ” ( 1 / 390 ).

* وقال الشيخ عبد البسَّام – رحمه الله – في فوائد حديث عَبْدِ اللَّهِ بنِ مسْعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ ) رواه البخاري ( 1235 ) ومسلم ( 103 ) -:

  1. تحريم التسخط من أقدار الله المؤلمة، وإظهار ذلك بالنياحة أو الندب أو الحلق أو الشق أو غير ذلك كَحَثي التراب على الرأس.
  2. تحريم تقليد الجاهلية بأمورهم التي لم يقرهم الشارع عليها، ومن جملتها: دعاويهم الباطلة عند المصائب. ” تيسير العلام شرح عمدة الأحكام ” ( 1 / 448 ).

ثالثا:

وليس في الحديث – لو صح – ما يدل على رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لما يَحدث في العالَم؛ فإن هذا لا يستطيعه لو كان على قيد الحياة فكيف وقد غاب عن العالَم بالموت؟! وليس فيه ما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب وكيف يكون هذا وقد نصَّ في حياته أنه لا يعلم الغيب أفيعلمه بعد موته؟!.

ولا نمنع أن يُطلع الله تعالى نبيَّه في عالَم البرزخ على أشياء من أحداث الدنيا لكن هذا لا نثبته بمجرد الهوى بل بالإسناد الصحيح لقائله ومدعيه، ولا يخرج هذا عن تلاقي روح الميت مع روح النائم وقد ثبت في شرعنا هذا الأمر فليس هو بمستنكر، وفي هذا اللقاء ليس ثمة ما يمنع من إطلاع الله تعالى لروح الميت على أشياء مما فعله أهل الدنيا، وبه تكون البشارة والنذارة من روح الميت إلى روح الحي النائم ليبلغها بعد استيقاظه أو ليطمئن قلبه بها ويفرح برؤيتها، وقد ثبت كثير من هذا فيما رآه الصالحون والعلماء، ومنه ما رآه عثمان رضي الله عنه – وفي إسناده ضعف لكنه ليس بضعف شديد ومثله يستأنس به – في منامه، حيث رأى النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وأمروه بالصبر! وأنه يُفطر عندهم الليلة القابلة، فكان ذلك، وهو ما رواه أحمد في مسنده ( 1 / 545 ) عَنْ مُسْلِمٍ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: ” أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَعْتَقَ عِشْرِينَ مَمْلُوكًا، وَدَعَا بِسَرَاوِيلَ فَشَدَّهَا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَلْبَسْهَا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلا إِسْلامٍ، وَقَالَ : إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَارِحَةَ فِي الْمَنَامِ، وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَإِنَّهُمْ قَالُوا لِي : اصْبِرْ، فَإِنَّكَ تُفْطِرُ عِنْدَنَا الْقَابِلَةَ، ثُمَّ دَعَا بِمُصْحَفٍ فَنَشَرَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقُتِلَ وَهُوَ بَيْنَ يَدَيْهِ “.

وأقوى منه إسنادا – وهو في موضوع قتل الحسين رضي الله عنه – ما رواه أحمد في ” مسنده ” ( 4 / 59 ) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ” رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ بِنِصْفِ النَّهَارِ أَشْعَثَ أَغْبَرَ مَعَهُ قَارُورَةٌ فِيهَا دَمٌ يَلْتَقِطُهُ أَوْ يَتَتَبَّعُ فِيهَا شَيْئًا قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا هَذَا؟ قَالَ: ( دَمُ الْحُسَيْنِ وَأَصْحَابِهِ لَمْ أَزَلْ أَتَتَبَّعُهُ مُنْذُ الْيَوْمَ ).

قَالَ عَمَّارٌ: ” فَحَفِظْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ فَوَجَدْنَاهُ قُتِلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ “.

قال المحققون: إسناده قوي على شرط مسلم.

فهذا الحديث أصح من حديث أم سلمة رضي الله عنها وفيه ما يدل على ما ذكرناه آنفاً من أن هذه رؤيا منام وأنه لا يُستنبط منها أحكام شرعية وأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن حاضرا – قطعا – لمقتل الحسين ببدنه وأنه لم يشاهدْه أحدٌ من القاتلين ولا من المقتولين، وأن ذلك كان في الحياة البرزخية التي لا ندري كنهها وحقيقتها، وأن تلك الأرواح ما تقوله وتفعله إنما هو بأمر الله تعالى.

