الرئيسية بلوق الصفحة 161

كاتب يستهزئ بالشرع فيصوِّر مشهد الانتخابات بكلمات شرعية!

كاتب يستهزئ بالشرع فيصوِّر مشهد الانتخابات بكلمات شرعية!

السؤال:

أحد الإخوة قام بنقل حدث عام ( كالانتخابات البلدية التي تجري في لبنان ) من خلال تقليد مشاهد وأحداث جرت في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وتطويع تلك الأحداث لما يناسب سياق المشهد الذي أراد نقل أحداثه، ولأجل أن تتوضح الصورة لديكم أكثر فأكثر: أحيلكم على مقتطفات مما كتبه الأخ:

– ” في الليلة التي سبقت. أصاب شيء من الأرق عيون الناس فاليوم هو اليوم المشهود. اليوم هو يوم الامتحانات. اليوم يقدم الطلاب ما سعوا لبلوغه طوال سنوات. سنوات تداولت بينهم كأنها لحظات. اليوم يطبقون قوله تعالى ( وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ).

– وفيما الناس محتشدون ومتربصون أمام المدرسة كأنهم جيش مقدم على فتح القستنطينية لاح في الأفق رجل أمن يفتح البوابة, لم ينتبه الكل لما حدث فقد ذهبت بهم الأحاديث عن أمجاد هذا اليوم, وإذا برجل بينهم يصيح بلهجة عامية ” هلموا, أقبلوا إلى مبتغاكم, فتحت الأبواب، سارعوا قبل أن يسبقكم الآخرون “، فلبَّى الكل النداء وطفقوا يهرولون نحو الباب، الأقلام في أيديهم واللوائح في صدورهم, وبعضهم لبس ” القبوعة ” للوقاية وآخرون ” الجيلي ” للحماية.

غزا هذا الجيش العارم المركز في ثواني فلم يترك زاوية إلا استقر فيها ولا غرفة إلا أثخن رحاله قربها. هكذا كانت أوامر قائدهم المحنك.

استقبله رؤساء الأقلام ببشاشة. سألوهم عن أسمائهم فأجابوا, وأمروهم بالإمضاء فاستجابوا. كتب على ورقته بضع أسماء ثم غرس يده في حبر به تكتب أمجاد الأمة. حبر كالتوحيد لا يزول إلا كما تزول الجبال.

ثم ترك الغرفة مختالا فخورًا يمشي يهز الأرض من تحته ولا عجب في ذلك فتلك مشية حرمها الله إلا في هكذا مواقف. وعندما وصل إلى بوابة المركز سأله القائد ” هل كتبت ما أمرتك به؟ ” فأجاب المسلم ” ما بايعتك يا قائدي إلا على هذا!!”

– وبينما كان المسلمون يغزون المركز ويغنمون من الغنائم والحسنات ما يزن جبل أحد، ضاقت نفوس المرابطين خارج المركز وبدءوا يتساءلون ” كيف نفوِّت هذا الأجر العظيم, أينتخب القائد ونحن ها هنا واقفون؟ أيسبقنا إخواننا ونحن أولى بالحصون؟ والله قد أصابنا شيء من الجنون!.

وكان في يد أحدهم زجاجة مياه ” تنورين ” فرماها وقال ” و الله إني لأشم رائحة الفوز دون المركز، والله لأنتخبن نكاية بالأعداء ” ثم هرول بين الصفوف وصعد درج المركز وابتعد حتى حالت بينه وبين مرأى العيون حشود المسلمين الكثيفة. هنيئًا له ما سعى إليه فهو أسعد الناس اليوم.

أحس المسلمون بشيء من الضيق وشاع بينهم أنهم قد خسروا وأن قائدهم قد أغمي عليه، وأخذ الأعداء يتخطفونهم من كل زاوية، فبلغت القلوب الحناجر وظنوا بالله الظنون. تراجعوا رويدًا رويدًا من الحصن إلى أن أطبق الأعداء عليه مرة أخرى ولم يبق إلا القائد وحوله ثلة مؤمنة “.

أكتفي بهذا القدر من الأمثلة شيخنا الكريم لكي لا نطيل عليكم.

السؤال الذي يطرح نفسه شيخنا الجليل:

هل يجوز استعمال هكذا أسلوب في تصوير الأحداث اليومية التي يعيشها الناس؟ واستطرادًا – وأرجو أن لا تعتبروه سؤالاً ثانياً لأنه يدخل تحت نفس المضمون – : هل يجوز قول – من باب المزاح فقط – ” الحمد لله الذي قيض لنا كتيبة من عمالقة الأسبان فأقاموا الحجة على الألمان وأخرجوهم من كأس الأبطال “!.

أو أيضًا إذا قال: ” حمدًا شكورًا لله على نعمه السابغات آناء الليل وأطراف النهار وعلى خروج الألمان مطأطئي الرأس بفضل الإسبان “.

وفي كلتا الحالتين: هل يأثم الإنسان على استعماله شعارات دينية في سبيل إيصال فكرة معينة؟ وهل لنية الشخص الكاتب علاقة في تفسير كلامه فلربما كانت نيته النصح من خلال استعمال أحداث معروفه للقراء ولم تكن نيته الاستهزاء؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن ما كُتب أعلاه هو من الاستهزاء والسخرية والكذب، ولا يحل كتابته ولا نشره، وكل مسلم يعظم النصوص الشرعية ويعظم أحاديث نبيه صلى الله عليه وسلم ويعظم الصحابة رضي الله عنهم ليرفض هذا الأسلوب السمج في الكتابة والذي فيه تنزيل نصوص الوحي في غير محلها، وفيه تشبيه أحداث سخيفة بأحداث عظيمة جليلة.

ولو أن الأخ السائل ذكر عنوان تلك المقالة السمجة لكان كافيًا لتنفر منه قلوب أهل السنَّة، فقد عنون صاحب المقالة لمقالته بقوله ” الـ 15 المبشرون بالبلدية “!! فهل ثمة استهزاء بنصوص الوحي وبالصحابة الكرام أعظم من هذا، وقال في مقاله التافه ” وعند الساعة العاشرة ليلًا اعتلى رئيس القلم درج المركز وأخذ يتلو

  1. وسيم في البلدية.
  2. باسم في البلدية.
  3. طلال في البلدية.
  4. وجدي في البلدية.

… حتى عدَّ خمسة عشر شخصًا!.

فهل يجوِّز مثل هذه الكتابة أحدٌ ذاق طعم الإيمان وفي قلبه تعظيم لنصوص الوحي ونبي الإسلام وصحابته الكرام؟! .

ولنتأمل ما في المقال من مخالفات شرعية بشيء من التفصيل:

  1. قوله عن يوم الانتخابات ” فاليوم هو اليوم المشهود “!.

وهذا كذب، وهذه الكلمة تصلح لوصف أيام الدنيا العظيمة كيوم الجمعة ويوم النحر ويوم عرفة، أو أنها في وصف يوم القيامة، وهكذا قيل في تفسير قوله تعالى (وشَاهِدٍ وَمَشْهُود )، وأما أن يوصف به يوم انتخابات بلدية في بلد صغير فلا يخرج عن كونه كذباً واستعمال لفظ شرعي لتعظيم ما لا يستحق من أيام.

  1. قوله ” اليوم يطبقون قوله تعالى ( وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ) “.

وهذا كلام فاسد، واستدلال كاسد، وقوله تعالى ( ذلك ) المراد به ثواب الآخرة والأجور يوم القيامة، والتنافس المشجَّع عليه هو للحصول على ذلك الثواب وذلك الأجر.

* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

( وَفِي ذَلِكَ ) النعيم المقيم الذي لا يعلم حسنه ومقداره إلا الله.

( فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ) أي: يتسابقوا في المبادرة إليه بالأعمال الموصلة إليه، فهذا أولى ما بُذلت فيه نفائس الأنفاس، وأحرى ما تزاحمت للوصول إليه فحول الرجال. ” تفسير السعدي ” ( ص 916 ).

فأين هذا المعنى للآية من الاستدلال به على المشاركة في انتخابات بلدية؟!.

  1. قوله ” حبر كالتوحيد لا يزول إلا كما تزول الجبال “.

وهذا تشبيه سخيف، والحبر يزول بقليل من الماء وقليل من المنظفات، فكيف يشبَّه التوحيد الذي يرسخ بالجبال بحبر هذا حاله؟!.

  1. قوله ” ثم ترك الغرفة مختالًا فخورًا يمشي يهز الأرض من تحته ولا عجب في ذلك فتلك مشية حرمها الله إلا في هكذا مواقف “.

