الرئيسية بلوق الصفحة 16

إيداع في بنك وأخذ زيادة على قدر معدل التوجيهي

إيداع في بنك وأخذ زيادة على قدر معدل التوجيهي
#من_أجوبة_الواتس
السؤال:
يعرض بعض البنوك على أولياء الأمور أن يودعوا (١٠٠ دينار) لمدة شهر، ثم يعيدها البنك ومعها زيادة تساوي معدل ابنك في التوجيهي (مثال: معدل ٩٤٪ يعيد لك ١٩٤ دينارًا).
فما حكم هذا؟

الجواب:
هذا التعامل ربا محرم؛ لأنه في حقيقته قرض بزيادة مشروطة، وينطبق عليها “كل قرض جرّ نفعًا فهو ربا”، وهي قاعدة شرعية متفق عليها.
قال الحافظ ابن عبد البر -رحمه الله-:
“وكل زيادة في سلف أو منفعة ينتفع بها المسلِف فهو ربا، ولو كانت قبضة من علف، وذلك حرام إن كان بشرط “.
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
“أجمعوا على أن المسلِف إذا شرط على المستلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك، إن أخذ الزيادة ربا”.
والزيادة المضمونة –سواء كانت كبيرة أو صغيرة، أو ربطت بمعدل أو شرط آخر– هي من صور الربا الصريح الذي نهى الله ورسوله ﷺ عنه.
قال الله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} [البقرة/٢٧٥].
والله أعلم
كتبه:
إحسان العتيبي أبو طارق
٢١ صفر ١٤٤٧ هـ، ١٥/ ٨/ ٢٠٢٥

تعليقا على جرأة فيصل بن قزار الجاسم (مجموعة من الرّدود العلمية)

تعليقا على جرأة فيصل بن قزار الجاسم:
ردود كل من:
١. الشيخ أ.د سلمان بن نصر الداية
٢. الشيخ د. أحمد محمد النجار
٣. الشيخ بدر بن علي العتيبي
٤. الأستاذ مضر أبو الهيجاء
٥. الاستاذ حسن المدني
===

20 صفر 1447هجرية
14 أغسطس 2025 ميلادية
كتبه
عميد كلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية بغزة- سابقا
✍️ أ.د. سلمان بن نصر الدايه

[تنبيه: جميع الحواشي في نهاية المقال]

دفع الالتباس (2)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، ومن والاه، أما بعد:
أفاد بعض الأفاضل أن انتقاد ساسة وقادة المقاومة في غزة أثناء جهادهم لعدوهم خيانة ونفاق.
أقول وبالله التوفيق: هذه جرأة منفكة عن مراقبة الله؛ فإن المؤمن قوي الإيمان من يراقب الله في أقواله وأعماله، مستحضرا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1] أي: مطلع على العباد في حال حركاتهم وسكونهم، وسرهم وعلنهم، وجميع أحوالهم، مراقبا لهم فيها مما يوجب مراقبته، وشدة الحياء منه، بلزوم تقواه(1).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: 61] يخبر تعالى عن عموم مشاهدته، واطلاعه على جميع أحوال العباد في حركاتهم، وسكونهم، وفي ضمن هذا الدعوة لمراقبته على الدوام؛ فقال: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ أي: حال من أحوالك الدينية والدنيوية ﴿وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ﴾ أي: وما تتلو من القرآن الذي أوحاه الله إليك ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾ صغير أو كبير ﴿إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أي: وقت شروعكم فيه، واستمراركم على العمل به، فراقبوا الله في أعمالكم، وأدوها على وجه النصيحة، والاجتهاد فيها، وإياكم وما يكره الله تعالى؛ فإنه مطلع عليكم، عليم بظواهركم وباطنكم ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾ أي: ما يغيب عن علمه وسمعه وبصره ومشاهدته ﴿مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ أي: قد أحاط به علمه، وجرى به قلمه(2).

وقوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18] أي: ما يتكلم من كلام يخرج من فيه، وما يعمل من عمل إلا عنده ملك حافظ يكتب قوله وعمله، معد مهيأ لذلك، حاضر عنده لا يفارقه(3).
وقوله تعالى: ﴿‌وَلَا ‌تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]، أي: ولا تتبع ما ليس لك به علم؛ بل تثبت في كل ما تقوله وتفعله، فلا تظن ذلك يذهب لا لك ولا عليك، ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ فحقيق بالعبد الذي يعرف أنه مسئول عما قاله وفعله، وعما استعمل به جوارحه التي خلقها الله لعبادته أن يعد للسؤال جوابا، وذلك لا يكون إلا باستعمالها بعبودية الله وإخلاص الدين له، وكفها عما يكرهه الله تعالى(4).
وقول النبي صلى الله عليه وسلم في جزء حديثه: (… وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ ‌مِنْ ‌سَخَطِ ‌اللَّهِ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ)(5)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (… وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ، الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ، ‌الْمُلْتَمِسُونَ لِلْبُرَآءِ ‌الْعَيْبَ)، وفي رواية: (الْعَنَتَ)(6).

بعد هذا التذكير أقول: هل يبعد أن يعلن بعض العلماء والساسة والمفكرين تخطئة حادثة السابع من أكتوبر، وتخطئة إصرار الساسة وقادة المقاومة على مواصلة جهادهم رغم الحصار المطبق، والعزلة الدولية، ومحدودية النكاية في الحربي، وفداحة تدمير الحربي لثلاثة أرباع قطاع غزة، وتقتيله عشرات الألوف من الغزيين، وتمثيله بعدد أكبر منهم، وأسره لآلافهم، ومجاعة أفقدتهم صوابهم؛ هل يبعد أن يعلنوا تخطئتهم ببواعث صالحة بعيدة عن الخيانة والنفاق، إلا أن تكون أيها الأخ الكريم محدثا، فحدثت أنهم جميعا خونة ومنافقون؟!
وأما عن قوله: لا يوجد في التاريخ من يعترض على القادة أثناء لقاء عدوهم؛ فهذا نفي تعوزه الدقة؛ فإن عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنكرا على خالد بن الوليد رضي الله عنه اجتهاده فيمن ظنهم مشركين حربيين وكانوا مسلمين وذلك في سرية بني جذيمة؛ «قال ابن إسحاق: وقد كان جحدم قال لهم حين وضعوا السلاح ورأى ما يصنع خالد ببني جذيمة: يا بني جذيمة، ضاع الضرب، قد كنت حذرتكم ما وقعتم فيه. قد كان بين خالد وبين عبد الرحمن بن عوف، فيما بلغني، كلام في ذلك، فقال له عبد الرحمن ابن عوف: عملت بأمر الجاهلية في الإسلام. فقال: إنما ثأرت بأبيك. فقال عبد الرحمن: كذبت، ‌قد ‌قتلت ‌قاتل ‌أبي، ولكنك ثأرت بعمك الفاكه بن المغيرة، حتى كان بينهما شر. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (مَهْلًا يَا خَالِدُ، دَعْ عَنْكَ أَصْحَابِي، فَوَ اللهِ لَوْ كَانَ لَكَ أُحُدٌ ذَهَبًا ثُمَّ أَنْفَقْتُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا أَدْرَكَتْ غَدْوَةَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِي وَلَا رَوْحَتَهُ)»(7).

وعن الزهري، عن سالم، عن أبيه رضي الله عنهما، قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا أسيره، حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره، فقلت: والله ‌لا ‌أقتل ‌أسيري، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، حتى قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم فذكرناه، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يده فقال: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ مَرَّتَيْنِ)( 8 ).
وثبت عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أنه عزل خالد بن الوليد رضي الله عنه، … وجعل الأمر كله إلى أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه، …، وإنما عزله لرجحان مصلحة ظهرت له في أبي عبيدة، فلما بلغ كتاب عمر إلى أبي عبيدة.. أخفاه وتركه مصلحة بالناس على حالته، فعلم خالد بذلك، فعتب على أبي عبيدة حيث لم يعلمه بالعزل، وقال: والله؛ لو تولى علي عبد.. لسمعت وأطعت(9).
وعزل عمر رضي الله عنه العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه لما ركب بالأجناد البحر، رغم تأييده بالكرامة؛ حيث يبس البحر من تحت أقدامهم يومئذ، ونجوا جميعا؛ لانزعاجه أن يقتحم القائد بجنده الأخطار مرجحا سلامتهم على أمل دوام تأييده بكرامة؛ قال ابن كثير رحمه الله: “ولما بلغ عمر ما صنع العلاء بن الحضرمي؛ اشتد غضبه عليه، وبعث إليه فعزله وتوعده، وأمره بأثقل الأشياء عليه، وأبغض الوجوه إليه”(10).
فإن قلت: هذا إمام المسلمين، فله حق في إثبات من شاء وعزل من شاء، وبدء الحرب وإنهائها، وتضييقها وتوسيعها، وليس للعالم أن يعترض على سياسة قائد جنده.
أقول: هذا حق ما لم يكن القائد طائشا هجاما، وثمة قراءة أخرى للأثرين؛ أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه لما عظم الخطر من قائد الجند على مصلحة الأجناد؛ بادر إلى عزله، وإن العالم إذا رأى مفسدة عظيمة قد أتت على جل بلده؛ لضعف في الشوكة، وعدم في الإمداد، وخلل في فهم الجهاد، وتخلف ظاهر لمقصده؛ لا يسوغ له أن يسكت، سيما مع ضآلة النكاية في الحربي، وفداحة نكاية الحربي في أهل القطاع حتى فتن الكثير منهم في دينهم وأخلاقهم؛ فكانت من بعضهم الردة، وقتل النفس، والسرقة، والغصب، والأثرة، والزنا، والربا، والاحتكار، وأمراض النفس والعضو.