رابعا:

وأما ادعاء أن النبي صلى الله عليه وسلم يطَّلع بعد وفاته على ما تفعله أمته – أو الخلق عموما – فهو بعيد عن الصواب، وقد جاء النص منه صلى الله عليه وسلم على نفيه وإبطاله وهو حديث الحوض وفيه قول الملائكة عليهم السلام له ( إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ) وفيه التصريح منه صلى الله عليه وسلم أنه كان شهيدا عليهم ما دام فيهم فلما توفاه الله تعالى انقطعت هذه الشهادة، وبهذا استدل العلماء على تكذيب الورقة التي تنشر منذ عشرات السنين وتنسب لمن زُعم أنه خادم الحجرة النبوية، وفي الورقة ما يُخبر به أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وأنه أطلعه على بعض تفصيلات أحوال الناس!.

قال علماء اللجنة الدائمة:

ثانيا: إخباره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال له ” أنا خجلان من أفعال الناس القبيحة ولم أقدر أن أقابل ربي والملائكة ” فإنه من الزور والأخبار المنكرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم أحوال أمته بعد وفاته، بل لا يعلم منها أيام حياته في الدنيا إلا ما رآه بنفسه أو أخبره به من اطلع عليه من الناس، أو أظهره الله عليه، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال ( إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلًا )، ثم قرأ إلى أن قال ( ألا إنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول : يا رب أصحابي، فيقال: لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم ) رواه البخاري.

وعلى تقدير أنه يعلم أحوال أمته بعد وفاته: فلا يلحقه بذلك حرج، ولا يصيبه من وراء كثرة ذنوبهم ومعاصيهم إثم ولا خجل، وقد ثبت في حديث الشفاعة العظمى أن أهل الموقف كفاراً ومسلمين يستشفعون بالأنبياء واحدا بعد آخر حينما يشتد بهم هول الموقف فيعتذر كل منهم عن الشفاعة لهم عند الله ثم ينتهي أهل الموقف إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم فيسألونه أن يشفع لهم عند الله، فيستجيب لهم ولا يمنعه من الشفاعة لهم كثرة معاصيهم أو كفر الكافرين منهم ولا يخجل من ذلك، بل يذهب فيسجد تحت العرش ويحمد ربه ويثني عليه بمحامد يعلمه إياها حتى يأمره أن يرفع رأسه وأن يشفع لهم، وبعد ذلك ينصرفون للحساب والجزاء، ولم يمنعه شيء من ذلك من لقاء ربه ومقابلة الملائكة، ولم يلحقه منه عار.

الشيخ إبراهيم بن محمد آل الشيخ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن منيع. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 3 / 109 – 111 ).

وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

– ويدل على كذبها وبطلانها – سوى ما تقدم – أمور كثيرة:

الأول منها: قوله فيها ” لأن من الجمعة إلى الجمعة مات مائة وستون ألفًا على غير دين الإسلام ” لأن هذا من علم الغيب, والرسول صلى الله عليه وسلم قد انقطع عنه الوحي بعد وفاته, وهو في حياته لا يعلم الغيب فكيف بعد وفاته؛ لقول الله سبحانه ( قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ) الآية الأنعام/ 50، وقوله تعالى ( قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ) النمل/ 65، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( يذاد رجال عن حوضي يوم القيامة فأقول: يا رب أصحابي أصحابي, فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح ). ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 1 / 197 ، 198 ).

والعبد الصالح هو عيسى عليه السلام، وما قاله قد جاء في روايات أخرى وهو ما قاله الله تعالى عنه ( وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) المائدة/ 117.

خامسا:

وأما ما يستدل به بعضهم على صحة دعواه بحديث ( حيَاتِي خَير لَكُم تُحدِّثونَ ويُحدَّثُ لكم، وَوَفَاتي خيرٌ لكُم تُعرض عليَّ أعمالُكم فَمَا رَأَيْتُ مِنْ خَيْرٍ حَمدتُ الله عَلَيْهِ وَمَا رَأَيْتُ مِنْ شَرِّ استغْفَرْتُ الله لَكُم ) فالجواب عنه من وجهين:

الأول: أنه حديث ضعيف، وانظر تخريجه في ” سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ” للشيخ الألباني  ( 975 ).

الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أن أعمال أمته تُعرض عليه لا أنه يشاهدها، وليس في هذا ما يُستنكر، ولا شك أن الحديث لو صح فسيكون المعنى الأحوال العامَّة لا تفصيلات أعمال كل فرد في أمته.