وهذا كذب على الشريعة، بل مشية الاختيال لا تجوز إلا في الجهاد أمام أعداء الإسلام، وإلحاق مشية الانتخابات مما لا يجوز وهو داخل في الاستهزاء بالشرع.

عن جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَالِاخْتِيَالُ الَّذِي يُحِبُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ اخْتِيَالُ الرَّجُلِ بِنَفْسِهِ عِنْدَ الْقِتَالِ وَعِنْدَ الصَّدَقَةِ وَالِاخْتِيَالُ الَّذِي يَبْغُضُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْخُيَلَاءُ فِي الْبَاطِلِ ). رواه النسائي ( 2558 ) وأبو داود ( 2659 ) وحسَّنه الألباني في ” صحيح النسائي”.

* قال المناوي – رحمه الله -:

التبختر مشية يبغضها الله إلا بين الصفين فإذا علمت أن للمواطن أحكاما فافعل بمقتضاها تكن حكيمًا. ” فيض القدير ” ( 4 / 366 ).

  1. قوله ” وعندما وصل إلى بوابة المركز سأله القائد ” هل كتبت ما أمرتك به؟

” فأجاب المسلم ” ما بايعتك يا قائدي إلا على هذا !! “.

وانظر إليهم كيف جعلوا البيعة على التصويت! وكيف جعلوا المصوِّتين لا إرادة عندهم بل هم يأتمرون بأمر قائدهم ويرشحون ما تختارهم قيادتهم! وهو تضييع للأمانة واتباع لأهواء الأحزاب.

  1. قوله ” وبينما كان المسلمون يغزون المركز ويغنمون من الغنائم والحسنات ما يزن جبل أحد “.

وهذا سخف ظاهر، فأين هي الغنائم؟ وأين هي الحسنات؟ وانظر إليه كيف جعلها بما يزن جبل أحد ! وكأنه في دخل معركة يجاهد فيها أعداء الله، أو كأنه يدافع عن أعراض المسلمات ضد من أراد النيل منهن، وكل ذلك غير كائن، بل هي أوراق تافهة كتبوا اسم مرشحهم عليها ليفوز بالإشراف على تنظيم سيارات القمامة ! وغيرها من أعمال البلديات!.

  1. وكان في يد أحدهم زجاجة مياه ” تنورين ” فرماها وقال ” والله إني لأشم رائحة الفوز دون المركز، والله لأنتخبن نكاية بالأعداء “.

وهذا سخف واستهزاء بالشرع ظاهر، ولا ينبغي لمسلم يغار على دينه أن يقبله، وإننا لنأسف أن تصل حال أولئك لهذا من السخرية والاستهزاء بذروة سنام الإسلام وهو الجهاد، ويتم العبث بكلام المجاهدين من الصحابة الذين قدَّموا أرواحهم دفعاً عن بيضة الإسلام، وانظر لهؤلاء كيف جعلوا وضع ورقة في صندوق الانتخابات كأنه الجهاد الأعظم وكأنه النصر للإسلام والفوز المبين!.

  1. قوله ” وأخذ الأعداء يتخطفونهم من كل زاوية، فبلغت القلوب الحناجر وظنوا بالله الظنون “.

ومن هم الأعداء؟! هل هم الكفار الباطنية باعتبار دينهم أم باعتبار مخالفتهم لكم في الحزبية ؟! وأليس معكم في حزبكم أعداء لله ورسوله ودينه ؟! وما هو الظن بالله الذي ظننتموه؟! أنه سينصركم ويؤيدكم؟! وعلى ماذا؟!.

 

ثانيًا:

وقول من قال ” الحمد لله الذي قيض لنا كتيبة من عمالقة الأسبان فأقاموا الحجة على الألمان وأخرجوهم من كأس الأبطال “!.

ومن قال: ” حمدًا شكورًا لله على نعمه السابغات آناء الليل وأطراف النهار وعلى خروج الألمان مطأطئي الرأس بفضل الإسبان “.

كله داخل في الاستهزاء بالشرع؛ فجعل انتصار فريق كافر على آخر في مباراة تافهة مما يستوجب على المسلم حمد ربه تعالى: من أعظم الاستهزاء بالشرع، وكيف لمسلم عاقل أن يفرح لفوز فريق كافر لا تزال آثار احتلاله لبلاده الإسلامية ظاهرة إلى الآن؟! ولا يزال كيدهم للإسلام ومحاربتهم له لم تنته؟! وهل هذا ما يربِّي الإسلام أتباعه عليه؟ وهل هذا ما يحبه الله تعالى من المسلم أن يكون؟ وانظر إلى الغفلة عما في هذه المباريات من تضييع للأوقات ورؤية للعورات ومشاهدة للمتبرجات وتعظيم للكفار لتعجب بعدها ممن حمد الله على فوز فريق بكأس العالم! أو حزن على خروج آخر! وأعجب أكثر ممن أصيب بجلطة من أجل نتيجة مباراة، أو تخاصم مع زوجته أو قريبه من أجل عيون لاعب أو فريق! والله المستعان.

 

ثالثًا:

ومن حيث العموم لا يجوز استعمال عبارات دينية في سبيل إيصال فكرة معينة للناس، ولا تنفع حسن النية مع مثل هذه الأعمال، وقد سبق منَّا التنبيه على فساد كثير من النشرات احتوت على كلمات دينية وأراد أصحابها إيصال معانٍ سامية كالتوبة من الذنوب، والاستعداد ليوم الرحيل، ولكنهم ضلوا الطريق فأصدروا نشرات هي في الواقع نشرات استهزاء بالشرع وألفاظه وأحكامه، فهذه نشرة بعنوان ” مكياج يدخل صاحبته الجنة إن شاء الله “!، و ” نشرة البطاقة الشخصية وشروط الرحلة “، ونشرة بعنوان ” ” بندول، علاج الذنوب، دواء فعَّال لعلاج جميع الذنوب، والهموم، والآلام والأحزان ” !، ونشرة بعنوان ” كريم الأذكار، يحفظك من الشر ويُبعد عنك كل ما ضر! “، وأُخرجت نشرة بعنوان: ” مضاد للخطايا، فعّال يحط جميع خطاياك، ولو كانت مثل زبد البحر “، ونشرة بعنوان ” بيت للتمليك، لا يفوتك، يطل على ثلاث واجهات “!، وأقبحها: نشرة بعنوان ” الرقم الخاص بالملِك ” أي: الله جلَّ جلاله، وقد كتبوا فيها:

اتصل على هذا الرقم فهذا الرقم الخاص بالملِك – ( أي: الله ! ) – الرقم هو: 222 فقط وبدون مفتاح للدولة وبدون مفتاح للمدينة، هل تريد معرفة كيفية الاتصال؟ إذًا تفضل معي لنبدأ الاتصال معًا! الرقم الأول ( 2 ) يعني الساعة ( 2 ) بعد منتصف الليل، الرقم الثاني ( 2 ) يعني ركعتين، الرقم الثالث ( 2 ) يعني دمعتين ومعناها ركعتين الساعة ( 2 ) في آخر الليل مع دمعتين. انتهى.

 

والله أعلم.

 

 

 

حكم وضع قسم للرد على الطوائف والأديان الباطلة في منتدى عام

حكم وضع قسم للرد على الطوائف والأديان الباطلة في منتدى عام

السؤال:

ما حكم وضع قسم للدين المسيحي في منتدى عام ومن الممكن منع المسلمين من مشاهدته؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا يشك مطلع أنه قد تكاثرت شبه المفسدين والملحدين والمضلين على الإسلام، فقد غدا لهم قنوات فضائية يبثون من خلالها سمومهم، وأنشئوا مواقع إلكترونية ينشرون فيها مطاعنهم، وهذه أشهر وأقوى طرقهم في الطعن في الإسلام وإلقاء الشبهات حوله، ومثل هذا الانتشار لتلك الشبهات والمطاعن يوجب على القادرين الرد على عليها وإظهار كذبهم وتحريفهم، مع بيان مفاسد اعتقادهم واتباعهم لأهوائهم، ولولا هذا الانتشار لشبه أولئك المفسدين لما رغبنا بنشر الرد عليها وبيان تهافت تلك الشبه مقابل حقائق الشرع .