ولله در الشافعي رحمه الله قال: «ولا ينبغي أن يولي الإمام الغزو إلا ‌ثقة ‌في ‌دينه، شجاعا في بدنه، حسن الأناة، عاقلا للحرب بصيرا بها غير عجل، ولا نزق.. ولا يحمل المسلمين على مهلكة بحال، ولا يأمرهم بنقب حصن يخاف أن يشدخوا(11) تحته، ولا دخول مطمورة(12) يخاف أن يقتلوا، ولا يدفعوا عن أنفسهم فيها، ولا غير ذلك من أسباب المهالك، فإن فعل ذلك الإمام؛ فقد أساء ويستغفر الله تعالى.. ولا يأمر القليل منهم بانتياب الكثير حيث لا غوث لهم.. وإذا حملهم على ما ليس له حملهم عليه؛ فلهم أن لا يفعلوه -أي: ألا يطيعوه-»(13).
فهذا توجيه للأجناد عبر الأجيال أن القائد يتعين عليه توخي الأصلح لرعيته في مناحي حياتهم، ولو بدا للرعية تعسفه أو زيغه وضلاله، أو تهوره واندفاعه، أو عجزوا عن امتثال أمره؛ لم تلزمهم طاعته.
وفي الختام أسأل الأخ الكريم: إذا علمت أن غزة محاصرة من جهاتها الأربع، وأنها كتلة من البشر والبنيان، وأنها تستورد كل شيء من عدوها، وأنها جاهدت عدوها الحربي قريب عقدين من الزمن، وفي كل مرة يمنى أهل قطاع غزة بقتل وتدمير وتهجير، دون أن يتحقق لهم هدف من أهداف جهادهم، ولم يزالوا في حصار من حين أسر الجندي شاليط إلى أيامنا هذه؛ فعلى ماذا يعول الساسة والقادة والعلماء أمثالك؟! وما الذي تنتظرون؟!
على أن قتالنا لعدونا كفاحا متعذر؛ لضآلة ما عندنا من الشوكة وعظم ما عنده، وأن المجاهد لا يمكنه أن ينال من عدوه إلا على حين غرة مع الاستتار والتخفي، ثم ينتهي إلى نفقه المتخذ تحت البيوت وبعض المشافي والمؤسسات؛ ليكون جل أهل القطاع ترسا للقادة والأجناد، وقد اعتمدوا هذا سبيلا لجهادهم على توقع أن الحربي تمنعه أخلاقه من أن يضرب البيوت المأهولة بالناس، وعندئذ يأمن الناس والأجناد، وفي الحروب الأخيرة أراهم عدوهم خلاف ما يتوقعون؛ فهل الرأي عندكم وعند السادة العلماء الإصرار على هذه الطريقة التي أتت على ثلاثة أرباع القطاع، وتوشك أن تأتي على ربعه الآخر؟ إن هذا والله لشيء عجاب!!
والله أسأل الهدى والرشاد، والفرج العاجل لأهلي في القطاع، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على محمد.

(1) السعدي/تفسيره(ص163).
(2) السعدي/تفسيره(ص367).
(3) مجد مكي/تفسير المعين(ص519).
(4) السعدي/تفسيره(ص457).
(5) أخرجه: البخاري/ صحيحه(٦١١٣)(5/ ٢٣٧٧).
(6) حسن، أخرجه: الطبراني/المعجم الصغير(835)(2/ 89).
(7) ابن هشام/السيرة النبوية(2/ 431).
(8) أخرجه: البخاري/صحيحه(4339)(5/ 160).
(9) الطيب بامخرمة/ قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر(1/ ٢٧٦).
(10) انظر: ابن كثير/البداية والنهاية(7/97).
(11) الشدخ: كسر الشيء الأجوف، ومعناه هنا: يخاف أن ينهدم عليهم الحصن، أو تسقط عليهم بعض حجارته فتكسر عظامهم تحته.
(12) المطمورة: الحفيرة تحت الأرض، وهي بلغتنا المعاصرة: الخندق أو النفق.
(13) الشافعي/الأم(4/ 178).
https://www.facebook.com/share/p/1AwXEvxW7F/
===

مناقشة موقف الشيخ #فيصل_قزاز من النقد زمن الحرب

بقلم: د. أحمد محمد الصادق النجار 

يُثار هذه الأيام سؤال مهم: هل يجوز نقد القيادات المقاومة زمن الحرب، خاصة إذا كان القتال مع الكفار أو أن هذا النقد يُضعف الصف ويُعد خيانة أو نفاقًا؟؟
وقد عبّر الشيخ فيصل قزاز عن موقف مانع من النقد وجعله من باب الخيانة والنفاق، معتبرًا أن هذا النقد لا يُعرف في تاريخ المسلمين إلا من الخونة والمنافقين.

قال:”لا يعرف في تاريخ المسلمين أن حربًا قامت بين المسلمين والكفار ووقف عالم من علماء المسلمين ينتقد المسلمين والحرب قائمة، بل لا يعرف هذا إلا من الخونة والمنافقين…

وإذا أردنا مناقشته:
.أولا: من حيث التأصيل الشرعي

النهي عن نقد المسلمين زمن الحرب ليس حكمًا مطلقًا عند علماء أهل السنة، بل هو مقيّد بحال تحقق الجهاد الشرعي واستكمال شروطه وانتفاء موانعه، مع رجحان المصلحة في السكوت
* أما إذا كان القتال فاقدًا لشروطه الشرعية، أو محققًا لمفسدة أكبر، فإن بيان الحكم الشرعي يصبح واجبًا، ولو في زمن الحرب، بشرط أن يكون بأسلوب منضبط يراعي المصلحة ويدرأ المفسدة.

ثانيا: من حيث الاستقراء التاريخي

الاستقراء الذي يذكره الشيخ فيصل غير مكتمل؛ فالتاريخ الإسلامي شهد حالات نقد وتصحيح زمن الحرب إذا كان القتال غير مستوفٍ لشروطه.

ومن ذلك ما جرى زمن اجتياح التتار لدمشق، حيث خرج كثير من الناس يستغيثون بالأموات، فأنكر العلماء ذلك رغم أن العدو على الأبواب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:”ولهذا كان أهل المعرفة بالدين والمكاشفة لم يقاتلوا في تلك المرة لعدم القتال الشرعي الذي أمر الله به ورسوله، ولِما يحصل في ذلك من الشر والفساد وانتفاء النصرة المطلوبة من القتال، فلا يكون فيه ثواب الدنيا ولا ثواب الآخرة لمن عرف هذا وهذا…”

فهذا المثال يدل على أن النقد زمن الحرب قد يكون مشروعًا إذا كان الهدف إصلاح المسار وتصحيح الفعل قبل المضي فيه.

ومن هنا، يجب أن نفهم أن من ذمّ الإقدام على قتال لم تكتمل حقيقته الشرعية، لم يذمه لأنه قاتل الكفار أو شارك في جهاد مستوفٍ لشروطه، بل ذمه؛ لأنه أقدم على فعل ناقص الشروط، ترتّب عليه ضرر عام ومفسدة راجحة لا تقرّها الشريعة…

وأما رميه لمخالفيه بتهم التخذيل والخيانة والنفاق فهو تعد ظاهر ولم يراعِ المعنى الذي اعتبرته الشريعة في النهي عن التثبيط والتخذيل في جهاد وجد سببه وتحقق شرطه، وهو:التأثير السلبي المباشر والراجح على سير الجهاد في ساحة المعركة.[انظر: البيان في مذهب الإمام الشافعي (12/217)]
فما كان ضرره على الجهاد في ميدان القتال عظيماً، مُنع منه شرعاً.
أما ما كان ضرره مرجوحاً ومصلحته راجحة، أو كان الشروع في القتال خطأً لعدم تحقق شرطه الشرعي – ولو كان جهاد دفع – فإن التصحيح واجب؛ حماية للأرواح والمصالح الشرعية.
ومن المعلوم أن أغلب من يتكلم عن أحكام الابتداء والاستمرار ممن يرى وجوب النصرة هو بعيد عن ساحة المعركة، وهو إنما يتكلم عن حكم فقهي، ويرد على شبه أهل الضلال…

والذي يؤسفني -حقيقة- الحال الذي وصل إليه الشيخ فيصل قزاز بسبب خصوماته مع بعض المشايخ، فضيع البوصلة… واستغل مقالاته أهل الانحراف لضرب مشايخ أهل السنة…

http://abuasmaa12.blogspot.com/2025/08/blog-post_13.html
===

https://t.me/modar_abualhayjaa/8231

إضاءات شرعية منهجية فلسفية أخلاقية ،،،

نظرية النقد وحقيقة الخذلان بين الكنيسة والقرآن!

القسم (1)

إن كل من يمضي في طريق الدعوة إلى الله مستهدفا رفع مستوى الوعي الجمعي لدى النخب والعوام لابد وأن يجد في الطريق أشواكا ومفاهيم مغلوطة تعيق النبات الطيب، الأمر الذي يوجب بذل جهد دعوي عقلي فكري كبير يستند إلى الوحيين لاقتلاعها أولا ثم زراعة المفاهيم والتصورات السليمة في محلها.

منطق الكنيسة وسلوك الرهبان كيف يتسلل لخطاب الشريعة!

تبنت الكنيسة منهج التلقين والتقليد، ورفضت منهج النظر العلمي والعقل المتجرد والتدبر الرسالي، كما مارس رهبان الكنيسة دور محاكمة الناس واتهام نياتهم ووصفهم بالخطيئة والخذلان، حتى وصل بهم الحال لسلوك إجرامي يجر أصحاب العقول والنظر إلى المقصلة حيث تقطع الرقاب!

إن منهج الكنيسة الضال وسلوك الرهبان اللاأخلاقي في وأد العقول ومنعها من النظر والتدبر يستهدف قتل الإدراك ووأد الإبداع ومنع الوعي من التمدد، وذلك حرصا على بقاء هيمنة الكنيسة وسلطة الرهبان الحصرية والمعصومة!

لقد نحى الإسلام منحى مختلفا عن منحى الكنيسة وسلك فيه العلماء والدعاة سلوكا مضادا لسلوك الرهبان، وما ذلك إلا إنعكاس للتصور القرآني وللوحي الرباني الذي نزل به جبريل الأمين على خاتم النبيين والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والذي جاء مرسلا للعالمين.

التصور الإسلامي في وجوب النظر والتدبر.

إن المتدبر لكلام الله المحفوظ بين دفتي القرآن الكريم يجد عددا لا يحصى من الآيات التي تدعو للنظر والتفكر والتدبر وعقل الأمور والمراجعة والفرز بين الصحيح والسقيم وما يحقق المصالح وما يجلب المنافع، ومثل هذا متوفر في حديث من لا ينطق عن الهوى عليه الصلاة والسلام، كما يتجسد هذا السلوك المنهجي في مدرسة محمد حيث تخرج منها الصحابة المعدلين بنص القرآن، ولذلك فإن السيرة زاخرة بصور تبرز فاعلية عقول الصحابة في نقاش قضايا الشأن العام سواء في حياة النبي أو بعد وفاته صلى الله عليه وسلم.

التخلف في التصور والسلوك في واقع حركات التغيير الإسلامي المعاصر!

وفي نظرة واسعة لواقعنا المعاصر اليوم تبرز حالة التدني العلمي وخفوت التفكير وضعف النظر، ومما أسهم في هذا ويعززه بعض المقولات الرائجة التي تستهدف كبح النظر والتفكر والتدبر، كالقول لا يفتي قاعد لمجاهد، أو لا يفتي أهل الدثور لأهل الثغور، علما بأن تاريخ المذاهب الفقهية يعكس صورة مخالفة بالكلية، لاسيما عند عمداء ورواد المذاهب الأوائل الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة!

