الرئيسية بلوق الصفحة 141

ما الحكمة من تكرار لفظ ” الناس ” في سورة ” الناس “؟.

ما الحكمة من تكرار لفظ ” الناس ” في سورة ” الناس “؟.

السؤال:

ما الحكمة من ذكر الناس في سورة الناس وتكرارها أكثر من مرة؟

 

الجواب:

الحمد لله

الاستعاذة في هذه السورة بـ ( رب الناس، ملك الناس، إله الناس )، وهي صفات الله التي تقتضي استعاذة العباد به سبحانه وتعالى، فالرب هو القائم بالعباد والمحيط بهم، والملك هو الحاكم المتصرف، والإله هو المعبود بالمحبة والتعظيم، وهذه الصفات فيها حماية من الشر الذي يتطرق إلى بني آدم من شياطين الإنس والجن.

إذن فكل جملة من هذه الجمل ( رب الناس، ملك الناس، إله الناس ) جاءت لتستوجب من العباد الاستعاذة بالخالق عز وجل وحده صاحب هذه الصفات، فهي زيادة بيان لما يستوجب إفراد الله بالاستعانة والاستعاذة.

ولما كان البيان مسوقًا لزيادة التوضيح، ناسب أن يساق بسياق ظاهر فيه مزيد تصريح وإظهار، وليس بأسلوب الإضمار والإشارة والخفاء، فتكرر لفظ ” الناس ” لهذه الحكمة، زيادة التوضيح والبيان.

يقول الله تعالى: ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ . مَلِكِ النَّاسِ . إِلَهِ النَّاسِ . مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ. الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ . مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ) [ الناس / الآية 1 – 6 ].

يقول الزمخشري:

” فإن قلت: ( مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ ) ما هما من ( رب الناس ) ؟

قلت: هما عطف بيان، كقولك: سيرة أبي حفص عمر الفاروق، بَيَّنَ بـ ( ملك الناس )، ثم زيد بياناً بـ ( إله الناس )؛ لأنه قد يقال لغيره: رب الناس، كقوله: ( اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مّن دُونِ اللَّهِ ) [ التوبة / من الآية 31 ].

وقد يقال: ملك الناس. وأمّا ( إِلَهِ النَّاسِ ) فخاص لا شركة فيه، فجعل غاية للبيان.

فإن قلت: فهلا اكتفى بإظهار المضاف إليه الذي هو ” الناس ” مرّة واحدة؟.

قلت: لأنّ عطف البيان للبيان، فكان مظنة للإظهار دون الإضمار ” انتهى.

” الكشاف ” (4/828 – 829).

وجاء في تفسير “مفاتيح الغيب” (32/180-181):

” قوله تعالى: ( مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ ) هما عطف بيان، كقوله سيرة أبي حفص عمر الفاروق، فوصف أولاً بأنه رب الناس، ثم الرب قد يكون ملكا، وقد لا يكون، كما يقال: رب الدار، ورب المتاع، قال تعالى: ( اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مّن دُونِ اللَّهِ ) ، فلا جرم بينه بقوله: ( مَلِكِ النَّاسِ ) ثم الملك قد يكون إلهاً وقد لا يكون، فلا جرم بَيَّنَه بقوله: ( إِلَهِ النَّاسِ ) لأن الإله خاص به، وهو سبحانه لا يشركه فيه غيره، وأيضاً بدأ بذكر الرب وهو اسم لمن قام بتدبيره وإصلاحه، وهو من أوائل نعمه إلى أن رباه وأعطاه العقل، فحينئذ عرف بالدليل أنه عبد مملوك، وهو ملكه، فثنى بذكر الملك، ثم لما علم أن العبادة لازمة له واجبة عليه وعرف أن معبوده مستحق لتلك العبادة عرف أنه إله فلهذا ختم به.

وأيضا أول ما يعرف العبد من ربه كونه مطيعا لما عنده من النعم الظاهرة والباطنة، وهذا هو الرب، ثم لا يزال يتنقل من معرفة هذه الصفات إلى معرفة جلالته واستغنائه عن الخلق، فحينئذ يحصل العلم بكونه ملكاً، لأن الملك هو الذي يفتقر إليه غيره، ويكون هو غنيًّا عن غيره، ثم إذا عرفه العبد كذلك عرف أنه في الجلالة والكبرياء فوق وصف الواصفين، وأنه هو الذي ولهت العقول في عزته وعظمته، فحينئذ يعرفه إلها.

السبب في تكرير لفظ ( الناس ) أنه إنما تكررت هذه الصفات لأن عطف البيان يحتاج إلى مزيد الإظهار، ولأن هذا التكرير يقتضي مزيد شرف الناس، لأنه سبحانه كأنه عرف ذاته بكونه ربًّا للناس، ملكا للناس، إلها للناس، ولولا أن الناس أشرف مخلوقاته وإلا لما ختم كتابه بتعريف ذاته بكونه ربًّا وملكاً وإلهاً لهم ” انتهى.

ويقول العلامة الطاهر ابن عاشور – رحمه الله -:

” ( مَلِكِ النَّاسِ ) عطف بيان من ( رَبِّ النَّاسِ )، وكذلك ( إِلَهِ النَّاسِ )، فتكرير لفظ ( الناس ) دون اكتفاء بضميره لأن عطف البيان يقتضي الإظهار ليكون الاسم المبيِّنُ مستقلًا بنفسه؛ لأن عطف البيان بمنزلة عَلَمٍ للاسم المبيَّن …. وتكرير كلمة ( النَّاسِ ) في هذه الآيات المرتين الأوليين باعتبار معنى واحد إظهار في مقام الإضمار لقصد تأكيد ربوبية الله تعالى وملكه وإلهيته للناس كلهم، كقوله تعالى: (يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنْ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنْ الْكِتَابِ) [ آل عمران / من الآية 78 ]، وأما تكريره المرة الثالثة بقوله: ( فِي صُدُورِ النَّاسِ ) فهو إظهار لأجل بعد المعاد، وأما تكريره المرة الرابعة بقوله: ( مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ) فلأنه بيان لأحد صنفي الذي يوسوس في صدور الناس، وذلك غير ” ما صدق ” كلمة ( النَّاسِ ) في المرات السابقة، والله يكفينا شر الفريقين، وينفعنا بصالح الثقلين ” انتهى.

” التحرير والتنوير” (30/555 – 556).

 

 

 

 

وجاء في لمسات بيانية لفاضل السامرائي – (ج 1 / ص 447):

وردت كلمة الناس ( 3 مرات ) في السورة وكل منها تعني مجموعة من الناس مختلفة عن غيرها نوضحها فيما يلي:

كلمة ” الناس ” تُطلق على مجموعة قليلة من الناس أو واحد من الناس أو كل الناس.

والربّ هو مُرشد مجموعة من الناس قد تكون قليلة أو كثيرة، أما الملك فناسه أكبر من ناس المربي وأما الإله فهو إله كل الناس وناسه الأكثر حتما. فلو جاءت الآيات برب الناس وملكهم وإلههم لعاد المعنى كله إلى المجموعة الأولى من الناس ( ناس الرّب ) دون أن يشمل غيرهم ولما تحدد أي مجموعة من الناس. لذلك لا يغني الضمير هنا، بل لا بد من تكرار المضاف إليه مذكورا صريحًا، لأن لكل معنى مختلف.

وكلمة الناس من حيث دلالتها العديدة في السورة تنتقل على عكس كلمة الرب والملك والإله من القلّة إلى الكثرة. فالتدرج في الصفات بدأ من الكثرة إلى القلة، أما في المضاف إليه ( الناس ) فبالعكس من القلة إلى الكثرة، فناس المربي أقل، وناس الملك أكثر، وناس الإله هم الأكثر.

ولم تأتي الآيات في السورة بواو العطف فيما بينها ولا يجوز أصلا أن يقول: ( برب الناس وملك الناس وإله الناس ) وإنما جاءت ( قل أعوذ برب الناس* ملك الناس* إله الناس ) وهذا حتى لا يُظنّ أنهم ذوات مختلفة لأنها هي ذات واحدة فهو سبحانه المربي وهو الملك وهو الإله الواحد. وحتى لا يُظن أن المقصود أكثر من واحد، بل هو واحد سبحانه، فمن أراد الرب يقصد رب الناس ومن أراد الملِك يقصد ملك الناس ومن أراد الإله يقصد إله الناس فلا إله إلا الله.

 

والله أعلم.

على أي هيئة يدخل الجن الجنة؟.

على أي هيئة يدخل الجن الجنة؟.

السؤال:

الناس تدخل الجنة على هيئة يوسف عليه السلام، ولكن على أي هيئة يدخل الجن الجنة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

ورد في دخول المؤمنين الجنة على حسن يوسف عليه السلام حديثان اثنان:

الحديث الأول: يرويه ابن أبي الدنيا في “صفة الجنة” (رقم/210) فيقول:

حدثنا القاسم بن هاشم، ثنا صفوان بن صالح، قال: حدثني رواد بن الجراح العسقلاني، ثنا الأوزاعي، عن هارون بن رئاب، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

” يدخل أهل الجنةِ الجنةَ على طول آدم عليه السلام، ستون ذراعًا بذراع الملك، على حسن يوسف، على ميلاد عيسى ثلاث وثلاثون سنة، وعلى لسان محمد صلى الله عليه وسلم، جرد مرد مكحلون “.

الأجرد: الذي لا شعر على جسده. المرد: جمع أمرد وهو الشاب الذي لم تنبت لحيته.

قلت: ولكن هذا إسناد ضعيف، فقد اختلف في سماع هارون بن رئاب – الثقة العابد – من أنس بن مالك – رضي الله عنه -.

ورواد بن الجراح الشامي ضعفه كثير من أهل العلم، وأخذوا عليه وجود المناكير والتفردات والمخالفات في حديثه، قال البخاري: كان قد اختلط، لا يكاد يقوم حديثه، ليس له كبير حديث قائم. وقال أبو حاتم: تغير حفظه في آخر عمره، وكان محله الصدق. وقال النسائي: ليس بالقوي، روى غير حديث منكر، وكان قد اختلط. وقال أبو أحمد ابن عدى: عامة ما يرويه لا يتابعه الناس عليه، وكان شيخًا صالحًا، وفى حديث الصالحين بعض النكرة، إلا أنه يكتب حديثه. وذكره ابن حبان في كتاب ” الثقات ” وقال: يخطئ ويخالف. وقال يعقوب بن سفيان: ضعيف الحديث. وقال الدارقطني: متروك. وقال أبو أحمد الحاكم: تغير بآخرة، فحدَّثَ بأحاديثَ لم يتابع عليها. انظر: ” تهذيب التهذيب ” (3/289).