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في بيان رده على بعض الملاحدة -:

ولولا أن أصحاب هذا القول كثروا وظهروا وانتشروا وهم عند كثير من الناس سادات الأنام ومشايخ الإسلام وأهل التوحيد والتحقيق وأفضل أهل الطريق حتى فضلوهم على الأنبياء والمرسلين وأكابر مشايخ الدين: لم يكن بنا حاجة إلى بيان فساد هذه الأقوال وإيضاح هذا الضلال.” مجموع الفتاوى ” ( 2 / 357 )

 

ثانيًا:

ولذا فإننا لا نرى مانعاً من وجود قسم خاص في منتدى عام يُعنى بالرد على أهل الأهواء والملاحدة والزنادقة، ولا نرى حصر ذلك بالرد على النصارى وحدهم؛ لما في التركيز على طائفة واحدة من احتمال غرس بعض الشبه في قلب من قد يقرأ شيئاً من كلامهم، وأما مع تنوع الردود واختلاف الاتجاهات فإن هذا المحذور يزول بإذن الله.

على أننا نرى أن يتصف الراد على هذه الفرق والطوائف والأديان بصفتين مهمتين:

الأولى: قوة العلم.

وبهذا أوصى العلماء، وبيَّنوا أن ضعيف العلم لا يُحسن فهم دينه فأولى أن لا يقوى على الرد على غيره من أهل البدع والضلال والأهواء.

 

 

* قال الشاطبي – رحمه الله -:

عن ابن فروخ أنه كتب إلى مالك بن أنس: إن بلدنا كثير البدع وإنه ألَّف كلامًا في الرد عليهم فكتب إليه مالك يقول له: إن ظننتَ ذلك بنفسك خفتُ أن تزلَّ فتهلك، لا يردُّ عليهم إلا من كان ضابطًا عارفًا بما يقول لهم لا يقدرون أن يعرجوا عليه، فهذا لا بأس به، وأما غير ذلك: فإني أخاف أن يكلمهم فيخطئ فيمضوا على خطئه، أو يظفروا منه بشيء فيطغوا ويزدادوا تمادياً على ذلك.  ” الاعتصام ” ( 1 / 12 ).

الثانية: الذكاء وقوة الحجة والبيان.

وليس كل قوي العلم فهو قادر على دحض حجة زنديق أو ملحد أو مبتدع، ولذا لم يتصدى لأولئك إلا الأذكياء من أهل العلم، ومن لم يكن ذكيّاً قوي الحجة فإنه قد يفسد ولا يُصلح.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ليس كل من عرف الحقَّ – إما بضرورةٍ أو بنظر – أمكنه أن يحتج على من ينازعه بحجة تهديه أو تقطعه؛ فإن ما به يعرف الإنسان الحق نوع وما به يعرِّفه به غيرَه نوع، وليس كل ما عرَفه الإنسان أمكنه تعريف غيره به، فلهذا كان النظر أوسع من المناظرة، فكل ما يمكن المناظرة به يمكن النظر فيه، وليس كل ما يمكن النظر فيه يمكن مناظرة كل أحد به. ” درء تعارض العقل والنقل ” ( 3 / 374 ).

وإذا لم تجدوا أحداً يتصدى لهذه المهمة الجليلة فإننا ننصحكم بحسن اختيار هذه المواضيع من مواقع لأهل السنَّة عرفوا بالعلم وقوة الحجة، ثم تضعون هذه المواضيع في منتداكم، وهذا – لا شك – خير من فتح الباب لكل كاتب متحمس للإسلام ليقوم هو بالرد على مبتدع أو ضال؛ فإن عاطفته تلك لا يكون معها إلا الضرر.

ونرى أن تُمنع المشاركة في الكتابة إلا لمن هو معروف بالعلم في منتداكم، ولا نرى مانعًا من فتح الباب للاطلاع على ذلك القسم من القرَّاء المسلمين، ونوصيكم بعدم فتح الباب لمشاركة أعضاء المنتدى من تلك الطوائف والأديان في الكتابة والمناقشة والرد؛ فيكفينا ما ينشره أئمتهم في هذا، كما أنه من شأن مشاركتهم أن تعطيهم نوع عزَّة لا يستحقونها.

 

– ونسأل الله أن يوفقكم لما فيه نصرة الإسلام، وأن يكتب لكم الأجور الجزيلة عليه.

 

والله أعلم.

 

 

 

حكم من قال ” أنا كافر إن فعلت هذا ” ثم فعله وماذا يترتب عليه؟

حكم من قال ” أنا كافر إن فعلت هذا ” ثم فعله وماذا يترتب عليه؟

السؤال:

قبل أن أتزوج كنت قد وقعت في خطيئة، وندمت على تلك الخطيئة أشد الندم، وقطعت عهدًا وقلت: إن عدت لهذه الخطيئة من جديد فأنا كافر، ثم بعد أن تزوجت استزلني الشيطان فوقعت فيها من جديد! لذلك قمت بنطق الشهادتين من جديد، وجددت عقد النكاح بزوجتي، ولكن هذا العقد افتقد إلى الولي؛ لأنني فقط جمعت والداي وإخوتي وأشهدتهم على عقدي نكاحي بها من جديد، فهل هذا الفعل صحيح؟ وهل يجب عليّ عمل نفس هذه الأشياء في كل مرة أعود فيها لتلك المعصية؟ أم أن القسم – أو العهد – يسقط عند أول نقض له؟.

– زوجتي كانت تظن دائمًا أن عيسى عليه السلام صُلب، ولكن بعد أن تزوجنا بيّنت لها الصواب فاقتنعت، فهل زواجنا صحيح؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن العيش في بيئة فاسدة أو كافرة هو مظنة الوقوع في الفواحش والمنكرات الظاهرة والباطنة، ولعلَّ ما وقع منكَ هو من هذا؛ حيث تتوفر فرص الوقوع في الخطايا في بلاد تتخذ من الانحلال ديناً ومن الإباحية منهجًا، وإذا أردت أن تنجو من الاستمرار في الوقوع في تلك الخطيئة وغيرها: فعليك الخروج من تلك الديار الغربية التي تعيش فيها؛ إنقاذًا لنفسك من مغبة الاستمرار في معصية ربك وخالقك، وحفاظًا عليها من السوء والشرور.

قد ذكرنا في أجوبة كثيرة مسألة الإقامة في بلاد الكفر، والمفاسد المترتبة على ذلك، والشروط الواجب توفرها في المقيم إن أقام لعذر شرعي يبيح له تلك الإقامة.

وبكل حال: فندعوك إلى التوبة الصادقة والتي تعزم فيها على عدم الرجوع لذلك الذنب، وتندم أشد الندم على أن وقعت فيه، وتعمل من الصالحات ما تزيل به أثر ذلك الذنب، ونرجو الله أن يعينك على طاعته وأن يثبتك على دينك، فاصدق مع الله في توبتك يهدك ربك لأحسن الأقوال والأعمال والأخلاق.

ثانيًا:

وأما قولك ” إن عدت لهذه الخطيئة من جديد فأنا كافر “: فهو لا شك قول منكر، ولا يحل لمسلم أن يتلفظ بمثله، ولا يحل لك التزام ما قلته.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وأما إذا التزم محرَّما مثل أن يقول: إن فعلت كذا فعلي إهانة المصحف! ونحو ذلك: فهنا ليس له ذلك باتفاق العلماء، وفي وجوب الكفارة النزاع المتقدم؛ وكذلك إذا التزم حكمًا لا يجوز التزامه مثل قوله: إن فعلت كذا فهو يهودي أو نصراني، فهذا لا يجوز له التزام الكفر بوجه من الوجوه ولو قصد ذلك لكان كافرًا بالقصد.

” مجموع الفتاوى ” ( 33 / 203 ).

وماذا يترتب على قولك المنكر ذاك؟.

  1. عدم وقوع الكفر عليك.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ولو حلف بالكفر فقال: ” إن فعل كذا فهو بريء من الله ورسوله، أو فهو يهودي أو نصراني “: لم يكفر بفعل المحلوف عليه، وإن كان هذا حكمًا معلقًا بشرط في اللفظ؛ لأن مقصوده الحلف به بغضاً له ونفورًا عنه، لا إرادة له. ” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 91 ).

  1. يلزمك كفارة يمين.

وقد ذهب بعض العلماء إلى أن قولك لغو لا يترتب عليك شيء فليس هو بيمين، وقال آخرون: يلزمك كفارة يمين.

* قال ابن رشد – رحمه الله -:

واختلف العلماء فيمن قال: ” أنا كافر بالله أو مشرك بالله أو يهودي أو نصراني إن فعلت كذا ” ثم يفعل ذلك هل عليه كفارة أم لا؟ فقال مالك والشافعي: ليس عليه كفارة ولا هذه يمين، وقال أبو حنيفة: هي يمين وعليه فيها الكفارة إذا خالف اليمين، وهو قول أحمد بن حنبل أيضًا.