وقد أسهم سلوك بعض الوعاظ القاصرين أو الدعاة المنغلقين الذين هم لأحزابهم متعصبين، أو بعض العلماء الذين هم عن واقع الحال وتفاصيله مغيبين وفي خطابهم ومقارباتهم عن الواقع منفصلين، بتعزيز هذا التخلف العلمي وترسيخه وصبغ أتباعهم به، مكتفين بالشحذ النفسي والعاطفي دون إعمال عقل وتدبر ونظر، وهو ما أنتج مسلما معاصرا يملك قلبا مليئا بالمشاعر فقيرا بالعقل.

غياب تفعيل السمع والنظر المتفكر والعاقل مدخل لعمى البصيرة.

ولقد نبه القرآن لمسألة عمى البصيرة وغياب الإتعاظ والاعتبار مخاطبا كفار قريش بقوله سبحانه وتعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ سورة الحج:46، وفي الآية الكريمة دعوة لإعمال النظر والسمع والتفكر والإعتبار المبني على حقائق عالم الشهادة، والذي بإنكاره يتجسد عمى البصيرة!

سلوك الرهبان في الخطاب الإسلامي المعاصر أنتج النموذج القاصر بين الأتباع!

وكما ساق رهبان الكنائس العلماء بالأمس إلى المقاصل وقطعوا رؤوسهم بعد تجريمهم أمام العوام، وذلك بغية ترهيب العقول ومنع سيادة وتمدد الوعي المبني على النظر في حقائق الواقع ووعي حقائق الدين، قاد كثير من الدعاة العاطفيين اليوم ووعاظ المساجد وبعض علماء الحركات والتنظيمات الإسلامية، كل من يفكر وينظر ويعقل ويتدبر قضايا الأمة العربية والإسلامية بعقل حر -يعكس معنى التوحيد لله والتجرد في النظر لمصالح الناس- إلى المقصلة وقطعوا رأسه بشكل معنوي بين الناس، مطلقين أحكامهم المغلفة بغلاف شرعي جاهل وفاقد للأخلاق والمروءة -في حال الاختلاف- حيث يصفون هذا بالمنافق والآخر بالعميل والخائن وغيره بالمتصهين مستهدفين إسقاطه بين الناس، ومعطلين الدعوة القرآنية للسمع والنظر والتفكر والتدبر، في صورة لم تشهدها جميع المدارس والمذاهب الفقهية الإسلامية السنية، والتي توفر فيها من مسائل الخلاف ما ملأ بطون الكتب التراثية المحفوظة!

ظاهرة منع النقد والاتهام بالخذلان المعاصرة في ميزان القرآن الكريم والسنة المطهرة!

تابع القسم (2)

مضر أبوالهيجاء فلسطين-جنين 15/8/2025
https://t.me/modar_abualhayjaa/8241

إضاءات شرعية منهجية فلسفية أخلاقية ،،،

نظرية النقد وحقيقة الخذلان بين الكنيسة والقرآن!

القسم (2)

ظاهرة منع النقد والاتهام بالخذلان المعاصرة في ميزان القرآن الكريم والسنة المطهرة!

لاشك بأن حجم الإخفاقات التي منيت بها التجارب والحركات الإسلامية في مجالات الدعوة والتغيير الحركي والتحرير القتالي الجهادي خلال قرن مدعاة للتوقف والنظر والمراجعة بهدف التصويب، وذلك اقتداء بالمنهج القرآني الذي لم يترك منعرجا ومفصلا هاما ومؤثرا في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وفي معارك الصحابة الكرام والمعدلين إلا وأنزل الله فيه عتابا وتصويبا وإرشادا وتقريعا أثناء المعارك وبعدها، وذلك بحق خير الخلق بعد محمد صلى الله عليه وسلم.

وفيما يشير القرآن لصور كثيرة في نصح ومراجعة ونقد وتوجيه سلوك الصحابة الكرام قبل المعارك وخلالها وعقبها، يصر بعض الدعاة القاصرين اليوم على حرمة توجيه النقد الناصح للمسلمين وهم في حالة جهاد، مما يتسبب في تدحرج وتعاظم كرة الأخطاء التي لا يلحظها إلا من هم في الميدان حاضرون، أو في الواقع المحيط بنظر واسع وبعقول حرة -غير حزبية- يتمتعون وبها يتفكرون ويتدبرون، وهي ترجمة لمطلب الوحي كما جاء في كتاب الله العزيز!

جدلية النقد وفق التصور الإسلامي!

إن الجدلية في السلوك النقدي الناصح لمن هم في الميادين يقوم على أرضية الإنتماء الواحد الموجب لتكامل الأدوار، لا التنازع والتباغض، وهو معنى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( انصر أخاك ظالما أو مظلوما، فقال: رجل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنصره إذ كان مظلوما، أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره؟! قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره )، وقد بين حديث من لا ينطق عن الهوى وجوب نصرة المسلم لأخيه وهو على حال الظلم وفي طريق الخطأ، وذلك بالأخذ على يديه ومنعه، فما فائدة هذا الانتصار والانحياز إذا لم يكن في وقت الفعل وزمان دورانه وعند احتدام الصراع؟

وبكلمة أقول: أوليس الظلم المقصود عندما يمس الجماعة وترتد مآلاته على عموم الناس أولى من الظلم الذي لا تجاوز نتائجه حال الأفراد؟

النظر والنقد المفضي للعلم وفق التصور القرآني.

إن أول آية نزلت على النبي الأمي محمد بن عبدالله كانت سورة العلق، يقول سبحانه وتعالى مخاطبا نبيه الكريم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ العلق:1.

ليس عجبا أن تكون أول كلمة يوحى بها للنبي محمد صلى الله عليه هي كلمة اقرأ، ففي ذلك دلالة على منهج علمي عظيم هو شكل وجوهر وطابع هذا الدين، وهي حقيقة لم يدركها علمانيو العرب بعد أن شوهها المستشرقون، وجسدتها بعض مقولات وسلوكيات المسلمين المعاصرين!

إن القراءة والعلم والتعلم واكتساب كل حق مرتبط بعالمي الغيب والشهادة مفض لا محالة لتشكيل عقل نقدي يفرز الصحيح من السقيم معتمدا على الوحي ومنسجما مع سنن الكون ومعتبرا لواقع الحال، وبدون هذا كله لا يمكن أن يستقيم حال العقل ولا يكتمل رشده المسؤول.

كما أن أمر الله العليم الخبير لنبيه الكريم بالقراءة هو منهج قرآني لعموم الموحدين، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهو ما عززته آيات كثيرة تستنكر على العباد غياب النظر والتفكر والتدبر والمراجعة المفضية للعدول والجنوح للحق وما هو أهدى سبيلا.

مدرسة النبي المعلم ونموذج الصحابة الأتباع.

إن نموذج الصحابي الفرد والجماعة جسد من خلال تناوله لقضايا الأمة ومسائل الشأن العام حالة فريدة في حيوية عقل المسلم في المنشط والمكره وفي العسر واليسر كما في الحرب والسلم، وما ذلك إلا نتيجة لاصطباغ الصحابة بمفاهيم وتصورات الوحي الإلهي قرآنا وسنة والذي عاينوه في سلوك وتناول النبي الأمين محمد صلى الله عليه وسلم لقضايا الشأن الإسلامي العام -لاسيما في ما اختلفوا فيه وقت السلم وزمن الحرب-، وهو كذلك نتيجة لتجردهم ونزاهتهم عن العصبية لغير الحق، وانحيازهم لما ينفع الناس خارج إطار الفريق والحركة والحزب.

فتنة العناوين الصحيحة وسلوك العقول القاصرة!

نجح الغرب الصليبي المتصهين في الإستفادة من صواب بعض المشاريع والأعمال الإسلامية كما استفاد من أخطائها، حتى أنه تبنى الترويج لبعض أعمالها عبر وسائله ودعمها ليحصل على ثمرات أكبر وأسرع في تدمير الكينونة الإسلامية الجمعية وتعثير مسار انعتاقها ونهضتها، غير عابئ بالمكاسب الجزئية التي يمكن أن يحصلها المسلمون باعتبارها لا تحدث منعرجا ولا تبدل واقع الأمة ولا تصنع وقائع فارقة في مصلحة الأمة وشعوبها، بقدر ما يستفيد منها الخصم نتيجة امتلاكه لنظر متفكر وعقل مسؤول ومتدبر.

نموذج القاعدة في الجمع بين العناوين الصحيحة والسلوكيات الخاطئة والمقاربات المدمرة!

برع تنظيم القاعدة في الإعلاء والإعلان عن أهداف إسلامية صحيحة ومشروعة كالقيام بواجب عودة وتمكين الدين في المجتمع والدولة، كما دغدغ مشاعر كل المكلومين في فلسطين وكل المتحرقين في العالم الإسلامي لتحرير الأقصى، فما الذي حدث وكان؟

تابع القسم(3)

مضر أبوالهيجاء فلسطين-جنين 15/8/2025

 

 

 

