اقرأ ما كتبه “الزبير أبو معاذ الفلسطيني” وهو يعيش الآن في خيمة فيما تبقى من “غزة” :
📝🚨
ليس لها من دون الله كاشفة، وما نحن فيه الآن في قطاع غزة لن ينجينا منه إلا الله، فلن نقفز عن الواقع لنصفه بغير وصفه كما يفعل محللو “استديوهات” التحليل الذين يتقاضون الأموال لقاء تحويل الهزيمة إلى انتصارات، الواقع اليوم لو قلنا أنه نكبة جديدة فهذا أهون الأوصاف، بل نحن في أشد نكبات الشعب الفلسطيني المسلم منذ سقوط حكم العثمانيين، والقضية الفلسطينية اليوم تقف على أعتاب التصفية السياسية الكاملة، وإنهاء المقاومة المسلحة تماما، ومن يظن أن هذا التوصيف مبالغٌ فيه فهو مسكين، يريد أن يعيش أوهام النصر في خيالاته!
أنا لن ألوم حركة حماس، ولن أفعل ذلك أبدا طالما أن المعركة مشتعلة، فبعد مُضي ما يقرب من عامين تغيرت الكثير من القناعات الخاصة بهذه المعركة؛ كلما تكشفت لنا حقائق كانت خلف كواليسها، لكن لستُ مستعدا لإلقاء اللوم -في أي قضيةٍ متعلقةٍ بهذه المعركة- على إخواني الذين يواجهون هذا العدو المجرم وحدَهم؛ مخذولين متروكين، لا أرى من الشهامة والمروءة أن يفعل مسلمٌ ذلك، وربما لو كان في العمر بقيةٌ بعد أن تضع الحرب أوزارها نستطيع أن نكتب عن ما ظهر لنا من مكامن الخلل في التصور وما نتج عنه من خلل في التقدير والمواقف والآراء، وذلك لاستخلاص العِبر؛ لعلنا نشارك بسهمٍ في صناعة الوعي، أما والمعركة دائرةٌ فلا فائدة في حديثٍ عن أمرٍ قد وقع لننشغل به عن أمور قد تقع بنفس الخلل في التصور، الأصل هو الالتفاف للمعركة وما هو آتٍ فيها، ولقد كنتُ كتبتُ عدة مقالات خلال هذه الحرب تراجعتُ عن نشرِها عندما أحسستُ أنها قد تفتُّ في عضد المجاهدين؛ وهُم وحدَهم في الساحة يدافعون عن أمة الملياري مسلم، حتى أصلُ هذا المقال كتبتُه منذ حوالي ثلاثة أسابيع وترددتُ في نشرِه، بل واستشرتُ قبلَ أن أفعل، فنصحني بعض الأفاضل بعدم النشر لأنهم يرون الوقت يسمح بمزيد من الصبر، إلا أن أكثرَ مَن استشرتُهم قالوا لا ضيرَ من نشرِه، بل يجب نشرُه، وقالوا أن الاستطاعة مناط التكليف، فالظروف قد وصلت إلى مرحلةٍ شديدة الحساسية.