وسبب اختلافهم: هو اختلافهم في هل يجوز اليمين بكل ما له حرمة أم ليس يجوز إلا بالله فقط؟ ثم إن وقعت فهل تنعقد أم لا؟ فمن رأى أن الأيمان المنعقدة أعني التي هي بصيغ القسم إنما هي الأيمان الواقعة بالله عز وجل وبأسمائه قال: لا كفارة فيها إذ ليست بيمين، ومن رأى أن الأيمان تنعقد بكل ما عظم الشرع حرمته قال: فيها الكفارة لأن الحلف بالتعظيم كالحلف بترك التعظيم وذلك أنه كما يجب التعظيم يجب أن لا يترك التعظيم فكما أن من حلف بوجوب حق الله عليه لزمه كذلك من حلف بترك وجوبه لزمه. ” بداية المجتهد ونهاية المقتصد ” ( 1 / 410 ).

والقول بلزوم كفارة يمين إن لم يكن أرجح فهو أحوط، والقول بأن له حكم اليمين هو ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ورجحه الشيخ العثيمين رحمهما الله.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وإذا قال الرجل: ” هو يهودي، أو نصراني، أو مجوسي، أو بريء من الإسلام، أو شيوعي إن فعل كذا وكذا “: فهل هذا حكمه حكم اليمين، أو هو تَقوُّلٌ فقط؟.

* بعض العلماء يقول: حكمه حكم اليمين؛ لأن هذه الأمور مكروهة عنده، ولهذا جعل فعل هذا الشيء وكراهته له ككراهته أن يكون يهوديًّا، أو نصرانيًّا، أو شيوعيًّا، أو ما أشبه ذلك، وعلى هذا فيكون حكمه حكم التحريم، أي: تحريم المباح، فيلزمه كفارة يمين، وهذا هو المشهور من المذهب، وهو مروي عن ابن عمر رضي الله عنهما وغيره من السلف.

* وقال بعض العلماء: إنه لا كفارة عليه؛ لأن هذا ليس يمينا، وليس في معنى ما ورد من اليمين، ولكن الصحيح أن حكمه حكم اليمين.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 15 / 155 ).

وعليه:

فما قمت به من تجديد عقد زواجك غير صحيح؛ لعدم وقوعك في الكفر، وإنما تلزمك التوبة وكفارة يمين، وهي إطعام عشرة مساكين لكل مسكين وجبة غداء أو عشاء.

والتوبة وكفارة اليمين تلزمانك في كل مرة تعود فيها إلى تلك الخطيئة، واعلم أن الذنوب بريد الكفر، ويُخشى لمن استمر على فعل الذنوب أن يُختم له بسوء كأن يموت وهو يرتكب تلك الخطيئة أو يقع في استحلالها بقلبه فيُختم له بالكفر المخرج من الملة.

 

ثالثًا:

والذي فهمناه من سؤالك الأخير أنك متزوج من نصرانية، وأنها اقتنعت بعدم صلب المسيح عليه السلام، ولتعلم أن اقتناعها هذا لم يُخرجها من النصرانية، ولم يُدخلها في الإسلام، ولا علاقة لصحة العقد باقتناعها ذاك، والزواج من كتابية – يهودية أو نصرانية – مباح عند الكافة، والخلاف فيه ضعيف.

 

والله أعلم.

خطأ شائع: تسمية شهر رجب بالشهر الأصب!

من الأخطاء الشائعة المنتشرة الآن تسمية شهر رجب بالشهر الأصب.

مذكور في كثير من المنشورات: أنّ شهر رجب يُسمّى بالشهر الأصب لأن الله يصب فيه من الرزق والخير صبّا، فكانوا يجدون أرزاقهم تزيد في رجب، ومرضاهم تُشفى في رجب، فكانوا يُكثرون فيه من الدعاء لأن الله يصب فيه من بركاته وقبوله للدعوات. 

قال الشيخ إحسان العتيبـي حفظه الله: 

هذا الكلام باطل وكذب على النبي ﷺ وعلى الصحابة رضي الله عنهم، ولم يرد فضل لشهر رجب في التهنئة به، ولا في طاعة تخصه، لا صيام ولا قيام ولا دعاء. 

حكم صبغ اللحية بلون مشابه للون البشَرة ” تشقير اللحية “!

حكم صبغ اللحية بلون مشابه للون البشَرة ” تشقير اللحية “!

السؤال:

المدرَسة التي أدرِّس فيها لا تسمح بإعفاء اللحية، ولحيتي لم تظهر كثيرًا, وعليه لو صبغتها بلون قريب من لون الجلد لم تظهر معه, فما حكم ذلك؟ وإن كان غير جائز فماذا أفعل؟.

 

الجواب:

الحمد لله

يمكن أن نطلق على هذه المسألة ” تشقير اللحية “! ويكون حكمها حكم ” تشقير الحواجب “، وتشقير الحواجب هو صبغ الحاجبين بلون مشابه للون البشَرة، وقد منع منه طائفة من أهل العلم – ومنهم علماء اللجنة الدائمة – بسبب أن في الفعل تغييرًا لخلق الله، وأن فيه مشابهة للنمص، ومثله ينبغي أن يقال عند هذه الطائفة من أهل العلم فيمن صبغ لحيته بلون مشابه للون بشَرته؛ إذ في فعله تغيير لخلق الله تعالى، وفيه مشابهة لحلق اللحية.

وذهبت طائفة أخرى من أهل العلم – ومنهم الشيخ العثيمين – إلى جواز تشقير الحواجب، ولم يجعلوا الصبغ بلون قابل للزوال تغييراً لخلق الله، وجعلوا ذلك مثل الكحل في العين والحناء للشعر، كما لم يجعلوا لذلك الفعل حكم النمص لأن النمص إزالة شعر وهذا الفعل ليس فيه إزالة، ومثله ينبغي أن يقال عند هذه الطائفة من أهل العلم فيمن صبغ لحيته بلون مشابه للون بشرته؛ لأن تغيير خلق الله يكون فيما يبقى من التلوين كالوشم، أو فيما فيه إزالة لما نهت الشريعة عن إزالته كشعر اللحية، أو فيه اعتراض على حجم العضو الذي خلقه الله تعالى كمن تنفخ شفتها أو تكبِّر صدها وثديها.

والذي يظهر لنا: أن من لم يكن به ضرورة أو حاجة ماسَّة لهذا الفعل: فلا يفعله؛ خروجاً من الخلاف، واحتياطاً لدينه، وأما من احتاج لذلك – كحال الأخ السائل – فلا نرى مانعًا من فعله ذاك إلى أن ييسر الله تعالى له عملًا آخر لا يحتاج معه لذلك الفعل، أو تتغير ظروف عمله فيُبقي لحيته على لونها.

 

والله أعلم.

 

حكم ختمة القرآن في قيام رمضان، وما يحدث في الختمات من مخالفات

حكم ختمة القرآن في قيام رمضان، وما يحدث في الختمات من مخالفات

السؤال:

ما حكم المسابقة على ختم القرآن الكريم في شهر رمضان؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

شهر رمضان هو شهر القرآن، بدأ إنزال القرآن فيه، وكان جبريل عليه السلام يأتي النبي صلى الله عليه وسلم كل ليلة في رمضان فيدارسه القرآن – رواه البخاري ( 5 ) ومسلم ( 4268 ) -، وكان السلف الصالح لهم حال خاص مع كتاب الله تعالى يتلونه، ويتدارسونه، ويختمونه في الصلاة وخارجها.

 

ثانيًا:

وليُعلم أنه ليس ثمة سنة صحيحة صريحة في استحباب ختم الأئمة للقرآن في صلاة قيام رمضان، بل الاستحباب أن يكون من المسلم حرص على ختم القرآن خارج الصلاة.

* سئل الشيخ عبد الرزاق عفيفي – رحمه الله -:

هل من السنة المواظبة على ختم القرآن في التراويح؟.

فأجاب:

المقصود: ختم القرآن في رمضان، لكن ليس المقصود ختمه في الصلاة، ودعاء ختم القرآن مخترع، وتخصيصه بوتر آخر رمضان لم يرد، وتراجع رسالة الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى الشيخ عبد الرزاق عفيفي ” ( ص 621 ).

* وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

حرص بعض الأئمة على ختم القرآن في التراويح هل هو بدعة أم سنَّة؟.