 

 

 

 

 

الحديث الثاني:

عن المقدام بن معدي كرب – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” يُحْشَرُ مَا بَيْنَ السِّقْطِ إِلَى الشَّيْخِ الْفَانِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي خَلْقِ آدَمَ، وَقَلْبِ أَيُّوبَ، وَحُسْنِ يُوسُفَ، مُرْدًا مُكَحَّلِينَ “. قُلْنَا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! فَكَيْفَ بِالْكَافِرِ؟ قَالَ: يُعَظَّمُ لِلنَّارِ حَتَّى يَصِيرَ غِلَظُ جِلْدِهِ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا، وَقَرِيضَةُ النابِ مِنْ أَسْنَانِهِ مِثْلُ أُحُدٍ”.

ورد هذا الحديث من طرق ثلاثة:

1- من طريق يزيد بن سنان أبو فروة الرهاوي، قال حدثني أبو يحيى الكلاعي، عن المقدام به.

– رواه الفسوي في “المعرفة والتاريخ” (2/95)، وابن قانع في “معجم الصحابة” (3/106)، والطبراني في “المعجم الكبير” (20/280)، والبيهقي في “البعث والنشور” (رقم/410)، والديلمي في “مسند الفردوس” (8785)، وابن عساكر في “تاريخ دمشق” (60/184،193)، وعزاه ابن حجر في “المطالب العالية” (رقم/4750) لأبي يعلى الموصلي.

قلت: وهذا إسناد ضعيف بسبب يزيد بن سنان، قال أحمد وابن المديني والنسائي: ضعيف. وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء. وقال ابن عدي: عامة أحاديثه غير محفوظة. وانظر: “تهذيب التهذيب” (11/336).

قال الهيثمي في “مجمع الزوائد” (10/334):

” رواه الطبراني، وفيه يزيد بن سنان أبو فروة الرهاوي، وهو ضعيف، وفيه توثيق لين ” انتهى.

2- الطريق الثاني عن إسحاق بن إبراهيم بن زبريق الحمصي، ثنا عمرو بن الحارث، عن عبد الله بن سالم، عن محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي، ثنا سليم بن عامر، أن المقدام بن معدي كرب: حدثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” ما من أحد يموت سقطًا ولا هرمًا – وإنما الناس فيما بين ذلك – إلا بعث ابن ثلاثين سنة، فمن كان من أهل الجنة كان على مسحة آدم، وصورة يوسف، وقلب أيوب، ومن كان من أهل النار عظموا وفخموا كالجبال “.

رواه الطبراني في “المعجم الكبير”(20/280)، والبيهقي في “البعث والنشور” (رقم/411)

قال الشيخ الألباني – رحمه الله -:

” السند ليس بصحيح، وذلك لأمرين:

الأول: أن عمرو بن الحارث الحمصي لم تثبت عدالته. قال الذهبي: ” روى عن عبد الله بن سالم الأشعري فقط، وله عنه نسخة، تفرد بالرواية عنه إسحاق بن إبراهيم، زبريق، ومولاة له اسمها علوة، فهو غير معروف العدالة، وزبريق ضعيف “، وقال الحافظ: ” مقبول ” يعني عند المتابعة، وقد توبع عليه كما يأتي.

والآخر: أن إسحاق بن إبراهيم مختلف فيه، وقد رأيت آنفًا جزم الذهبي بأنه ضعيف، ومثله قول الحافظ وفيه بيان السبب: ” صدوق يهم كثيرًا، وأطلق محمد بن عوف أنه يكذب ” انتهى. ” السلسلة الصحيحة ” (6/47).

وقال ابن كثير – رحمه الله – عن الطريق الأول والثاني:

” فيهما ضعف ” انتهى. ” النهاية ” (273).

3- الطريق الثالث رواه أبو نعيم في ” صفة الجنة ” (رقم/268) قال: حدثنا أبو محمد بن ماسي، ثنا أحمد بن أبي عوف، ثنا عيسى بن مساور، ثنا الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن سليم بن عامر، عن المقدام بن معدي كرب به.

قال الشيخ الألباني في “السلسلة الصحيحة” (6/45):

” الإسناد صحيح لولا عنعنة الوليد بن مسلم ” انتهى.

فالحاصل أن أفراد أسانيد هذه الأحاديث ضعيفة، ولكنها قد تتقوى بمجموعها، ولذلك حسن المنذري الحديث في “الترغيب والترهيب” (4/274)، وصححه الشيخ الألباني في “السلسلة الصحيحة” (رقم/2512).

ثانيًا:

أما الجن فلم نقف على خبر خاص يبين الهيئة التي يدخل عليها مؤمنوهم الجنة، فالواجب ترك ذلك إلى علم الله تعالى، والاهتمام بالعلم النافع الذي يُبنَى عليه عمل، وترك الاشتغال بشوارد المعلومات على حساب أصول العلم وأسسه التي لا يدرك المرء ضبطها جميعها وإتقانها لضيق العمر عنها، فكيف يشتغل العاقل بما هو دونها؟!!.

وقد يقال بأن الجن يدخلون الجنة أيضًا على حسن يوسف، لأن ألفاظ الحديث الواردة عامة، لكن يعترض على ذلك بأمرين:

  • السياق وارد في الإنس وليس في الجن.
  • ضعف أفراد طرق الحديث تضعف الاستدلال بألفاظه الخاصة.

 

والله أعلم.

نبذة عن جماعة ” النورسية ” أتباع الشيخ سعيد النورسي

نبذة عن جماعة ” النورسية ” أتباع الشيخ سعيد النورسي

السؤال:

أود أن أسأل عن جماعة ” النورسية “، ما لها، وما عليها، وهل كتبهم تعد من الكتب الإسلامية؟ وهل يجوز لنا قراءتها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

جاء في ” الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة ” ( 1 / 328 – 333 ):

النورسية: جماعة دينية، إسلامية، هي أقرب في تكوينها إلى الطرق الصوفية منها إلى الحركات المنظمة، ركَّز مؤسسها على الدعوة إلى حقائق الإيمان، والعمل على تهذيب النفوس، مُحْدِثاً تياراً إسلاميًّا ، في محاولة منه للوقوف أمام المد العلماني، الماسوني، الكمالي، الذي اجتاح تركيا عقب سقوط الخلافة العثمانية، واستيلاء ” كمال أتاتورك ” على دفة الحكم فيها.

المؤسس هو: الشيخ سعيد النورسي 1873 – 1960م، ولد من أبوين كرديين، في قرية ” نورس ” القريبة من بحيرة ” وان “، في مقاطعة ” هزان ” بإقليم ” بتلس ” شرقي الأناضول، تلقى تعليمه الأولي في بلدته، ولما شبَّ ظهرت عليه علامات الذكاء، والنجابة، حتى لُقِّب بـ ” بديع الزمان ” و” سعيدي مشهور “.

– في الثامنة عشر من عمره ألَمَّ بالعلوم الدينية، وبجانب كبير من العلوم العقلية، وعرف الرماية، والمصارعة، وركوب الخيل، فضلا عن حفظه القرآن الكريم، آخذا نفسه بالزهد والتقشف.

– عندما دخل ” الحلفاء ” استانبول محتلين: كان في مقدمة المجاهدين ضدهم.

– في عام ( 1908 م ) بعد الإطاحة بالسلطان عبد الحميد بتآمر من ” جمعية الاتحاد والترقي ” التي رفعت شعار ( الوحدة، الحرية، الإصلاحية ) لتخفي وراءه دسائسها ومؤامراتها على الإسلام والمسلمين: ألّف بديع الزمان جمعية ” الاتحاد المحمدي “، واستخدموا نفس شعارات الاتحاديين، ولكن بالمفهوم الإسلامي؛ كشفاً لخدعهم التي يتسترون خلفها، وتجلية لحقيقتهم الماسونية.

– لقد كان العلمانيون الذين حكموا ” تركيا ” بعد زوال الخلافة يخشون من دعوته، ويعارضونها أشد المعارضة، فما كان منهم إلا أن استغرقوا حياته بالسجن، والتعذيب، والانتقال من سجن إلى منفى، ومن منفى إلى محاكمة.

– عاش آخر عمره في ” إسبارطة ” منعزلاً عن الناس، وقبل ثلاثة أيام من وفاته: اتجه إلى ” أورفه ” دون إذن رسمي، حيث عاش يومين فقط، فكانت وفاته في اليوم السابع والعشرين من شهر رمضان سنة ( 1379هـ ).

– قال بديع الزمان للمحكمة عندما كان مسجونا في سجن ” اسكشير “: ” لقد تساءلتم هل أنا ممن يشتغل بالطرق الصوفية، وإنني أقول لكم: إن عصرنا هذا هو عصر حفظ الإيمان لا حفظ الطريقة، وإن كثيرين هم أولئك الذين يدخلون الجنة بغير طريقة، ولكن أحداً لا يدخل الجنة بغير إيمان “.

– إن التهم الرئيسية التي كانت توجه إلى ” بديع الزمان ” في المحاكمات يمكن تلخيصها فيما يلي:

  1. العمل على هدم الدولة العلمانية، والثورة الكمالية.
  2. إثارة روح التدين في تركيا.
  3. تأليف جمعية سرية.
  4. التهجم على مصطفى كمال أتاتورك.

لكنه كان يتصدى لهذه التهم بمنطق بليغ من الحجة والبرهان حتى أصبحت هذه المحاكمات مجال دعاية له تزيد في عدد أتباعه.

– لقد كرس المؤسس نشاطه ودعوته على مقاومة المد العلماني الذي تمثل في:

  1. إلغاء الخلافة العثمانية.
  2. استبدال القوانين الوضعية – والقانون السويسري المدني تحديدا – بالشريعة الإسلامية.
  3. إلغاء التعليم الديني.
  4. منع الكتابة بالحروف العربية وفرضها بالحروف اللاتينية.
  5. تغيير الأذان من الكلمات العربية إلى الكلمات التركية.
  6. فرض النظرية الطورانية ” وأن الترك أصل الحضارات “.
  7. إلزام الناس بوضع القبعة غطاء للرأس.
  8. جعل يوم الأحد يوم العطلة الرسمية بدلاً من يوم الجمعة.
  9. ارتداء الجبَّة السوداء، والعمامة البيضاء مقصور على رجال الدين.
  10. ترجمة القرآن إلى اللغة التركية، وذلك عام ( 1350هـ / 1931م ) ، وتوزيعه في المساجد.
  11. تحريم الاحتفال بعيدي الأضحى، والفطر، وإلغاء التقويم الهجري، وإحداث تغييرات في نظام المواريث.
  12. الاتجاه نحو الغرب، ومحاكاته في عاداته، وتقاليده، واهتماماته.
  13. طمس العقيدة الإسلامية في نفوس الناس بعامة، والناشئة بخاصة.