حكم الصلاة في المساجد التي فيها قبور

حكمُ الصّلاة في المساجد التي فيها قبور

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على نبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أمّا بعد:
فقد استفاضت سنّة الرّسول -صلّى الله عليه وسلّم- بالنّهي عن اتّخاذ القبور مساجد، وذلك بالصّلاة عندها، أو ببناء مسجد عليها، ومِن ذلك ما في الصّحيحين: عن عائشة -رضي الله عنها- أنّ النّبي -صلّى الله عليه وسلّم- قال وهو في سياق الموت: (لعنةُ الله على اليهود والنّصارى؛ اتّخذوا قبورَ أنبيائِهم مساجد).
وفيهما أيضًا: أنّه -صلّى الله عليه وسلّم- قال لَمّا ذُكرتْ له كنيسةٌ مِن كنائس النّصارى بالحبشة وما فيها مِن الصّور، قال: (أولئكَ إذا ماتَ فيهم الرّجلُ الصّالحُ أو العبدُ الصّالحُ بنوا على قبرهِ مسجدًا، وصوّروا فيها تلكَ الصّورَ، أولئكَ شرارُ الخلقِ عندَ الله).
وفي صحيح مسلم: عن جندب بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: سمعتُ رسولَ الله -صلّى الله عليه وسلّم- يقولُ قبلَ أن يموت بخمس: (ألّا إنّ مَن كانَ قبلكم كانوا يتّخذون قبورَ أنبيائِهم مساجدَ، ألّا فلا تتخذوا القبورَ مساجدَ، فإنّي أنهاكم عن ذلك).
قال الشّيخ محمّد بن عبدالوهّاب -رحمه الله- في كتاب التّوحيد: (باب ما جاءَ مِن التّغليظ في مَن عبدَ الله عندَ قبر رجلٍ صالح، فكيف إذا عبده؟!) وذكر أحاديثا، وقالَ بعد ذكره حديثَ “جندب”: ( فقد نهى عنهُ في آخر حياتهِ، ثمّ إنّه لَعَنَ وهو في السّياق مَن فعلَهُ، والصّلاةُ عندها مِن ذلك، أي: مِن اتّخاذها مساجد، وإن لم يبن مسجد). وختمَ الباب بما رواه الإمام أحمد وأبو حاتم في صحيحه، عن ابن مسعود -رضي الله عنه- مرفوعا: (إنّ مِن شرارِ النّاس مَن تدركهم السّاعةُ وهم أحياء، والذين يتّخذون القبورَ مساجد).
فدلّت هذه الأحاديثُ على تحريم اتّخاذ القبور مساجد، سواء بالصّلاة عندها، أو ببناء مسجدٍ عليها، وقد شاعَ عند كثيرٍ مِن جهلة المسلمين الغلو في قبور الصّالحين، أو مَن يظنّون فيهم الصّلاح، وأوجبَ لهم ذلك الوقوع في أنواعٍ مِن الشّرك الأكبر والأصغر، فبنوا على تلك القبور المساجد والقباب، فانتشرت في كثير مِن بلاد المسلمين المساجد التي فيها قبور، وهي نوعان:
النّوع الأوّل: مساجد أسّست -ابتداءً- تعظيمًا لصاحب القبر، ليُزار، ويُصلّى عنده، ويُطاف به.
النّوع الثّاني: مساجد أسّست لإقامة الصّلوات الخمس، وإقامة الجُمع والجماعات فيها، فاعتدى بعضُ النّاس فدفنَ فيها معظَّمًا صَالحًا أو غير صالح، وغلبَ هذا الواقع، حتى صار كثيرٌ مِن المسلمين يجدون حرجًا؛ لأنّهم لا يجدون مسجدًا خاليًا عن تلك القبور، فهم بين أمرين: إمّا أن يتركوا حضورَ الجمعة والجماعة التي تقام في تلك المساجد، وإمّا أن يحضروا متأوّلين العذر لهم في ذلك، لهذا يجب أن يُعلم الفرق بين النّوع الأوّل والثّاني؛ فالمساجدُ المؤسّسة على الشّرك هي مِن جنس مسجد الضّرار، فيجبُ هدمها، ولا تصحّ الصّلاة فيها، ولو أدّى ذلك إلى ترك الجماعة.
وأمّا النّوع الثّاني: فهي مساجد محترمة، وحرمتها كحرمة غيرها مِن مساجد المسلمين، لا يُبطلُ حرمتها اعتداءُ مَن اعتدى بالدّفن فيها، وعليه: فلا حرج على مَن صلّى فيها، حتى ولو كانَ القبرُ في جهة القبلة، والغالبُ أن يكون دونه جدار، فلا يستقبل مباشرة، وأمّا قوله -صلّى الله عليه وسلّم-: (لا تصلّوا إلى القبور) فذلك في حال الاختيار.
بل لا يجوزُ ترك الجمعة والجماعة مِن أجل ما يُوجد في تلك المساجد مِن قبورٍ طارئة عليها، بل الواجب على مَن قدر أن ينبشَ هذه القبور ويخرجها؛ لأنّ وجودها في المسجد كان اعتداء.
وبهذا يتبيّن أنّ المعتبر في حكم الصّلاة في المساجد التي توجد فيها القبور: ما أُسّست عليه، فمَا أُسّس على الشّرك والبدعة فلا تجوز الصّلاة فيه؛ لأنّه لم يُؤسّس على تقوى، وما أُسّس لإقامة شرائع الله فهو المُؤسّس على التقوى، فيكون مِن بيوت الله التي أذنَ اللهُ أن تُرفعَ ويُذكرَ فيه اسمُهُ.
قال اللهُ لنبيّه في شأن مسجد الضّرار وما أشبهه، وفي شأن مسجده -صلّى الله عليه وسلّم: {لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ}(التوبة:108) الآيات.
وإذا اشتبه الأمرُ على المسلم في مسجدٍ مِن تلك المساجد: فيبني على غالب ظنّه، ويستدلُّ على الواقع بالقرائن، وبسؤال أهل الخبرة مِن أهل السنّة في تلك البلد.
وأعظمُ دليلٍ على أنّ المسجد المؤسّس على تقوى مِن الله ورضوان لا يَمنع مِن الصّلاة فيه ولا غيرها مِن العبادات ما أُحدثَ فيه مِن منكر مِن شرك وما دونه؛ أقول أدلُّ دليلٍ على ذلك: ما عُلم مِن سيرته -صلّى الله عليه وسلّم- قبل الهجرة وبعدها مِن صلاته في المسجد الحرام، وطوافه بالبيت، مع ما كان في المسجد مِن الأصنام، ومِن ذلك: صلاتهُ وطوافُه في عمرة القضاء مدّة إقامته بمكة.
وقد ذكر هذا الاستدلال على المسألة الإمام ابن كثير في كتابه “الأحكام الكبير” فقال -رحمه الله- بعد كلام: “وكذلك كانَ -صلوات الله وسلامه عليه- يُصلِّي عند الكعبة قبل الهجرة، ويجعلُها بين يديه متوجِّهًا إلى بيت المقدس، وقد كان عندها مِن الأصنامِ المُشخَّصة شيءٌ كثير، حتَّى قيل: إنَّهُ كان حولَها ثلاثُمئةٍ وستون صنمًا، و”هُبَلُ” داخلُها، و”إساف ونائلة” تجاهها، ولكن لمْ يكنِ الحال يتمكنُ فيهِ مِن إزالتِها مِن عندها”.
وكذلك كان بالكعبة في عمرة القضاء وحولها ما حولها ممَّا ذكرنا، والغالب أنَّه صلَّى عندَ المقام -وكان مُلصقاً بالبيتِ- ركعتي الطَّواف، فقد أقام هنالك ثلاثةَ أيام، يُصلِّي كلَّ يوم وليلة بأصحابه الصَّلوَات الخمس عندها، ثمَّ ترحَّلَ عنها، وتركها كذلك، حتَّى كان عامُ الفتح، وتمكَّنَ مِن إزالةِ ذلك، لمْ يدخلِ البيتَ حتَّى أُلقِيَت الصُّورُ المجسَّدةُ مِن هنالك، ومُحِيتِ الصُّورُ الممثَّلةُ مِن داخلِهِ وخارجِهِ، ورجع الحقُّ إلَى نصابه، وعاد شارد الدِّين بعد ذهابه، ودخل رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- البيت، وصلَّى داخل الكعبة ركعتين، كما سنذكره في استقبال القِبلة، إن شاء الله تعالَى، وهاهنا تنبيهٌ جيِّدٌ قويٌّ:
وهو أنَّهُ لمَّا كانَ أصلُ وضع الكعبة علَى اسم الله وحدَه لا شريكَ له، كما قالَ تعالَى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا}(الحج:29)، وكذلك بيت المقدس وُضعَ بعده بأربعين سنة، كما في الصَّحيحين عن أبي ذرٍّ مرفوعًا، إلى أن قال ابنُ كثير -رحمه الله-: “والمقصودُ أنَّ كلَّ معبدٍ وُضعَ أوَّلاً علَى التَّوحيدِ فالصَّلاةُ فيهِ مشروعةٌ، ولا يضرُّ ما كان فيهِ مِن الأشياءِ المكروهة المنهيِّ عنها؛ لأنَّ المؤمنَ لا يلتفت إليها، وإنَّما قصدُهُ الصَّلاة في هذه البقعةِ المشروع الصَّلاة فيها بالأصل. فأماّ ما وُضعَ أوَّلاً علَى الشِّرك كالكنائسِ، والمعابد المتَّخذة أوَّلاً لغير مقصدٍ شرعيٍّ، فهذه لا يُصلَّى فيها، ولا يُقامُ فيها، كما قالَ تعالَى: {لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ}(التوبة:108) الآية. أهـ كلام ابن كثير.
وبهذا يُعلم أنّه لا أثرَ لإدخال حجرة عائشة -رضي الله عنها- في المسجد، وفي الحجرة قبرُه -صلى الله عليه وسلم-، لا أثر لذلك على فضيلة مسجده -صلّى الله عليه وسلّم-، ففضله بعد إدخال الحجرة فيه كفضله في حياته -صلّى الله عليه وسلّم-، وبعد وفاته، قبل إدخال الحجرة، فلم تزل الصّلاة فيه -ولا تزال- بألف صلاة فيما سواه، إلّا المسجد الحرام.
وبهذا يبطلُ احتجاج بعض القبوريين على صحّة الصّلاة في مساجدهم بوجود الحجرة التي فيها القبر الشّريف في مسجد الرّسول -صلّى الله عليه وسلّم-، زاعمين أنّ هذا يقتضي أن يكون قبر النّبي -صلّى الله عليه وسلّم- في المسجد، والعلماء يقولون: إنّ إحاطةَ المسجدِ بالحجرةِ لا يلزمُ منهُ أن تكونَ البقعةُ التي فيها القبر مِن المسجد؛ ولو فُرِضَ أنّ البقعةَ صارت مِن المسجد، وصار القبرُ في المسجد، فهذا لا أثر له في حكم الصّلاة في مسجده -صلّى الله عليه وسلّم-؛ لأنّه مؤسَّس على التّقوى، فلا يضرّه ما أُحدث فيه، حتى ولو اعتدى ظالمٌ فدفن في مسجده -صلّى الله عليه وسلّم- ميتًا، فذلك لا يمنع من الصّلاة فيه، ولا يقدح في فضيلته،كما تقدّم بيانه، ووجههُ ظاهرٌ، كما في النّقل عن الإمام “ابن كثير”، والله أعلم. وصلّى الله وسلّم على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين, حرر في: 1435/6/14 هـ

أملاه:
عبدالرّحمن بن ناصر البرّاك

١٤/جمادى الآخرة/١٤٣٥ الموافق ١٤/أبريل/٢٠١٤

اقرأ ما كتبه “الزبير أبو معاذ الفلسطيني” وهو يعيش الآن في خيمة فيما تبقى من “غزة” :

اقرأ ما كتبه “الزبير أبو معاذ الفلسطيني” وهو يعيش الآن في خيمة فيما تبقى من “غزة” :

📝🚨
ليس لها من دون الله كاشفة، وما نحن فيه الآن في قطاع غزة لن ينجينا منه إلا الله، فلن نقفز عن الواقع لنصفه بغير وصفه كما يفعل محللو “استديوهات” التحليل الذين يتقاضون الأموال لقاء تحويل الهزيمة إلى انتصارات، الواقع اليوم لو قلنا أنه نكبة جديدة فهذا أهون الأوصاف، بل نحن في أشد نكبات الشعب الفلسطيني المسلم منذ سقوط حكم العثمانيين، والقضية الفلسطينية اليوم تقف على أعتاب التصفية السياسية الكاملة، وإنهاء المقاومة المسلحة تماما، ومن يظن أن هذا التوصيف مبالغٌ فيه فهو مسكين، يريد أن يعيش أوهام النصر في خيالاته!