فأجاب:

لا أعلمه سنَّة عن الرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن أهل العلم يقولون: ينبغي للإمام أن يقرأ جميع القرآن في صلاة التراويح من أجل أن يُسمع المأمومين كل القرآن، ويستحب أن يختم ختمة في كل رمضان.

” جلسات رمضانية “( الدرس رقم 20 ، السؤال 12 ).

وختم القرآن من الإمام في قيام رمضان عمل حسن، فيه إسماع الناس كتاب الله تعالى، لكن لا ينبغي نسبة الفعل لسنَّة النبي صلى الله عليه وسلم على أنه واجب أو مستحب.

 

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ولم أعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي التي قام فيها بالناس أنه ختم القرآن كله، ولكنَّ كثيرًا من أهل الفقه رحمهم الله قالوا: ينبغي للإمام أن يختم القرآن كله في هذا القيام ليَسمع المصلون جميع القرآن الذي كان ابتداء إنزاله في هذا الشهر المبارك، هكذا قال الفقهاء رحمهم الله، أما السنَّة: فلا أعلم إن كان النبي صلى الله عليه وسلم يكمل بهم القرآن. ” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 159 ).

وقد كان من جرَّاء هذا الفهم الخطأ الوقوع في مخالفات كثيرة، منها:

  1. الخلل في النية من الإمام والتنافس غير الشريف من الناس في مساجدهم.

وهو مشاهد من خلال التفاخر بإنهاء بعضهم لأكثر من ختمة في شهر رمضان، أو من خلال التفاخر بإنهائها قبل غيره، أو بما يُعرف بـ ” دعاء ختمة فلان ” وما يحصل فيه من المخالفات الشرعية الكثيرة، والمطلع يعرف أحوال المصلين وما يحصل بينهم من خلاف وتنازع في ختمات مساجدهم وأدعية أئمتهم، مما يسبب عداوة وبغضاء.

  1. الإسراع في القراءة وعدم التدبر والتأني في القراءة.

عَنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شِبْلٍ قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (اقْرَءُوا الْقُرْآنَ وَلَا تَغْلُوا فِيهِ وَلَا تَجْفُوا عَنْهُ وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ وَلَا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ ). مسند أحمد م/50 مؤسسة الرسالة – (24 / 288) وصححه المحققون.

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

فقوله: ( لا تغلو فيه ) أي: لا تُبالغوا في تلاوته بسرعة في أقصر مدة؛ فإن ذلك ينافي التدبر غالبًا، ولهذا قابله بقول: ( ولا تجفوا عنه ) أي: لا تتركوا تلاوته.

” فضائل القرآن ” ( ص 256 ).

* وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – تعليقًا على حديث مدارسة جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان -:

ويمكن أن يفهم من ذلك أن قراءة القرآن كاملة من الإمام على الجماعة في رمضان نوع من هذه المدارسة؛ لأن في هذا إفادة لهم عن جميع القرآن، ولهذا كان الإمام أحمد رحمه الله يحب ممن يؤمهم أن يختم بهم القرآن، وهذا من جنس عمل السلف في محبة سماع القرآن كله، ولكن ليس هذا موجباً لأن يعجل ولا يتأنى في قراءته، ولا يتحرى الخشوع والطمأنينة، بل تحري هذه الأمور أولى من مراعاة الختمة . ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 11 / 333 ) و ( 15 / 325 ، 326 ).

  1. قراءة تتمة الختمة في صلوات الفرائض.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

من الشيء الذي ينكر أن بعض الأئمة يقرأ القرآن كلَّه لكن يوزعه! يقرأ به في الفرائض، يعني: يقرأ من قراءته في التراويح في الفرائض، فيكون هنا لا أَسمَعَ الجماعة ولا خَتم بهم القرآن، وهو تصرفٌ ليس عليه دليل، فالأولى: أن يقرأ بما تيسر، وأن لا تحمله قراءته على أن يسرع إسراعاً يجعل القرآن هذّاً فيبقى القرآن ليس له طعم ولا لذة ويكون ليس همُّ الإمام إلا أن ( يُنهي ) ما كان مقررًا قراءته.

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 358 ).

  1. قراءة تتمة الختمة في صلاة الوتر.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وإنني أنبِّه على مسألة يفعلها بعض الأئمة، وهي: أن بعض الأئمة يقرأ القرآن في التراويح – سواء كانت ثمان ركعات أو عشر ركعات – ثم يقرأ في الوتر من قراءة التراويح! زعمًا منه أنه يريد المحافظة على أن يختم القرآن بالجماعة، ولكنه فعل شيئاً وترك سنَّة، السنَّة: أن يقرأ الإنسان بـ ( سبح اسم ربك الأعلى ) في الركعة الأولى، وبسورة ( قل يا أيها الكافرون ) في الثانية، وبـ ( قل هو الله أحد ) في الثالثة.

وختمة القرآن إن تمكنتَ منها: فحسَن، وإن لم تتمكن : فليست بواجبة، وليست بسنَّة أيضًا.

السنَّة: أن تقرأ في الوتر بهذه السور الثلاث، ولا تخرِم، يعني: لا تتركها، اللهم إلا أحيانا حتى لا يظن العامَّة أن قراءتها فرض.

” فتاوى الحرم المكي ” ( عام 1412 هـ ، شريط رقم 1 ).

  1. قراءة تتمة الختمة وحده خارج الصلوات.

* سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

بعض الأئمة لم يتيسر لهم ختم القرآن في قيام رمضان فلجأ بعضهم إلى القراءة خارج الصلاة حتى يستطيع أن يختم القرآن ليلة تسع وعشرين، فهل لذلك أصل في الشرع المطهر؟ جزاكم الله خيرًا.

فأجاب:

لا أعلم لهذا أصلًا، والسنَّة للإمام أن يسمع المأمومين في قيام رمضان القرآن كله إذا تيسر له ذلك من غير مشقة عليهم، فإن لم يتيسر ذلك فلا حرج وإن لم يختمه، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد ) أخرجه مسلم في صحيحه. ” فتاوى الشيخ ابن باز”( 30 / 33، 34).

وقد سبق منا التعليق على سنية ختمة الإمام للقرآن بالناس، وأن ذلك لم يثبت في حديث مرفوع، بل قد نفى ذلك الإمام مالك ووافقه ابن العربي – وسبق النقل عن * الشيخين عبد الرزاق عفيفي والعثيمين – رحمهما الله -.

* قال ابن العربي المالكي – رحمه الله -:

وليس من السنة ختم القرآن في رمضان.

” أحكام القرآن ” ( 8 / 168 ).

وعلَّق عليه القرطبي رحمه الله – بعد أن نقله عنه – فقال:

قلت : هذا نص قول مالك، قال مالك: وليس ختم القرآن في المساجد بسنَّة.

” تفسير القرطبي ” ( 20 / 248 ).

وكل ما سبق – وقد يوجد غيره – سبَّبه الخطأ في جعل الختمة في الصلاة سنَّة، وفي الاستعجال والمسابقة فيها.

ووصايا العلماء واضحة وبينة في وجوب ترك هذه المسابقة والإسراع في القراءة، وأن على الإمام قراءة ما تيسر من القرآن بتأني وطمأنينة، وإذا وجد عزمًا في نفسه وعدم مشقة على الناس فلا بأس بقراءة القرآن كاملًا من غير اعتقاد أنه سنَّة، ومن غير الوقوع فيما سبق ذِكره من مخالفات شرعية.

 

والله أعلم.

حكم الدعاء والثناء بأبيات شعرية في القنوت مع ذِكر لبعض أخطاء الداعين

حكم الدعاء والثناء بأبيات شعرية في القنوت مع ذِكر لبعض أخطاء الداعين

السؤال:

استمعت لتسجيل لدعاء القنوت لأحد الأئمة، وكان يدعو بعض الأبيات الشعرية أثناء القنوت مثل:

يا من يرى ما في الضمير ويسمع *** أنت المعد لكل ما يتوقع

يا من يرجى للشدائد كلها *** يا من إليه المشتكى والمفزع

هل هذا الفعل جائز في الصلاة أم يعد كلاماً خارج الصلاة فيبطلها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا شك ولا ريب أن المطلع على أحوال أدعية الأئمة في قنوتهم في زماننا هذا يجد خللاً كثيرًا، ومخالفات عظيمة.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ولو أننا تتبعنا دعاء الأئمة لوجدنا خللا كثيرًا.

” لقاء الباب المفتوح ” ( 120 / السؤال 16 ).