 

والله أعلم.

 

هل كان عبد الله بن أبي سرح يحرِّف بعض الآيات في القرآن؟ وهل الحروف السبعة خارجة عن المصحف؟

التفريق بين عبد الله بن أبي سرح وغيره ممن ارتد وادَّعى أنه كان يحرِّف الوحي

السؤال:

عبد الله بن أبي السرح هو شخصية إسلامية جدلية في التاريخ الإسلامي حيث كان من كتَّاب الوحي ثم ارتد عن الاسلام، هل كان يحرِّف بعض الآيات في القرآن؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

ثمة خلط عند كثيرين بين شخصيتين ارتدتا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ومما جعل الأمر كذلك اشتراكهما في كتابة الوحي، ووقوع الردة منهما، إلا أن الحقيقة أنهما شخصيتان مختلفتان، فالأول هو ” عبد الله بن سعد بن أبي سرْح “، والثاني هو رجل نصراني لا يُعرف اسمه، والأول كان ارتد ثم رجع إلى الإسلام في ” فتح مكة “، والثاني بقي على ردته ومات ولفظته الأرض وكان آية للناس، والثاني هو الذي زعم أنه كان يغيِّر في كتابة الوحي ليس الصحابي الجليل عبد الله بن أبي السرح.

ثانيا:

أما الأول: فهو عبد الله بن سعد بن أبي سرح، أبو يحيى القرشي العامري، أخو عثمان بن عفان من الرضاعة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أهدر دمه، ثم استأمن له عثمان فأمَّنه النبي صلى الله عليه، وأسلم وحسن إسلامه.

عَنْ سَعْد بن أبي وقَّاص قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ أَمَّنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ إِلَّا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَسَمَّاهُمْ وَابْنُ أَبِي سَرْحٍ، قَالَ: وَأَمَّا ابْنُ أَبِي سَرْحٍ فَإِنَّهُ اخْتَبَأَ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَلَمَّا دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ جَاءَ بِهِ حَتَّى أَوْقَفَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ بَايِعْ عَبْدَ اللَّهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَأْبَى فَبَايَعَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ ( أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُومُ إِلَى هَذَا حَيْثُ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلُهُ ) فَقَالُوا: مَا نَدْرِي يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا فِي نَفْسِكَ أَلَا أَوْمَأْتَ إِلَيْنَا بِعَيْنِكَ قَالَ ( إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ ). رواه النسائي ( 4067 ) وأبو داود ( 2683 ) وصححه الألباني في ” صحيح النسائي “.

وقد ولاَّه عثمان رضي الله عنه على ” مصر “، وهو الذي قاد معركة ” ذات الصواري “، وقد غزا إفريقية ففتح كثيراً من مدنها، واعتزل فتنة علي ومعاوية رضي الله عنهما، ثم خرج إلى ” الرملة ” في ” فلسطين “، فلما كان عند الصبح قال ” اللهم اجعل آخر عملي الصبح ” فتوضأ ثم صلَّى فسلم عن يمينه ثم ذهب يسلم عن يساره فقبض الله روحه، وكان ذلك في سنة تسع وخمسين.

قال عنه الإمام الذهبي رحمه الله:

لم يتعدَّ، ولا فعل ما يُنقم عليه بعدها – أي: بعد فتح مكة -، وكان أحد عقلاء الرجال وأجوادهم. ” سير أعلام النبلاء ” ( 3 / 34 ).

– ولينظر ” الاستيعاب في معرفة الأصحاب ” لابن عبد البر ( 3 / 52 )، و ” الإصابة في تمييز الصحابة ” ( 4 / 110 ).

– ولم نقف على رواية صحيحة الإسناد أن عبد الله بن أبي سرح كان يحرِّف الوحي، وإنما في قصته أنه ” أزلَّه الشيطان “.

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِى سَرْحٍ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَزَلَّهُ الشَّيْطَانُ فَلَحِقَ بِالْكُفَّارِ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُقْتَلَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَاسْتَجَارَ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَأَجَارَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. رواه النسائي ( 4069 ) وأبو داود ( 4358 ) وحسَّنه الألباني في ” صحيح النسائي “.