وهنا قد يقال وماذا ستفعلُ كلماتٌ مغمورةٌ في الأعماق السحيقة لهذا العالم الافتراضي؟! الحقيقة المؤكدة أننا لسنا أصحاب القرار، وكلماتنا لن تشارك في صناعته، لكننا أصحاب الميدان، فنحن وأطفالنا ونساؤنا من يتحمل تكاليف مرور الوقت الذي يَقطر دما مع عقارب ساعتِه، فلستُ أُلقي رأيا وأنا أعيش في مأمنٍ عن تكاليف الصبر؛ كما يفعل “ثورجية” الأمة الذين لا يرَون الغزيَّ إلا غارقا في دمه مع أطفالِه لكي يَبقى في أنظارهم العبد الصالح الذي يقاتل ولا يعرف الاستسلام! ومن يطالب بوقف هذه المهلكة فإنه يتحول في أنظارهم إلى خائنٍ مفرّط، حتى لو كان الغزيَّ نفسُه الذي فقد أهلَه وبيتَه ومالَه ويعيش مذلولا في خيمةٍ مهترئةٍ تحت أشعة الشمس الحارقة ولا يجد قوت يومه بل لا يجد مكانا يقضي فيه حاجته بكرامة ونظافة! هذا الغزيُّ يجب أن يَبقى في هذه الحال وإلا لن يُرضي “ثورجية” الشاشات الذين يكتبون بكل حماسة عن المقاومة مع أغانٍ وموسيقى صاخبة ورقصاتٍ وبعض المثلثات الحمراء، ثم بعد تعاطيهم لجرعة الحماسة يَتركون لوحة المفاتيح وشاشات العرض التي تنقل نزيف حياتنا ليذهبوا ويمارسوا حيواتهم بكل طبيعيةٍ ويسر في بيوتهم الجميلة مع أهليهم وأطفالهم! لذا يجب أن أقول رأيي فيما أشارك فيه أنا وأطفالي بدمائنا وأمعائنا الخاوية، لعله يصل بأقدار الله إلى من يصنعون القرار، فإن لم يصل لهم فهو كلمةُ حقٍّ يجب أن تقال لعلها تساهم في شيءٍ من الوعي بدلا من الفوضى الفكرية التي تتعامل مع معاناتنا كأنها مشاهد تمثيلية أو أرقام عابرة! أو اعتبروا هذا الرأي نفثة مصدور واقرأوه بلا اهتمام؛ أو توقفوا هنا ولا تكملوه وأكملوا حياتكم واتركونا مع حياة الموت التي تحبون أن نكملها بلا ضجيجٍ يفسد صورة البطولة في أذهانكم.
أقول: فيما يتعلق بقضية المفاوضات وما يُنسب لحركة حماس أنها تتعنت فيها وترفض خروجها من المشهد السياسي مع ما يلقاه المسلمون من عنت وويلات الحرب كل دقيقة وليس كل يومٍ يمرّ= أقول هنا يجب أن يعلم الجميع أن حماس تناور للهرب من النهاية التي يرسمها العالَم لهذه الحرب، وهي تصفية القضية الفلسطينية تماما وإنهاء أشكال المقاومة على أرض فلسطين وإخراج قطاع غزة من المسرح الفلسطيني برمّته بتهجير أهل القطاع إلى الخارج، وهذا يعني انتهاء دور الشعب الفلسطيني تماما في مجابهة عدوه، فهل يمكن أن تتحمل حركة حماس تبعات هذا القرار؟! هي تعلم أنها ستُرجَم بعد المعركة إن وصلنا إلى هذه النتيجة، ولن يَغفر لها أحدٌ ذلك حتى أولئك الذين يطالبونها اليوم بالرضا بأي شيء في مقابل توقف هذه المهلكة والمحرقة.
📝🚨
=وأنا أحد من يطالب بوقف هذه الحرب الرهيبة بأي ثمن، ولو كان تصفية القضية الفلسطينية، لأنه بوضوح شديد أصبح أهل فلسطين عموما وقطاع غزة خصوصا في حكم الأسير العاجز، وتبيّن أن مواجهة هذا العدو المجرم المتغوّل بإمكانيات شعب أعزل وحيد ليس له مددٌ ونصرةٌ مِن أمته هي مواجهة خاسرة، بل مَهلكة حقيقية وفناء مؤكد، والقضية الفلسطينية ليست مقدَّمَةً عقلًا على دماء المسلمين وليست بأوْلى شرعًا مِن حقنها، كيف ولو كانت النتيجة على أيِّ حال هي نفسُها ستؤول إلى تصفية القضية الفلسطينية، فلو استمرت المعركة بما نراه من واقعٍ مريرٍ قائمٍ وأدوات معدومة أو توقفت بصفقة سياسية بشروط الأعداء= فالنهاية واحدة، إذن حقن دماء المسلمين بأطفالهم ونسائهم وعجزَتهم وعاجزيهم ومرضاهم ومَن تبقى من رجالهم ومقاتليهم فإن هذا واجبٌ شرعي يأثم المفرط فيه والمتأخر عنه إثما عظيما.