* وقال الشيخ بكر أبو زيد – رحمه الله -:

وقد سَرَت بعض هذه المحدثات إلى بعض قُفاة الأثر، فتسمع في دعاء القنوت عند بعض الأئمة في رمضان الجهر الشديد، وخفض الصوت ورفعه في الأداء حسب مواضع الدعاء، والمبالغة في الترنم، والتطريب، والتجويد، والترتيل، حتى لكأنه يقرأ سورة من كتاب الله تعالى، ويستدعي بذلك عواطف المأمومين ليجهشوا بالبكاء.

والتعبد بهذه المحدثات في الإسلام، وهذه البدع الإضافية في الصوت والأداء للذكر والدعاء هي في أصلها من شعائر الجاهلية التي كانوا يظهرونها في المسجد الحرام، كما قال الله تعالى منكرًا عليهم: ( وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية ) الأنفال/ 35، المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق بضرب اليد على اليد بحيث يسمع له صوت.

قال الآلوسي رحمه الله تعالى: ” والمقصود أن مثل هذه الأفعال لا تكون عبادة، بل من شعائر الجاهلية، فما يفعله اليوم بعض جهلة المسلمين في المساجد من المكاء والتصدية، يزعمون أنهم يذكرون الله، فهو من قبيل فعل الجاهلية، وما أحسن ما يقول قائلهم:

أقال الله صفق لي وغن *** وقل كفرا وسم الكفر ذكرا ” انتهى.

وما يتبعها من الألحان، والتلحين، والترنم، والتطريب، هو مشابهة لما أدخله النصارى من الألحان في الصلوات، ولم يأمرهم بها المسيح، ولا الحواريون، وإنما ابتدعه النصارى كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

ولهذا نرى ونسمع في عصرنا الترنم والتلحين في الدعاء من سيما الرافضة والطرقية، فعلى أهل السنة التنبه للتوقي من مشابهتهم.

” تصحيح الدعاء ” ( 83 ، 84 ).

* وقال – رحمه الله -:

إن التلحين والتطريب والتغني والتقعر والتمطيط في أداء الدعاء: منكر عظيم، ينافي الضراعة والابتهال والعبودية، وداعية للرياء والإعجاب وتكثير جمع المعجبين به.

– وقد أنكر أهل العلم على من يفعل ذلك في القديم والحديث.

فعلى من وفقه الله تعالى وصار إمامًا للناس في الصلوات وقنت في الوتر: أن يجتهد في تصحيح النية، وأن يلقي الدعاء بصوته المعتاد، بضراعة وابتهال، متخلصًا مما ذكر، مجتنبًا هذه التكلفات الصارفة لقلبه عن التعلق بربه

” تصحيح الدعاء ” ( ص 469 ).

 

ثانيًا:

ومن المخالفات مما نراه في أدعية القنوت : السجع المتكلَّف، والعبارات المنمقة المحضَّرة، مع رفع وخفض في الصوت لأجل الإثارة ولفت النظر.

* قال القرطبي – رحمه الله -:

والاعتداء في الدعاء على وجوه: منها الجهر الكثير والصياح؛ كما تقدم، … .

ومنها: أن يدعو بما ليس في الكتاب والسنَّة فيتخير ألفاظًا مفقرة وكلمات مسجعة قد وجدها في كراريس لا أصل لها ولا معول عليها، فيجعلها شعاره ويترك ما دعا به رسوله عليه السلام.

وكل هذا يمنع من استجابة الدعاء، كما تقدم بيانه في ” البقرة “.

” تفسير القرطبي ” ( 7 / 226 ).

* وقال الشيخ بكر أبو زيد – رحمه الله -:

يُجْتَنَبُ جلب أدعية مخترعة، لا أصل لها، فيها إغراب في صيغتها وسجعها وتكلفها؛ حتى إن الإمام ليتكلف حفظها، ويتصيدها تصيدًا، ولذا يكثر غلطه في إلقائه، ومع ذلك تراه يلتزمها، ويتخذها شعارًا، وكأنما أحيا سنَّة هجرتها الأمَّة

” تصحيح الدعاء ” ( ص 469 ، 470 ).

 

 

* وقال – رحمه الله -:

ويُجْتَنَبُ قصد السجع في الدعاء، والبحث عن غرائب الأدعية المسجوعة على حرف واحد.

وقد ثبت في ” صحيح البخاري ” رحمه الله تعالى عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال له: ” فانظر السجع في الدعاء، فاجتنبه؛ فإني عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب “.

ومن الأدعية المخترعة المسجوعة: ” اللهم ارحمنا فوق الأرض، وارحمنا تحت الأرض، وارحمنا يوم العرض “.

ولا يرد على ذلك ما جاء في بعض الأدعية النبوية من ألفاظ متوالية، فهي غير مقصودة، ولا متكلفة؛ ولهذا فهي في غاية الانسجام.

” تصحيح الدعاء ” ( ص 472 ).

 

ثالثًا:

والجواب عن الدعاء بـ ” الشِّعر ” هو الجواب عن ” السجع “، وهو على وجهين:

  1. فما كان منه متكلَّفًا مخترعًا لأجل الدعاء: فهو ممنوع.
  2. وما كان منه خارجًا من غير تكلف، أو كان ضمن أبيات من الشعر فيها ذِكر ثناء على الله أو ذِكر أشياء مباحة الذِّكر: فهو جائز.

* قال النووي – رحمه الله -:

قوله صلى الله عليه و سلم ( اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ): هذا الحديث وغيره من الأدعية المسجوعة دليل لما قاله العلماء أن السجع المذموم في الدعاء هو المتكلف؛ فإنه يُذهب الخشوع والخضوع والإخلاص ويلهي عن الضراعة والافتقار وفراغ القلب، فأما ما حصل بلا تكلف ولا إعمال فكر لكمال الفصاحة ونحو ذلك، أو كان محفوظًا: فلا بأس به، بل هو حسن.

” شرح مسلم ” ( 17 / 41 ).

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

قال بعض السلف: إذا جاء الإعراب ذهب الخشوع، وهذا كما يكره تكلف السجع في الدعاء، فإذا وقع بغير تكلف: فلا بأس به؛ فإن أصل الدعاء من القلب واللسان تابع للقلب. ” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 489 ).

* وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قال الغزالي: المكروه من السجع هو المتكلف؛ لأنه لا يلائم الضراعة والذلة، وإلا ففي الأدعية المأثورة كلمات متوازية لكنها غير متكلفة.

” فتح الباري ” ( 11 / 139 ).

وحكم الشعر في الأصل حكم الكلام، قال الشافعي رحمه الله: ” الشِّعر كلام، حسنُه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام ” كما في كتابه ” الأم ” ( 6 / 224 ).

ومما استُدل به على الوجه الجائز من الدعاء بالشعر:

عن الْبَرَاءِ بنِ عازب قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الأَحْزَابِ وَخَنْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَأَيْتُهُ يَنْقُلُ مِنْ تُرَابِ الْخَنْدَقِ حَتَّى وَارَى عَنِّي الْغُبَارُ جِلْدَةَ بَطْنِهِ، وَكَانَ كَثِيرَ الشَّعَرِ، فَسَمِعْتُهُ يَرْتَجِزُ بِكَلِمَاتِ ابْنِ رَوَاحَةَ، وَهْوَ يَنْقُلُ مِنَ التُّرَابِ يَقُولُ:

اللَّهُمَّ لَوْلاَ أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا   وَلاَ تَصَدَّقْنَا وَلاَ صَلَّيْنَا

فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا    وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاَقَيْنَا

إِنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا   وَإِنْ أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا

رواه البخاري ( 3880 ) ومسلم ( 1803 ).

ولم يُقصد – كما هو واضح – أن يُدعى الله بهذا الشعر، بل كان للتخفيف عن النفس، وتشجيعها على العمل، ومن أجل الترويح عنها، وقد اشتمل الشعر على دعاء، فلم يكن هو مقصوداً لذاته ولا كان هذا في الصلاة.

وقد بوَّب البخاري على الحديث بقوله ” باب الرَّجَز في الحرب ورفع الصوت في حفر الخندق “.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

الرجَز بفتح الراء والجيم والزاي: من بحور الشعر على الصحيح، وجرت عادة العرب باستعماله في الحرب ليزيد في النشاط ويبعث الهمم، وفيه جواز تمثل النبي صلى الله عليه وسلم بشِعر غيره. ” فتح الباري ” ( 6 / 161 ).