– يمتاز شباب هذه الجماعة بالعفة، والنظافة، شباب قابض على دينه، في عصر شاعت فيه الفتن، والإغراءات، والانحلال.

 

 

– هذا، وثمة بعض المآخذ على هذه الجماعة:

  1. أن هذه الجماعة لم تُعن بنشر عقيدة السلف، والتوحيد الخالص، بين أتباعها، وبين عوام المسلمين ممن يحتاجون إلى تصحيح عقائدهم قبل شغلهم بأمور أخرى.

بل تبنت عقيدة ” الماتريدية ” التي كانت تُدعم من قبل الدولة العثمانية؛ فلم تحاول التخلص من هذه العقيدة البدعية.

  1. أنهم لم يستطيعوا تأسيس عمل إسلامي منظم يستطيع التصدي للمكر اليهودي الذي كان متغلغلاً في معظم نواحي الحياة السياسية المعادية للإسلام والمسلمين إذ ذاك، لكن الإنصاف يقتضينا أن نقر بأن الظروف المحيطة بنشأة هذه الجماعة لم تكن مواتية لها للظهور في غير الشكل الذي ظهرت فيه.
  2. أن اشتراك بديع الزمان مع آخرين في تأليف ” جمعية الاتحاد المحمدي ” ليس أكثر من رد فعل، سرعان ما انفرطت، فضلا عن استعداء الاتحاديين عليه، وتركيزهم الكيد، والتآمر للقضاء عليه، وعلى دعوته.
  3. إن تخلي هذه الجماعة عن السياسة واتخاذ سعيد النورسي شعار ” أعوذ بالله من الشيطان والسياسة ” وذلك منذ عام ( 1921م ) : قد ترك أثراً سلبيًّا على أتباعها إذ وقع بعضهم فريسة لأحزاب علمانية.
  4. يؤخذ على الشيخ تخليه عن مساندة الشيخ سعيد الكردي الذي قام بثورة ضد مصطفى كمال أتاتورك سنة ( 1925م ) واقفاً إلى جانب الخلافة، وقد حدثت معارك رهيبة بينه وبين الكماليين في منطقة ” ديار بكر ” سقط فيها آلاف من المسلمين.
  5. ويأتي هذا الموقف انطلاقًا من فكره في وجوب جهاد النفس أولاً، ثم الدعوة إلى تنوير الأفكار، وقد نادت الجماعة بإصلاح القلوب وعدم الدخول في معارك داخلية مع المخالفين المسلمين سواء كانوا حكاماً، أو محكومين، والتزام طريق الدعوة السلمية، والتطور التدريجي، ولا يلجأ إلى الجهاد المسلح إلا ضد العدو الخارجي من الكفار، والزنادقة.
  6. لدى بعض أفراد ” جماعة النور ” – مؤخرا – شعور بالانعزالية، والاستعلاء، وهذا أفقدهم القدرة على التغلغل بين طبقات الشعب المسلم لدعوته وتوعيته.

– بلغ عدد أعضائها أكثر من مليون شخص، يقضي أحدهم عمره في استنساخ ” رسائل النور “، وتوزيعها، وكانت الفتيات نشيطات في ذلك كثيرا.

انتهى باختصار وتصرف يسير.

 

 

 

 

 

ولما سبق ذِكره فإننا لا ننصح بقراءة كتب هذه الجماعة لما تتبناه من اعتقاد مخالف لأهل السنَّة والجماعة، وجهود شيخهم في نصرة الإسلام مشكورة، ونسأل الله أن يثيبه عليها، لكن هذا لا يجعلنا نزكي اعتقاده المخالف، ولا نزكي من بعده ممن هو على من جماعته، وقد افترق أتباعه كثيراً، ولا يمكن جمعهم في سياق واحد، وإنما يكون الحكم على كل واحد منهم أو طائفة بحسب ما يُظهر من اعتقاد، أو منهج.

 

والله أعلم.

هل ثبت شيء في ” الملائكة الكروبيون “؟

هل ثبت شيء في ” الملائكة الكروبيون “؟

السؤال:

من هم الملائكة الكروبيون؟ حيث أن الشيخ الألباني – رحمه الله – أنكر هذا الاسم في فتاوى ” جدة ” الشريط رقم ( 17 ) ؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

الإيمان بالملائكة من أركان ديننا الحنيف، قال تعالى: ( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ) [ البقرة / من الآية 285 ] ، وقد ثبت ذلك في السنَّة الصحيحة، وعليه أجمع المسلمون، وقد ذكرنا كثيراً من المسائل المتعلقة بالملائكة، من حيث خلقهم، وصفاتهم، ووظائفهم.

ثانيا:

ما يُطلق عليه ” الملائكة الكَروبيُّون ” ليس له أصل في الأحاديث النبوية الصحيحة، وغاية ما جاء ذِكرهم فيه: أحاديث ضعيفة جدًّا، وموضوعة، وآثار عن السلف، وطائفة من المفسرين، وقد ذكر بعض العلماء أن الكروبيين هم:

من يكون حول عرش الرحمن، أو هم الحملة أنفسهم، وقال آخرون: بأنهم سادة الملائكة وعظماؤهم، وقال فريق ثالث: إنهم ملائكة العذاب، ومثل هذا الأمر هو من الغيب الذي لا يجوز إثباته إلا بوحي من الله، ولم يثبت في ذلك شيء، فلا نثبته، ولا نعتقده.

أ. ما ورد فيهم من أحاديث غير صحيحة:

  1. عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن لله ملائكة وهم الكروبيون من شحمة أذن أحدهم إلى ترقوته مسيرة خمسمائة عام للطائر السريع في انحطاط “.

والحديث حكم عليه الشيخ الألباني بأنه ضعيف جدًّا، وقال:

رواه ابن عساكر ( 12 / 231 / 2 ) عن محمد بن أبي السري: أخبرنا عمرو بن أبي سلمة عن صدقة بن عبد الله القرشي عن موسى بن عقبة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله مرفوعًا وقال: ” روى إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة شيئًا من هذا “. قلت: وهذا سند واهٍ جدًّا، وله علتان:

الأولى: محمد بن أبي السري، وهو متهم.

والأخرى: صدقة هذا وهو الدمشقي السمين وهو ضعيف، ووقع في السند ” القرشي، ولم ترد هذه النسبة في ترجمته من ” التهذيب “، فلعله تحرف على الناسخ نسبته ” الدمشقي ” بالقرشي، والله أعلم.

وقد خالفه إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة به بلفظ: ” أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله تعالى من حملة العرش، ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة سنة “. وهو بهذا اللفظ صحيح كما قد بينته في ” الأحاديث الصحيحة ” رقم ( 151 ).

” سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ” ( 2 / 323 ، حديث 923 ).

  1. وذكر ابن الجوزي في ” بستان الواعظين ورياض السامعين ” ( ص 20 ) حديثا طويلا، وفيه موت الملائكة، ومنه:

” وتموت ملائكة السبع سموات، والحجب، والسرادقات، والصادقون، والمسبحون، وحملة العرش، والكرسي، وأهل سرادقات المجد، والكروبيون، ويبقى جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت عليه السلام … . “. انتهى.

والحديث ليس له إسناد، والكتاب مظنة الضعيف، والموضوع.

ب. ما جاء ذِكرهم فيه من كلام السلف ومن بعدهم:

  1. قال الخطابي – رحمه الله -:

الملائكة الكَرُوبيّون، وهم: المُقَرّبون، وقال بعضهم: إنما سُمُّوا: ” كَرُوبيين ” لأنهم يُدْخِلون الكَرْب على الكفار.

وليس هذا بشيء.

” غريب الحديث ” ( 1 / 440 ).

  1. وقال ابن الأثير – رحمه الله -:

في حديث أبي العالية: ” الكروبيون سادة الملائكة ” هم المقربون، ويقال لكل حيوانٍ وَثِيْقِ المفاصل: إنه لمُكْرَب الخَلْق، إذا كان شديد القُوَى.

والأول أشبه.

” النهاية في غريب الحديث والأثر ” ( 4 / 161 ).

والخلاصة:

لم يصح شيء في الأحاديث المرفوعة الصحيحة ذِكرٌ لما يسمى ” الملائكة الكروبيون “، والواجب الوقوف في مسائل الغيب عند إثبات الوحي لها، ولما لم يثبت فيها شيء: فليس لنا أن نثبت وجود أولئك الملائكة، ولا اسمهم، وفي الصحيح ما يغني عن الضعيف، والموضوع.

 

والله أعلم.

هل ” الإخوان المسلمون ” مِن الفرَق الضالَّة؟.

هل ” الإخوان المسلمون ” مِن الفرَق الضالَّة؟.

السؤال:

أريد توضيحًا عن طائفة ” الاخوان المسلمين “، وهل هي من الفرق الضالة؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

” الإخوان المسلمون ” جماعة إسلامية عاملة للإسلام، وليست طائفة، ولا فِرقة، وقد أسسها الأستاذ حسن البنَّا عام ( 1347هـ – 1928م ) – وتوفي مقتولا عام ( 1368هـ – 1949م ).

ولا ينبغي لأحدٍ أن يَجعل الجماعات الإسلامية العاملة للإسلام مِن الفرق الضالة، المذكورة في قوله صلى الله عليه وسلم: ” وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً، قَالُوا: وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي “، كما في حديث عبد الله بن عمرو عند الترمذي ( 2641 ) وحسَّنه، وحسَّنه ابن العربي في ” أحكام القرآن ” ( 3 / 432 )، والعراقي في ” تخريج الإحياء ” ( 3 / 284 ) ، والألباني في ” صحيح الترمذي “.

فالفرق الضالة هي من تتبنى اعتقادا مخالفا لاعتقاد أهل السنة والجماعة في الأصول، وأما من تبنى منهجا في الدعوة، أو طريقة في الفقه: فمثل هؤلاء لا يُحكم عليهم بأنهم من فرق الضلال.