حماس أمامها اليوم طريقان لا ثالث لهما كما يَظهر بوضوح:
– إما أن تتنازل وتَقبل بشروط الأعداء لإنهاء حرب الإبادة والاجتثاث.
– أو تواصلَ التمسك في شروطها مع استمرار العنت والقتل والتجويع للـ”المدنيين” المسلمين في قطاع غزة.
ولو تجاوزنا الواقع والعقل وما بين أيدينا من أسباب معدومة وافترضنا أن النتيجة لكلا المساريْن قد تكون مختلفة= فحتى مع هذا الافتراض فإنّ كِلا المساريْن مُرٌّ علقم، ومِنَ الغفلة والحماقة استمرار مراهنة الآخرين على تغيراتٍ في المشهد السياسي قد تعِينُ حماس على المناورة وفرضِ شيءٍ من شروطها، لأن الوقت يمر بدماء الأطفال والنساء والعجزة والمجوعين والمكلومين، وما أكثر الرهانات التي فشلت منذ بداية هذه الإبادة الجماعية والفاتورةُ تزداد يوما بعد يوم من دماء الأطفال! رهانٌ في البداية على دخول محور إيران للمعركة، ليتبين أن إيران وحزبُها اللبناني أول القافزين من مركب المعركة؛ ليؤكدوا المؤكد أن قضية فلسطين ليست قضيتَهم والمعركة مع الصهاينة ليست معركتَهم، ثم رهانٌ على احتجاجات أهالي أسرى اليهود وما يمكن أن يحدِثه ذلك من ضغطٍ داخلي لإيقاف الحرب، ثم رهانٌ على الخلافات السياسية للصهاينة واحتمالية تفكك حكومتهم، ثم رهانٌ على توسع المعركة إلى ساحات أخرى، ثم رهانٌ على الضغط الدولي، ثم رهانٌ على وعود الإدارة الأمريكية الجديدة وما تعلنه من سياسات لإيقاف الحروب، فإلى متى َتبقى دماؤنا رهينةً للرهانات الخاسرة؟!
لذا يجب أن تُعان حماس على اتخاذ القرار، ولو أن أهل العلم رجّحوا هذه الخيارات على الميزان الشرعي لرجَحت كفة إيقاف هذه المَهلكة حتى لو على حساب تصفية القضية الفلسطينية، أو هكذا أظن الحق، فدماء المسلمين في هذه المعركة الخاسرة ليست ماءً، وأعدادُ قتلاهم ومصابيهم ليست أرقامًا، ويمكن القول الآن أن أهل فلسطين قد أدّوا كل ما عليهم وفوق ما عليهم بمراحل ومراحل، ولا عتب على مسلمٍ في فلسطين خاصةً قطاع غزة أن تقف مقاومتُه عسكريا وسياسيا في هذه المرحلة حقنا لدماء المسلمين على هذه الأرض، إن العتب اليوم يقع على أمة الإسلام، فقضية الأرض المباركة فلسطين والمسجد الأقصى هي قضية المسلمين جميعا، وليست خاصةً بالمسلمين في فلسطين، وترْكُ الشعب الفلسطيني المسلم يواجه هذه المحرقة وحدَه بلحوم أطفاله لا يُرضي الله وليس من دينه ولا شرعِه.