والذي يظهر لنا أنه ثمة فرق بين الشعر ثناءً والشعر دعاءً، وأنه يجوز الثناء الله بكل ما هو جميل وجليل من الألفاظ ولو كانت شعرًا يحمل معانٍ جليلة في حق الله تعالى، وأما الدعاء فليكن من القلب وبغير سجع ولا تكلف، وهذا الذي نقوله روي عن شيخ الإسلام ابن تيمية من فعله، قال تلميذه ابن كثير رحمه الله – في ذِكر روائع من أشعار المتنبي -:

ومنها قوله:

يا من ألوذ به فيما أؤمِّله * ومن أعوذ به مما أحاذره

لا يجبر الناس عظما أنت كاسره * ولا يهيضون عظمًا أنت جابره

وقد بلغني عن شيخنا العلامة شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله أنه كان ينكر على المتنبي هذه المبالغة في مخلوق ، ويقول : إنما يصلح هذا لجناب الله سبحانه وتعالى.

وأخبرني العلامة شمس الدين بن القيم رحمه الله أنه سمع الشيخ تقي الدين المذكور يقول: ربما قلتُ هذين البيتين في السجود أدعو لله بما تضمناه من الذل والخضوع.  ” البداية والنهاية ” ( 11 / 292 ).

فشيخ الإسلام رحمه الله هنا أنشد شعر غيره مما رأى فيه تعظيمًا لربه تعالى، ثم جعل الدعاء منه هو، فنرى تنزيه الصلاة عن الشعر مطلقًا وإن كان لا بدَّ: فليكن مما فيه ثناء على الله دون غيره.

 

والخلاصة:

  1. ينبغي على الأئمة أن يتقوا الله تعالى في أدعية قنوتهم وأن لا يقعوا في مخالفات للشرع.
  2. وعليهم الابتعاد عن السجع المتكلف والتمطيط والتلحين والصراخ.
  3. يجوز استعمال ما فيه ثناء على الله من الشِّعر والرجَز، على أن يُجتنب هذا في الصلاة.
  4. لا يجوز الدعاء بالشِّعر الصرف وحده، وينبغي تنزيه الصلاة عن الشِّعر.
  5. والأهم: أن على الأئمة أن يُخلصوا النية لله تعالى، فالدعاء عبادة، ولا ينبغي أن يكون دعاؤهم في الصلاة جماعة على خلاف ما يدعون ربهم به في خلواتهم وسجودهم؛ فإن الاختلاف في هذا علامة على عدم الإخلاص وعلى أن الحرص على ثناء الناس هو المقصود بذلك اللون من الأدعية.

 

والله أعلم.

 

 

 

حكم الاستعاذة قبل التسمية في الأكل والشرب والوضوء وغيرها من الأعمال

حكم الاستعاذة قبل التسمية في الأكل والشرب والوضوء وغيرها من الأعمال

السؤال:

ما حكم الاستعاذة مع البسملة قبل الأكل والشرب والوضوء وغيرها من الأعمال؟ هل تعتبر من البدع في الدين لمخالفة السنَّة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ثمة فرق – على الأصح – بين ” البسملة ” و ” التسمية “، والذي أراده الأخ السائل هو الثاني لا الأول؛ لأن البسملة هي نحت لجملة ” بسم الله الرحمن الرحيم “، وأما ” التسمية ” فهي اختصار جملة ” بسم الله “، وبينهما فرق في اللفظ ومحل القول، فالبسملة تقال في أول قراءة القرآن وخاصة عند بداية قراءة السورة من أولها بعد الاستعاذة، والتسمية هي ما يكون في الذبح والصيد والأكل والشرب والوضوء والجماع، وغيرها كثير.

والتقدير في التسمية على الأكل – مثلًا – ” بسم الله آكل “، وهكذا في سائر الأمور.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

قول القارئ ” بسم الله ” معناه: بسم الله أقرأ أو أنا قارئ، ولهذا شرعت التسمية في افتتاح الأعمال كلها فيسمَّى الله عند الأكل والشرب ودخول المنزل والخروج منه ودخول المسجد والخروج منه، وغير ذلك من الأفعال، وهي عند الذبح من شعائر التوحيد. ” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 392 ).

 

ثانيًا:

ومن الواضح أن سؤال الأخ الفاضل ليس عما شرع الجمع بين التسمية والاستعاذة فيه من أمور، كالاستعاذة قبل البسملة في قراءة القرآن، أو التسمية قبل الاستعاذة في دخول الخلاء، وإنما قصد الأخ السائل ما ثبت فيه التسمية من أعمال هل يُشرع أن تسبق باستعاذة؟.

والجواب عليه: أن هذا مما قال به بعض العلماء، وهو استحسان يخالف النصوص، فلا ينبغي الأخذ ولا العمل به.

فالاستعاذة قبل التسمية في الوضوء قال بها الحنفية والشافعية، والتزم المالكية بما بما ورد ولم يزيدوا عليه شيئًا، ولم يُنقل عن الحنابلة في المسألة شيء، والظاهر التزامهم بالنص من دون زيادة عليه، فقد قال ابن قدامة:

التسمية هي قول: بسم الله لا يقوم غيرها مقامها كالتسمية المشروعة على الذبيحة وعند أكل الطعام وشرب الشراب فيكون بعد النية لتشمل النية جميع واجباتها وقبل أفعال الطهارة ليكون مسميا على جميعها كما يسمى على الذبيحة وقت ذبحها.

” المغني ” ( 1 / 115 ).

وأما الشافعية والحنفية فلم يعدُ ما قالوه من زيادة الاستعاذة قبل التسمية على الوضوء من كونه استحسانًا، واجتهادًا مقابل النص، وقياسًا لا يستقيم.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 4 / 10 ، 11 ):

الاستعاذة للتطهر:

عند الحنفية، قال الطحاوي: يأتي بها قبل التسمية، غير أنه لم يوضح حكمها.

وتستحب الاستعاذة للوضوء سرًّا عند الشافعية قبل التسمية، قال الشرواني: وأن يزيد بعدها: الحمد لله الذي جعل الماء طهورًا، والإسلام نورًا، ( رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون ).

ولم يثبت عند المالكية من الأذكار في الوضوء إلا التشهدان آخره، والتسمية أوله.

ولم نقف للحنابلة على نص صريح فيها. انتهى.

 

ثالثًا:

وقد رأينا من الشافعية من وسَّع القول بالاستعاذة قبل التسمية وجعلها في كل ما ثبت فيه التسمية ! مع أن الظاهر أن المذهب لم يلتزم بها إلا في الوضوء.

* قال شمس الدين الرملي – رحمه الله -:

ويسن التعوذ قبلها – أي: قبل التسمية في قراءة الوضوء -.

وتسنُّ – أي: التسمية – لكل أمر ذي بال، عبادة أو غيرها، كغسل وتيمم وتلاوة – ولو من أثناء سورة – وجماع وذبح وخروج من منزل، لا للصلاة والحج والأذكار، وتكره لمكروه، ويظهر – كما قاله الأذرعي – تحريمها لمحرم.

” نهاية المحتاج ” ( 1 / 184 ).

وفي حاشية ” الشبراملسي ” عليه:

وظاهر اقتصارهم في بيان السنَّة على التسمية: أنه لا يُطلب التعوذ قبلها في المذكورات، وقياس ما مرَّ من طلب التعوذ قبل البسملة في الوضوء: طلبها فيما ذُكر!. انتهى

ونقول: هذا قياس على أصل غير صحيح، فليست الاستعاذة بجائزة في الأصل قبل تسمية الوضوء فضلًا أن يصح القياس عليه الاستعاذة في كل ما شُرع له التسمية.

 

رابعًا:

ومن هنا نقول: إن كل عبادة لم يشرع لها التسمية قبلها: فالتسمية فيها تكون بدعة، وإذا أضيفت الاستعاذة قبل التسمية فيها صارت بدعة مركبة!.

  1. ومن أمثلة ذلك – مثلًا -: الأذان والإقامة.

* سئل علماء اللجنة الدائمة عن:

التعوذ والبسملة قبل الأذان؟.

فأجابوا:

لا نعلم أصلًا يدل على مشروعية التعوذ والبسملة قبل الأذان، لا بالنسبة للمؤذن، ولا من يسمعه، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد ) وفي رواية ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ). الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود .” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 6 / 98 ، 99 ).

  1. ومن أمثلته: الصلاة.

* سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

عندما أبدأ بالصلاة وقبل أن أكبِّر أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ثم البسملة، ثم أكبِّر، وأعيد هذه الاستعاذة والبسملة بعد التكبير ودعاء الاستفتاح، فهل يصح منِّي هذا، أم أن هذه الطريقة غير صحيحة؟.