ثالثا:

أما الثاني: فهو الرجل الذي كان نصرانيًّا ثم أسلم وارتدَّ على عقبه، وكان يقول إنه كان يغيِّر ما كان يلقيه عليه النبي صلى الله عليه وسلم من كلام، فأهلكه الله تعالى هلاكا يكون فيه عبرة لغيره من الشاتمين للرسول صلى الله عليه وسلم والطاعنين في دينه.

عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَجُلٌ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ وَقَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ، فَكَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَعَادَ نَصْرَانِيًّا فَكَانَ يَقُولُ: مَا يَدْرِى مُحَمَّدٌ إِلا مَا كَتَبْتُ لَهُ، فَأَمَاتَهُ اللَّهُ فَدَفَنُوهُ، فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ فَقَالُوا : هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ لَمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا فَأَلْقُوهُ، فَحَفَرُوا لَهُ فَأَعْمَقُوا فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ، فَقَالُوا : هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا لَمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ فَأَلْقَوْهُ، فَحَفَرُوا لَهُ وَأَعْمَقُوا لَهُ فِي الأَرْضِ مَا اسْتَطَاعُوا، فَأَصْبَحَ قَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ، فَعَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ فَأَلْقَوْهُ . رواه البخاري ( 3421 ) ومسلم ( 2781 ).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فهذا الملعون الذي افترى على النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما كان يدري إلا ما كتب له قصمه الله وفضحه بأن أخرجه من القبر بعد أن دفن مرارا، وهذا أمر خارج عن العادة يدل كل أحد على أن هذا كان عقوبة لما قاله وأنه كان كاذبا إذ كان عامَّة الموتى لا يصيبهم مثل هذا، وأن هذا الجرم أعظم من مجرد الارتداد؛ إذ كان عامة المرتدين يموتون ولا يصيبهم مثل هذا، وأن الله منتقم لرسوله صلى الله عليه وسلم ممن طعن عليه وسبَّه، ومظهر لدينه ولكذب الكاذب إذ لم يمكن الناس أن يقيموا عليه الحد.

” الصارم المسلول ” ( 1 / 122 ).

وقد اختلف العلماء في توجيه ما كان يفعله ذلك المرتد وقت إسلامه من التحريف، وأقوى ما قيل في ذلك: أنه لم يكن كاتباً للوحي المنزل من السماء، إنما كان كاتباً للنبي صلى الله عليه وسلم في رسائله للملوك والأمراء، وهذا ترجيح أبي جعفر الطحاوي رحمه الله، ويرجح شيخ الإسلام ابن تيمية أن ما كان يظنه تغييرا إنما هو حرف آخر من القرآن، ولا يمكن لأحدٍ أن يجرؤ على تحريف القرآن وهو يُتلى آناء الليل وأطراف النهار، وهو في صدور الذين أوتوا العلم، ولم يكن القرآن محصوراً في أوراق فقط وعند شخص واحد.

قال أبو جعفر الطحاوي – رحمه الله -:

فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أن الذي في هذا الحديث ليس من ذلك المعنى الذي ذكرناه في ذلك الباب، وذلك أن المعنى الذي ذكرناه في ذلك الباب هو في القرآن لا في غيره، والذي في الحديث الذي ذكرناه في هذا الباب قد يحتمل أن يكون فيما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُمليه على ذلك الكاتب من كُتبه إلى الناس في دعائه إياهم إلى الله عز وجل وفي وصفهم له ما هو جلَّ وعز عليه من الأشياء التي كان يأمر ذلك الكاتب بها ويكتب الكاتب خلافها مما معناها معناها إذا كانت كلها من صفات الله عز وجل، فبان بحمد الله ونعمته أن لا تضاد في شيء من ذلك ولا اختلاف، والله عز وجل نسأله التوفيق. ” بيان مشكل الآثار ” ( 8 / 55 ).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

والأشبه والله أعلم هو الوجه الأول، وأنَّ هذا كان فيما أنزل القرآن فيه على حروف عدة، فإن القول المرضي عند علماء السلف الذي يدل عليه عامة الأحاديث وقراءات الصحابة: أن المصحف الذي جمع عثمانُ الناسَ عليه هو أحد الحروف السبعة، وهو العرضة الأخيرة، وأن الحروف السبعة خارجة عن هذا المصحف، وأن الحروف السبعة كانت تختلف الكلمة مع أن المعنى غير مختلف ولا متضاد.

” الصارم المسلول ” ( 1 / 131 ).

 

والله أعلم.