اليوم على الهيئات العلمية الإسلامية العالمية أن تبادر إلى إصدار بيانات شرعية تفتي حماس بجواز التنازل في هذه المرحلة، بحيث تجعل لها الفرصة لتحميل مسؤولية التنازل على هيئات العلماء في الخارج؛ لتَخرج من هذا الحرج، وتُخلّص المسلمين في قطاع غزة من هذا العنت الشديد والظلم الرهيب، حتى لو كان السبيل تواجدُ قوات دولية على أرض القطاع؛ عربيةٍ أو مختلطة، لكي يكونوا حائلا بين يهود وبين المسلمين العُزّل الذين لا حول لهم ولا قوة، وأنا أعلم كما يعلم الجميع أن هذه القوات ستُكمل مهمة تصفية القضية الفلسطينية عن المحتلين، لكن هذا أهون شرا من بقاء جيش يهود على أرض غزة لا يحول بينه وبين المسلمين حائل، ولازال يضع الخطط العسكرية تلو الخطط ويجعل من لحوم المسلمين -أطفالا ونساءً- ميدانا لتجاربه العسكرية، إلى أنْ وصلنا اليوم إلى اتخاذ قرارٍ علنيٍّ باحتلالٍ لكامل مساحة القطاع، وقرارٌ كهذا يحتاج إلى عامٍ على الأقل لتنفيذه أمام كتلة بشرية هائلة بحجم 2 مليون مسلم أغلَقت الأنظمة العربية الحاكمة في وجوههم أبواب الهرب من ويلات الحرب بدعوى “وقف التهجير”، وساهمت في منع الغذاء والدواء لهم ولأطفالهم، وجودُ هذه الكتلة البشرية الضخمة على مساحة قطاع غزة الصغيرة قبل الحرب والتي تقلصت إلى الربع اليوم يعني أن جيش يهود ستُترك له المساحة الزمنية اللازمة لتنفيذ مخططات السيطرة الكاملة، وكل دقيقة ستمر ستحمل مزيدا من الدم النازف بلا قدرة على وقف نزيفه أو قدرةٍ لترجمة نزيفه إلى منجز سياسي، بل حتى العودة إلى السادس من أكتوبر أصبحت حلما لا يمكن التفكير فيه، بل نصرا كاملا لو حدث؛ ولن يحدث بما نراه اليوم من ضعفٍ شديد.
📝🚨
=والحقيقةُ أنني مقتنعٌ تماما أن الهدف الحقيقي لهذه الحرب ليس إنهاء حكم حماس أو إعادة أسرى يهود من الأَسر، هذه أهداف معلنة غير حقيقية، بل الهدف الحقيقي هو تحويل القطاع إلى بيئة طاردة لا تَصلح للحياة، بحيث يرحل الغزيّون عن أرضهم حال توقفت الحرب، ليكُون رحيلُهم رحيلا جبريا في ثوب الرحيل الطوعي، ولقد كتبتُ عن ذلك في بداية الحرب، واتهمني يومَها في دِيني من قضى إلى ربه فيما بعد؛ رحمه الله وغفر له، ثم مرّت الأيام كأنها أعوام وما زادني مرورها إلا اقتناعا بهذه الحقيقة، ولازلنا ننتظر أياما وأياما لا نَعرِف كيف ستمر ومتى ستنتهي، لكن ما نعلمه يقينا أنها ستمرّ مثقلةً ومحمّلةً بمزيدٍ من الدماء والأوجاع.
وكلما أمعنت في التفكير وصلت إلى نفس النتيجة، فلا يوجد بأيدينا خيارات، وأعني الأدوات التي يَغلب على الظن في وجودها أن للصبر ثمرة مرجوة، ولو في الحد الأدنى، هذه الأدوات مفقودة اليوم، ومِن المفارقة أن عدونا يريد الوقت، ويسعى قدر الإمكان لإطالة أمد الحرب لتحقيق الهدف الرئيس غير المعلن كما أسلفتُ: تحويل غزة إلى بيئة طاردة لا تصلح للحياة، وفي المقابل فإن الوفد المفاوض -تحديدا قادة حماس في الخارج- ليس بين أيديهم سوى الانتظار والتمسك بحبل الوقت بحثا عن تغيرات في المشهد السياسي من خلالها يحاولون تحصيل شيءٍ من شروطهم، فإلى متى تتركنا الأمة متمسكين في خيارٍ وحيدٍ هو نفسُه ما يحتاجه عدونا ليستمر في مخططاته الإجرامية؟! ولازلنا ننتظر أن يجرب عدونا خططه الجديدة فينا ليرى أيها يمكن أن ينجح ليستمر فيه، وأيها الذي يفشل ليجد بديلا عنه، ولكي يبقينا في ميدان تجاربه كفئران التجارب.