أنا لن ألوم حركة حماس، ولن أفعل ذلك أبدا طالما أن المعركة مشتعلة، فبعد مُضي ما يقرب من عامين تغيرت الكثير من القناعات الخاصة بهذه المعركة؛ كلما تكشفت لنا حقائق كانت خلف كواليسها، لكن لستُ مستعدا لإلقاء اللوم -في أي قضيةٍ متعلقةٍ بهذه المعركة- على إخواني الذين يواجهون هذا العدو المجرم وحدَهم؛ مخذولين متروكين، لا أرى من الشهامة والمروءة أن يفعل مسلمٌ ذلك، وربما لو كان في العمر بقيةٌ بعد أن تضع الحرب أوزارها نستطيع أن نكتب عن ما ظهر لنا من مكامن الخلل في التصور وما نتج عنه من خلل في التقدير والمواقف والآراء، وذلك لاستخلاص العِبر؛ لعلنا نشارك بسهمٍ في صناعة الوعي، أما والمعركة دائرةٌ فلا فائدة في حديثٍ عن أمرٍ قد وقع لننشغل به عن أمور قد تقع بنفس الخلل في التصور، الأصل هو الالتفاف للمعركة وما هو آتٍ فيها، ولقد كنتُ كتبتُ عدة مقالات خلال هذه الحرب تراجعتُ عن نشرِها عندما أحسستُ أنها قد تفتُّ في عضد المجاهدين؛ وهُم وحدَهم في الساحة يدافعون عن أمة الملياري مسلم، حتى أصلُ هذا المقال كتبتُه منذ حوالي ثلاثة أسابيع وترددتُ في نشرِه، بل واستشرتُ قبلَ أن أفعل، فنصحني بعض الأفاضل بعدم النشر لأنهم يرون الوقت يسمح بمزيد من الصبر، إلا أن أكثرَ مَن استشرتُهم قالوا لا ضيرَ من نشرِه، بل يجب نشرُه، وقالوا أن الاستطاعة مناط التكليف، فالظروف قد وصلت إلى مرحلةٍ شديدة الحساسية.

وهنا قد يقال وماذا ستفعلُ كلماتٌ مغمورةٌ في الأعماق السحيقة لهذا العالم الافتراضي؟! الحقيقة المؤكدة أننا لسنا أصحاب القرار، وكلماتنا لن تشارك في صناعته، لكننا أصحاب الميدان، فنحن وأطفالنا ونساؤنا من يتحمل تكاليف مرور الوقت الذي يَقطر دما مع عقارب ساعتِه، فلستُ أُلقي رأيا وأنا أعيش في مأمنٍ عن تكاليف الصبر؛ كما يفعل “ثورجية” الأمة الذين لا يرَون الغزيَّ إلا غارقا في دمه مع أطفالِه لكي يَبقى في أنظارهم العبد الصالح الذي يقاتل ولا يعرف الاستسلام! ومن يطالب بوقف هذه المهلكة فإنه يتحول في أنظارهم إلى خائنٍ مفرّط، حتى لو كان الغزيَّ نفسُه الذي فقد أهلَه وبيتَه ومالَه ويعيش مذلولا في خيمةٍ مهترئةٍ تحت أشعة الشمس الحارقة ولا يجد قوت يومه بل لا يجد مكانا يقضي فيه حاجته بكرامة ونظافة! هذا الغزيُّ يجب أن يَبقى في هذه الحال وإلا لن يُرضي “ثورجية” الشاشات الذين يكتبون بكل حماسة عن المقاومة مع أغانٍ وموسيقى صاخبة ورقصاتٍ وبعض المثلثات الحمراء، ثم بعد تعاطيهم لجرعة الحماسة يَتركون لوحة المفاتيح وشاشات العرض التي تنقل نزيف حياتنا ليذهبوا ويمارسوا حيواتهم بكل طبيعيةٍ ويسر في بيوتهم الجميلة مع أهليهم وأطفالهم! لذا يجب أن أقول رأيي فيما أشارك فيه أنا وأطفالي بدمائنا وأمعائنا الخاوية، لعله يصل بأقدار الله إلى من يصنعون القرار، فإن لم يصل لهم فهو كلمةُ حقٍّ يجب أن تقال لعلها تساهم في شيءٍ من الوعي بدلا من الفوضى الفكرية التي تتعامل مع معاناتنا كأنها مشاهد تمثيلية أو أرقام عابرة! أو اعتبروا هذا الرأي نفثة مصدور واقرأوه بلا اهتمام؛ أو توقفوا هنا ولا تكملوه وأكملوا حياتكم واتركونا مع حياة الموت التي تحبون أن نكملها بلا ضجيجٍ يفسد صورة البطولة في أذهانكم.

أقول: فيما يتعلق بقضية المفاوضات وما يُنسب لحركة حماس أنها تتعنت فيها وترفض خروجها من المشهد السياسي مع ما يلقاه المسلمون من عنت وويلات الحرب كل دقيقة وليس كل يومٍ يمرّ= أقول هنا يجب أن يعلم الجميع أن حماس تناور للهرب من النهاية التي يرسمها العالَم لهذه الحرب، وهي تصفية القضية الفلسطينية تماما وإنهاء أشكال المقاومة على أرض فلسطين وإخراج قطاع غزة من المسرح الفلسطيني برمّته بتهجير أهل القطاع إلى الخارج، وهذا يعني انتهاء دور الشعب الفلسطيني تماما في مجابهة عدوه، فهل يمكن أن تتحمل حركة حماس تبعات هذا القرار؟! هي تعلم أنها ستُرجَم بعد المعركة إن وصلنا إلى هذه النتيجة، ولن يَغفر لها أحدٌ ذلك حتى أولئك الذين يطالبونها اليوم بالرضا بأي شيء في مقابل توقف هذه المهلكة والمحرقة.

📝🚨
=وأنا أحد من يطالب بوقف هذه الحرب الرهيبة بأي ثمن، ولو كان تصفية القضية الفلسطينية، لأنه بوضوح شديد أصبح أهل فلسطين عموما وقطاع غزة خصوصا في حكم الأسير العاجز، وتبيّن أن مواجهة هذا العدو المجرم المتغوّل بإمكانيات شعب أعزل وحيد ليس له مددٌ ونصرةٌ مِن أمته هي مواجهة خاسرة، بل مَهلكة حقيقية وفناء مؤكد، والقضية الفلسطينية ليست مقدَّمَةً عقلًا على دماء المسلمين وليست بأوْلى شرعًا مِن حقنها، كيف ولو كانت النتيجة على أيِّ حال هي نفسُها ستؤول إلى تصفية القضية الفلسطينية، فلو استمرت المعركة بما نراه من واقعٍ مريرٍ قائمٍ وأدوات معدومة أو توقفت بصفقة سياسية بشروط الأعداء= فالنهاية واحدة، إذن حقن دماء المسلمين بأطفالهم ونسائهم وعجزَتهم وعاجزيهم ومرضاهم ومَن تبقى من رجالهم ومقاتليهم فإن هذا واجبٌ شرعي يأثم المفرط فيه والمتأخر عنه إثما عظيما.

حماس أمامها اليوم طريقان لا ثالث لهما كما يَظهر بوضوح:
– إما أن تتنازل وتَقبل بشروط الأعداء لإنهاء حرب الإبادة والاجتثاث.
– أو تواصلَ التمسك في شروطها مع استمرار العنت والقتل والتجويع للـ”المدنيين” المسلمين في قطاع غزة.

ولو تجاوزنا الواقع والعقل وما بين أيدينا من أسباب معدومة وافترضنا أن النتيجة لكلا المساريْن قد تكون مختلفة= فحتى مع هذا الافتراض فإنّ كِلا المساريْن مُرٌّ علقم، ومِنَ الغفلة والحماقة استمرار مراهنة الآخرين على تغيراتٍ في المشهد السياسي قد تعِينُ حماس على المناورة وفرضِ شيءٍ من شروطها، لأن الوقت يمر بدماء الأطفال والنساء والعجزة والمجوعين والمكلومين، وما أكثر الرهانات التي فشلت منذ بداية هذه الإبادة الجماعية والفاتورةُ تزداد يوما بعد يوم من دماء الأطفال! رهانٌ في البداية على دخول محور إيران للمعركة، ليتبين أن إيران وحزبُها اللبناني أول القافزين من مركب المعركة؛ ليؤكدوا المؤكد أن قضية فلسطين ليست قضيتَهم والمعركة مع الصهاينة ليست معركتَهم، ثم رهانٌ على احتجاجات أهالي أسرى اليهود وما يمكن أن يحدِثه ذلك من ضغطٍ داخلي لإيقاف الحرب، ثم رهانٌ على الخلافات السياسية للصهاينة واحتمالية تفكك حكومتهم، ثم رهانٌ على توسع المعركة إلى ساحات أخرى، ثم رهانٌ على الضغط الدولي، ثم رهانٌ على وعود الإدارة الأمريكية الجديدة وما تعلنه من سياسات لإيقاف الحروب، فإلى متى َتبقى دماؤنا رهينةً للرهانات الخاسرة؟!

لذا يجب أن تُعان حماس على اتخاذ القرار، ولو أن أهل العلم رجّحوا هذه الخيارات على الميزان الشرعي لرجَحت كفة إيقاف هذه المَهلكة حتى لو على حساب تصفية القضية الفلسطينية، أو هكذا أظن الحق، فدماء المسلمين في هذه المعركة الخاسرة ليست ماءً، وأعدادُ قتلاهم ومصابيهم ليست أرقامًا، ويمكن القول الآن أن أهل فلسطين قد أدّوا كل ما عليهم وفوق ما عليهم بمراحل ومراحل، ولا عتب على مسلمٍ في فلسطين خاصةً قطاع غزة أن تقف مقاومتُه عسكريا وسياسيا في هذه المرحلة حقنا لدماء المسلمين على هذه الأرض، إن العتب اليوم يقع على أمة الإسلام، فقضية الأرض المباركة فلسطين والمسجد الأقصى هي قضية المسلمين جميعا، وليست خاصةً بالمسلمين في فلسطين، وترْكُ الشعب الفلسطيني المسلم يواجه هذه المحرقة وحدَه بلحوم أطفاله لا يُرضي الله وليس من دينه ولا شرعِه.

اليوم على الهيئات العلمية الإسلامية العالمية أن تبادر إلى إصدار بيانات شرعية تفتي حماس بجواز التنازل في هذه المرحلة، بحيث تجعل لها الفرصة لتحميل مسؤولية التنازل على هيئات العلماء في الخارج؛ لتَخرج من هذا الحرج، وتُخلّص المسلمين في قطاع غزة من هذا العنت الشديد والظلم الرهيب، حتى لو كان السبيل تواجدُ قوات دولية على أرض القطاع؛ عربيةٍ أو مختلطة، لكي يكونوا حائلا بين يهود وبين المسلمين العُزّل الذين لا حول لهم ولا قوة، وأنا أعلم كما يعلم الجميع أن هذه القوات ستُكمل مهمة تصفية القضية الفلسطينية عن المحتلين، لكن هذا أهون شرا من بقاء جيش يهود على أرض غزة لا يحول بينه وبين المسلمين حائل، ولازال يضع الخطط العسكرية تلو الخطط ويجعل من لحوم المسلمين -أطفالا ونساءً- ميدانا لتجاربه العسكرية، إلى أنْ وصلنا اليوم إلى اتخاذ قرارٍ علنيٍّ باحتلالٍ لكامل مساحة القطاع، وقرارٌ كهذا يحتاج إلى عامٍ على الأقل لتنفيذه أمام كتلة بشرية هائلة بحجم 2 مليون مسلم أغلَقت الأنظمة العربية الحاكمة في وجوههم أبواب الهرب من ويلات الحرب بدعوى “وقف التهجير”، وساهمت في منع الغذاء والدواء لهم ولأطفالهم، وجودُ هذه الكتلة البشرية الضخمة على مساحة قطاع غزة الصغيرة قبل الحرب والتي تقلصت إلى الربع اليوم يعني أن جيش يهود ستُترك له المساحة الزمنية اللازمة لتنفيذ مخططات السيطرة الكاملة، وكل دقيقة ستمر ستحمل مزيدا من الدم النازف بلا قدرة على وقف نزيفه أو قدرةٍ لترجمة نزيفه إلى منجز سياسي، بل حتى العودة إلى السادس من أكتوبر أصبحت حلما لا يمكن التفكير فيه، بل نصرا كاملا لو حدث؛ ولن يحدث بما نراه اليوم من ضعفٍ شديد.

📝🚨
=والحقيقةُ أنني مقتنعٌ تماما أن الهدف الحقيقي لهذه الحرب ليس إنهاء حكم حماس أو إعادة أسرى يهود من الأَسر، هذه أهداف معلنة غير حقيقية، بل الهدف الحقيقي هو تحويل القطاع إلى بيئة طاردة لا تَصلح للحياة، بحيث يرحل الغزيّون عن أرضهم حال توقفت الحرب، ليكُون رحيلُهم رحيلا جبريا في ثوب الرحيل الطوعي، ولقد كتبتُ عن ذلك في بداية الحرب، واتهمني يومَها في دِيني من قضى إلى ربه فيما بعد؛ رحمه الله وغفر له، ثم مرّت الأيام كأنها أعوام وما زادني مرورها إلا اقتناعا بهذه الحقيقة، ولازلنا ننتظر أياما وأياما لا نَعرِف كيف ستمر ومتى ستنتهي، لكن ما نعلمه يقينا أنها ستمرّ مثقلةً ومحمّلةً بمزيدٍ من الدماء والأوجاع.

وكلما أمعنت في التفكير وصلت إلى نفس النتيجة، فلا يوجد بأيدينا خيارات، وأعني الأدوات التي يَغلب على الظن في وجودها أن للصبر ثمرة مرجوة، ولو في الحد الأدنى، هذه الأدوات مفقودة اليوم، ومِن المفارقة أن عدونا يريد الوقت، ويسعى قدر الإمكان لإطالة أمد الحرب لتحقيق الهدف الرئيس غير المعلن كما أسلفتُ: تحويل غزة إلى بيئة طاردة لا تصلح للحياة، وفي المقابل فإن الوفد المفاوض -تحديدا قادة حماس في الخارج- ليس بين أيديهم سوى الانتظار والتمسك بحبل الوقت بحثا عن تغيرات في المشهد السياسي من خلالها يحاولون تحصيل شيءٍ من شروطهم، فإلى متى تتركنا الأمة متمسكين في خيارٍ وحيدٍ هو نفسُه ما يحتاجه عدونا ليستمر في مخططاته الإجرامية؟! ولازلنا ننتظر أن يجرب عدونا خططه الجديدة فينا ليرى أيها يمكن أن ينجح ليستمر فيه، وأيها الذي يفشل ليجد بديلا عنه، ولكي يبقينا في ميدان تجاربه كفئران التجارب.

حتى جهاد مجاهدي غزة وتحديدا مجاهدو كتائب القسام على عظيم ما يصنعونه إلا أنه لازال غير مؤثرٍ تأثيرا يوقف المعركة، رغم ما نراه من نماذج عجيبة في الاستبسال والقتال سيكتب عنها التاريخ، لكن الحقيقة أن الألم الذي يسببه جهاد هؤلاء الأبطال لازالت يهود تستطيع تحمله، وهو ضمن القدرة الاستيعابية لهم، ليس لأن يهود أهلُ معاركٍ وحروب، بل لأنهم يتعاملون مع هذه المعركة على أنها معركة وجودية؛ إما هم أو نحن، لذا فكل خسائرهم تعتبر بالنسبة لهم ثمنا مقبولا في سبيل تحقيق أهدافهم، ولن يترددوا في تحمل المزيد لأنهم لن يقبلوا أن يتكرر السابع من أكتوبر، بل لن يقبلوا أن يَبقى من يفكر في السابع من أكتوبر جديد، والظن بالله أنهم سيفشلون في نهاية المطاف، وسينتقم الله منهم، لكن متى الله أعلم، ولا يمكن أن نراهن على غيب لا نعلمه. وتقريرُ هذه الحقيقة لا يعيب المجاهدين، فمن يقاتل طيلة ما يقرب من عامين بلا أيِّ دعمٍ خارجي من أمته؛ وبأظفاره وأسنانه وكل ما يستطيع ولازال يقاتل= فهؤلاء الأبطال الأشاوس يجب أن نستبقيهم لمواقع قادمة، لا أن نراهن على صمودهم حتى آخر مقاتل! وليت الأمر يقف على الرجال المقاتلين، لقلنا أن هذا خيارُهم الذي اختاروه وطريقهم الذي سلكوه، لكن القتال يراد له أن يستمر حتى آخر طفل فينا كما قالها بلسانه أحد ضيوف قاعات التحليل المكيّفة!

أما من يطالب باستمرار المعركة تعلقا بوعد الله بالنصر وتعليقا على شماعة الإيمان فهذا لا يَفهم وعد الله ولا نصرَه ولا يفهم حقيقة الإيمان كيف لا ينفصل عن الأسباب التي بين أيدي المؤمنين، وأبسط ردٍّ على هؤلاء أن يُقال: طالما أنّ نصرَ الله قادمٌ على أي حال فلماذا لا تطالبون بوقف هذه المهلكة بأي ثمن لحقن دماء أطفال المسلمين ونسائهم ومِن ثمّ تنتظرو النصر؟! هل الله أمركم بانتظار نصره عندما يُترك ضعفة المسلمين في مواجهة إجرام الكافرين؟! وبدون أيِّ قدرة على منع الكفرة من إجرامهم؟! لم نُؤمر بذلك ولم يكن هذا دينًا، فإنْ كان سيدنا خالد رضي الله عنه قد سحب جيشا من الرجال المقاتلين الأفذاذ أولى البأس الذين خرجوا طلبا للنصر أو الشهادة وليس بينهم طفلٌ ولا امرأةٌ ولا كهلٌ؛ سحبَ هذا الجيش من مواجهةٍ كانت ستُفضي إلى فَنائه عندما قرأ سيدُنا خالد الواقعَ وعرف الأسباب التي بين يديه، فكان هذا بالمفهوم العسكري نصرا، وبالمنظور الشرعي حقًّا لا تشوبه شائبة؛ عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (بل هم الكُرّار) أمام من قال متعلقا بالإيمان دون الأسباب: (هم الفُرّار).

كما أن الذي يَغلُب على الظن عند من يفهم السنن كيف تسير بأن هذا قد يكون العلو الأخير ليهود وأن هذه المعركة قد تكون بدايةَ نهايتِهم= فهذا وإن كنتُ أيضا أشارك أصحابَه نفس الظن فليس سببا لترْك المسلمين العُزّل ليواجهو مصيرهم في انتظار النهاية المظنونة لدولة يهود في المرحلة المقبلة، لأننا لا نعلم الغيب، فقد يكون هذا العلو الأخير وقد لا يكون، والظن لا يُغني عن الحق، كما أننا لا نعلم متى ستكون هذه النهاية التي نتوقعها ونرجوها؛ ونؤمن بتحققها طال الزمن أم قصُر، هل بعد شهرٍ أم شهرين أو عامٍ أم عامين، أو ربما بعد عشرة أعوام، لا يمكن أن يُترك المسلمون العُزّل يواجهون هذه المحرقة بأطفالهم في انتظار تحقق أمر لا نعلم متى يكون!

📝🚨
=وبكل وضوح ودون مجاملات لا يَحتملها هذا الواقع المرير -ولأجل التوضيح لا القدح والله- أقول: حركة حماس يجب أن تُعان في اتخاذ القرار الشرعي الصحيح مهما كان مريرًا؛ لأن المفاضلةَ اليومَ بين سيءٍ شديد السوء وأسوأ منه، فلقد بدأ مجلسُها العسكري هذه المعركة واتخذ قرارها منفردًا دون أن يكون بينهم طالبُ علمٍ معتبَرٌ واحدٌ على الأقل؛ يقدّر المصالح والمفاسد الشرعية، بل حتى دون مرجعيةٍ سياسيةٍ للمكتب السياسي للحركة نفسِها، واليومَ المكتبُ السياسي وُكلَت إليه مهمة المفاوضات وليس بينهم أيضا عالمٌ واحد! فإنْ سبَق السيف العذل في اتخاذ قرار بِدء المعركة فقرار التفاوض حول إيقافها يجب أن يكون العبءُ الأكبر فيه على علماء المسلمين المنضوين تحت هيئات عالمية، وهم من يجب أن يتحملوا مسؤولية التبعات السياسية لقرار التنازل لحقن دماء المسلمين، ليس إنقاذا لحماس من هذه التبعات فقط، بل إنقاذا لأمةٍ من المسلمين تُركت بلا رحمةٍ بلحوم أطفالها في مواجهة كفرٍ مدجج بكل أنواع السلاح؛ ومدعومٍ من كل العالم عربا وعجما سرا وجهرا.

وقبل أن أختم أقول: أنا ابن غزة ولقد عشت هذه الحرب منذ أول دقيقة حتى اليوم، فلا يزايدن أحدٌ بوصمى بالتخاذل أو الاستسلام، فلقد فقدت بيتي ومالي وكل ما أملك وأكتب من خيمتي التي لا تمنع حرارة الشمس وأنا أقاسي الجوع مع أطفالي، ولو كان الأمر يقف عليّ وعلى أطفالي وحدنا ما تفوهت بكلمة، وأنا الذي كنتُ ولازلتُ وسأبقى بإذن الله مؤمنا بأن طريق الجهاد هو الطريق الوحيد لتحقيق النصر، لكننا في قطاع غزة لا نستطيع القيام بفرض الجهاد حق القيام، ولا حتى بأدنى صوَره التي يتحقق بها المقصود الشرعي، فأصبحنا فعلا في حكم الأسير العاجز الذي لا واجب عليه في إنقاذ نفسه، كما لستُ أدّعى أن رأيي هذا هو الحق الذي لا يقبل المعارضة، فقد أكون مخطئا نعم، لكن الواجبَ ليس عليّ في البحث لمعرفة خير الخيرين؛ أو لنقُل شر الشرّين بمعنى أدق، بل هو واجبُ العلماء الذين ملؤوا كتبهم وأشرطتهم بفقه المقاصد ووجوب النظر في المصالح واجتناب المفاسد طيلة عقودٍ سابقة، عندما كانوا ينتقدون أهل الجهاد في ثغورٍ أخرى تحت هذه العناوين، واليوم يصمتون لأسبابٍ نعلمها وأخرى لا نعلمها، ومما نعلمه أنهم لا يريدون إظهار حركة حماس بأنها المتسبب في هذه المهلكة، وكأنه من المفروض أن نتعامل معها على أنها لا تخطئ أو لا يجب أن تَظهر كذلك! في تمييزٍ واضح شديد بين الموقف من جهاد حماس اليومَ وجهاد جماعاتٍ أخرى في السابق، وهذا الحديث ليس هذا وقتُه، إنما أقوله تنبيها لمن يريد أن يطعن في ديني وهو يقرأ ظانًّا أنني أدعو إلى الاستسلام مع وجود القدرة على الاستمرار! من يريد أن يظن ذلك هو وشأنه وموعدنا يوم القيامة، لكن عليه أن يَطرح رأيه الذي يتعبد الله به لكي تقف هذه المَهلكة والإبادة الجماعية لنا ولأطفالنا بدلا من المزاودة والتنظير المسلوخ عن الواقع وأصحابُه طاعمون آمنون، وليُسمّي حلّه المطروح نصرا بدلا من الهزيمة، أو تنازلا بدلا من الاستسلام، أو انسحابا مرحليا، ليُسمّه ما شاء، فلا مشاحة في الاصطلاح طالما اتفقنا على وجوب وقف نهر الدم الجاري بلا توقف، وإلا سيفيق المسلمون على ضياع غزة وتحوُّلِ أهلها إلى وحوشٍ تحكمها شريعة الغاب، وبدلا من انتشار الإيمان بالله والإيمان بالأرض والقضية والجهاد فلننتظر شعبا ينتشر فيه الكفر والإلحاد والكفر بالأرض والجهاد والمقاومة، فلا يتوقعن أحدٌ أنّ ذلك بعيد، فترْكُ شعبٍ كاملٍ أعزلٍ في وسط هذه الفتن العظيمة والبؤس الشديد والظلم الرهيب قد تكون نتائجه كارثية حقا، فلنترك الرهانات الخاسرة ولنلتفت للواقع الأليم ونعمل على الفرار منه بما تبقى.

ومن نافلة القول أنه لو تغيرت الظروف فستتغير التقديرات، فكما كانت قناعتنا في بداية المعركة مختلفةً عن اليوم، فإنّ غدًا يَحمل ما فيه، ولسنا مكلفين بافتراض ما سيكون وبين أيدينا ما هو كائن، إن قدّر الله أقدارًا أخرى تعطينا فرصةً لفرض شروطنا أو بعضها فلكل حادثٍ حديث، أما وحالُنا كما هو اليوم من ضعفٍ شديد وانعدامٍ للحيلة وتسلطٍّ لأهل الكفر على أهل الإسلام المستضعفين فهذا ما يجب أن نتعامل معه وأن لا نقفز عليه، وإني لو تبيّن لديّ خطأ ما أدعو إليه فسأتراجع عنه فور تبيّن الحق، فلستُ متشبّثًا برأيٍّ يَحمل باطلا، فالأمر عظيمٌ جدا وأكبر من أيٍّ أحد وأيٍّ جماعةٍ أو تيار أو مشروع، وكل كلمةٍ لا تَنطلق من فهمٍ سليمٍ للواقع ومرجعيةٍ فقهية وشرعية سديدة فالثمن هو دماءٌ معصومة ستُسفك، وأوجاعٌ أخرى ستزداد، ومزيدٌ من الفتن تنقل مزيدا من الناس إلى حومة الباطل والفساد والإلحاد، وهذا الحرص في معرفة الحق ومراد الله في هذه الفتنة العظيمة آكد ما يكون في حقِّ صناع القرار ومَن حولَهم ويؤيدهم ويشير عليهم، لأن الخطأ في الفهم والتصور سيكُون تورطا في دماءٍ معصومة برأيٍ فاسد! فاللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتّباعه والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه.

والله هو الهادي..

16/8/2025
@abomoaaz83

الشيخ سلمان الداية ثروة فقهية في فلسطين .. فمن الذي يهدر قيمتها؟

شهادة في الصميم ،،،

الشيخ سلمان الداية ثروة فقهية في فلسطين .. فمن الذي يهدر قيمتها؟

ما أكثر القيادات والدعاة والوعاظ في فلسطين، وما أقل العلماء فيها والمجتهدين!

من المؤسف ما يقوم به بعض المدانين من طعن في الشيخ سلمان الداية ومحاولة الإساءة لمكانته في غزة وفلسطين، لاسيما إذا كانوا عنده سابقا من الطلاب ومن المقربين!

وإذا كانت الأخلاق تشهد تراجعا اليوم في عموم فلسطين، فكيف تغيب الأخلاق تماما عن بعض الإسلاميين وبعض طلبة العلم الذين تخرجوا من تحت يدي الشيخ وكانوا كأبنائه عنده مدللين؟

وهل ينكر عارف أن الشيخ سلمان الداية من أرقى من عرفت فلسطين خلقا وأدبا وتواضعا وخفضا للجناح لكل من يأتيه أو يكلمه عن قرب أو من بعيد؟

إن خلاف البعض إزاء اجتهادات الشيخ سلمان فيما يخص النازلة الغزية لا تجيز لهم الطعن بالشيخ ولا التنقيص من قدره، فهذا لعمري ليس خلق المسلمين ولا العلماء العاملين ولا المجاهدين الصادقين!

وما بال الغيورين قد تجاوزوا نقاش القضايا الفقهية وعجزوا عن استحضار أدلتها التفصيلية، وانكبوا على وجوههم ببهتان وقبح يتمتمون؟

لقد كانت الحركات والأطر والشخصيات الإسلامية في غزة طوال ربع قرن تتجمل وتتألق بحضور الشيخ سلمان الداية أو حتى بذكر اسمه في قوائمها، فكيف يستوي هذا التدني عند البعض في القدح بالشيخ نتيجة عدم موافقته لمذهبهم ومواقفهم الأخيرة مع تاريخ طويل من التقرب للشيخ الفقيه والتجمل باسمه والتفاخر بعلمه؟

الشيخ سلمان الداية ثروة شرعية في فلسطين.

لا تعرف غزة ولا الضفة اليوم رجلا عالما قادرا على الاستنباط والقياس وفق الأصول الشرعية، مستحضرا الكم الأكبر من الموروث الفقهي لدى المذاهب الأربعة بأقوالها المعتمدة ومن شذ عنها وخالفهاا، كما يعرف الشيخ الفقيه سلمان الداية. فلماذا يسعى البعض لتحييده من المشهد بناء على خلافه معه في اجتهاده في قضايا السياسة الشرعية بما يخص النازلة الغزية؟

وهل هذا الموقف اللاأخلاقي مبني على أحكام شرعية تأصيلية وفقهية، أم هو نزعة حزبية يحركها الهوى الطائش وعمى البصيرة؟

الشيخ سلمان الداية فقيه وصمام أمان مجتمع غزة اليوم وفي المستقبل.

إن الشيخ سلمان الداية الذي يتوجه إليه الصغير والكبير والمرأة والرجل والعوام وطلاب العلم بطلب الفتيا، يعتبر صمام أمان مجتمعي في جانب أحكام الشريعة وفي الجانب القيمي والأخلاقي، وهو مدرسة ونموذج في الصبر الجميل – ولا نزكي على الله أحدا-

فكيف يغامر البعض بتقليل مكانته ودوره الشرعي الفقهي والاجتماعي من خلال اللمز بالشيخ والتشكيك فيه، وذلك بدل أن ينبري لنقاش وجهة نظره وفتاويه في النوازل -إذا امتلك علما وحقا يستند إليه- ويثري بذلك المساحة الشرعية الفقهية في النازلة الغزية المؤلمة؟

رفع العلماء مصيبة المصائب!

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بموت العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا. رواه البخاري ومسلم.

وإذا كان رفع العلماء مصيبة تورث المهالك في حياة البشر، فكيف يستعجل البعض ويتجرأ على قتل العلماء معنويا وإضعاف مكانتهم المجتمعية ليبقى حاضرا ومتألقا بأخطائه وقصوره وعواره في الساحة وفي المشهد بين أكوام من البشر التائهة؟

والسؤال الأهم هو:

أين الله وأين ميزان الشريعة وأين تتجسد رعاية أحوال الناس وحفظ الدين في هذا السلوك الجارح والمخالف لسيرة كل المصلحين؟

اللهم إني أبرأ إليك من صنيع وكلام هؤلاء وما كتبته أيديهم، وأسألك يارب لي ولهم الصلاح والمغفرة والهداية.

اللهم وأسألك للشيخ سلمان الداية وإخوانه الفقهاء والمجتهدين التسديد والنفع وكمال الهداية.

اللهم احفظ غزة وأهلها الكرام ومجاهديها الأبرار وانصرهم يارب على عدوهم إنك أنت القهار.