نعم، قد يوجد من أتباع تلك الجماعات الإسلامية مَن يكون أشعريًّا، أو مرجئا، أو معتزليًّا، أو صوفيًّا، فمثل هؤلاء الأفراد يُحكم عليهم بأنهم من فِرق الضلال، سواء انتسبوا للإخوان المسلمين، أو للسلفيين! أما الحكم العام على جميع الجماعة بأنها من الفرق الضالة: فلا يجوز، إلا أن تتبنى الجماعة مذهباً اعتقاديًّا منحرفاً، وتُلزم به أتباعها جميعهم، فحينذاك يمكن وصف الجماعة بأنها من فرق الضلال.

سئل الشيخ الألباني – رحمه الله -:

هل الإخوان والتبليغ من الفِرق التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم؟.

فأجاب:

لا، لا، الإخوان المسلمون فيهم من جميع الطوائف فيهم سلفيون، فيهم خلفيون، فيهم شيعة! فيهم كذا، وكذا، فلا يصح أن يُطلق عليهم صفةٌ واحدة.

وإنما نقول: من تبنى منهجًا خلاف الكتاب والسنة من ” أفرادهم ” فهو ليس من الفرقة الناجية بل هو من الفرقة الهالكة.

أما جماعة: والله أنا لا أقول إن السلفيين, من الفرقة الناجية!.

السائل: يعني ” كأفراد ” يا شيخ؟.

الشيخ الألباني: نعم.

السائل: الحكم على ” الأفراد “؟.

الشيخ الألباني: الحكم على ” الأفراد “، أحسنت.

شريط رقم: ( 666 ) من سلسلة الهدى والنور.

ثانيا:

ولا تخلو هذه الجماعة من مآخذ وملاحظات، ونذكر هنا ما جاء في ” الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة ” ( ص 150 ، 151) في ذلك، حيث قالوا:

مآخذ على جماعة الإخوان:

إن المآخذ على جماعة الإخوان المسلمين لم تقتصر على المواقف السياسية، بل وجِّه لها النقد في بعض الجوانب العقائدية، والمنهجية، وأقوال الأتباع: فمن الناحية العقائدية: أُخذ على البنَّا قوله في مجال تعداد صفات الحركة الشمولية: ” وحقيقة صوفية “، والتصوف – كما هو معلوم – مخالف لمنهج أهل السنة، ولعل الشيخ – رحمه الله – قد تأثر بنشأته الأولى مع الطريقة ” الحصافية “، أو أنه أراد ( تقريب ) أهل التصوف للجماعة، وهذا مسلك خاطئ؛ لأنه يستحيل جمع الحق بالباطل، إلا بالتنازل والمداهنة.

كما أخذ على البنا موقفة التفويضي في مجال الأسماء والصفات، واعتبار البدعة الإضافية خلافًا فقهيًّا.

كما أن الجماعة لا تُعنى كثيرا بنشر عقيدة السلف، والدعوة إلى التوحيد الخالص، والتحذير من البدع، والشركيات المنتشرة، سواء في مصر منشأ الجماعة، أو غيرها، مما جعلها تهتم ( بالتجميع ) على حساب التصفية، وبالكم، لا الكيف.

وقد أُخذ على بعض أتباع الحركة الغلو في إعجابهم بالشيخ حسن البنَّا، كما صدرت عن بعضهم – التلمساني، وسعيد حوى – عدد من الأقوال التي لا يجيزها الإسلام. انتهى.

ونأسف أنه تمَّ تغيير هذا الكلام وتحريفه في الطبعات الجديدة للكتاب بما يوافق تمييع الموقف من هذه الجماعة، وعدم القدرة على الجهر بالحق.

 

والله أعلم.

إذا كان القرآن كاملًا مكتملًا وافيًا للشريعة فما الحاجة إلى السنة؟!.

إذا كان القرآن كاملًا مكتملًا وافيًا للشريعة فما الحاجة إلى السنة؟!.

السؤال:

إذا كان القرآن كاملًا مكتملًا وافيًا للشريعة فما الحاجة إلى السنة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

لا يزال أعداء الدِّين يحرصون على النيل من دين الله تعالى بشتى الصور والأساليب، وينشرون شبهاتهم وضلالاتهم بين عامة المسلمين، فينساق وراءهم بعض ضعاف الإيمان، والجهلة من المسلمين، ولو أن واحداً من هؤلاء العامة فكَّر قليلاً لعلم أن شبههم خاوية، وأن حجتهم داحضة.

ومن أيسر ما يمكن أن يرد به العامي على هذه الشبهة المتهافتة أن يسأل نفسه: كم ركعة أصلي الظهر؟ وكم هو نصاب الزكاة؟ وهذا سؤالان يسيران ولن يجد إجابتهما في كتاب الله تعالى، وسيجد أن الله تعالى أمره بالصلاة، وأمره بالزكاة، فكيف سيطبق هذه الأوامر من غير أن ينظر في السنَّة النبوية؟ إن هذا من المحال، ولذا كانت حاجة القرآن للسنَّة أكثر من حاجة السنَّة للقرآن ! كما قال الإمام الأوزاعي – رحمه الله -: ” الكتاب أحوج إلى السنَّة من السنَّة إلى الكتاب “، كما في ” البحر المحيط ” للزركشي ( 6 / 11 ) ، ونقله ابن مفلح الحنبلي في ” الآداب الشرعية ” ( 2 / 307 ) عن التابعي مكحول.

ولا نظن بالأخ السائل إلا خيرا، ونظن أن سأل مستفهماً عن أوجه الرد على من يقول بمثل هذه الأقاويل زاعماً تعظيمه للقرآن الكريم.

ثانيا:

ومن أوجه الرد على من يزعم أنه لا حاجة للمسلمين للسنَّة المشرفة، وأنه يُكتفى بالقرآن الكريم: أنه بهذا القول يرد كلام الله تعالى في كتابه الكريم، حيث أمر في آيات كثيرة بالأخذ بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وبالانتهاء عما نهى عنه، وبطاعته، وقبول حكمه، ومن ذلك:

قال تعالى: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) [ الحشر / الآية 7 ].

وقال تعالى: ( قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) [ النور / 54 ].

وقال تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ) [ النساء / من الآية 64 ].

وقال تعالى: ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) [ النساء / الآية 65 ].

فماذا يصنع هذا الزاعم المدعي أنه يُكتفى بالقرآن ويُستغنى به عن السنَّة في هذه الآيات؟ وكيف سيستجيب لأمر الله تعالى فيها؟.

وهذا بالإضافة إلى ما قلناه أولاً باختصار، وهو أنه كيف سيقيم الصلاة التي أمره الله تعالى بها في كتابه الكريم؟ وما عددها؟ وما أوقاتها؟ وما شوطها؟ وما مبطلاتها؟ وقل مثل ذلك في الزكاة، والصيام، والحج، وباقي شعائر الدين وشرائعه.

وكيف سيطبق قول الله تعالى: ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) [ المائدة / الآية 38 ] ؟ فكم هو نصاب السرقة؟ ومن أين يقطع اليد؟ وهل هي اليمين أم الشمال؟ وما هي الشروط في الشيء المسروق؟ ، وقل مثل ذلك في حد الزنا والقذف واللعان وغيرها من الحدود.

قال بدر الدين الزركشي – رحمه الله -:

” وقال الشافعي في ” الرسالة ” – في باب فرض طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم -: قال تعالى: ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) وكل فريضة فرضها الله تعالى في كتابه: كالحج، والصلاة، والزكاة: لولا بيان الرسول ما كنا نعرف كيف نأتيها, ولا كان يمكننا أداء شيء من العبادات, وإذا كان الرسول من الشريعة بهذه المنزلة: كانت طاعته على الحقيقة طاعة لله “. ” البحر المحيط ” ( 6 / 7 ، 8 ).

وكما يرى المسلم العاقل أن الزاعم أنه معظم لكتاب الله تعالى هو من أعظم المخالفين للقرآن، ومن أعظم المنسلخين عن الدين؛ حيث جعل القرآن كافيًا لإقامة الدين والأحكام، وهو بالضرورة إما أنه لا يفعل ما جاء بالسنة فيكفر، أو أنه يفعلها فيتناقض!.

ثالثا:

والله تعالى بعث نبيه صلى الله عليه وسلم بالإسلام، وهذه النعمة العظيمة ليست القرآن وحده، بل هي القرآن والسنَّة، ولما امتنَّ الله على الأمة بإتمام الدين وإكمال النعمة لم يكن المقصود منه إنزال القرآن، بل إتمام الأحكام في القرآن والسنَّة، بدليل نزول آيات من القرآن الكريم بعد إخبار الله تعالى بمنته على عباده بإكمال الدين وإتمام النعمة.

قال الله تعالى: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً ) [ المائدة / من الآية 3 ].

قال بدر الدين الزركشي – رحمه الله -:

” قوله تعالى: ( اليوم أكملت لكم دينكم ) أي: أكملت لكم الأحكام، لا القرآن؛ فإنه نزل بعد ذلك منه آيات غير متعلقة بالأحكام “.

” المنثور في القواعد ” ( 1 / 142 ).

 

 

قال ابن حزم – رحمه الله -:

” دين الإسلام اللازم لكل أحد لا يؤخذ إلا من القرآن، أو مما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إما برواية جميع علماء الأمة عنه عليه الصلاة والسلام – وهو الإجماع -، وإما بنقل جماعة عنه عليه الصلاة والسلام – وهو نقل الكافة -، وإما برواية الثقات واحداً عن واحد حتى يبلغ إليه عليه الصلاة والسلام، ولا مزيد.

قال تعالى: ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) وقال تعالى: ( اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء ) وقال تعالى: ( اليوم أكملت لكم دينكم ) “. ” المحلى ” ( 1 / 72 ).

وقال ابن القيم – رحمه الله -:

” فقد بيَّن الله – سبحانه – على لسان رسوله بكلامه وكلام رسوله جميع ما أمره به، وجميع ما نهى عنه، وجميع ما أحله، وجميع ما حرمه، وجميع ما عفا عنه, وبهذا يكون دينُه كاملًا كما قال تعالى: ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) “. ” إعلام الموقعين ” ( 1 / 250 ).

رابعا:

وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن السنَّة التي جاء بها هي مثل القرآن في كونها من الله تعالى، وفي كونها حجة، وفي كونها ملزمة للعباد، وحذَّر من الاكتفاء بما في القرآن وحده للأخذ به والانتهاء عن نهيه، وبيَّن مثالاً لحرامٍ ثبت في السنَّة ولم يأت له ذِكر في القرآن، بل في القرآن إشارة لحلِّه، وكل ذلك في حديث واحدٍ صحيح.

عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ” أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ, فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ, وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ, أَلَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ لَحْمُ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ وَلَا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السَّبُعِ “. رواه أبو داود ( 4604 ) ، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود.

وهذا الذي فهمه الصحابة – رضي الله عنهم – من دين الله تعالى:

عن عبد الله قال: ” لعن الله الواشمات, والمستوشمات, والمتنمصات, والمتفلجات للحسن, المغيرات خلق الله, فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها: أم يعقوب, فجاءت فقالت: إنه بلغني أنك لعنت كيت وكيت، فقال: ومالي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم, ومن هو في كتاب الله؟ فقالت: لقد قرأتُ ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول، قال: لئن كنتِ قرأتيه لقد وجدتيه أما قرأت: ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) [ الحشر / من الآية 7 ] ؟، قالت: بلى، قال: فإنه قد نهى عنه، قالت: فإني أرى أهلك يفعلونه، قال: فاذهبي فانظري، فذهبت فنظرت فلم تر من حاجتها شيئاً، فقال: لو كانتْ كذلك ما جامعَتنا “.

رواه البخاري ( 4604 ) ، ومسلم ( 2125 ).

وهو الذي فهمه التابعون وأئمة الإسلام من دين الله تعالى، ولا يعرفون غيره، أنه لا فرق بين الكتاب والسنَّة في الاستدلال والإلزام، وأن السنَّة مبينة ومفسرة لما في القرآن.

قال الأوزاعي عن حسان بن عطية: ” كان جبريل ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم والسنَّة تفسر القرآن “.

وقال أيوب السختياني: ” إذا حدَّث الرجل بالسنَّة فقال: دعنا من هذا، حدِّثنا من القرآن: فاعلم أنه ضال مضل “.

وقال الأوزاعي: ” قال الله تعالى: ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) ، وقال: ( وما آتاكم الرسول فخذوه ) …. “.

وقال الأوزاعي: ” قال القاسم بن مخيمرة: ما توفي عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حرام: فهو حرام إلى يوم القيامة, وما توفي عنه وهو حلال: فهو حلال إلى يوم القيامة “.

انظر: ” الآداب الشرعية ” ( 2 / 307 ).

قال بدر الدين الزركشي – رحمه الله -:

” قال الحافظ الدارمي: يقول: ” أوتيت القرآن, وأوتيت مثله ” من السنن التي لم ينطق بها القرآن بنصه, وما هي إلا مفسرة لإرادة الله به, كتحريم لحم الحمار الأهلي, وكل ذي ناب من السباع, وليسا بمنصوصين في الكتاب “.

وأما الحديث المروي من طريق ثوبان في الأمر بعرض الأحاديث على القرآن, فقال الشافعي في ” الرسالة “: ” ما رواه أحد ثبت حديثه في شيء صغير ولا كبير, وقد حكم إمام الحديث يحيى بن معين بأنه موضوع, وضعته الزنادقة “. قال ابن عبد البر في كتاب ” جامع بيان العلم “: قال عبد الرحمن بن مهدي: الزنادقة والخوارج وضعوا حديث: ” ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله, فإن وافق كتاب الله فأنا قلته, وإن خالف فلم أقله “، قال الحافظ: وهذا لا يصح, وقد عارضه قوم, وقالوا: نحن نعرضه على كتاب الله فوجدناه مخالفًا للكتاب; لأنا لم نجد فيه: لا يقبل من الحديث إلا ما وافق الكتاب, بل وجدنا فيه الأمر بطاعته, وتحذير المخالفة عن أمره حكم على كل حال “. انتهى.

وقال ابن حبان في ” صحيحه ” في قوله صلى الله عليه وسلم: ” بلغوا عني ولو آية “: ” فيه دلالة على أن السنَّة يقال فيها: آي “.

” البحر المحيط ” ( 6 / 7 ، 8 ).

خامسا:

وقد ذكر العلماء أوجهاً لبيان السنة للقرآن، ومنها: أنها تأتي موافقة لما في القرآن، وتأتي مقيدة لمطلقه، ومخصصة لعمومه، ومفسرة لمجمله، وناسخة لحكمه، ومنشئة لحكم جديد، وبعض العلماء يجمع ذلك في ثلاث منازل.

قال ابن القيم – رحمه الله -:

” والذي يجب على كل مسلم اعتقاده: أنه ليس في سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة سنَّة واحدة تخالف كتاب الله، بل السنن مع كتاب الله على ثلاث منازل:

المنزلة الأولى: سنَّة موافقة شاهدة بنفس ما شهد به الكتاب المنزل.

المنزلة الثانية: سنَّة تفسر الكتاب، وتبين مراد الله منه، وتقيد مطلقه.

المنزلة الثالثة: سنَّة متضمنة لحكم سكت عنه الكتاب، فتبيِّنه بيانا مبتدأً.

ولا يجوز رد واحدة من هذه الأقسام الثلاثة، وليس للسنة مع كتاب الله منزلة رابعة.

وقد أنكر الإمام أحمد على من قال: ” السنة تقضي على الكتاب “, فقال: بل السنَّة تفسر الكتاب وتبينه.

والذي يشهد الله ورسوله به أنه لم تأت سنَّة صحيحة واحدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تناقض كتاب الله وتخالفه ألبتة، كيف ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو المبين لكتاب الله، وعليه أنزل، وبه هداه الله، وهو مأمور باتباعه، وهو أعلم الخلق بتأويله ومراده؟!.

ولو ساغ رد سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فهمه الرجل من ظاهر الكتاب لردت بذلك أكثر السنن، وبطلت بالكلية.

وما من أحد يُحتج عليه بسنَّة صحيحة تخالف مذهبه ونحلته إلا ويمكنه أن يتشبث بعموم آية، أو إطلاقها، ويقول: هذه السنة مخالفة لهذا العموم والإطلاق فلا تقبل.

حتى إن الرافضة قبحهم الله سلكوا هذا المسلك بعينه في رد السنن الثابتة المتواترة، فردوا قوله صلى الله عليه وسلم: ” لا نُورث ما تركنا صدقة “, وقالوا: هذا حديث يخالف كتاب الله، قال تعالى: ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ).

وردت الجهمية ما شاء الله من الأحاديث الصحيحة في إثبات الصفات بظاهر قوله: ( ليس كمثله شيء ).

وردت الخوارج من الأحاديث الدالة على الشفاعة، وخروج أهل الكبائر من الموحدين من النار بما فهموه من ظاهر القرآن.

وردت الجهمية أحاديث الرؤية مع كثرتها وصحتها بما فهموه من ظاهر القرآن في قوله تعالى: ( لا تدركه الأبصار ).

وردت القدرية أحاديث القدر الثابتة بما فهموه من ظاهر القرآن.

وردت كل طائفة ما ردته من السنة بما فهموه من ظاهر القرآن.

فإما أن يطرد الباب في رد هذه السنن كلها، وإما أن يطرد الباب في قبولها، ولا يرد شيء منها لما يفهم من ظاهر القرآن، أما أن يرد بعضها ويقبل بعضها – ونسبة المقبول إلى ظاهر القرآن كنسبة المردود -: فتناقض ظاهر.

وما مِن أحد رد سنَّة بما فهمه من ظاهر القرآن إلا وقد قبل أضعافها مع كونها كذلك.

وقد أنكر الإمام أحمد والشافعي وغيرهما على من ردَّ أحاديث تحريم كل ذي ناب من السباع بظاهر قوله تعالى: ( قل لا أجد في ما أوحى إليَّ محرماً ) الآية.

وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على من رد سنَّته التي لم تذكر في القرآن، ولم يدَّعِ معارضة القرآن لها: فكيف يكون إنكاره على من ادعى أن سنَّته تخالف القرآن وتعارضه؟ “.  ” الطرق الحكمية ” ( 65 – 67 ).

وللشيخ الألباني – رحمه الله – رسالة بعنوان: ” منزلة السنة في الإسلام، وبيان أنه لا يستغنى عنها بالقرآن “، وفيها:

تعلمون جميعا أن الله تبارك وتعالى اصطفى محمدا صلى الله عليه وسلم بنبوته، واختصه برسالته، فأنزل عليه كتابه القرآن الكريم، وأمره فيه – في جملة ما أمره به – أن يبينه للناس، فقال تعالى: ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزِّل إليهم ) [ النحل / من الآية 44 ]، والذي أراه أن هذا البيان المذكور في هذه الآية الكريمة يشتمل على نوعين من البيان:

الأول: بيان اللفظ ونظمه، وهو تبليغ القرآن، وعدم كتمانه، وأداؤه إلى الأمة، كما أنزله الله تبارك وتعالى على قلبه صلى الله عليه وسلم، وهو المراد بقوله تعالى: ( يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك من ربك ) [ المائدة / من الآية 67 ] ، وقد قالت السيدة عائشة – رضي الله عنها – في حديث لها: ” ومن حدثكن أن محمداً كتم شيئاً أُمر بتبليغه: فقد أعظم على الله الفرية “، ثم تلت الآية المذكورة ” – أخرجه الشيخان -، وفي رواية لمسلم: ” لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتماً شيئاً أُمر بتبليغه لكتم قوله تعالى: ( وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمتَ عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ) [ الأحزاب / من الآية 37 ].

والآخر: بيان معنى اللفظ، أو الجملة، أو الآية الذي تحتاج الأمة إلى بيانه، وأكثر ما يكون ذلك في الآيات المجملة، أو العامة، أو المطلقة، فتأتي السنَّة، فتوضح المجمل، وتُخصِّص العام، وتقيِّد المطلق، وذلك يكون بقوله صلى الله عليه وسلم، كما يكون بفعله وإقراره.

 

 

وقوله تعالى: ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) [ المائدة / من الآية 38]، مثال صالح لذلك، فإن السارق فيه مطلقٌ كاليد، فبينتِ السنَّة القوليَّة الأول منهما، وقيدته بالسارق الذي يسرق ربع دينارٍ بقوله صلى الله عليه وسلم: ” لا قطع إلا في ربع دينار فصاعداً ” – أخرجه الشيخان -.