فأجاب:

لسنَّة أن تكتفي بالاستعاذة والتسمية بعد التكبير، بعد الاستفتاح عند بدء القراءة، أما الإتيان بالاستعاذة والتسمية أول الصلاة : فما عليه دليل، لكن إذا كبرتِ وأتيتِ بالاستفتاح ( سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرك )، أو باستفتاح آخر من الاستفتاحات الصحيحة: بعدها تقولين: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله ثم تقرئين الفاتحة، هذا مشروع، أما أن تأتي بها قبل التكبير: فما لها أصل. ” نور على الدرب ” ( شريط رقم 148 ).

 

خامسًا:

وإذا كان لا يشرع الزيادة على التسمية بقول ” الرحمن الرحيم ” فمن باب أولى أن لا تزاد الاستعاذة.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وأما قول النووي في أدب الأكل من ” الأذكار “: ” صفة التسمية من أهم ما ينبغي معرفته والأفضل أن يقول بسم الله الرحمن الرحيم فإن قال بسم الله كفاه وحصلت السنَّة “: فلم أرَ لما ادَّعاه من الأفضلية دليلًا خاصًّا.

” فتح الباري ” ( 9 / 521 ).

* قال الشيخ الألباني – معقبًا على كلام الحافظ، تحت حديث ( 344 ) ( يا غلام إذا أكلت فقل: بسم الله, وكل بيمينك, وكل مما يليك ) -:

وأقول: لا أفضل من سنَّته صلى الله عليه وسلم ( وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم )، فإذا لم يثبت في التسمية على الطعام إلا ” بسم الله “: فلا يجوز الزيادة عليها فضلًا عن أن تكون الزيادة أفضل منها! لأن القول بذلك خلاف ما أشرنا إليه من الحديث: ( وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ).

” السلسلة الصحيحة ” ( 1 / 611 ).

وعليه:

  1. فلعدم ثبوت الاستعاذة قبل التسمية في المواضع التي لم تثبت فيها.
  2. ولعدم صحة زيادتها قبل التسمية في الوضوء.
  3. ولأن القياس في العبادات كما ها هنا يعني التشريع.
  4. ولعدم مشروعية التسمية أصلاً في بعض العبادات.
  5. ولعدم جواز زيادة ” الرحمن الرحيم ” على ذات التسمية:

فإننا نرى عدم جواز زيادة الاستعاذة قبل التسمية فيما ورد من أعمال شُرعت التسمية قبل البداءة بها، والأقرب إلى قواعد الشرع عدُّ ذلك من البدع المذمومة.

 

والله أعلم.

حكم نشر المعلمين والمعلمات أجوبة مضحكة لطلابهم وطالباتهم

حكم نشر المعلمين والمعلمات أجوبة مضحكة لطلابهم وطالباتهم

السؤال:

بعض المعلمين والمعلمات يذكر إجابات طلابه على وجه السخرية وإضحاك جلسائه، ثم بعد ذلك تنشر هذه الإجابات عبر البريد الإلكتروني والمنتديات، والبعض يكون فيها اسم الطالب، فما حكم ذلك؟.

 

الجواب:

الحمد لله

إنَّ واقع وجود أجوبة مضحكة لطلاب وطالبات المدارس لا يُنكر، وهو يدل على الحال التي وصل لها واقع حال التدريس في معظم الدول الإسلامية، ونسأل الله أن يُصلح الحال.

وأما من حيث الحكم الشرعي لنشر تلك الأجوبة المُضحكة بين الناس في مجالسهم وعبر المواقع الإلكترونية وغيرها: ففيه تفصيل:

فإن كان نشر الأساتذة أجوبة طلابهم وطالباتهم المضحكة مع ذِكر أسمائهم وأسمائهن: فلا يجوز؛ لأن هذا من الغيبة ومن السخرية لمعيَّن.

وأما إن كانت الأجوبة تُنشر مع خلوها من أسماء أصحابها: فلا يظهر لنا في ذلك بأس ولا حرج.

 

والله أعلم.

 

توجيهات للمعلمين والمعلمات بخصوص تعليم طلابهم الصغار اللغة والشعر

توجيهات للمعلمين والمعلمات بخصوص تعليم طلابهم الصغار اللغة والشعر

السؤال:

أعمل معلِّمة صفوف أولية في مدرسة أهلية، وتبنت هذه المدرسة نظامًا تعليميًّا وأنشطة خارجية كتعليم الطالبات التذوق الأدبي وتأليف القصص وتكثيف الجانب اللغوي، وعندما تصل الطالبة للصف الثالث يضاف للأنشطة نشاط تأليف الشعر وتتعلم فيه الكتابة ووصف الطبيعة ومواضيع عامة مثل ( فضل الأم، القدس، اليتيم، وهكذا ).

وأنا أخشى أن أكون علَّمتُ الطالبات مبدأ كتابة الشعر ولا أستطيع أن أتنبأ بما ستكتبه طالباتي في المستقبل إذا كبرن، وكما قال تعالى ( والشعراء يتبعهم الغاوون … ) فأشاركهم الذنب.

– أرجوكم دلوني: هل في تعليمهم الشعر وِزر أو ذنب عليَّ؟.

مع ملاحظة أني من أقوم بوضع المنهج، وهو مرن وغير ثابت، وبإمكاني إقناع المدْرسة بالتغيير، ولكنني أرغب في صقل مواهب الطالبات مع تحرجي الشديد من الذنب.

 

الجواب:

الحمد لله

قد كان السابقون من هذه الأمة يرسلون أبناءهم صغارًا إلى البادية لأجل تحصيل فوائد عديدة، منها ما يتعلق بالتعود على الخشونة وتعلم مكارم الأخلاق، ومنها ما يتعلق بتقويم اللسان ليتعود سماع اللغة العربية من منبعها الأصلي، فيتعلم الفصاحة وينطق بالبلاغة.

ولذا فإننا لا نرى مانعًا من استثمار النشاطات المدرسية في تعليم الصغار لغة العرب، كتابة، ونطقاً، ويدخل فيه تعلم النحو والبلاغة والشعر، والمهم في ذلك حسن التوجيه من قبَل المعلِّمين والمعلِّمات، وتعلم اللغة العربية هو طريق معبَّد أكام متعلمها لفهم نصوص القرآن والسنَّة وكلام أهل العلم.

* قال شيخ الإسلام:

الطريق الحسن: اعتياد الخطاب بالعربية حتى يتلقنها الصغار في الدور والمكاتب فيظهر شعار الإسلام وأهله، ويكون ذلك أسهل على أهل الإسلام في فقه معاني الكتاب والسنة وكلام السلف، بخلاف من اعتاد لغة ثم أراد أن ينتقل إلى أخرى فإنه يصعب عليه.

واعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدِّين تأثيرًا قويًّا بيِّنًا، ويؤثر أيضًا في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدِّين والخُلُق.

وأيضًا: فإن نفس اللغة العربية من الدِّين، ومعرفتها فرض واجب؛ فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ثم منها ما هو واجب على الأعيان ومنها ما هو واجب على الكفاية.

” اقتضاء الصراط المستقيم ” ( ص 206 ، 207 ).

ولا مانع من استثمار تعلم الشعر في تقويم اللسان، وهو طريق لاكتساب البلاغة والفصاحة، وهما سلاحان مهمان يستعملهما الداعي في دعوته للإسلام.

وعند تعليم الطلاب الشعر فلتكن المادة هي الشعر الإسلامي، وثمة مواد وفيرة في هذا الفن تُكسب المتعلم أخلاقًا وآدابًا، وتعلِّمه الفصاحة والبلاغة، فيجمع المعلم والمعلمة بين الأمرين في سياق واحد، فثمة منظومات في السيرة والتجويد والفقه والحديث والعقيدة وغير ذلك من العلوم والفنون.

وإذا كان ثمة تحذير في هذا الباب فهو التنبه لبث الشعر الماجن لأولئك الطلبة والطالبات، والتنبه لمنع تعلقهم بشعر الغزل، وتنمية مهاراتهم الشعرية في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم ومحبته، وحث الناس على حسن الأخلاق وغير ذلك من المعاني الجليلة التي يمكن استثمار القدرات الشعرية على ذِكرها وبثها.

وبكل حال:

لا شك أن خير ما اشتغل به المعلم والمعلمة مع الطلبة الصغار هو حثهم على حفظ كتاب الله تعالى وعلى حفظ حديث النبي صلى الله عليه وسلم، واللغة العربية من الدِّين فليأخذ من فنونها وعلومها ما يعين الطلاب والطالبات على فهم دينهم مستقبلًا.

 

والله أعلم.