حتى جهاد مجاهدي غزة وتحديدا مجاهدو كتائب القسام على عظيم ما يصنعونه إلا أنه لازال غير مؤثرٍ تأثيرا يوقف المعركة، رغم ما نراه من نماذج عجيبة في الاستبسال والقتال سيكتب عنها التاريخ، لكن الحقيقة أن الألم الذي يسببه جهاد هؤلاء الأبطال لازالت يهود تستطيع تحمله، وهو ضمن القدرة الاستيعابية لهم، ليس لأن يهود أهلُ معاركٍ وحروب، بل لأنهم يتعاملون مع هذه المعركة على أنها معركة وجودية؛ إما هم أو نحن، لذا فكل خسائرهم تعتبر بالنسبة لهم ثمنا مقبولا في سبيل تحقيق أهدافهم، ولن يترددوا في تحمل المزيد لأنهم لن يقبلوا أن يتكرر السابع من أكتوبر، بل لن يقبلوا أن يَبقى من يفكر في السابع من أكتوبر جديد، والظن بالله أنهم سيفشلون في نهاية المطاف، وسينتقم الله منهم، لكن متى الله أعلم، ولا يمكن أن نراهن على غيب لا نعلمه. وتقريرُ هذه الحقيقة لا يعيب المجاهدين، فمن يقاتل طيلة ما يقرب من عامين بلا أيِّ دعمٍ خارجي من أمته؛ وبأظفاره وأسنانه وكل ما يستطيع ولازال يقاتل= فهؤلاء الأبطال الأشاوس يجب أن نستبقيهم لمواقع قادمة، لا أن نراهن على صمودهم حتى آخر مقاتل! وليت الأمر يقف على الرجال المقاتلين، لقلنا أن هذا خيارُهم الذي اختاروه وطريقهم الذي سلكوه، لكن القتال يراد له أن يستمر حتى آخر طفل فينا كما قالها بلسانه أحد ضيوف قاعات التحليل المكيّفة!
أما من يطالب باستمرار المعركة تعلقا بوعد الله بالنصر وتعليقا على شماعة الإيمان فهذا لا يَفهم وعد الله ولا نصرَه ولا يفهم حقيقة الإيمان كيف لا ينفصل عن الأسباب التي بين أيدي المؤمنين، وأبسط ردٍّ على هؤلاء أن يُقال: طالما أنّ نصرَ الله قادمٌ على أي حال فلماذا لا تطالبون بوقف هذه المهلكة بأي ثمن لحقن دماء أطفال المسلمين ونسائهم ومِن ثمّ تنتظرو النصر؟! هل الله أمركم بانتظار نصره عندما يُترك ضعفة المسلمين في مواجهة إجرام الكافرين؟! وبدون أيِّ قدرة على منع الكفرة من إجرامهم؟! لم نُؤمر بذلك ولم يكن هذا دينًا، فإنْ كان سيدنا خالد رضي الله عنه قد سحب جيشا من الرجال المقاتلين الأفذاذ أولى البأس الذين خرجوا طلبا للنصر أو الشهادة وليس بينهم طفلٌ ولا امرأةٌ ولا كهلٌ؛ سحبَ هذا الجيش من مواجهةٍ كانت ستُفضي إلى فَنائه عندما قرأ سيدُنا خالد الواقعَ وعرف الأسباب التي بين يديه، فكان هذا بالمفهوم العسكري نصرا، وبالمنظور الشرعي حقًّا لا تشوبه شائبة؛ عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (بل هم الكُرّار) أمام من قال متعلقا بالإيمان دون الأسباب: (هم الفُرّار).