كما بينتِ الآخَرَ بفعله صلى الله عليه وسلم أو فعل أصحابه وإقراره، فإنهم كانوا يقطعون يد السارق من عند المفصل، كما هو معروف في كتب الحديث، وبينت السنة القوليَّة اليد المذكورة في آية التيمم: ( فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ) [ النساء / من الآية 43 ] و [ المائدة /  من الآية 6 ] بأنها الكف أيضاً بقوله صلى الله عليه وسلم: ” التيمم ضربة للوجه والكفين ” أخرجه أحمد والشيخان وغيرهم من حديث عمار بن ياسر – رضي الله عنهما -.

وإليكم بعض الآيات الأخرى التي لم يمكن فهمها فهماً صحيحاً على مراد الله تعالى إلا من طريق السنة:

  1. قوله تعالى: ( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ) [ الأنعام / الآية 82 ]، فقد فهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قوله: ( بظلم ) على عمومه الذي يشمل كل ظلم ولو كان صغيراً، ولذلك استشكلوا الآية فقالوا: يا رسول الله أيُّنا لم يلبس أيمانه بظلم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ” ليس بذلك، إنما هو الشرك؛ ألا تسمعوا إلى قول لقمان: ( إن الشرك لظلم عظيم ) ؟ [ لقمان / 13 ] ” أخرجه الشيخان وغيرهما.
  2. قوله تعالى: ( وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ) [ النساء / من الآية 101 ] ، فظاهر هذه الآية يقتضي أن قصر الصلاة في السفر مشروط له الخوف، ولذلك سأل بعض الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ما بالنا نقصر وقد أَمِنَّا؟ قال: ” صدقة تصدَّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ” – رواه مسلم -.
  3. قوله تعالى: ( حرمت عليكم الميتة والدم ) [ المائدة / من الآية 3 ] ، فبينت السنة القولية أن ميتة الجراد والسمك، والكبد والطحال، من الدم حلال، فقال صلى الله عليه وسلم: ” أحلت لنا ميتتان ودمان: الجراد والحوت – أي: السمك بجميع أنواعه -، والكبد والطحال ” – أخرجه البيهقي وغيره مرفوعاً وموقوفاً، وإسناد الموقوف صحيح، وهو في حكم المرفوع؛ لأنه لا يقال من قِبَلِ الرأي -.
  4. قوله تعالى: ( قل لا أجد في ما أوحي إلي مُحرَّماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً، أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقاً أهل لغير الله به ) [ الأنعام / من الآية 145 ] ، ثم جاءت السنَّة فحرمت أشياء لم تُذكر في هذه الآية، كقوله صلى الله عليه وسلم: ” كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير حرام “، وفي الباب أحاديث أخرى في النهي عن ذلك، كقوله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر: ” إن الله ورسوله ينهيانكم عن الحمر الإنسية؛ فإنها رجس ” – أخرجه الشيخان -.
  5. قوله تعالى: ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ) [ الأعراف / من الآية 32 ] ، فبينت السنة أيضاً أن من الزينة ما هو محرم، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج يوماً على أصحابه وفي إحدى يديه حرير، وفي الأخرى ذهب، فقال: ” هذان حرام على ذكور أمتي، حلٌّ لإناثهم ” – أخرجه الحاكم وصححه -.

والأحاديث في معناه كثيرة معروفة في ” الصحيحين ” وغيرهما، إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة المعروفة لدى أهل العلم بالحديث والفقه.

ومما تقدم يتبين لنا – أيها الإخوة – أهمية السنَّة في التشريع الإسلامي، فإننا إذا أعدنا النظر في الأمثلة المذكورة – فضلًا عن غيرها مما لم نذكر – نتيقن أنه لا سبيل إلى فهم القرآن الكريم فهماً إلا مقروناً بالسنَّة.

” منزلة السنة في الإسلام ” ( ص 4 – 12 ).

وننصح بالرجوع إلى رسالة الشيخ الألباني – رحمه الله – فهي في صلب موضوع السؤال.

وبه يتبين:

أنه لا يحل لأحدٍ أن يفصل القرآن عن السنَّة في إثبات الأحكام ولزومها للمكلَّف، وأن من فعل ذلك فهو من أعظم المخالفين لما في القرآن من أوامر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم والأخذ بسنَّته والانتهاء عن نهيه، وأن السنَّة النبوية جاءت مؤيدة لما في القرآن وموضحة له ومقيدة لمطلقه ومخصصة لعمومه، وجاءت كذلك مستقلة في إنشاء الأحكام، وكل ذلك لازم للمسلم الأخذ به.

وأمر أخير:

هب أننا نعدُّ هذا تنازعا بيننا وبين خصومنا الذين يرون الاكتفاء بالقرآن: فإننا نقول: إننا أُمرنا في القرآن الكريم عند التنازع أن نرجع إلى القرآن والسنَّة! فقال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) [ النساء / الآية 59 ] ، فماذا هو صانعٌ خصمنا بهذه الحجة القرآنية؟ إن قبلها: رجع إلى السنَّة فبطل قوله، وإن لم يرجع: فقد خالف القرآن الذي يزعم أنه كافٍ عن السنَّة.

 

والحمد لله رب العالمين.

أم قاسية تطلب من أبنائها العمل ثمن طعامهم! وتطلب من ابنتها العمياء أن تقتل نفسها!!.

أم قاسية تطلب من أبنائها العمل ثمن طعامهم! وتطلب من ابنتها العمياء أن تقتل نفسها!!.

السؤال:

يوجد أم قاسية جدًّا، لديها أولاد، لكنها تعاملهم معاملة قاسية، فهي تقول لهم: إن عليهم أن يعملوا لثمن طعامهم من بيتهم، وتخبر أباهم عنهم، فيقوم بضربهم، ولديها ابنة عمياء، تعاملها بقسوة أكثر من كل أولادها، وتقول لها: اهربي من البيت لتخلصي من هذه العيشة، فتقول الفتاة: أين سوف تذهب؟ وهي لا ترى، فتقول: سمِّمي نفسك! وتدلها لمكان السم، لكن الفتاة لا تريد أن تخسر ثوابها عند الله، مع العلم أن الأم ليست مصابة بمرض نفسي، ومن يحدثها يُعجب بشخصيتها وبكلامها، كأنها امرأة مثقفة، وإن هؤلاء الأولاد أولادها، وليسوا أولاد زوجها.

السؤال: ماذا تفعل الفتاة وهي لا تستطيع أن تتخلص من قسوة أمها بشتَّى الوسائل، وهي لن يقبل بها أحد كزوجة لأنها عمياء؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

لا ندري هل ما نقرؤه هو قصة من نسج الخيال، أم هو حقيقة واقعة! إننا لا نعلم عن الأمهات مثل هذا، ولا أقل من هذا! إننا نرى الأم من القطط، والكلاب، والصقور، والضباع، تحن على أولادها، وتعطف عليهم، وهي الأم البهيمية هي التي تفترس، أو تطير عاليًا في السماء، أو تبحث في القمامات من أجل إطعام أولادها، وهذه الأم البهيمية هي التي تقاتل عدوها الذي يتربص لأولادها ليأكلهم، وهي التي تجوع من أجلهم، وتموت من أجلهم، ثم نُفجع بمثل هذه الحكاية عن أم تقسو على أبنائها، وتطلب منهم العمل، بل وتطلب من ابنتها المصابة بالعمى أن تخرج من البيت لتتلقفها الذئاب البشرية؟! وتطلب منها أن تسمم نفسها لتموت؟! الله أكبر، سبحان الله، ما أقسى هذه القلوب، وصدق الله حين أخبرنا أن مثل هذه القلوب أشد قسوة من الحجارة الصمَّاء، قال تعالى: ( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) [ البقرة / الآية 74 ]، وما ألين الجبل الأصم الذي لو نزل عليه القرآن رأيناه خاشعا متصدعا من خشية الله، وهذه القلوب الرقيقة في خلقتها قست حتى صارت أعظم قسوة من الجبال، ( لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) [ الحشر / الآية 21 ]، ألم تقرأ هذه الأم في القرآن الثناء على الأمهات، والوصية بهن، وتحريم عقوقهم، ووجوب برهنَّ؟ فكيف ستكون في هذه الزمرة من الأمهات وهي على مثل هذه الحال المذكورة؟! ألم تعلم أنه لا يوجد في الشرع دليل يوصي الأم بالعطف على أولادها، والحنو عليهم؟! والسبب أن ذلك من الفطرة التي فطر الأمهات عليها، ومثل هذه الفطرة أوجدها الله حتى عند البهائم، ولا تنخرم إلا عند من فقدت عقلها، ولم تدر ما تفعل، ولأن القسوة، والغلظة متوقعة من الأولاد: أوصاهم الله تعالى في كتابه كثيراً بوالديهم، وجاءت الأحكام صارمة في حكم عقوق الوالدين، والإساءة إليهم.

ثانيا:

ولا ندري ما نقول في حل هذه المصيبة إلا أن ننصح بما يلي:

  1. إيقاف الأب على واقع زوجته المجرمة، وتبيين الحقيقة كاملة له، وتوثيق ذلك بتسجيل، أو غيره، ويُرجى إن كان له قلب، أو شخصية مستقلة أن يكون حل ذلك الأمر على يديه.
  2. وإن لم ينفع الحل السابق: فنرى أن يُخبر الأخوال، والأعمام، بحقيقة حال هذه الأم، وأن يوضع حدٌّ لمعاناة أولادها منها، وخاصة ابنتها المصابة بالعمى.
  3. أن يُسعى عند أهل المروءة والنخوة ليتزوج أحدهم تلك الفتاة المصابة بالعمى، ولا تخل الدنيا من مثل هؤلاء، ولعلَّ الله أن يرزق من يفعل ذلك أجراً عظيما في الآخرة، إن هو احتسب فعله عند ربه تعالى، وأن يبارك له في دنياه بذرية صالحة، وجاه، ومال يستعين بها على طاعة الله تعالى، وليس ذلك على الله بعزيز.
  4. ونوصي الابنة خاصة، والأولاد عامة: بالدعاء، دعاء الله أن يصلح حال أمهم، ويرقق قلبها عليهم، ودعاء الله أن يبصِّر أباهم بواقع حالهم، ويحننه عليهم، ودعاء الله تعالى أن يثبتهم على الدين، ويوفقهم لما فيه رضاه.

 

والله الموفق.