مضر أبوالهيجاء فلسطين-جنين 18/8/2025

القرآن كتاب هداية وتشريع، لا كتاب أرقام وتنجيم

 

القرآن كتاب هداية وتشريع، لا كتاب تنجيم ولا أرقام لحساب تواريخ سقوط الدول.
واجبنا الإيمان بوعد الله بزوال الباطل وعلو الحق، مع العمل بالأسباب الشرعية والمادية، لا بترويج أوهام تشبه الكهانة.
كهنة التحديد -من القرآن وغيره-: “أخطأوا في الحساب… وأصابوا في التضليل!.
وقد أضاف” نزيه الأحدب ” نفسه للقائمة!

نشر الأستاذ (نجدت لاطة) في تاريخ ٢١/ ٢/ ٢٠١٩ مقالا بعنوان:
” نبوءة ( زوال إسرائيل عام ٢٠٢٢ ) كاذبة، ونبوءة ( موشي ديان ) صادقة”
قال:
منذ ثلاثين سنة قرأت في كتاب نقلاً عن الكاتب الإسلامي محمد أحمد الراشد أنه سمع من امرأة عجوز يهودية في مدينة الموصل أن دولة إسرائيل ستزول في عام 2022، وعندما سألها عن مصدر هذه المعلومة، أجابت بأن ذلك مذكور في التوراة.

وبعد ذلك كثر الحديث عن هذه النبوءة، بعضهم يحددها في نفس العام، وبعضهم يحددها بشكل مقرب من هذا العام. وبعد مجيء اليوتيوب ـ الذي هو قناة فضائية لكل شخص ينشر فيه ما يشاء من الأخبار صوتاً وصورة ـ انتقلت هذه النبوءة بشكل أوسع، فعلى سبيل المثال جاءت النبوءة على لسان المفكر بسام جرار، وعلى لسان عدنان إبراهيم، بل إن هذا الأخير أقسم بالله العظيم على زوالها في نفس العام. وتوالت هذه النبوءة وصارت على كل لسان.. وإن من يتابع اليوتيوب يظن أن اليهود في إسرائيل يحزمون أمتعتهم وأغراضهم للرحيل، لأن عام 2022 هو بعد ثلاثة سنوات من الآن.

وهؤلاء جميعاً اعتمدوا إما على التوراة كما ذكرت تلك العجوز، وإما على حسابات عددية لبعض الآيات من سورة الإسراء.

ثم إني سمعت قبل الربيع العربي بسنوات من الداعية عمرو خالد في مقابلة تلفزيونية أن قضية إسرائيل سننتهي منها خلال ثلاثين سنة القادمة إن شاء الله. يقصد أننا سنهزم اليهود في هذه الفترة ونسترجع فلسطين.

ثم سمعت أيضاً في عام 2012 من الدكتور طارق سويدان يقول أن قضية إسرائيل سننتهي منها خلال العشرين سنة القادمة.

وأخيراً ذكر الدكتور أحمد نوفل في مقابلة مع صحيفة السبيل الأردنية قبل سنتين أننا صرنا إلى تحرير فلسطين أقرب.

وأنا في كل هذا أنظر إلى سذاجة هذه الأقوال وهذه النبوءات، ولكن بعد الرجوع إلى علم النفس تبيّن لي أن هذه الأقوال والنبوءات شيء طبيعي في مثل المرحلة التي نمرّ بها. لأن هذه المرحلة ـ التي هي هزائم كبرى وكوارث عظمى تمرّ بها الأمة ـ تولّد مثل هذه الأقوال والنبوءات، كي لا يُصاب الإنسان بجلطة دماغية أو أمراض نفسية. بمعنى أن الإنسان ينشئ في مثل هذه الحالة آمالاً وأحلاماً ونبوءاتٍ قد تكون متناقضة مع الواقع، يفضفض الإنسان بها عن نفسه، أو يتفشفش بها. أو بمعنى آخر أن هذه الأقوال والنبوءات هي تهدئة أو تخدير للنفوس كي لا تنصدم بالواقع الأليم الذي نعيشه.

ولكن إن أخذنا هذه الأقوال والنبوءات على محمل الجد، وأردنا أن نناقشها من الناحية العلمية والواقعية، فهل ستصمد أمام أي نقاش؟ طبعاً لا تصمد أمام كلمة واحدة في أي نقاش.

نبدأ بنبوءة المرأة اليهودية.. فهل يُعقل أن كتاباً سماوياً يذكر حدثاً معيناً بأنه سيقع في السنة الفلانية ويحددها بالضبط، أي بعد نزول هذا الكتاب ـ أي التوراة ـ بثلاثة آلاف سنة تقريباً؟ فهذا شيء غريب وغير معقول، ولم يحدث أن وجدنا شيئاً كهذا في الكتب السماوية، لأن منهج هذه الكتب ليس كذلك.

وثانياً ـ ألسنا نحن المسلمين نعتقد أن التوراة محرّفة؟ فلماذا نصدق اليهود إذا أخبرونا بأن كتابهم يقول كذا وكذا؟ لماذا لا نكون منطقيٍين في تعاملنا مع الكتب السماوية المحرفة؟ ألا يشعر القارئ بأننا أصبحنا أضحوكة بأيدي اليهود؟

ولكن إذا كنتَ أيها القارئ تبحث عن الصدق في النبوءات التي تتحدث عن زوال إسرائيل فهي ما جاءت على لسان وزير الدفاع الإسرائيلي (موشي ديان) صاحب العين العوراء، الذي هزم الجيوش العربية في عام 1967، حين سُئل عن احتمالات انتصار العرب على إسرائيل وطرد اليهود من فلسطين، فأجاب بالحرف الواحد: إن المسلمين سينتصرون علينا في يوم ما. وحين سُئل متى؟ أجاب: حين يكون عدد المصلين في صلاة الفجر في المسجد بنفس عدد المصلين في صلاة الجمعة، عندها ستزول دولة إسرائيل من الوجود.

فنبوءة موشي ديان هي التي يجب على المسلمين تصديقها، أما غير ذلك فهو كذب ودجل وضحك على الذقون.

فنبوءة زوال إسرائيل عام 2022 كاذبة، وألف مرة كاذبة، ومن يقول بها إنسان معتوه يريد أن يضحك على المسلمين الذين لا حول لهم ولا قوة. وإلا فأين الجيوش الإسلامية التي ستحرر فلسطين في الثلاث السنوات القادمة؟

أما بالنسبة للذي يعتمد ـ في هذه النبوءة ـ على حماس وأنفاقها في غزة، فهل سيتم تحرير فلسطين من خلال هذه الأنفاق؟ أليس هذا ضرباً من الخيال والجنون؟ لأن دور هذه الأنفاق هو الاستنزاف لدولة إسرائيل، كي لا تهدأ أو تستقر.. أما تحرير فلسطين كلها فلن يكون من خلال هذه الأنفاق. وقد قال تعالى (بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار) فهل يُفهم من الآية أننا سنأتي من تحت الديار لتحرير فلسطين؟

وقد سُئل الإمام محمد متولي الشعراوي رحمه الله عن موعد زوال إسرائيل وانتصارنا عليها بحسب ما جاء في سورة الإسراء، فقال: هذا يتوقف علينا، فبعد أن جمع الله اليهود لفيفاً من جميع الأقطار بقي علينا الدور في أن نعود إلى الله ونصبح مؤمنين حقاً، عندها سينصرنا الله عليهم، كما وعدنا في هذه السورة. ولم يحدد موعداً لذلك.

فهل المسلمون اليوم يستحقون هذا النصر؟ وهل أصبحوا أكفاء لهذا النصر؟ وأين الجيل الذي سيحرر الأقصى؟ الواقع يقول إن شباب المسلمين قد مسخهم الفيسبوك على الآخر، والمصائب والهزائم تنصب على الأمة انصباباً كالمطر.

فنبوءة موشي ديان تنطبق تماماً مع قول الإمام الشعراوي. أما قول غير ذلك فينبغي علينا أن نضرب به عرض الحائط ولا نلقي له بالاً. وكفى هذه الأمة سخافات ونبوءات لا تمت إلى واقعنا بصلة.

وفي الآونة الأخيرة بدأ البعض ممن يروجون لنبوءة زوال إسرائيل عام 2022 بعد قرب موعد هذا العام دون وجود ما يوحي بإرهاصات هذا الزوال.. يقولون بأنه ليس شرطاً أن يكون الزوال الكلي في نفس العام، وإنما يمكن القول أن الزوال يبدأ من هذا العام، ولا ندري متى ينتهي. طبعاً هذا كذب ودجل يدل على سخافة تلك العقول التي تقول به.

ونأتي إلى أقوال (عمرو خالد وطارق سويدان وأحمد نوفل) ، فكما نعلم أن من يريد أن يخبرنا بأن شيئاً ما سيحدث لا بد أن يكون لهذا الحدث مقدمات أو إرهاصات أو معطيات، لاسيما حين يكون الحدث كبيراً جداً، وهو زوال دولة قوية (أي إسرائيل) التي تقف معها الدول العظمى في العالم. وفي المقابل لا يوجد في الأفق ما يوحي بوجود دولة إسلامية قوية هدفها إزالة هذه الدولة.

فهل كان هؤلاء الدعاة الثلاثة على ذرة من الصواب؟ هل كانوا أصحاب بعد نظر؟ هل كانوا يرون في الأفق ما يوحي بوجود بوادر لتحرير فلسطين؟ أم أن تخدير الشعوب أصبح سمة من سمات الإسلاميين؟ وهل أصبحوا كالعلمانيين واليساريين والقوميين والناصريين الذين أشبعونا كلاماً في السابق عن تحرير فلسطين. وكلنا نتذكر قول عبد الناصر بأننا سنرمي اليهود في البحر. ونتذكر قول صدام حسين بعد احتلال الكويت بأنه سيحرر القدس.

وما معنى قول الله تعالى (فليتقوا الله وليقولوا قولاً سديداً)؟ أليس المعنى أن قول المؤمن ينبغي أن يكون صادقاً أو صائباً أو منطقياً أو واقعياً؟ فأين الصواب والمنطق في أقوال الدعاة الثلاثة؟ وبالتالي أين التقوى في أقوالهم؟ وأين معطيات وإرهاصات زوال إسرائيل؟

ففي الواقع لا يوجد شيء يدل على قرب زوال إسرائيل، بل يوجد العكس، فالشعوب تبتعد يوماً بعد يوم عن التديّن، ومشاكلنا تزداد بشكل مخيف، ومنطقة الشرق الأوسط تحولت إلى كوارث بحجم الجبال، وإلى دمار وخراب وغلاء وحروب أهلية ولاجئين بالملايين. ثم نجد الدكتور أحمد نوفل يقول بأننا أصبحنا إلى تحرير فلسطين أقرب. أما الواقع فيقول بأننا ابتعدنا عن ذلك بأميال وعقود كثيرة. انتهى.

والله أعلم.