كما أن الذي يَغلُب على الظن عند من يفهم السنن كيف تسير بأن هذا قد يكون العلو الأخير ليهود وأن هذه المعركة قد تكون بدايةَ نهايتِهم= فهذا وإن كنتُ أيضا أشارك أصحابَه نفس الظن فليس سببا لترْك المسلمين العُزّل ليواجهو مصيرهم في انتظار النهاية المظنونة لدولة يهود في المرحلة المقبلة، لأننا لا نعلم الغيب، فقد يكون هذا العلو الأخير وقد لا يكون، والظن لا يُغني عن الحق، كما أننا لا نعلم متى ستكون هذه النهاية التي نتوقعها ونرجوها؛ ونؤمن بتحققها طال الزمن أم قصُر، هل بعد شهرٍ أم شهرين أو عامٍ أم عامين، أو ربما بعد عشرة أعوام، لا يمكن أن يُترك المسلمون العُزّل يواجهون هذه المحرقة بأطفالهم في انتظار تحقق أمر لا نعلم متى يكون!
📝🚨
=وبكل وضوح ودون مجاملات لا يَحتملها هذا الواقع المرير -ولأجل التوضيح لا القدح والله- أقول: حركة حماس يجب أن تُعان في اتخاذ القرار الشرعي الصحيح مهما كان مريرًا؛ لأن المفاضلةَ اليومَ بين سيءٍ شديد السوء وأسوأ منه، فلقد بدأ مجلسُها العسكري هذه المعركة واتخذ قرارها منفردًا دون أن يكون بينهم طالبُ علمٍ معتبَرٌ واحدٌ على الأقل؛ يقدّر المصالح والمفاسد الشرعية، بل حتى دون مرجعيةٍ سياسيةٍ للمكتب السياسي للحركة نفسِها، واليومَ المكتبُ السياسي وُكلَت إليه مهمة المفاوضات وليس بينهم أيضا عالمٌ واحد! فإنْ سبَق السيف العذل في اتخاذ قرار بِدء المعركة فقرار التفاوض حول إيقافها يجب أن يكون العبءُ الأكبر فيه على علماء المسلمين المنضوين تحت هيئات عالمية، وهم من يجب أن يتحملوا مسؤولية التبعات السياسية لقرار التنازل لحقن دماء المسلمين، ليس إنقاذا لحماس من هذه التبعات فقط، بل إنقاذا لأمةٍ من المسلمين تُركت بلا رحمةٍ بلحوم أطفالها في مواجهة كفرٍ مدجج بكل أنواع السلاح؛ ومدعومٍ من كل العالم عربا وعجما سرا وجهرا.
وقبل أن أختم أقول: أنا ابن غزة ولقد عشت هذه الحرب منذ أول دقيقة حتى اليوم، فلا يزايدن أحدٌ بوصمى بالتخاذل أو الاستسلام، فلقد فقدت بيتي ومالي وكل ما أملك وأكتب من خيمتي التي لا تمنع حرارة الشمس وأنا أقاسي الجوع مع أطفالي، ولو كان الأمر يقف عليّ وعلى أطفالي وحدنا ما تفوهت بكلمة، وأنا الذي كنتُ ولازلتُ وسأبقى بإذن الله مؤمنا بأن طريق الجهاد هو الطريق الوحيد لتحقيق النصر، لكننا في قطاع غزة لا نستطيع القيام بفرض الجهاد حق القيام، ولا حتى بأدنى صوَره التي يتحقق بها المقصود الشرعي، فأصبحنا فعلا في حكم الأسير العاجز الذي لا واجب عليه في إنقاذ نفسه، كما لستُ أدّعى أن رأيي هذا هو الحق الذي لا يقبل المعارضة، فقد أكون مخطئا نعم، لكن الواجبَ ليس عليّ في البحث لمعرفة خير الخيرين؛ أو لنقُل شر الشرّين بمعنى أدق، بل هو واجبُ العلماء الذين ملؤوا كتبهم وأشرطتهم بفقه المقاصد ووجوب النظر في المصالح واجتناب المفاسد طيلة عقودٍ سابقة، عندما كانوا ينتقدون أهل الجهاد في ثغورٍ أخرى تحت هذه العناوين، واليوم يصمتون لأسبابٍ نعلمها وأخرى لا نعلمها، ومما نعلمه أنهم لا يريدون إظهار حركة حماس بأنها المتسبب في هذه المهلكة، وكأنه من المفروض أن نتعامل معها على أنها لا تخطئ أو لا يجب أن تَظهر كذلك! في تمييزٍ واضح شديد بين الموقف من جهاد حماس اليومَ وجهاد جماعاتٍ أخرى في السابق، وهذا الحديث ليس هذا وقتُه، إنما أقوله تنبيها لمن يريد أن يطعن في ديني وهو يقرأ ظانًّا أنني أدعو إلى الاستسلام مع وجود القدرة على الاستمرار! من يريد أن يظن ذلك هو وشأنه وموعدنا يوم القيامة، لكن عليه أن يَطرح رأيه الذي يتعبد الله به لكي تقف هذه المَهلكة والإبادة الجماعية لنا ولأطفالنا بدلا من المزاودة والتنظير المسلوخ عن الواقع وأصحابُه طاعمون آمنون، وليُسمّي حلّه المطروح نصرا بدلا من الهزيمة، أو تنازلا بدلا من الاستسلام، أو انسحابا مرحليا، ليُسمّه ما شاء، فلا مشاحة في الاصطلاح طالما اتفقنا على وجوب وقف نهر الدم الجاري بلا توقف، وإلا سيفيق المسلمون على ضياع غزة وتحوُّلِ أهلها إلى وحوشٍ تحكمها شريعة الغاب، وبدلا من انتشار الإيمان بالله والإيمان بالأرض والقضية والجهاد فلننتظر شعبا ينتشر فيه الكفر والإلحاد والكفر بالأرض والجهاد والمقاومة، فلا يتوقعن أحدٌ أنّ ذلك بعيد، فترْكُ شعبٍ كاملٍ أعزلٍ في وسط هذه الفتن العظيمة والبؤس الشديد والظلم الرهيب قد تكون نتائجه كارثية حقا، فلنترك الرهانات الخاسرة ولنلتفت للواقع الأليم ونعمل على الفرار منه بما تبقى.
ومن نافلة القول أنه لو تغيرت الظروف فستتغير التقديرات، فكما كانت قناعتنا في بداية المعركة مختلفةً عن اليوم، فإنّ غدًا يَحمل ما فيه، ولسنا مكلفين بافتراض ما سيكون وبين أيدينا ما هو كائن، إن قدّر الله أقدارًا أخرى تعطينا فرصةً لفرض شروطنا أو بعضها فلكل حادثٍ حديث، أما وحالُنا كما هو اليوم من ضعفٍ شديد وانعدامٍ للحيلة وتسلطٍّ لأهل الكفر على أهل الإسلام المستضعفين فهذا ما يجب أن نتعامل معه وأن لا نقفز عليه، وإني لو تبيّن لديّ خطأ ما أدعو إليه فسأتراجع عنه فور تبيّن الحق، فلستُ متشبّثًا برأيٍّ يَحمل باطلا، فالأمر عظيمٌ جدا وأكبر من أيٍّ أحد وأيٍّ جماعةٍ أو تيار أو مشروع، وكل كلمةٍ لا تَنطلق من فهمٍ سليمٍ للواقع ومرجعيةٍ فقهية وشرعية سديدة فالثمن هو دماءٌ معصومة ستُسفك، وأوجاعٌ أخرى ستزداد، ومزيدٌ من الفتن تنقل مزيدا من الناس إلى حومة الباطل والفساد والإلحاد، وهذا الحرص في معرفة الحق ومراد الله في هذه الفتنة العظيمة آكد ما يكون في حقِّ صناع القرار ومَن حولَهم ويؤيدهم ويشير عليهم، لأن الخطأ في الفهم والتصور سيكُون تورطا في دماءٍ معصومة برأيٍ فاسد! فاللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتّباعه والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه.
والله هو الهادي..
16/8/2025
@abomoaaz83