تعرضت للمضايقات في بلد كافر، فهل تخلع غطاء الوجه؟

السؤال:

أنا امرأة متدينة – ولله الحمد – من السعودية، وحجابي كامل، زوجي يدرس حاليًّا في كندا، ومدة دراسته ( 4 سنوات ) ، وأنا معه أنا منتقبة برغبة مني، ولكن لاحظت نظراتهم لي في كل مكان، في السيارة، والشارع، والسوق، وغير ذلك، لدرجة أني لو دخلت واحدة متحجبة حجاباً شرعيًّا بدون تغطية الوجه لا أحد ينظر إليها، أما أنا فأصبحت ملفتة للنظر بشكل كبير، أخاف على نفسي، وزوجي غيور، ولكني أخشى العنصرية الواضحة من خلال نظراتهم لي في الباص وفي كل مكان، وخاصة بعد ( 11 سبتمبر ) , ولقد تعرضت لموقف عندما ذهبت للبقالة لشراء بعض الحاجيات عندما مرت سيارة بجانبي وأخذ يشتمني ويبصق عليَّ، ماذا أفعل؟ أرجو الإفادة، أنا أحب ربي وأخشى على نفسي، لأنا لسنا نعيش مع مسلمين بل مع كفار لا يخافون الله، والكثرة تغلب الشجاعة، زوجي دوامه طويل، وليس لديه إرسال في مكان عمله، أخشى أن يتعرض لي أحد في بيتي في غير وجوده، الله يجزاك الجنة، ساعدني.

 

الجواب:

الحمد لله

ذكرنا في بعض أجوبتنا حُكم ومفاسد السفر إلى بلاد الكفر والإقامة فيها، وما قرأناه في سؤال أختنا يؤكد على ما ذكرناه من تحريم الإقامة في بلاد الكفر إلا من ضرورة، ويؤكد عظَم وكثرة المفاسد التي تواجه المسلمين في تلك البلاد، وخاصة من ينتقل منهم من بيئة محافظة مستقيمة.

ولو أنَّ زوجك أخبرنا بما يشاهده أثناء دراسته في تلك الجامعات والمعاهد لأخبرنا بعجائب، ولسمعنا عن محرمات كثيرة تُفعل وتُقال.

وما تتعرض له المرأة الصالحة العفيفة في تلك البلاد يتعرض لمثله أو أعظم الشباب المسلم المستقيم على طاعة الله تعالى.

وعلى كل حال:

لا يجوز لكِ التنازل عن خماركِ من أجل مضايقة سفيه، ولا يجوز للمسلم التنازل عن شعائر دينه وترك شرائعه من أجل دراسة أو عمل سواء في بلاد المسلمين أو في بلاد الكفار، وقد أوقع الشيطان في حبائله بعض المسلمين – وخاصة بعد أحداث ( 11 أيلول ) – فجعلهم يتنازلون عن بعض شعائر الدين قاذفاً في قلوبهم أنهم ربما تعرضوا لمضايقة أو مساءلة، فحلق بعض الرجال لحاهم، وألقت بعض النساء حجابها، والمشاهد أنه لا يزال يحافظ كثير من المسلمين على شعائر دينهم وشرائعه بعد تلك الأحداث، ولم يتعرضوا لمضايقات، أو أنهم تعرضوا وصبروا عليها، وقد وقعت حوادث في كثير من البلاد الغربية كبريطانيا وإسبانيا وهولندا، وفي تلك البلدان ملايين من المسلمين، ونسبة حوادث المضايقة قليلة بالنسبة لعددهم.

والمسلم يتوقع الابتلاء بالضراء في كل حين، وبالابتلاء يتبين صدق إيمان العبد، وتُرفع له الدرجات، والواجب على المسلمين الصبر والاستعانة بالله تعالى لتفريج الهم والكرب.

قال تعالى: ( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ . وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) [ العنكبوت / من الآية 2 – 3 ] .

وقال تعالى: ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ) [ البقرة / الآية 214 ].

وبخصوص الخمار:

فإن المرأة إذا علمت أن ذهابها لبلد سيجعلها تخلعه فإنه لا يجوز لها السفر لذلك البلد، وعلى الزوج أن يمتنع كذلك، وأرض الله واسعة، يستطيعان الذهاب إلى بلاد كثيرة فيها دراسة وعمل وليس فيها تهتك ومعاصٍ ومضايقات للمستقيمين على طاعة الله تعالى.

وإذا لم يمكنكم الخروج من تلك البلاد والانتقال إلى غيرها: فإنكِ لستِ ملزمة بالخروج من بيتكِ، وتستطيعين البقاء فيه حتى يحضر زوجك، وعليه هو قضاء حاجيات البيت، وهذا كله في حال أن تكون المضايقات كثيرة وعائقة وتتسبب في خلعكِ للخمار أو النقاب.

وماذا لو أن السفهاء في تلك البلاد الكافرة تطاولوا على حجاب رأسكِ – لو أنك نزعتِ الخمار – وتسبب لك الحجاب بالمضايقة، فهل ستنزعينه؟ وما هو الحد الذي يقف عنده المسلم في تنازلاته من أجل مضايقات السفهاء؟!.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وما يصيب النساء من الأذى في هذه الناحية من الأمور التي يجب الصبر عليها والاستعانة بالله تعالى على الصبر، ونسأل الله لولاة أمورهم أن يهديهم إلي الحق، ولا أظن هذا الإجبار إلا إذا خرجت المرأة من بيتها، وأما في بيتها فلن يكون هذا الإجبار، وبإمكانها أن تبقى في بيتها حتى تسلم من هذا الأمر.

” فتاوى المرأة المسلمة ” ( 1 / 446 ).

 

 

 

 

وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

هل يجوز للمرأة أن تتحجب من دون أن تغطي وجهها إذا سافرت للخارج؟.

فأجاب:

يجب على المرأة أن تحتجب عن الأجانب في الداخل والخارج؛ لقوله سبحانه: ( وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ) وهذه الآية الكريمة تعم الوجه وغيره، والوجه هو عنوان المرأة وأعظم زينتها، وقال تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) , وقال سبحانه: ( وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ ) الآية.

وهذه الآيات تدل على وجوب الحجاب في الداخل والخارج، وعن المسلمين والكفار.

ولا يجوز لأي امرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تتساهل في هذا الأمر؛ لما في ذلك من المعصية لله ولرسوله؛ ولأن ذلك يفضي إلى الفتنة بها في الداخل والخارج.

” فتاوى المرأة المسلمة ” ( 1 / 446 ، 447 ) .

وسئل الشيخ عبد الله الجبرين – حفظه الله -:

هل على المرأة إثم إذا سافرت للخارج مع زوجها وكشفت عن وجهها ولكنها متحجبة؟.

فأجاب:

لا يجوز للمرأة كشف وجهها أمام الرجال الأجانب في داخل المملكة وخارجها، فإذا استطاعت المرأة التحجب والتستر الكامل: جاز لها السفر إلى الخارج مع زوجها لتعفه عن الحرام . ” فتاوى المرأة المسلمة ” ( 1 / 447 ).

والخلاصة:

لا يجوز لكِ خلع خمارك من أجل مضايقة، والمسلم يتوقع الابتلاء والمس بالضراء، وعليكم السعي للخروج والانتقال من تلك البلاد إلى أخرى تأمنون فيها على أنفسكم ودينكم، فإن لم يتيسر لكم الأمر فاصبري على لباسك الشرعي وكوني داعية لهذا الدين، واعلمي أنه يوجد غيركِ كثيرات من المسلمات المستقيمات الملتزمات باللباس الشرعي، فإن تعسَّر عليكِ ذلك فلا تخرجي من البيت حتى يجعل الله لكم مخرجاً من تلك البلاد الكافر أهلها.

 

والله الموفق.

 

حكم مشاركة المسلم في التجارة مع الكافر والفاسق

حكم مشاركة المسلم في التجارة مع الكافر والفاسق

السؤال:

هل يجوز أن أشترك مع كافر أو فاسق في التجارة؟ وإذا كنتُ شريكا في التجارة مع رجل مسلم فاسق أو كافر، ثم انسحبت لكن بقي رأس مالي عنده على أساس يسدد لي المال نقدا بدل البضاعة في المستقبل، فهل عليَّ زكاة مالي الذي يتجر فيه، علما بأني لا أحصل على أي فائدة من ذلك المال، أم الزكاة على شريكي؟ علما بأن شريكي لا يدفع الزكاة، أو أنه قد يدفع الزكاة لكن في غير مصاريف الزكاة، فإذا لم يدفع زكاة ذلك المال فهل عليَّ زكاة ذلك؟ وأيضا قررنا أن يسدد لي الدَّين الذي عليه بأن نبني بناية لنؤجرها، ففي هذه الحال كيف يكون الزكاة؟ يعني: أني لا أحصل الدَّين الذي على شريكي نقدا، بل عند سداد الدَّيْن الذي عليه سيذهب ذلك المال مباشرة في تكلفة البناية، نرجو منكم التوضيح.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

الشركة – أو الشراكة – بين طرفين، أو أكثر: جائزة، بالكتاب، والسنَّة، والإجماع.

أما في الكتاب: ففي قوله تعالى: ( وإنَّ كثيرًا من الخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهم عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ ما هُم ) [ ص / من الآية 24 ]، والخلطاء: هم الشركاء.

وأما السنَّة فقد استدلوا بما روي عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: ” إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ, فَإِذَا خَانَهُ خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِمَا “. رواه أبو داود ( 3383 ) وضعفه الألباني، وحسَّنه غيره، وثمة ما يغني عنه.

* ونقل الإجماع أكثر من واحد من العلماء في الجملة على جواز الشراكة.

ثانيا:

وأما بخصوص شراكة الكافر والفاسق: فإن الأصل فيها الجواز.

عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما – قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ” خيبر ” اليهود أن يعملوها، ويزرعوها، ولهم شطر ما يخرج منها.

رواه البخاري ( 2366 ).

– والحديث بوَّب عليه البخاري في كتاب الشركة من صحيحه بقوله: ” باب مشاركة الذمي والمشركين في المزارعة “.

فهذا هو الأصل، لكن ذهب أكثر أهل العلم على كراهة مشاركة الكافر، ومثله الفاسق الذي يختلط ماله الحلال بالحرام، فإن غلب المال الحرام عندهما على الحلال، ومن باب أولى أن يكون كل مالهما حراما: لم تجز مشاركتهما.

– فالشرط الأول لجواز مشاركتهما: أن يكون مالهما حلالاً كله, أو أكثره.

– والشرط الثاني: أن تكون التجارة مباحة في الأصل، فلا يحل للمسلم مشاركة أي أحد في بيع المعازف، أو الخمور، أو المسارح، ودور السينما، وغير ذلك من المحرمات القطعية.

