كان يتصدق على الناس فخرج من عمله وكثرت ديونه فهل يطلب ممن أعطاهم مساعدته؟

السؤال

كنت موظفًا بشركة كبيرة، وكان راتبي ودخلي مرتفعًا جدًّا، وكنت قد نويت أن أخرج مبلغًا ماليًّا شهريًّا من راتبي، وبالفعل كنت أقوم بذلك بطريقة معينة، يعني: كنت أستدين مبلغًا كبيرًا من المال، وأسدده بالتقسيط من راتبي، ولم يكن ذلك يزعجني، وقد كنت أستدين حتى تكون مساعدتي للفقير مجزية، كأن أزوِّج أحدًا، أو أساعد إحدى العوائل في شراء منزل، وهكذا، واستمررت على هذه الطريقة مدة 5 سنوات، وفي آخر مرة اضطررت لأن أترك العمل، فلم أستطع تسديد ديوني بالشكل المتناسق الذي كنت قد تعودت عليه، فبدأ الدائنون يطالبوني بالمال، وعندما علم أهلي بذلك أنبوني على أن ما فعلته لا يجوز، وأنه يجب عليَّ أن أطالب من ساعدته ببعض المال حتى أسدد ديوني، وأنا لا أريد فعل ذلك، وأريد أن أسددها بنفسي، ولكن مع الوقت، فهل عليَّ إثم إذا أخرت سداد الدين لبعض الوقت، مع العلم أني أمر بضائقة مالية كبيرة في الوقت الحالي؟ فما يجب عليَّ أن أفعل؟ .

الجواب

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله تعالى أن يعوضك خيرًا مما أنفقت، وأن يعجل لك ذلك في دنياك قبل أخراك، ونسأله تعالى أن لا تلقاه وعليك ديْن لأحد.

ولا نخفيك أن ما فعلتَه فيه صواب، وفيه خطأ، أما الصواب: فهو نيتك الطيبة في إعانة الآخرين، ورجاحة عقلك في أن تكون الأعطية مجزية، وبخاصة أن يتعلق ذلك بفرج تعفه، أو أسرة تستر عليها بمسكنٍ، وأما ما أخطأتَ به: فهو استدانتك من أجل ذلك الفعل الجليل وهو إعانة الناس، وكان يسعك أن تبذل من مالك ما تجود به نفسك عندما يكون راتبك في يدك، دون أن تستدين من قبل أن تقبض راتبك.

* وفي قضيتك هذه مسائل وأحكام:

  1. أنك تذكر من نفسك عجزًا عن سداد ديونك، فأنت غير واجد لمال الناس، فلستَ ظالمًا.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ ). رواه البخاري ( 2166 ) ومسلم ( 1564 ).

* قال النووي – رحمه الله -:

قال القاضي وغيره: المطل: منع قضاء ما استحق أداؤه، فمطل الغني: ظلم، وحرام، ومطل غير الغني: ليس بظلم، ولا حرام؛ لمفهوم الحديث، ولأنه معذور. ” شرح مسلم ” ( 10 / 227 ).

  1. كما أنه لا يحل للدائنين الطعن فيك، ولا عقوبتك؛ لأنك لا تجد ما تقضي به ديْنك.

عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ ). رواه أبو داود ( 3628 ) والنسائي ( 4689 ) وابن ماجه (2427 )، وحسَّنه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

– اللَّي: الامتناع والمماطلة في سداد الدين.

– عِرْضه: شِكَايَته.

– وَعُقُوبته: تعزيره، وحَبْسُه.

  1. الواجب على الدائنين إمهالك حتى تكون قادرًا على قضاء الدَّين.

قال تعالى: ( وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) البقرة/ 280.

* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

أي: وإن كان الذي عليه الدين معسرًا، لا يقدر على الوفاء: وجب على غريمه أن ينظره إلى ميسرة، وهو يجب عليه إذا حصل له وفاء بأي طريق مباح: أن يوفي ما عليه، وإن تصدق عليه غريمه – بإسقاط الدين كله، أو بعضه -: فهو خير له.

” تفسير السعدي ” ( ص 959 ).

  1. والبشرى لك في أن الله تعالى قد وعد بأن من يأخذ مال الناس يريد أداءه: أنه تعالى يعينه على سداده في الدنيا، أو يؤديها عنك في الآخرة، بإسقاط الإثم، وإرضاء المدين.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ ).

رواه البخاري ( 2257 ).

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ولكن بشرى للإنسان: أنه إذا أخذ أموال الناس يريد أداءها: أدى الله عنه، وإذا أخذها يريد إتلافها: أتلفه الله، فإذا أخذت أموال الناس بقرضٍ، أو ثمن مبيع، أو أجرة بيت، أو غير ذلك، وأنت تريد الأداء: أدَّى الله عنك، إما في الدنيا يعينك حتى تسدد، وإما في الآخرة، صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، أما المتلاعب بأموال الناس، والذي يأخذها، ولا يريد أداءها، ولكن يريد إتلافها: فإن الله يتلفه، والعياذ بالله.

” شرح رياض الصالحين ” ( 6 / 32 ).

ثانيًا:

وأما ما اقترحه عليه أهلك من مطالبة مَن كنت ساعدته في سالف الأيام: فهو اقتراح في غير محله، وهو دلالة لك على سبيل من سبل الإثم، فاحذر من الاستجابة لمطلبهم، وأنت كنتَ تريد ما عند الله من الأجور والثواب ببذلك ذلك المال، ولم تعطه لهم قاصدًا المنَّة، ولا هو بقرضٍ تطلب منهم سداده، والعائد في هبته التي بذلها مرتكب لإثم، وحاشاك أن تكون ممن يفعل ذلك.

قال تعالى مبيِّنًا حال المؤمن عند الإنفاق: ( إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورا ) الإنسان/ 9.

ومطالبة أولئك الذين أحسنتَ إليهم بشيءٍ مما بذلته لهم: هو من الأذى الذي نهيتَ عنه، والذي يسبب بطلانًا للصدقة، قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ) البقرة/ من الآية 264.

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

يمدح تعالى الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله، ثم لا يُتبعون ما أنفقوا من الخيرات والصدقات منًّا على مَن أعطوه، فلا يمنُّون على أحد، ولا يمنُّون به، لا بقول، ولا فعل.

وقوله: ( وَلاَ أَذَى ) أي: لا يفعلون مع مَن أحسنوا إليه مكروهًا يحبطون به ما سلف من الإحسان. ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 693 ).

ولا يحل لمن بذل صدقة في سبيل الله أو أهدى هدية أن يرجع بها، ولا أن يشتريها.

عَنْ عُمَرَ بنِ الخطَّاب أَنَّهُ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَوَجَدَهُ عِنْدَ صَاحِبِهِ وَقَدْ أَضَاعَهُ وَكَانَ قَلِيلَ الْمَالِ فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: ( لَا تَشْتَرِهِ وَإِنْ أُعْطِيتَهُ بِدِرْهَمٍ ( ولا تعُد في صدقتك ) فَإِنَّ مَثَلَ الْعَائِدِ فِي صَدَقَتِهِ كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ ).

رواه البخاري ( 1419 ) و ( 2841 ) ومسلم ( 1620 ) و ( 1622 ).

 

– واستعن بالله ربك على أداء ديونك، ونسأل الله لك التوفيق والسداد.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة