تعليقا على جرأة فيصل بن قزار الجاسم:
ردود كل من:
١. الشيخ أ.د سلمان بن نصر الداية
٢. الشيخ د. أحمد محمد النجار
٣. الشيخ بدر بن علي العتيبي
٤. الأستاذ مضر أبو الهيجاء
٥. الاستاذ حسن المدني
===
20 صفر 1447هجرية
14 أغسطس 2025 ميلادية
كتبه
عميد كلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية بغزة- سابقا
✍️ أ.د. سلمان بن نصر الدايه
[تنبيه: جميع الحواشي في نهاية المقال]
دفع الالتباس (2)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، ومن والاه، أما بعد:
أفاد بعض الأفاضل أن انتقاد ساسة وقادة المقاومة في غزة أثناء جهادهم لعدوهم خيانة ونفاق.
أقول وبالله التوفيق: هذه جرأة منفكة عن مراقبة الله؛ فإن المؤمن قوي الإيمان من يراقب الله في أقواله وأعماله، مستحضرا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1] أي: مطلع على العباد في حال حركاتهم وسكونهم، وسرهم وعلنهم، وجميع أحوالهم، مراقبا لهم فيها مما يوجب مراقبته، وشدة الحياء منه، بلزوم تقواه(1).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: 61] يخبر تعالى عن عموم مشاهدته، واطلاعه على جميع أحوال العباد في حركاتهم، وسكونهم، وفي ضمن هذا الدعوة لمراقبته على الدوام؛ فقال: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ أي: حال من أحوالك الدينية والدنيوية ﴿وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ﴾ أي: وما تتلو من القرآن الذي أوحاه الله إليك ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾ صغير أو كبير ﴿إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أي: وقت شروعكم فيه، واستمراركم على العمل به، فراقبوا الله في أعمالكم، وأدوها على وجه النصيحة، والاجتهاد فيها، وإياكم وما يكره الله تعالى؛ فإنه مطلع عليكم، عليم بظواهركم وباطنكم ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾ أي: ما يغيب عن علمه وسمعه وبصره ومشاهدته ﴿مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ أي: قد أحاط به علمه، وجرى به قلمه(2).
وقوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18] أي: ما يتكلم من كلام يخرج من فيه، وما يعمل من عمل إلا عنده ملك حافظ يكتب قوله وعمله، معد مهيأ لذلك، حاضر عنده لا يفارقه(3).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]، أي: ولا تتبع ما ليس لك به علم؛ بل تثبت في كل ما تقوله وتفعله، فلا تظن ذلك يذهب لا لك ولا عليك، ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ فحقيق بالعبد الذي يعرف أنه مسئول عما قاله وفعله، وعما استعمل به جوارحه التي خلقها الله لعبادته أن يعد للسؤال جوابا، وذلك لا يكون إلا باستعمالها بعبودية الله وإخلاص الدين له، وكفها عما يكرهه الله تعالى(4).
وقول النبي صلى الله عليه وسلم في جزء حديثه: (… وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ)(5)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (… وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ، الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ، الْمُلْتَمِسُونَ لِلْبُرَآءِ الْعَيْبَ)، وفي رواية: (الْعَنَتَ)(6).
بعد هذا التذكير أقول: هل يبعد أن يعلن بعض العلماء والساسة والمفكرين تخطئة حادثة السابع من أكتوبر، وتخطئة إصرار الساسة وقادة المقاومة على مواصلة جهادهم رغم الحصار المطبق، والعزلة الدولية، ومحدودية النكاية في الحربي، وفداحة تدمير الحربي لثلاثة أرباع قطاع غزة، وتقتيله عشرات الألوف من الغزيين، وتمثيله بعدد أكبر منهم، وأسره لآلافهم، ومجاعة أفقدتهم صوابهم؛ هل يبعد أن يعلنوا تخطئتهم ببواعث صالحة بعيدة عن الخيانة والنفاق، إلا أن تكون أيها الأخ الكريم محدثا، فحدثت أنهم جميعا خونة ومنافقون؟!
وأما عن قوله: لا يوجد في التاريخ من يعترض على القادة أثناء لقاء عدوهم؛ فهذا نفي تعوزه الدقة؛ فإن عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنكرا على خالد بن الوليد رضي الله عنه اجتهاده فيمن ظنهم مشركين حربيين وكانوا مسلمين وذلك في سرية بني جذيمة؛ «قال ابن إسحاق: وقد كان جحدم قال لهم حين وضعوا السلاح ورأى ما يصنع خالد ببني جذيمة: يا بني جذيمة، ضاع الضرب، قد كنت حذرتكم ما وقعتم فيه. قد كان بين خالد وبين عبد الرحمن بن عوف، فيما بلغني، كلام في ذلك، فقال له عبد الرحمن ابن عوف: عملت بأمر الجاهلية في الإسلام. فقال: إنما ثأرت بأبيك. فقال عبد الرحمن: كذبت، قد قتلت قاتل أبي، ولكنك ثأرت بعمك الفاكه بن المغيرة، حتى كان بينهما شر. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (مَهْلًا يَا خَالِدُ، دَعْ عَنْكَ أَصْحَابِي، فَوَ اللهِ لَوْ كَانَ لَكَ أُحُدٌ ذَهَبًا ثُمَّ أَنْفَقْتُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا أَدْرَكَتْ غَدْوَةَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِي وَلَا رَوْحَتَهُ)»(7).
وعن الزهري، عن سالم، عن أبيه رضي الله عنهما، قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا أسيره، حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره، فقلت: والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، حتى قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم فذكرناه، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يده فقال: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ مَرَّتَيْنِ)( 8 ).
وثبت عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أنه عزل خالد بن الوليد رضي الله عنه، … وجعل الأمر كله إلى أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه، …، وإنما عزله لرجحان مصلحة ظهرت له في أبي عبيدة، فلما بلغ كتاب عمر إلى أبي عبيدة.. أخفاه وتركه مصلحة بالناس على حالته، فعلم خالد بذلك، فعتب على أبي عبيدة حيث لم يعلمه بالعزل، وقال: والله؛ لو تولى علي عبد.. لسمعت وأطعت(9).
وعزل عمر رضي الله عنه العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه لما ركب بالأجناد البحر، رغم تأييده بالكرامة؛ حيث يبس البحر من تحت أقدامهم يومئذ، ونجوا جميعا؛ لانزعاجه أن يقتحم القائد بجنده الأخطار مرجحا سلامتهم على أمل دوام تأييده بكرامة؛ قال ابن كثير رحمه الله: “ولما بلغ عمر ما صنع العلاء بن الحضرمي؛ اشتد غضبه عليه، وبعث إليه فعزله وتوعده، وأمره بأثقل الأشياء عليه، وأبغض الوجوه إليه”(10).
فإن قلت: هذا إمام المسلمين، فله حق في إثبات من شاء وعزل من شاء، وبدء الحرب وإنهائها، وتضييقها وتوسيعها، وليس للعالم أن يعترض على سياسة قائد جنده.
أقول: هذا حق ما لم يكن القائد طائشا هجاما، وثمة قراءة أخرى للأثرين؛ أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه لما عظم الخطر من قائد الجند على مصلحة الأجناد؛ بادر إلى عزله، وإن العالم إذا رأى مفسدة عظيمة قد أتت على جل بلده؛ لضعف في الشوكة، وعدم في الإمداد، وخلل في فهم الجهاد، وتخلف ظاهر لمقصده؛ لا يسوغ له أن يسكت، سيما مع ضآلة النكاية في الحربي، وفداحة نكاية الحربي في أهل القطاع حتى فتن الكثير منهم في دينهم وأخلاقهم؛ فكانت من بعضهم الردة، وقتل النفس، والسرقة، والغصب، والأثرة، والزنا، والربا، والاحتكار، وأمراض النفس والعضو.
ولله در الشافعي رحمه الله قال: «ولا ينبغي أن يولي الإمام الغزو إلا ثقة في دينه، شجاعا في بدنه، حسن الأناة، عاقلا للحرب بصيرا بها غير عجل، ولا نزق.. ولا يحمل المسلمين على مهلكة بحال، ولا يأمرهم بنقب حصن يخاف أن يشدخوا(11) تحته، ولا دخول مطمورة(12) يخاف أن يقتلوا، ولا يدفعوا عن أنفسهم فيها، ولا غير ذلك من أسباب المهالك، فإن فعل ذلك الإمام؛ فقد أساء ويستغفر الله تعالى.. ولا يأمر القليل منهم بانتياب الكثير حيث لا غوث لهم.. وإذا حملهم على ما ليس له حملهم عليه؛ فلهم أن لا يفعلوه -أي: ألا يطيعوه-»(13).
فهذا توجيه للأجناد عبر الأجيال أن القائد يتعين عليه توخي الأصلح لرعيته في مناحي حياتهم، ولو بدا للرعية تعسفه أو زيغه وضلاله، أو تهوره واندفاعه، أو عجزوا عن امتثال أمره؛ لم تلزمهم طاعته.
وفي الختام أسأل الأخ الكريم: إذا علمت أن غزة محاصرة من جهاتها الأربع، وأنها كتلة من البشر والبنيان، وأنها تستورد كل شيء من عدوها، وأنها جاهدت عدوها الحربي قريب عقدين من الزمن، وفي كل مرة يمنى أهل قطاع غزة بقتل وتدمير وتهجير، دون أن يتحقق لهم هدف من أهداف جهادهم، ولم يزالوا في حصار من حين أسر الجندي شاليط إلى أيامنا هذه؛ فعلى ماذا يعول الساسة والقادة والعلماء أمثالك؟! وما الذي تنتظرون؟!
على أن قتالنا لعدونا كفاحا متعذر؛ لضآلة ما عندنا من الشوكة وعظم ما عنده، وأن المجاهد لا يمكنه أن ينال من عدوه إلا على حين غرة مع الاستتار والتخفي، ثم ينتهي إلى نفقه المتخذ تحت البيوت وبعض المشافي والمؤسسات؛ ليكون جل أهل القطاع ترسا للقادة والأجناد، وقد اعتمدوا هذا سبيلا لجهادهم على توقع أن الحربي تمنعه أخلاقه من أن يضرب البيوت المأهولة بالناس، وعندئذ يأمن الناس والأجناد، وفي الحروب الأخيرة أراهم عدوهم خلاف ما يتوقعون؛ فهل الرأي عندكم وعند السادة العلماء الإصرار على هذه الطريقة التي أتت على ثلاثة أرباع القطاع، وتوشك أن تأتي على ربعه الآخر؟ إن هذا والله لشيء عجاب!!
والله أسأل الهدى والرشاد، والفرج العاجل لأهلي في القطاع، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على محمد.
(1) السعدي/تفسيره(ص163).
(2) السعدي/تفسيره(ص367).
(3) مجد مكي/تفسير المعين(ص519).
(4) السعدي/تفسيره(ص457).
(5) أخرجه: البخاري/ صحيحه(٦١١٣)(5/ ٢٣٧٧).
(6) حسن، أخرجه: الطبراني/المعجم الصغير(835)(2/ 89).
(7) ابن هشام/السيرة النبوية(2/ 431).
(8) أخرجه: البخاري/صحيحه(4339)(5/ 160).
(9) الطيب بامخرمة/ قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر(1/ ٢٧٦).
(10) انظر: ابن كثير/البداية والنهاية(7/97).
(11) الشدخ: كسر الشيء الأجوف، ومعناه هنا: يخاف أن ينهدم عليهم الحصن، أو تسقط عليهم بعض حجارته فتكسر عظامهم تحته.
(12) المطمورة: الحفيرة تحت الأرض، وهي بلغتنا المعاصرة: الخندق أو النفق.
(13) الشافعي/الأم(4/ 178).
https://www.facebook.com/share/p/1AwXEvxW7F/
===
مناقشة موقف الشيخ #فيصل_قزاز من النقد زمن الحرب
بقلم: د. أحمد محمد الصادق النجار
يُثار هذه الأيام سؤال مهم: هل يجوز نقد القيادات المقاومة زمن الحرب، خاصة إذا كان القتال مع الكفار أو أن هذا النقد يُضعف الصف ويُعد خيانة أو نفاقًا؟؟
وقد عبّر الشيخ فيصل قزاز عن موقف مانع من النقد وجعله من باب الخيانة والنفاق، معتبرًا أن هذا النقد لا يُعرف في تاريخ المسلمين إلا من الخونة والمنافقين.
قال:”لا يعرف في تاريخ المسلمين أن حربًا قامت بين المسلمين والكفار ووقف عالم من علماء المسلمين ينتقد المسلمين والحرب قائمة، بل لا يعرف هذا إلا من الخونة والمنافقين…
وإذا أردنا مناقشته:
.أولا: من حيث التأصيل الشرعي
النهي عن نقد المسلمين زمن الحرب ليس حكمًا مطلقًا عند علماء أهل السنة، بل هو مقيّد بحال تحقق الجهاد الشرعي واستكمال شروطه وانتفاء موانعه، مع رجحان المصلحة في السكوت
* أما إذا كان القتال فاقدًا لشروطه الشرعية، أو محققًا لمفسدة أكبر، فإن بيان الحكم الشرعي يصبح واجبًا، ولو في زمن الحرب، بشرط أن يكون بأسلوب منضبط يراعي المصلحة ويدرأ المفسدة.
ثانيا: من حيث الاستقراء التاريخي
الاستقراء الذي يذكره الشيخ فيصل غير مكتمل؛ فالتاريخ الإسلامي شهد حالات نقد وتصحيح زمن الحرب إذا كان القتال غير مستوفٍ لشروطه.
ومن ذلك ما جرى زمن اجتياح التتار لدمشق، حيث خرج كثير من الناس يستغيثون بالأموات، فأنكر العلماء ذلك رغم أن العدو على الأبواب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:”ولهذا كان أهل المعرفة بالدين والمكاشفة لم يقاتلوا في تلك المرة لعدم القتال الشرعي الذي أمر الله به ورسوله، ولِما يحصل في ذلك من الشر والفساد وانتفاء النصرة المطلوبة من القتال، فلا يكون فيه ثواب الدنيا ولا ثواب الآخرة لمن عرف هذا وهذا…”
فهذا المثال يدل على أن النقد زمن الحرب قد يكون مشروعًا إذا كان الهدف إصلاح المسار وتصحيح الفعل قبل المضي فيه.
ومن هنا، يجب أن نفهم أن من ذمّ الإقدام على قتال لم تكتمل حقيقته الشرعية، لم يذمه لأنه قاتل الكفار أو شارك في جهاد مستوفٍ لشروطه، بل ذمه؛ لأنه أقدم على فعل ناقص الشروط، ترتّب عليه ضرر عام ومفسدة راجحة لا تقرّها الشريعة…
وأما رميه لمخالفيه بتهم التخذيل والخيانة والنفاق فهو تعد ظاهر ولم يراعِ المعنى الذي اعتبرته الشريعة في النهي عن التثبيط والتخذيل في جهاد وجد سببه وتحقق شرطه، وهو:التأثير السلبي المباشر والراجح على سير الجهاد في ساحة المعركة.[انظر: البيان في مذهب الإمام الشافعي (12/217)]
فما كان ضرره على الجهاد في ميدان القتال عظيماً، مُنع منه شرعاً.
أما ما كان ضرره مرجوحاً ومصلحته راجحة، أو كان الشروع في القتال خطأً لعدم تحقق شرطه الشرعي – ولو كان جهاد دفع – فإن التصحيح واجب؛ حماية للأرواح والمصالح الشرعية.
ومن المعلوم أن أغلب من يتكلم عن أحكام الابتداء والاستمرار ممن يرى وجوب النصرة هو بعيد عن ساحة المعركة، وهو إنما يتكلم عن حكم فقهي، ويرد على شبه أهل الضلال…
والذي يؤسفني -حقيقة- الحال الذي وصل إليه الشيخ فيصل قزاز بسبب خصوماته مع بعض المشايخ، فضيع البوصلة… واستغل مقالاته أهل الانحراف لضرب مشايخ أهل السنة…
http://abuasmaa12.blogspot.com/2025/08/blog-post_13.html
===
https://t.me/modar_abualhayjaa/8231
إضاءات شرعية منهجية فلسفية أخلاقية ،،،
نظرية النقد وحقيقة الخذلان بين الكنيسة والقرآن!
القسم (1)
إن كل من يمضي في طريق الدعوة إلى الله مستهدفا رفع مستوى الوعي الجمعي لدى النخب والعوام لابد وأن يجد في الطريق أشواكا ومفاهيم مغلوطة تعيق النبات الطيب، الأمر الذي يوجب بذل جهد دعوي عقلي فكري كبير يستند إلى الوحيين لاقتلاعها أولا ثم زراعة المفاهيم والتصورات السليمة في محلها.
منطق الكنيسة وسلوك الرهبان كيف يتسلل لخطاب الشريعة!
تبنت الكنيسة منهج التلقين والتقليد، ورفضت منهج النظر العلمي والعقل المتجرد والتدبر الرسالي، كما مارس رهبان الكنيسة دور محاكمة الناس واتهام نياتهم ووصفهم بالخطيئة والخذلان، حتى وصل بهم الحال لسلوك إجرامي يجر أصحاب العقول والنظر إلى المقصلة حيث تقطع الرقاب!
إن منهج الكنيسة الضال وسلوك الرهبان اللاأخلاقي في وأد العقول ومنعها من النظر والتدبر يستهدف قتل الإدراك ووأد الإبداع ومنع الوعي من التمدد، وذلك حرصا على بقاء هيمنة الكنيسة وسلطة الرهبان الحصرية والمعصومة!
لقد نحى الإسلام منحى مختلفا عن منحى الكنيسة وسلك فيه العلماء والدعاة سلوكا مضادا لسلوك الرهبان، وما ذلك إلا إنعكاس للتصور القرآني وللوحي الرباني الذي نزل به جبريل الأمين على خاتم النبيين والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والذي جاء مرسلا للعالمين.
التصور الإسلامي في وجوب النظر والتدبر.
إن المتدبر لكلام الله المحفوظ بين دفتي القرآن الكريم يجد عددا لا يحصى من الآيات التي تدعو للنظر والتفكر والتدبر وعقل الأمور والمراجعة والفرز بين الصحيح والسقيم وما يحقق المصالح وما يجلب المنافع، ومثل هذا متوفر في حديث من لا ينطق عن الهوى عليه الصلاة والسلام، كما يتجسد هذا السلوك المنهجي في مدرسة محمد حيث تخرج منها الصحابة المعدلين بنص القرآن، ولذلك فإن السيرة زاخرة بصور تبرز فاعلية عقول الصحابة في نقاش قضايا الشأن العام سواء في حياة النبي أو بعد وفاته صلى الله عليه وسلم.
التخلف في التصور والسلوك في واقع حركات التغيير الإسلامي المعاصر!
وفي نظرة واسعة لواقعنا المعاصر اليوم تبرز حالة التدني العلمي وخفوت التفكير وضعف النظر، ومما أسهم في هذا ويعززه بعض المقولات الرائجة التي تستهدف كبح النظر والتفكر والتدبر، كالقول لا يفتي قاعد لمجاهد، أو لا يفتي أهل الدثور لأهل الثغور، علما بأن تاريخ المذاهب الفقهية يعكس صورة مخالفة بالكلية، لاسيما عند عمداء ورواد المذاهب الأوائل الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة!
وقد أسهم سلوك بعض الوعاظ القاصرين أو الدعاة المنغلقين الذين هم لأحزابهم متعصبين، أو بعض العلماء الذين هم عن واقع الحال وتفاصيله مغيبين وفي خطابهم ومقارباتهم عن الواقع منفصلين، بتعزيز هذا التخلف العلمي وترسيخه وصبغ أتباعهم به، مكتفين بالشحذ النفسي والعاطفي دون إعمال عقل وتدبر ونظر، وهو ما أنتج مسلما معاصرا يملك قلبا مليئا بالمشاعر فقيرا بالعقل.
غياب تفعيل السمع والنظر المتفكر والعاقل مدخل لعمى البصيرة.
ولقد نبه القرآن لمسألة عمى البصيرة وغياب الإتعاظ والاعتبار مخاطبا كفار قريش بقوله سبحانه وتعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ سورة الحج:46، وفي الآية الكريمة دعوة لإعمال النظر والسمع والتفكر والإعتبار المبني على حقائق عالم الشهادة، والذي بإنكاره يتجسد عمى البصيرة!
سلوك الرهبان في الخطاب الإسلامي المعاصر أنتج النموذج القاصر بين الأتباع!
وكما ساق رهبان الكنائس العلماء بالأمس إلى المقاصل وقطعوا رؤوسهم بعد تجريمهم أمام العوام، وذلك بغية ترهيب العقول ومنع سيادة وتمدد الوعي المبني على النظر في حقائق الواقع ووعي حقائق الدين، قاد كثير من الدعاة العاطفيين اليوم ووعاظ المساجد وبعض علماء الحركات والتنظيمات الإسلامية، كل من يفكر وينظر ويعقل ويتدبر قضايا الأمة العربية والإسلامية بعقل حر -يعكس معنى التوحيد لله والتجرد في النظر لمصالح الناس- إلى المقصلة وقطعوا رأسه بشكل معنوي بين الناس، مطلقين أحكامهم المغلفة بغلاف شرعي جاهل وفاقد للأخلاق والمروءة -في حال الاختلاف- حيث يصفون هذا بالمنافق والآخر بالعميل والخائن وغيره بالمتصهين مستهدفين إسقاطه بين الناس، ومعطلين الدعوة القرآنية للسمع والنظر والتفكر والتدبر، في صورة لم تشهدها جميع المدارس والمذاهب الفقهية الإسلامية السنية، والتي توفر فيها من مسائل الخلاف ما ملأ بطون الكتب التراثية المحفوظة!
ظاهرة منع النقد والاتهام بالخذلان المعاصرة في ميزان القرآن الكريم والسنة المطهرة!
تابع القسم (2)
مضر أبوالهيجاء فلسطين-جنين 15/8/2025
https://t.me/modar_abualhayjaa/8241
إضاءات شرعية منهجية فلسفية أخلاقية ،،،
نظرية النقد وحقيقة الخذلان بين الكنيسة والقرآن!
القسم (2)
ظاهرة منع النقد والاتهام بالخذلان المعاصرة في ميزان القرآن الكريم والسنة المطهرة!
لاشك بأن حجم الإخفاقات التي منيت بها التجارب والحركات الإسلامية في مجالات الدعوة والتغيير الحركي والتحرير القتالي الجهادي خلال قرن مدعاة للتوقف والنظر والمراجعة بهدف التصويب، وذلك اقتداء بالمنهج القرآني الذي لم يترك منعرجا ومفصلا هاما ومؤثرا في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وفي معارك الصحابة الكرام والمعدلين إلا وأنزل الله فيه عتابا وتصويبا وإرشادا وتقريعا أثناء المعارك وبعدها، وذلك بحق خير الخلق بعد محمد صلى الله عليه وسلم.
وفيما يشير القرآن لصور كثيرة في نصح ومراجعة ونقد وتوجيه سلوك الصحابة الكرام قبل المعارك وخلالها وعقبها، يصر بعض الدعاة القاصرين اليوم على حرمة توجيه النقد الناصح للمسلمين وهم في حالة جهاد، مما يتسبب في تدحرج وتعاظم كرة الأخطاء التي لا يلحظها إلا من هم في الميدان حاضرون، أو في الواقع المحيط بنظر واسع وبعقول حرة -غير حزبية- يتمتعون وبها يتفكرون ويتدبرون، وهي ترجمة لمطلب الوحي كما جاء في كتاب الله العزيز!
جدلية النقد وفق التصور الإسلامي!
إن الجدلية في السلوك النقدي الناصح لمن هم في الميادين يقوم على أرضية الإنتماء الواحد الموجب لتكامل الأدوار، لا التنازع والتباغض، وهو معنى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( انصر أخاك ظالما أو مظلوما، فقال: رجل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنصره إذ كان مظلوما، أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره؟! قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره )، وقد بين حديث من لا ينطق عن الهوى وجوب نصرة المسلم لأخيه وهو على حال الظلم وفي طريق الخطأ، وذلك بالأخذ على يديه ومنعه، فما فائدة هذا الانتصار والانحياز إذا لم يكن في وقت الفعل وزمان دورانه وعند احتدام الصراع؟
وبكلمة أقول: أوليس الظلم المقصود عندما يمس الجماعة وترتد مآلاته على عموم الناس أولى من الظلم الذي لا تجاوز نتائجه حال الأفراد؟
النظر والنقد المفضي للعلم وفق التصور القرآني.
إن أول آية نزلت على النبي الأمي محمد بن عبدالله كانت سورة العلق، يقول سبحانه وتعالى مخاطبا نبيه الكريم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ العلق:1.
ليس عجبا أن تكون أول كلمة يوحى بها للنبي محمد صلى الله عليه هي كلمة اقرأ، ففي ذلك دلالة على منهج علمي عظيم هو شكل وجوهر وطابع هذا الدين، وهي حقيقة لم يدركها علمانيو العرب بعد أن شوهها المستشرقون، وجسدتها بعض مقولات وسلوكيات المسلمين المعاصرين!
إن القراءة والعلم والتعلم واكتساب كل حق مرتبط بعالمي الغيب والشهادة مفض لا محالة لتشكيل عقل نقدي يفرز الصحيح من السقيم معتمدا على الوحي ومنسجما مع سنن الكون ومعتبرا لواقع الحال، وبدون هذا كله لا يمكن أن يستقيم حال العقل ولا يكتمل رشده المسؤول.
كما أن أمر الله العليم الخبير لنبيه الكريم بالقراءة هو منهج قرآني لعموم الموحدين، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهو ما عززته آيات كثيرة تستنكر على العباد غياب النظر والتفكر والتدبر والمراجعة المفضية للعدول والجنوح للحق وما هو أهدى سبيلا.
مدرسة النبي المعلم ونموذج الصحابة الأتباع.
إن نموذج الصحابي الفرد والجماعة جسد من خلال تناوله لقضايا الأمة ومسائل الشأن العام حالة فريدة في حيوية عقل المسلم في المنشط والمكره وفي العسر واليسر كما في الحرب والسلم، وما ذلك إلا نتيجة لاصطباغ الصحابة بمفاهيم وتصورات الوحي الإلهي قرآنا وسنة والذي عاينوه في سلوك وتناول النبي الأمين محمد صلى الله عليه وسلم لقضايا الشأن الإسلامي العام -لاسيما في ما اختلفوا فيه وقت السلم وزمن الحرب-، وهو كذلك نتيجة لتجردهم ونزاهتهم عن العصبية لغير الحق، وانحيازهم لما ينفع الناس خارج إطار الفريق والحركة والحزب.
فتنة العناوين الصحيحة وسلوك العقول القاصرة!
نجح الغرب الصليبي المتصهين في الإستفادة من صواب بعض المشاريع والأعمال الإسلامية كما استفاد من أخطائها، حتى أنه تبنى الترويج لبعض أعمالها عبر وسائله ودعمها ليحصل على ثمرات أكبر وأسرع في تدمير الكينونة الإسلامية الجمعية وتعثير مسار انعتاقها ونهضتها، غير عابئ بالمكاسب الجزئية التي يمكن أن يحصلها المسلمون باعتبارها لا تحدث منعرجا ولا تبدل واقع الأمة ولا تصنع وقائع فارقة في مصلحة الأمة وشعوبها، بقدر ما يستفيد منها الخصم نتيجة امتلاكه لنظر متفكر وعقل مسؤول ومتدبر.
نموذج القاعدة في الجمع بين العناوين الصحيحة والسلوكيات الخاطئة والمقاربات المدمرة!
برع تنظيم القاعدة في الإعلاء والإعلان عن أهداف إسلامية صحيحة ومشروعة كالقيام بواجب عودة وتمكين الدين في المجتمع والدولة، كما دغدغ مشاعر كل المكلومين في فلسطين وكل المتحرقين في العالم الإسلامي لتحرير الأقصى، فما الذي حدث وكان؟
تابع القسم(3)
مضر أبوالهيجاء فلسطين-جنين 15/8/2025