– والشرط الثالث: أن يتولى المسلم أمر تجارته، ولا يترك ذلك للكافر والفاسق؛ خشية من عبثهما بالتجارة، وإدخال ما يحرم من التجارة على ما يحل.

– والشرط الرابع: أن لا تجر تلك المشاركة إلى موالاة الكافر، ومحبته.

ومع هذا: فإننا نرى للمسلم أن يربأ بتجارته أن تخالطها أموال كافر، أو فاسق، وليعلم أن البركة من الله تعالى، وإذا رأى الله مثل هؤلاء الشركاء فإنه قد يمحق بركة تجارتهما، لذا فلو يبحث المسلم عن مثله من أهل الخير والعدل والأمانة ليشاركه: لكان أفضل.

وفي ” الملخص الفقهي ” للشيخ صالح الفوزان – حفظه الله – ( 2 / 124 ):

وتجوز مشاركة المسلم للكافر بشرط أن لا ينفرد الكافر بالتصرف، بل يكون بإشراف المسلم؛ لئلا يتعامل الكافر بالربا، أو المحرمات إذا انفرد عن إشراف المسلم. انتهى.

وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

هل يجوز للمسلم أن يكون شريكا للنصراني في تربية الأغنام، أو تجارتها، أو أي تجارة أخرى؟ أفيدونا، أفادكم الله.

فأجاب:

فإن اشتراك مسلم مع نصراني، أو غيره من الكفرة في المواشي، أو في الزراعة، أو في أي شيء آخر: الأصل في ذلك: جوازه إذا لم يكن هناك موالاة، وإنما تعاون في شيء من المال، كالزراعة، أو الماشية، أو نحو ذلك، وقال جماعة من أهل العلم: بشرط أن يتولى ذلك المسلم، أي: أن يتولى العمل في الزراعة، أو في الماشية: المسلم، ولا يتولى ذلك الكافر؛ لأنه لا يؤمن.

وهذا فيه تفصيل: فإن كانت هذه الشركة تجر إلى موالاة، أو لفعل ما حرم الله، أو ترك ما أوجب الله: حرمت هذه الشركة؛ لما تفضي إليه من الفساد، أما إن كانت لا تفضي لشيء من ذلك، والمسلم هو الذي يباشرها، وهو الذي يعتني بها، حتى لا يخدع: فلا حرج في ذلك.

ولكن بكل حال: فالأولى به السلامة من هذه الشركة، وأن يشترك مع إخوانه المسلمين، دون غيرهم، حتى يأمن على دينه، ويأمن على ماله، فالاشتراك مع عدو له في الدين: فيه خطر على خلُقه، ودينه، وماله، فالأولى بالمؤمن في كل حال أن يبتعد عن هذا الأمر؛ حفظا لدينه، وحفظا لعِرضه، وحفظا لماله، وحذرا من خيانة عدوه في الدين، إلا عند الضرورة، والحاجة التي قد تدعو إلى ذلك، فإنه لا حرج عليه بشرط مراعاة ما تقدم.

أي: بشرط أن لا يكون في ذلك مضرة على دينه، أو عرضه، أو ماله، وبشرط أن يتولى ذلك بنفسه؛ فإنه أحوط له، فلا يتولاه الكافر، بل يتولى الشركة، والأعمال فيها: المسلم، أو مسلم ينوب عنهما جميعا.

” فتاوى نور على الدرب ” ( 1 / 377 ، 378 ).

* وينظر تفصيل أقوال المذاهب في المشاركة مع الكافر: ” الموسوعة الفقهية ” ( 2 / 312 ، 313 ) .

وما يقال في مشاركة الكافر يقال في مشاركة الفاسق، بجامع العلة بينهما، وهو عدم الأمن من تصرفاته، ومن خشية نزع البركة من الشركة، فمن حيث الأصل: يجوز، والأولى: ترك مشاركتهما، والأصل في المسلم أنه يبغض الكفر والفسق، ويبغض أهلهما، ومن لوازم البغض البعد عن الاتصال بهما، ومشاركتهما، إلا أن يرجو هدايتهما، ويستثمر تلك المشاركة من أجل ذلك، فيكون حينئذٍ على خير، ويُرجى له الأجر.

ثالثا:

وخروجك من الشراكة مع أي أحدٍ كان مع بقاء مالٍ لك في ذمة شريكك بعد المخالصة: يوجب عليك إضافة هذا المال لما عندك، وتزكي الجميع، ولا علاقة لك بعد تلك المخالصة بالتجارة التي بقي عليها شريكك، وإنما لك مال في ذمته، ليس بضاعة، ولا تجارة.

وتبقى تؤدي زكاة ذلك المال الذي في ذمة شريكك حتى يوضع ذلك المال في بناء بناية، وهنا يختلف الحكم بعدها باختلاف الغرض من تلك البناية، فإن كانت بنيت من أجل بيعها، أو بيع شققها: فعليها الزكاة على قيمتها عند حلول الحول، وإن كانت بنيت بغرض التأجير: فلا زكاة عليها، ولا على ما يحصَّل من أجرتها إلا أن يُحبس المال منها معك حولا كاملًا، مع بلوغه للنصاب.

 

والله أعلم.

شروط ترجمة أسماء الله تعالى، وكتب مزكاة في الموضوع

شروط ترجمة أسماء الله تعالى، وكتب مزكاة في الموضوع

السؤال:

أنا من ” بلغاريا “، فهل يجوز لي عندما أقوم بترجمة أسماء الله سبحانه وتعالى أن أزيد أداة على الاسم في حالة الرفع؟ فقد أخبرني أخ لي في الإسلام أنه لايجوز زيادة أداة على أسماء الله إلا في حالة كونه مفعولاً، وأن هذه قاعدة لغوية، فهل هذا صحيح؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

لا يوجد في الشرع ما يمنع المسلم من ترجمة معاني الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، لكن لا بدَّ من أن يكون القائم على الترجمة بصيرا باللغة العربية، وبصيراً باللغة التي يريد الترجمة لها، ولا بدَّ أن يكون أميناً في نقله وترجمته، ولابدَّ أن يكون على علمٍ بالشريعة، وأن يكون على اعتقاد أهل السنَّة والجماعة، وإلا فإنه لا يؤمن على ترجمته أن يدس بها اعتقادات ضالة منحرفة.

وترجمة معاني أسماء الله وصفاته لا تخرج عما ذكرناه من الجواز، ومن الشروط، وعلى المسلم الذي يود القيام بهذه المهمة الجليلة أن يُكثر من قراءة كتب أهل السنة والجماعة المؤلفة في بيان معاني أسماء الله وصفاته، قبل القيام بالترجمة؛ لئلا يقع منه الخطأ في فهم الاسم أو الصفة؛ وحتى يترجمه إلى المعنى اللائق به.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

” وأما مُخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم، ولغتهم: فليس بمكروه إذا احتيج إلى ذلك، وكانت المعاني صحيحةً، كمخاطبة العجم من الروم والفُرس والتُّرك بلغتهم وعُرفهم، فإنَّ هذا جائزٌ حسن للحاجة، وإنما كرهه الأئمة إذا لم يُحْتَجْ إليه .…”.

” درء تعارض العقل والنقل ” ( 1 / 43 ).

وقال – رحمه الله -:

” وكذلك في الإثبات، له الأسماء الحسنى التي يُدعى بها، وليس في تلك الأسماء أنه جسم، ولا جوهر، ونحو ذلك، ولا أن صفاته تسمَّى أعراضا، ونحو ذلك، فلم يكن واحد من هذين مشروعا على الإطلاق، ولا هو أيضا منهيًّا عنه على الإطلاق، بل إذا أثبت الرجل معنًى حقًّا، ونفى معنًى باطلا واحتاج إلى التعبير عن ذلك بعبارة لأجل إفهام المخاطب لأنها من لغة المخاطب، ونحو ذلك: لم يكن ذلك منهيًّا عنه؛ لأن ذلك يكون من باب ترجمة أسمائه، وآياته بلغة أخرى ليفهم أهل تلك اللغة معاني كلامه وأسمائه، وهذا جائز، بل مستحب أحيانا، بل واجب أحيانا – وإن لم يكن ذلك مشروعًا على الإطلاق – كمخاطبة أهل هذه الاصطلاحات الخاصة في أسماء الله وصفاته، وأصول الدين باصطلاحهم الخاص، إذا كانت المعاني التي تبيَّن لهم هي معاني القرآن والسنة، تشبه قراءة القرآن بغير العربية، وهذه الترجمة تجوز لإفهام المخاطب بلا نزاع بين العلماء “. ” بيان تلبيس الجهمية ” ( 2 / 389 ).

وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

هل يجوز ترجمة أسماء الله الحسنى إلى لغة غير عربية – يعني: أجنبية -؟.

فأجاب:

” ترجمة أسماء الله سبحانه وتعالى لمن يريد أن يتفهمها: هذا لا بأس به، بل قد يكون واجبا؛ إذ أن الذي لا يعرف اللغة العربية يحتاج إلى فهم المعنى؛ ولهذا قال الله عز وجل: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ ) يعني: بِلُغتهم ( لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ) [إبراهيم / من الآية 4 ].

فترجمتها لأجل التفهيم: لا بأس به.

أما لأجل التأسيس بمعنى أن نُحلَّ غير اللغة العربية محل اللغة العربية: فهذا لا يجوز؛ لأنه طمسٌ للغة العربية “.

” دروس الحرمين: دروس المسجد النبوي ” الشريط 62، الوجه الثاني.

ثانيا:

والزيادة على أسماء الله تعالى باللغة المترجم إليها لا حرج فيه إن كان يؤدي إلى إيصال المعنى اللائق بالله تعالى، ولا يلتفت المترجم إلى كون الاسم منصوبا أو مرفوعا أو مجرورا في القرآن أو السنة؛ فإن هذا لا يؤثر في الترجمة، ولن يغير معنى الاسم وروده مرفوعا أو منصوبا؛ لأن تلك الحركات استحقها الاسم بحسب موقعه من الإعراب.

ومما نزكيه للأخ المترجم من كتب يقرؤها قبل قيامه بالترجمة:

  1. ” تفسير أسماء الله الحسنى ” للشيخ عبد الرحمن السعدي، منشور في ” مجلة الجامعة الإسلامية ” ( العدد 112 ).
  2. ” القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى ” للشيخ محمد بن صالح العثيمين.
  3. ” صفات الله عز وجل الواردة في الكتاب والسنَّة ” للشيخ علوي بن عبد القادر السقَّاف.
  4. ” النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى ” للشيخ محمد الحمود.

 

والله أعلم.